ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الانتخابات المجرية: تغلب الثلاجة على التلفزيون

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الاستحقاق المجري الأخير وضع اليمين المتطرف الأوروبي أمام واقع بديهي: الشعبوية والديماغوجيا غير كافيتين لكسب ثقة الناخبين أو تجديدها. ثقتهم رهن بتحقيق إنجازات ملموسة لا الاستثمار في عناوين بعيدة كل البعد عن الواقع، كالشيطنة الدائمة للمهاجرين.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

بالتأكيد خسارة فيكتور أوربان الانتخابات التشريعية المجرية، لصالح بيتر ماجيار، لم تكن عقاباً له على سياسته الخارجية. هذا ما أكده استطلاع للرأي نشره مجمع التفكير “المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية” في 9 نيسان/ إبريل 2026 (أي قبل ثلاثة أيام من فتح صناديق الاقتراع): وفقاً لنتائج الاستطلاع، وضع 31 في المئة من ناخبي بيتر ماجيار مسألة الحوكمة ومكافحة الفساد على رأس أولوياتهم، بينما اعتبر 18 في المئة من ناخبيه أن الأولوية هي للارتقاء بجودة الخدمات العامة، فيما شكل التضخم ومستوى المعيشة الأولوية لدى 17 في المئة. والحال لا يختلف عند ناخبي أوربان بعدما رأى 22 في المئة منهم أن التحدي الأبرز هو في أمن الطاقة، بينما منح 20 في المئة الأولوية للتضخم ومستوى المعيشة.

لكن المشروع الذي حمله فيكتور أوربان طوال السنوات الـ16 الماضية لم ينحصر في الشق الاقتصادي، بل تضمن رؤية سياسية عنوانها الديمقراطية غير الليبيرالية. مفهوم روّج له الباحث والكاتب السياسي الأميركي فريد زكريا خلال التسعينات، للإشارة إلى الأنظمة التي تعمد إلى تقويض الحريات العامة والأسس الديمقراطية (استقلالية القضاء، احترام الدستور…) بالتوازي مع تصدير نموذج ديمقراطي شكلي. 

تنظيرات أنصار أوربان واعتبارهم أن نظام حكمه لا يتعارض مع الحريات، بل تكمن المشكلة في سوء فهم رؤيته التي تعتبر أن الأمة المجرية لا تقوم على الفرد بقدر ارتكازها على علاقة الفرد بالجماعة، لا يلغيان حقيقة التردي الديمقراطي. واقع تؤكده المؤشرات الدولية: تصنيف المجر في المؤشر العالمي لحرية الصحافة تراجع من المركز 23 إلى المركز 68 بين عامي 2010 و2025. أما مؤشر الديمقراطية فقد انحدر من 7.21 نقطة في العام 2010 ليبلغ 6.51 نقطة عام 2024. 

الأكاديمي والصحافي ماتيو ساسيكس نشر مقالة في موقع The conversation رأى فيها أن استمرار أوربان في الحكم من دون انقطاع طوال 16 عاماً، مردّه الأساسي إلى ضعف معارضيه وتشتّتهم، في إشارة واضحة إلى أن وصول هذه الأحزاب إلى السلطة ليس قدراً محتوماً وأن الناخبين مستعدون لمحاسبة الشعبوية وألاعيبها متى توافر البديل. 

الاستحقاق المجري الأخير وضع اليمين المتطرف الأوروبي أمام واقع بديهي: الشعبوية والديماغوجيا غير كافيتين لكسب ثقة الناخبين أو تجديدها. ثقتهم رهن بتحقيق إنجازات ملموسة لا الاستثمار في عناوين بعيدة كل البعد عن الواقع، كالشيطنة الدائمة للمهاجرين. المقصود في هذا الإطار أحزاب وشخصيات شبيهة بأوربان، كمارين لوبان في فرنسا وجورجيا ميلوني وماتيو سالفيني في إيطاليا وخيرت فيلدرز في هولندا وأحزاب البديل لأجل ألمانيا وفوكس الإسباني. 

ما يدفع إلى الغمز من هذه القناة أن رئيس الوزراء المجري الخاسر حوّل بلاده إلى مختبر لأفكار وطروحات تلك الأحزاب، التي كانت تنظر بدورها إلى أوربان كمرجع لطروحاتها الأيديولوجية وما تحمله من مشاريع سياسية واجتماعية على المستويين الداخلي والخارجي. مراسل صحيفة New York Times أندرو هيغينز ربط بين نتيجة الانتخابات المجرية وحكمة روسية مفادها أن السياسة تُرسم بين التلفاز والثلاجة: تركيز أوربان انصبّ على الدعاية (التلفاز)، ما خلق هوة مع الواقع المعيشي للمجريين (المتمثل بالثلاجة).

خروج فيكتور أوربان من السلطة ليس زلزالاً سياسياً بقدر ما يشكل بارقة أمل. بيتر ماجيار، زعيم حزب “تيسا” الذي حصد ثلثي مقاعد البرلمان، لن يشكل قطيعة جذرية مع سياسات سلفه: ماجيار انتمى في بداياته إلى حزب فيديس الذي يتزعمه أوربان، كما كانت طليقته وزيرة العدل في حكومات أوربان بين عامي 2019 و2023، ليعتبر عدد من الصحافيين أننا لن نشهد تغيراً في ما يخص ملفات الهجرة والأمن والقضايا الاجتماعية. لكن مسارعة رئيسة المفوضية الأوروبية والقادة الأوروبيين إلى الترحيب بنتائج الانتخابات دلت على آفاق التعاون المحتملة مع المجر، التي اضطلعت في السنوات الماضية بدور المعرقل لا سيما في السياسة الخارجية. 

والحال أن ملف السياسة الخارجية لم يكن غائباً عن الانتخابات المجرية: بحسب استطلاع الرأي المذكور أعلاه، عبر 85 في المئة من المجريين عن ثقتهم الكاملة أو النسبية بالاتحاد الأوروبي، لا بل رأى 66 في المئة من الناخبين بوجوب تعزيز هذه العلاقة من خلال الانضمام إلى منطقة اليورو، في رد على سياسة أوربان الصدامية مع مؤسسات الإتحاد. واقع يفسر سبب تردد صدى هذا الاستحقاق في عموم القارة الأوروبية لما قد يشكله من لجم لاندفاعة الأحزاب اليمينية المتطرفة الأوروبية المعروفة بمعاداتها للشراكة الأوروبية بصيغتها الحالية.

بالنظر إلى حدة الصراعات المسلحة الدائرة حالياً، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، والتي أرخت بظلالها على الاستقرار العالمي، يمكن القول إن تشبث المجريين بالحفاظ على موقع بلدهم داخل الاتحاد الأوروبي يعزز حجة المروجين لمكانة هذه المنظمة الإقليمية ودورها المحتمل في نظام عالمي يعاد تشكيله. أمام ما يطرحه اليمين المتطرف الأوروبي من سياسة خارجية تميل إلى “تغليب السيادة الوطنية” على حساب المنظمات الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى طرح تحالفات وتقارب مع شخصيات إشكالية على الساحة الدولية (فلاديمير بوتين، دونالد ترامب…)، أتت الانتخابات المجرية كرسالة رافضة للقفز في المجهول. بعبارة أخرى، خسارة أوربان وفوز ماجيار في ظل الأزمات العالمية المتلاحقة، يعكسان ميلاً إلى التشبث بالتحالفات والمنظمات التي تسمح بأكبر قدر ممكن من الاستقرار السياسي والاقتصادي بعيداً عن المغامرات المتهورة. 

فما ساعد أوربان على التسويق لسياسته الخارجية تلك هي حالة الاستقرار الأمني التي عرفتها أوروبا قبل الحرب الأوكرانية، ما أتاح له طرح رؤية بديل توحي بإمكانية الحفاظ على المكتسبات من عضوية الاتحاد الأوروبي بالتوازي مع التقارب مع أنظمة معادية للشراكة الأوروبية. لكن تسارع التحولات في المشهد الدولي بث القلق في نفوس المجريين بعدما وجدوا بلادهم تخطو شيئاً فشيئاً نحو العزلة الأوروبية. كما يعد خيار الناخبين المجريين تمسكاً بنموذج ديمقراطي على رغم ما يشوبه من عجز و”قلة حيلة”. 

لكن هذا لا يمنح براءة ذمة للاتحاد الأوروبي حتى لو ُعمِّم ما حصل في المجر على الدول الأوروبية كافة. هذه النتيجة الانتخابية واحتمال تعميمها أوروبياً يفرضان مسؤوليات مضاعفة لإعادة التفكير بآلية اتخاذ القرار والإصلاح المؤسساتي، إذ ينظر إلى الاتحاد الأوروبي كعقبة أمام الإصلاح الاقتصادي الوطني لاحتكاره أدوات سيادية (السياسة النقدية…)، ناهيك ببيروقراطيته. 

من جهة أخرى، لا يبدو أن اليمين المتطرف بوارد الاستسلام بدليل سعيه إلى توظيف خسارة أوربان في مزيد من التعويم السياسي من خلال تأكيد احترامهم لخيار الناخبين، لا بل إن بعضهم لم يخف عملية التوظيف هذه كتغريدتي جوردان بارديلا وإريك زمور اللتين حملتا مغالاة في احترام اللعبة الديمقراطية. على الرغم من تبنيهم نموذج “الديمقراطية غير الليبيرالية”، يدل موقفهم على أن النموذج السياسي الأوروبي الحالي وعلى الرغم من كل علاته، سيبقى عصياً على الانكسار على يد الشعبوية اليمينية المتطرفة. 

بالتأكيد لا يكفي استحقاق واحد في دولة أوروبية لاستخلاص دروس تُعَمّم على كل دول القارة العجوز، لكنه يبقى مؤشراً يستحق التأمل. 

16.04.2026
زمن القراءة: 5 minutes

الاستحقاق المجري الأخير وضع اليمين المتطرف الأوروبي أمام واقع بديهي: الشعبوية والديماغوجيا غير كافيتين لكسب ثقة الناخبين أو تجديدها. ثقتهم رهن بتحقيق إنجازات ملموسة لا الاستثمار في عناوين بعيدة كل البعد عن الواقع، كالشيطنة الدائمة للمهاجرين.

بالتأكيد خسارة فيكتور أوربان الانتخابات التشريعية المجرية، لصالح بيتر ماجيار، لم تكن عقاباً له على سياسته الخارجية. هذا ما أكده استطلاع للرأي نشره مجمع التفكير “المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية” في 9 نيسان/ إبريل 2026 (أي قبل ثلاثة أيام من فتح صناديق الاقتراع): وفقاً لنتائج الاستطلاع، وضع 31 في المئة من ناخبي بيتر ماجيار مسألة الحوكمة ومكافحة الفساد على رأس أولوياتهم، بينما اعتبر 18 في المئة من ناخبيه أن الأولوية هي للارتقاء بجودة الخدمات العامة، فيما شكل التضخم ومستوى المعيشة الأولوية لدى 17 في المئة. والحال لا يختلف عند ناخبي أوربان بعدما رأى 22 في المئة منهم أن التحدي الأبرز هو في أمن الطاقة، بينما منح 20 في المئة الأولوية للتضخم ومستوى المعيشة.

لكن المشروع الذي حمله فيكتور أوربان طوال السنوات الـ16 الماضية لم ينحصر في الشق الاقتصادي، بل تضمن رؤية سياسية عنوانها الديمقراطية غير الليبيرالية. مفهوم روّج له الباحث والكاتب السياسي الأميركي فريد زكريا خلال التسعينات، للإشارة إلى الأنظمة التي تعمد إلى تقويض الحريات العامة والأسس الديمقراطية (استقلالية القضاء، احترام الدستور…) بالتوازي مع تصدير نموذج ديمقراطي شكلي. 

تنظيرات أنصار أوربان واعتبارهم أن نظام حكمه لا يتعارض مع الحريات، بل تكمن المشكلة في سوء فهم رؤيته التي تعتبر أن الأمة المجرية لا تقوم على الفرد بقدر ارتكازها على علاقة الفرد بالجماعة، لا يلغيان حقيقة التردي الديمقراطي. واقع تؤكده المؤشرات الدولية: تصنيف المجر في المؤشر العالمي لحرية الصحافة تراجع من المركز 23 إلى المركز 68 بين عامي 2010 و2025. أما مؤشر الديمقراطية فقد انحدر من 7.21 نقطة في العام 2010 ليبلغ 6.51 نقطة عام 2024. 

الأكاديمي والصحافي ماتيو ساسيكس نشر مقالة في موقع The conversation رأى فيها أن استمرار أوربان في الحكم من دون انقطاع طوال 16 عاماً، مردّه الأساسي إلى ضعف معارضيه وتشتّتهم، في إشارة واضحة إلى أن وصول هذه الأحزاب إلى السلطة ليس قدراً محتوماً وأن الناخبين مستعدون لمحاسبة الشعبوية وألاعيبها متى توافر البديل. 

الاستحقاق المجري الأخير وضع اليمين المتطرف الأوروبي أمام واقع بديهي: الشعبوية والديماغوجيا غير كافيتين لكسب ثقة الناخبين أو تجديدها. ثقتهم رهن بتحقيق إنجازات ملموسة لا الاستثمار في عناوين بعيدة كل البعد عن الواقع، كالشيطنة الدائمة للمهاجرين. المقصود في هذا الإطار أحزاب وشخصيات شبيهة بأوربان، كمارين لوبان في فرنسا وجورجيا ميلوني وماتيو سالفيني في إيطاليا وخيرت فيلدرز في هولندا وأحزاب البديل لأجل ألمانيا وفوكس الإسباني. 

ما يدفع إلى الغمز من هذه القناة أن رئيس الوزراء المجري الخاسر حوّل بلاده إلى مختبر لأفكار وطروحات تلك الأحزاب، التي كانت تنظر بدورها إلى أوربان كمرجع لطروحاتها الأيديولوجية وما تحمله من مشاريع سياسية واجتماعية على المستويين الداخلي والخارجي. مراسل صحيفة New York Times أندرو هيغينز ربط بين نتيجة الانتخابات المجرية وحكمة روسية مفادها أن السياسة تُرسم بين التلفاز والثلاجة: تركيز أوربان انصبّ على الدعاية (التلفاز)، ما خلق هوة مع الواقع المعيشي للمجريين (المتمثل بالثلاجة).

خروج فيكتور أوربان من السلطة ليس زلزالاً سياسياً بقدر ما يشكل بارقة أمل. بيتر ماجيار، زعيم حزب “تيسا” الذي حصد ثلثي مقاعد البرلمان، لن يشكل قطيعة جذرية مع سياسات سلفه: ماجيار انتمى في بداياته إلى حزب فيديس الذي يتزعمه أوربان، كما كانت طليقته وزيرة العدل في حكومات أوربان بين عامي 2019 و2023، ليعتبر عدد من الصحافيين أننا لن نشهد تغيراً في ما يخص ملفات الهجرة والأمن والقضايا الاجتماعية. لكن مسارعة رئيسة المفوضية الأوروبية والقادة الأوروبيين إلى الترحيب بنتائج الانتخابات دلت على آفاق التعاون المحتملة مع المجر، التي اضطلعت في السنوات الماضية بدور المعرقل لا سيما في السياسة الخارجية. 

والحال أن ملف السياسة الخارجية لم يكن غائباً عن الانتخابات المجرية: بحسب استطلاع الرأي المذكور أعلاه، عبر 85 في المئة من المجريين عن ثقتهم الكاملة أو النسبية بالاتحاد الأوروبي، لا بل رأى 66 في المئة من الناخبين بوجوب تعزيز هذه العلاقة من خلال الانضمام إلى منطقة اليورو، في رد على سياسة أوربان الصدامية مع مؤسسات الإتحاد. واقع يفسر سبب تردد صدى هذا الاستحقاق في عموم القارة الأوروبية لما قد يشكله من لجم لاندفاعة الأحزاب اليمينية المتطرفة الأوروبية المعروفة بمعاداتها للشراكة الأوروبية بصيغتها الحالية.

بالنظر إلى حدة الصراعات المسلحة الدائرة حالياً، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، والتي أرخت بظلالها على الاستقرار العالمي، يمكن القول إن تشبث المجريين بالحفاظ على موقع بلدهم داخل الاتحاد الأوروبي يعزز حجة المروجين لمكانة هذه المنظمة الإقليمية ودورها المحتمل في نظام عالمي يعاد تشكيله. أمام ما يطرحه اليمين المتطرف الأوروبي من سياسة خارجية تميل إلى “تغليب السيادة الوطنية” على حساب المنظمات الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى طرح تحالفات وتقارب مع شخصيات إشكالية على الساحة الدولية (فلاديمير بوتين، دونالد ترامب…)، أتت الانتخابات المجرية كرسالة رافضة للقفز في المجهول. بعبارة أخرى، خسارة أوربان وفوز ماجيار في ظل الأزمات العالمية المتلاحقة، يعكسان ميلاً إلى التشبث بالتحالفات والمنظمات التي تسمح بأكبر قدر ممكن من الاستقرار السياسي والاقتصادي بعيداً عن المغامرات المتهورة. 

فما ساعد أوربان على التسويق لسياسته الخارجية تلك هي حالة الاستقرار الأمني التي عرفتها أوروبا قبل الحرب الأوكرانية، ما أتاح له طرح رؤية بديل توحي بإمكانية الحفاظ على المكتسبات من عضوية الاتحاد الأوروبي بالتوازي مع التقارب مع أنظمة معادية للشراكة الأوروبية. لكن تسارع التحولات في المشهد الدولي بث القلق في نفوس المجريين بعدما وجدوا بلادهم تخطو شيئاً فشيئاً نحو العزلة الأوروبية. كما يعد خيار الناخبين المجريين تمسكاً بنموذج ديمقراطي على رغم ما يشوبه من عجز و”قلة حيلة”. 

لكن هذا لا يمنح براءة ذمة للاتحاد الأوروبي حتى لو ُعمِّم ما حصل في المجر على الدول الأوروبية كافة. هذه النتيجة الانتخابية واحتمال تعميمها أوروبياً يفرضان مسؤوليات مضاعفة لإعادة التفكير بآلية اتخاذ القرار والإصلاح المؤسساتي، إذ ينظر إلى الاتحاد الأوروبي كعقبة أمام الإصلاح الاقتصادي الوطني لاحتكاره أدوات سيادية (السياسة النقدية…)، ناهيك ببيروقراطيته. 

من جهة أخرى، لا يبدو أن اليمين المتطرف بوارد الاستسلام بدليل سعيه إلى توظيف خسارة أوربان في مزيد من التعويم السياسي من خلال تأكيد احترامهم لخيار الناخبين، لا بل إن بعضهم لم يخف عملية التوظيف هذه كتغريدتي جوردان بارديلا وإريك زمور اللتين حملتا مغالاة في احترام اللعبة الديمقراطية. على الرغم من تبنيهم نموذج “الديمقراطية غير الليبيرالية”، يدل موقفهم على أن النموذج السياسي الأوروبي الحالي وعلى الرغم من كل علاته، سيبقى عصياً على الانكسار على يد الشعبوية اليمينية المتطرفة. 

بالتأكيد لا يكفي استحقاق واحد في دولة أوروبية لاستخلاص دروس تُعَمّم على كل دول القارة العجوز، لكنه يبقى مؤشراً يستحق التأمل.