fbpx

الانتخابات الفرنسية…تهمة “معاداة الساميّة” تهدد “كلّ” الأطراف

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تهمة معاداة السامية حاضرة دوماً، بوجه كل من “تقاعس عن التضامن المطلق مع إسرائيل” لمجرد تبنيه قراءة مغايرة أو استخدامه عبارات خاصة به، فمعاداة السامية تعد من “الكبائر” في فرنسا، ووصمة تلاحق من يدان بها سواء أكان فرداً أم مؤسسة. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

خلال المعارك الانتخابية الفرنسية، ليس مألوفاً أن تكون الملفات الخارجية مؤثرة في خيار الناخبين، مع ذلك تحولـت الحرب في غزة إلى عامل من العوامل، التي تحدد وجهة اقتراع شريحة من الفرنسيين في الانتخابات النيابية، في دلالة على “فرنسة” هذا الملف.

نجد في المقام الأول دعاية إعلامية – سياسية، لا تضع ما جرى يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول في سياق “صراع بين احتلال ومحتل”، بل ترى فيه صراعاً حضارياً بين “قوى الخير والشر”، أما قوى الشر فهي الحركات الإسلامية، ليتم الربط بين 7 أكتوبر/ تشرين الأول من جهة، والاعتداءات الإرهابية التي طالت فرنسا من جهة أخرى، وعلى وجه التحديد ما جرى في مهرجان “سوبرنوفا” والهجوم على مسرح “باتاكلان” في 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015.

بعيداً عن الغايات والنوايا الضمنية التي دفعت إلى عملية المقارنة هذه، النتيجة تتلخص في وجود مزاج لدى شريحة غير قليلة من الفرنسيين، تعتبر ما جرى في 7 أكتوبر/ تشرين الأول امتداداً للتحديات الأمنية الداخلية الفرنسية، بعبارة أخرى، إسرائيل وفرنسا تواجهان العدو ذاته، ما يبرر الحرب على غزة، أما القوى السياسية المنحازة إلى الصف الفلسطيني فإنها “تتلاعب” بالأمن الفرنسي. 

على صعيد آخر، وكما بات معروفاً، فإن تهمة معاداة السامية حاضرة دوماً، بوجه كل من “تقاعس عن التضامن المطلق مع إسرائيل” لمجرد تبنيه قراءة مغايرة أو استخدامه عبارات خاصة به، فمعاداة السامية تعد من “الكبائر” في فرنسا، ووصمة تلاحق من يدان بها سواء أكان فرداً أم مؤسسة. 

إستناداً إلى ما ورد أعلاه، لم يتردد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وكل من يدور في فلكه، في التصويب على “الجبهة الشعبية الجديدة”، وهو التحالف الذي أرسته الأحزاب اليسارية الفرنسية، وقررت على أساسه خوض الاستحقاق النيابي موحدة، عبر تقاسم الدوائر الانتخابية وتقديم برنامج مشترك.

فانفراد حركة “فرنسا الأبية” بموقف أقرب إلى الفلسطينيين منه إلى الإسرائيليين، كلفها حملة إعلامية وسياسية شرسة، هدفت إلى شيطنتها بشتى السبل واتهامها بـ”معاداة السامية”، حملة كانت قد ساهمت فيها الأحزاب اليسارية المنضوية اليوم، في “الجبهة الشعبية الجديدة”. 

لضرب مصداقية هذا التحالف اليساري لم يجد ماكرون أنسب من التصويب عليه، من زاوية احتوائه حزباً معادياً للسامية.

كان بوسع خصوم “الجبهة الشعبية الجديدة” إضعاف مصداقيتها والتشكيك في قدرتها على تولي الحكم من زوايا أخرى، مثلا تناول السرعة التي صيغ فيها هذا التحالف، أو التركيز على الخلافات الداخلية بين الأحزاب والقيادات، التي تصل إلى حد التراشق الإعلامي، لكن أن تتحول الحرب في غزة إلى “السلاح الأول” الذي يشهر في وجه الخصوم في خضم معركة انتخابية داخلية، أمر بالغ الدلالة.

لم تكتف أحزاب اليمين المتطرف، وعلى وجه التحديد حزب “التجمع الوطني”، بالمشاركة في هذه الحملة على خصومها اليساريين، بل اعتبرتها فرصة ذهبية لإزالة أحد أبرز العوائق التي تحول بينها وبين تولي السلطة في فرنسا. 

تهمة معاداة السامية حاضرة دوماً، بوجه كل من “تقاعس عن التضامن المطلق مع إسرائيل” لمجرد تبنيه قراءة مغايرة أو استخدامه عبارات خاصة به.

“طوفان الأقصى” والقوى السياسية الفرنسيّة

تاريخ حزب “التجمع الوطني” بمعاداة السامية أشهر من نار على علم، لا سيما وأنه وريث حزب “الجبهة الوطنية” الذي أسسه جان ماري لوبان، مع عدد من النازيين القدامى، لكن استراتيجية “نزع الشيطنة” التي انتهجتها مارين لوبان، بغرض الوصول إلى السلطة، تطلبت محو هذه الصفحة من تاريخه، وهو ما وفرته لها عملية “طوفان الأقصى”.

 لم يكتف حزب “التجمع الوطني” بالانحياز المطلق إلى الجانب الإسرائيلي، بل دخل في مزايدة سياسية، مقدماً نفسه بصورة “أفضل درع يحمي يهود فرنسا”، بهذا تخطى أحد أبرز الحواجز التي كانت تحول دون وصوله إلى السلطة.

حزب “التجمع الوطني” اقتنص الفرصة، لتتحول الحرب في غزة إلى إحدى الأدوات التي عبدت طريقه إلى السلطة، طبعاً ليس هذا الموقف الذي أدى إلى فارق نوعي في الحياة السياسية الفرنسية، على نحو قد يتيح للحزب المذكور تشكيل الحكومة المقبلة، لكنه ساهم من دون شك، في تعزيز تقدمه المتنامي منذ سنوات: الحزب جذب أصوات شريحة من الناخبين كانت متجاوبة مع طروحاته، لكن كان يحول بينها وبين الاقتراع له تاريخه المعادي للسامية، لتأتي عملية 7 أكتوبر/ تشرين الأول وتحطم تلك العوائق.

بالمقابل، تواجه حركة “فرنسا الأبية” منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول، حملة إعلامية تهدف إلى تقديمها بصورة “الحزب الفرنسي الأول المعادي للسامية”، حملة تشوبها علامات استفهام كبيرة، خاصة وأن توزيع التهم لا يترافق مع رفع دعاوى قضائية، ما يعزز فرضية “الافتراء”.

الخلاصة أن عملية “طوفان الأقصى” أعادت ترتيب المشهد الداخلي الفرنسي، بعد بروز بوادر إعادة تشكيل ما يعرف بـ”الجبهة الجمهورية”. 

الصراع حول “الجبهة الجمهوريّة”

في الأدبيات السياسية الفرنسية، يستخدم تعبير “الجبهة الجمهوريّة” لنبذ اليمين المتطرف الفرنسي، الذي لا يحمل القيم السياسية والأخلاقية ذاتها، التي تُجمِعُ عليها الأحزاب الفرنسية، لكن بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول.

 ادعت بعض الوسائل الإعلامية كما عدد من الشخصيات العامة أن حزب “التجمع” قد “اجتاز بنجاح اختباره الأخلاقي الأخير” وعليه بات يمكن اعتباره جزءاً من “الجبهة الجمهورية”، بالمقابل، كان هناك إصرار شبه مفتعل على “تسليم راية معاداة السامية” إلى حركة “فرنسا الأبية” لجعلها خارج “الجبهة الجمهورية”.

قرار ماكرون الدعوة إلى انتخابات نيابية مبكرة، عجل في انكشاف ملامح هذا المشهد المستجد: في طريقها إلى السلطة، زالت عقبة رئيسية من درب حزب “التجمع الوطني”، فيما وضعت عقبة جديدة في طريق حركة “فرنسا الأبية” واليسار الفرنسي عامة.  

الدليل الأبرز هو إعلان عدد من القوى السياسية موافقتها على الاقتراع لمرشحي “الجبهة الشعبية الجديدة”، في بعض الدوائر، إلا إذا كان مرشح “الجبهة الشعبية الجديدة” منتمياً إلى حركة “فرنسا الأبية”، رفضه القاطع حتى لو كان المقابل فوز مرشحي “التجمع الوطني”، وهو ما تقاطع مع بعض المقالات والتحقيقات التي رصدت مزاج الشارع الفرنسي في بعض الدوائر، أو حتى ما ينشر على حسابات الأفراد في وسائل التواصل الاجتماعي. 

28.06.2024
زمن القراءة: 4 minutes

تهمة معاداة السامية حاضرة دوماً، بوجه كل من “تقاعس عن التضامن المطلق مع إسرائيل” لمجرد تبنيه قراءة مغايرة أو استخدامه عبارات خاصة به، فمعاداة السامية تعد من “الكبائر” في فرنسا، ووصمة تلاحق من يدان بها سواء أكان فرداً أم مؤسسة. 

خلال المعارك الانتخابية الفرنسية، ليس مألوفاً أن تكون الملفات الخارجية مؤثرة في خيار الناخبين، مع ذلك تحولـت الحرب في غزة إلى عامل من العوامل، التي تحدد وجهة اقتراع شريحة من الفرنسيين في الانتخابات النيابية، في دلالة على “فرنسة” هذا الملف.

نجد في المقام الأول دعاية إعلامية – سياسية، لا تضع ما جرى يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول في سياق “صراع بين احتلال ومحتل”، بل ترى فيه صراعاً حضارياً بين “قوى الخير والشر”، أما قوى الشر فهي الحركات الإسلامية، ليتم الربط بين 7 أكتوبر/ تشرين الأول من جهة، والاعتداءات الإرهابية التي طالت فرنسا من جهة أخرى، وعلى وجه التحديد ما جرى في مهرجان “سوبرنوفا” والهجوم على مسرح “باتاكلان” في 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015.

بعيداً عن الغايات والنوايا الضمنية التي دفعت إلى عملية المقارنة هذه، النتيجة تتلخص في وجود مزاج لدى شريحة غير قليلة من الفرنسيين، تعتبر ما جرى في 7 أكتوبر/ تشرين الأول امتداداً للتحديات الأمنية الداخلية الفرنسية، بعبارة أخرى، إسرائيل وفرنسا تواجهان العدو ذاته، ما يبرر الحرب على غزة، أما القوى السياسية المنحازة إلى الصف الفلسطيني فإنها “تتلاعب” بالأمن الفرنسي. 

على صعيد آخر، وكما بات معروفاً، فإن تهمة معاداة السامية حاضرة دوماً، بوجه كل من “تقاعس عن التضامن المطلق مع إسرائيل” لمجرد تبنيه قراءة مغايرة أو استخدامه عبارات خاصة به، فمعاداة السامية تعد من “الكبائر” في فرنسا، ووصمة تلاحق من يدان بها سواء أكان فرداً أم مؤسسة. 

إستناداً إلى ما ورد أعلاه، لم يتردد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وكل من يدور في فلكه، في التصويب على “الجبهة الشعبية الجديدة”، وهو التحالف الذي أرسته الأحزاب اليسارية الفرنسية، وقررت على أساسه خوض الاستحقاق النيابي موحدة، عبر تقاسم الدوائر الانتخابية وتقديم برنامج مشترك.

فانفراد حركة “فرنسا الأبية” بموقف أقرب إلى الفلسطينيين منه إلى الإسرائيليين، كلفها حملة إعلامية وسياسية شرسة، هدفت إلى شيطنتها بشتى السبل واتهامها بـ”معاداة السامية”، حملة كانت قد ساهمت فيها الأحزاب اليسارية المنضوية اليوم، في “الجبهة الشعبية الجديدة”. 

لضرب مصداقية هذا التحالف اليساري لم يجد ماكرون أنسب من التصويب عليه، من زاوية احتوائه حزباً معادياً للسامية.

كان بوسع خصوم “الجبهة الشعبية الجديدة” إضعاف مصداقيتها والتشكيك في قدرتها على تولي الحكم من زوايا أخرى، مثلا تناول السرعة التي صيغ فيها هذا التحالف، أو التركيز على الخلافات الداخلية بين الأحزاب والقيادات، التي تصل إلى حد التراشق الإعلامي، لكن أن تتحول الحرب في غزة إلى “السلاح الأول” الذي يشهر في وجه الخصوم في خضم معركة انتخابية داخلية، أمر بالغ الدلالة.

لم تكتف أحزاب اليمين المتطرف، وعلى وجه التحديد حزب “التجمع الوطني”، بالمشاركة في هذه الحملة على خصومها اليساريين، بل اعتبرتها فرصة ذهبية لإزالة أحد أبرز العوائق التي تحول بينها وبين تولي السلطة في فرنسا. 

تهمة معاداة السامية حاضرة دوماً، بوجه كل من “تقاعس عن التضامن المطلق مع إسرائيل” لمجرد تبنيه قراءة مغايرة أو استخدامه عبارات خاصة به.

“طوفان الأقصى” والقوى السياسية الفرنسيّة

تاريخ حزب “التجمع الوطني” بمعاداة السامية أشهر من نار على علم، لا سيما وأنه وريث حزب “الجبهة الوطنية” الذي أسسه جان ماري لوبان، مع عدد من النازيين القدامى، لكن استراتيجية “نزع الشيطنة” التي انتهجتها مارين لوبان، بغرض الوصول إلى السلطة، تطلبت محو هذه الصفحة من تاريخه، وهو ما وفرته لها عملية “طوفان الأقصى”.

 لم يكتف حزب “التجمع الوطني” بالانحياز المطلق إلى الجانب الإسرائيلي، بل دخل في مزايدة سياسية، مقدماً نفسه بصورة “أفضل درع يحمي يهود فرنسا”، بهذا تخطى أحد أبرز الحواجز التي كانت تحول دون وصوله إلى السلطة.

حزب “التجمع الوطني” اقتنص الفرصة، لتتحول الحرب في غزة إلى إحدى الأدوات التي عبدت طريقه إلى السلطة، طبعاً ليس هذا الموقف الذي أدى إلى فارق نوعي في الحياة السياسية الفرنسية، على نحو قد يتيح للحزب المذكور تشكيل الحكومة المقبلة، لكنه ساهم من دون شك، في تعزيز تقدمه المتنامي منذ سنوات: الحزب جذب أصوات شريحة من الناخبين كانت متجاوبة مع طروحاته، لكن كان يحول بينها وبين الاقتراع له تاريخه المعادي للسامية، لتأتي عملية 7 أكتوبر/ تشرين الأول وتحطم تلك العوائق.

بالمقابل، تواجه حركة “فرنسا الأبية” منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول، حملة إعلامية تهدف إلى تقديمها بصورة “الحزب الفرنسي الأول المعادي للسامية”، حملة تشوبها علامات استفهام كبيرة، خاصة وأن توزيع التهم لا يترافق مع رفع دعاوى قضائية، ما يعزز فرضية “الافتراء”.

الخلاصة أن عملية “طوفان الأقصى” أعادت ترتيب المشهد الداخلي الفرنسي، بعد بروز بوادر إعادة تشكيل ما يعرف بـ”الجبهة الجمهورية”. 

الصراع حول “الجبهة الجمهوريّة”

في الأدبيات السياسية الفرنسية، يستخدم تعبير “الجبهة الجمهوريّة” لنبذ اليمين المتطرف الفرنسي، الذي لا يحمل القيم السياسية والأخلاقية ذاتها، التي تُجمِعُ عليها الأحزاب الفرنسية، لكن بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول.

 ادعت بعض الوسائل الإعلامية كما عدد من الشخصيات العامة أن حزب “التجمع” قد “اجتاز بنجاح اختباره الأخلاقي الأخير” وعليه بات يمكن اعتباره جزءاً من “الجبهة الجمهورية”، بالمقابل، كان هناك إصرار شبه مفتعل على “تسليم راية معاداة السامية” إلى حركة “فرنسا الأبية” لجعلها خارج “الجبهة الجمهورية”.

قرار ماكرون الدعوة إلى انتخابات نيابية مبكرة، عجل في انكشاف ملامح هذا المشهد المستجد: في طريقها إلى السلطة، زالت عقبة رئيسية من درب حزب “التجمع الوطني”، فيما وضعت عقبة جديدة في طريق حركة “فرنسا الأبية” واليسار الفرنسي عامة.  

الدليل الأبرز هو إعلان عدد من القوى السياسية موافقتها على الاقتراع لمرشحي “الجبهة الشعبية الجديدة”، في بعض الدوائر، إلا إذا كان مرشح “الجبهة الشعبية الجديدة” منتمياً إلى حركة “فرنسا الأبية”، رفضه القاطع حتى لو كان المقابل فوز مرشحي “التجمع الوطني”، وهو ما تقاطع مع بعض المقالات والتحقيقات التي رصدت مزاج الشارع الفرنسي في بعض الدوائر، أو حتى ما ينشر على حسابات الأفراد في وسائل التواصل الاجتماعي. 

28.06.2024
زمن القراءة: 4 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية