في خطوة بارزة في المشهد الجامعي اللبناني، أعلنت رئاسة الجامعة اللبنانية عودة الانتخابات الطلّابية بعد غياب دام نحو 17 عاماً، حيث حدّدت موعد إجراء هذا الاستحقاق في يوم الجمعة 27 آذار/ مارس 2026، داعية الطلّاب إلى “المشاركة الواعية والمسؤولة، بما يليق بالجامعة اللبنانية ودورها الوطني والأكاديمي”.
خلفيات الانقطاع
شهدت الانتخابات الطلّابية في الجامعة اللبنانية توقّفاً طويلاً استمرّ نحو عقدين من الزمن، نتيجة تداخل مجموعة عوامل متراكمة. فقد تأثّرت الجامعة، بحالة الانقسام الحادّ بين القوى السياسية بشكل خاصّ بعد العام 2005، ما جعل الانتخابات الطلّابية تتحوّل في مراحل عديدة إلى ساحة صراع تعدّى حدود العمل السياسي الديمقراطي، ودفع الإدارات المتعاقبة إلى تجميدها تفادياً لأيّ توتّرات داخل الحرم الجامعي، كما ساهمت الهواجس الأمنية المرتبطة بالاضطرابات التي شهدها لبنان في تلك الفترة، في تعزيز قرار التعليق للحفاظ على الاستقرار الأكاديمي.
إلى جانب ذلك، عانت الجامعة من أزمات تنظيمية وإدارية ومالية، حدّت من قدرتها على تنظيم العمليّة الانتخابية بشكل منتظم، خاصّة مع توسّع الجامعة وتعدّد فروعها، وزادت الأزمة الاقتصادية التي بدأت في عام 2019، إضافة إلى تداعيات جائحة كورونا، من صعوبة إعادة تفعيل الحياة الطلّابية.
وقد ساهم الجمود في المشهد السياسي، بالإضافة إلى السيطرة الكاملة للأحزاب السياسية التقليدية على الكليّات، في الحؤول دون نجاح المحاولات المتفرّقة للمجموعات الطلّابية المستقلّة، في طرح نقاش جدّي حول ضرورة عودة العمليّة الانتخابية.
إعادة تعريف دور المجالس الطلّابية
تشكّل عودة الانتخابات الطلّابية في الجامعة اللبنانية، محطّة مفصلية في إعادة تعريف دور المجالس الطلابية، بوصفها إطاراً مؤسّساتياً يعزّز المشاركة الديمقراطية داخل البيئة الجامعية، ويتجاوز دورها المتعارف عليه كهيئات مطلبية محدودة الصلاحيات.
فالمجالس الطلّابية، وفق الأدبيات الأكاديمية حول الحوكمة الجامعية، تؤدّي وظيفة وسيطة بين الإدارة والطلّاب، عبر نقل المطالب الأكاديمية والاجتماعية وتنظيم الحوار حول السياسات التعليمية، ما يسهم في ترسيخ مبادئ المشاركة والتمثيل داخل المؤسّسات التعليمية العليا.
وفي حالة الجامعة اللبنانية، تكتسب هذه المجالس أهمّية مضاعفة، نظراً لكونها الجامعة الرسمية التي تستقطب شريحة واسعة ومتنوّعة من المجتمع اللبناني، الأمر الذي يجعلها فضاء لإعادة إنتاج ثقافة المواطنة والممارسة الديمقراطية لدى الشباب، بالإضافة إلى ضرورة تصحيح تشوّه مفهوم المجالس الطلّابية ودورها بالنسبة إلى طلّاب الجامعة اللبنانية، خصوصاً في العقدين الأخيرين، وذلك بسبب تحويل المجالس من قِبل الأحزاب المهيمنة إلى ما يشبه قطاعات الطلّاب في الأحزاب، ما ساهم في تجريد المجلس من دوره التاريخي.
وتشير الدراسات حول دور التنظيمات الطلّابية، إلى أن المشاركة في العمل الطلّابي تعزّز مهارات القيادة والمساءلة والعمل الجماعي، كما تساهم في إعداد الطلّاب للمشاركة في الحياة العامّة مستقبلاً، وهو ما يجعل إعادة تفعيل هذه المجالس خطوة أساسية في إعادة بناء المجال العامّ الطلّابي داخل الجامعة اللبنانية.
الانتخابات الطلّابية كامتداد للحال العامّ
تعكس عودة الانتخابات الطلابية في الجامعة اللبنانية إعادة تنشيط المجال العامّ الطلّابي، إلا أن هذا الحدث لا يمكن فصله عن البنية السياسية التقليدية، التي لطالما اعتبرت الجامعة امتداداً لنفوذها الاجتماعي والسياسي.
فالانتخابات الطلّابية تاريخياً شكّلت ساحة لإعادة إنتاج النخب الحزبية، حيث ينخرط الطلّاب في العمل التنظيمي، ويكتسبون خبرات سياسية تؤهّلهم للاندماج لاحقاً في الحياة الحزبية والوطنية. وفي هذا الإطار، تبدو مواقف التنظيمات الطلّابية المرتبطة بالأحزاب التقليدية داعمة للانتخابات، لكنّها غالباً ما تنطلق من رؤية تعتبر العمل الطلّابي جزءاً من استراتيجية أوسع، للحفاظ على الحضور السياسي داخل الفئات الشبابية، خصوصاً في ظلّ ضعف الحضور بالنسبة إلى خصومها المستقلّين داخل الجامعة اللبنانية.
فتميل بعض الأحزاب التقليدية إلى التعامل مع الكليّات، أو الفروع الجامعية التي تتمتّع فيها بحضور قوي بوصفها مساحات نفوذ شبه ثابتة، حيث يُنظر إلى النتائج الانتخابية فيها كامتداد للتوازنات السياسية القائمة، أكثر مما هي تعبير حرّ عن ديناميات طلّابية مستقلّة، ويظهر هذا التوجّه في اعتماد الأحزاب على شبكاتها التنظيمية والخدماتية داخل بعض الكليّات لتعزيز نفوذها، ما قد يحدّ أحياناً من تطوّر العمل الطلّابي المستقلّ، أو من بروز مجموعات طلّابية عابرة للانقسامات الحزبية والطائفية. كما أن هذا الواقع قد يؤدّي إلى تحويل الانتخابات الطلّابية من منصّة نقاش حول القضايا الأكاديمية والجامعية، إلى ساحة تنافس سياسي يعكس الاستقطابات التي يصعب اختراقها.
إقرأوا أيضاً:
ورغم ذلك، فإن عودة الانتخابات تفتح في الوقت نفسه فرصة لإعادة تشكيل المشهد الطلّابي، خصوصاً في ظلّ التحوّلات الاجتماعية والسياسية التي شهدها لبنان بعد الأزمة الاقتصادية، والتي دفعت شريحة من الطلّاب إلى تبنّي خطاب يرتكز على القضايا المطلبية والحقوق التعليمية، أكثر من الانتماءات السياسية التقليدية. وبالتالي، يبقى مستقبل المجالس الطلّابية مرتبطاً بقدرتها على تحقيق توازن بين تمثيل التعدّدية السياسية من جهة، والحفاظ على استقلالية القرار الطلّابي وتركيزه على الشؤون الأكاديمية والاجتماعية من جهة أخرى، ودفع المجتمع الطلّابي في الجامعة نحو المشاركة في تغيير المشهد السياسي العامّ في الاستحقاقات الانتخابية والمطلبية، بما يعزّز دور الجامعة اللبنانية كمساحة للنقاش الديمقراطي وإنتاج النخب الفكرية، بعيداًعن منطق تقاسم النفوذ الحزبي.
“النادي العلماني” يخوض المعركة الانتخابية
في سياق التحوّلات التي تشهدها موازين القوى داخل القطاعات كافّة، وبعد سلسلة النجاحات التي سجّلتها “الأندية العلمانية” في الانتخابات الطلّابية في عدد من الجامعات الخاصّة خلال السنوات الأخيرة، يستعدّ “النادي العلماني” في الجامعة اللبنانية لخوض أوّل استحقاق انتخابي له على مستوى الجامعة اللبنانية، في خطوة تعكس محاولة نقل تجربة العمل الطلّابي المعارض، إلى أكبر مؤسّسة تعليمية رسمية في البلاد.
وفي هذا الإطار، أعلن “النادي العلماني” في الجامعة اللبنانية دعمه ترشيح الطالب أحمد ضاهر في معهد العلوم الاجتماعية. وفي حديث معه، أوضح ضاهر أن قرار الترشح جاء استجابةً لما وصفه بـ”ثغرات أساسية في واقع الجامعة، لا سيّما لجهة قصور الإدارة في تأمين الموارد والخدمات الضرورية، التي تُمكّن الطلّاب من متابعة مسارهم الأكاديمي بصورة طبيعية”، واعتبر أن خوض المعركة الانتخابية يشكّل أيضاً “محاولة لإعادة التوازن إلى الحياة الطلّابية، عبر كسر احتكار الأحزاب التقليدية مساحات التمثيل الطلّابي، وتحفيز الطلاب على الانخراط في الشأن الجامعي، بوصفه جزءاً من دورهم المجتمعي والسياسي”.
وأشار ضاهر إلى أن رؤية الترشيح تنطلق من اعتبار الجامعة مساحة متكاملة للتكوين الأكاديمي والمواطنة الفاعلة، حيث “لا تقتصر وظيفة التعليم على تحصيل الشهادة فحسب، بل تمتدّ لتشمل المشاركة في صياغة الحياة الطلابية والتأثير في السياسات الجامعية”، وقال “إن الأولويات تختلف تبعاً لخصوصية كلّ كليّة، إلا أن البرنامج يركّز على ملفّات أساسية، من بينها تحسين خدمات النقل الجامعي، والسعي لتأمين بطاقات دعم للسلع الأساسية التي تخفّف الأعباء المعيشية عن الطلّاب، إلى جانب المطالبة بتحديث المناهج التعليمية بما يتلاءم مع متطلّبات سوق العمل والتطوّرات الأكاديمية”.
كما شدّد على أهمّية الحفاظ على التعدّدية داخل الجامعة اللبنانية وصون الحرّيات الطلّابية، معتبراً أن “أيّ عمليّة إصلاحية جدّية لا يمكن أن تتحقّق من دون بيئة جامعية، تضمن حرّية التعبير والتنوّع الفكري والسياسي”.
آفاق المعركة الانتخابية
يصعب تشبيه واقع الانتخابات الطلّابية في الجامعة اللبنانية بغيرها من الجامعات الخاصّة، إن كان لجهة نسب الترشّح بين الطلّاب، أو لجهة حظوظ منافسي الأحزاب التقليدية.
فالمشكلة الأولى التي تواجه طلّاب الجامعة اللبنانية، تتعلّق بثقافة الديمقراطية في الجامعة بعد سنوات من الجمود السياسي، بالإضافة إلى عقدين من تحويل المجالس الطلّابية إلى ردفاء للقطاعات الطلّابية في الأحزاب، وتغييب الدور الأساسي للطلّاب في صنع واقع تعليمي ووطني سليم.
كما لا يمكن إنكار أن الوضع الاقتصادي التي تمرّ به الجامعة اللبنانية لجهة انعدام أساسيات الحياة الجامعية، وإشكالية رواتب الموظّفين والأساتذة والأموال التشغيلية،كلّها تشكّل عوامل مباشرة تساهم في ضرب شعور الطالب الناخب بالانتماء إلى الجامعة، وتدفعه إلى عدم المشاركة في الانتخابات.
فهل تنجح الأحزاب والمجموعات في إقناع الطلّاب بالمشاركة في الاستحقاق الجامعي بعد طول غياب؟
إقرأوا أيضاً:












