ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

البحث عن “البرلمان السوري” المفقود!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

 بعد ربيع دمشق، تحدث بشار الأسد بلغة قريبة من هذا المعنى: الديمقراطية لا تأتي الآن، المجتمع غير جاهز، الأولوية للأمن والاستقرار، والإصلاح قبل أي شيء. هذا التكرار نعرفه، لكن هل من السهل أن يصبح ما نعامله كأثر مفهوماً؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

هناك برلمان سوري داخل زمن مُعلن ومؤجل في الوقت نفسه، فمنذ إعلان النتائج النهائية لانتداب مُمثلين في مجلس الشعب في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 ضمن آلية “هجينة”، كان يفترض أن يكتمل المجلس بإعلان الثلث الذي يعينه الرئيس الانتقالي، وأن تنعقد جلسته الأولى قبل نهاية العام. 

لكن نهاية 2025 مرت من دون افتتاح. ثم جاء وعد جديد في نيسان/ أبريل 2026، حين تحدث الرئيس أحمد الشرع عن انعقاد الجلسة الأولى في نهاية الشهر، قبل أن ينتقل الموعد في التداول الرسمي والإعلامي إلى مطلع أيار/ مايو، ثم إلى 8 حزيران/ يونيو، من دون أن يتحول أي موعد إلى افتتاح فعلي.

كل شهر إضافي بلا مجلس شعب يضعف العمل السياسي والرقابي على سلطة غير منتخبة ويمنح الرئاسة والسلطة التنفيذية، مساحة أوسع لإصدار القوانين والمراسيم والقرارات الاقتصادية والمعيشية من دون نقاش تشريعي. والأهم، في مخالفة لمعظم بنود الإعلان الدستوري، الذي أقرته السلطة نفسها.

الحكم بـ”الوقت المؤجل”

تأجيل البرلمان هو طريقة في الحكم، وصناعة الأشياء وترقيمها ووضع تواريخ لها، لكن من دون أي ممارسة فعلية. فالسلطة لا تبدو مستعدة لأن تجعل التداول السياسي جزءاً من عملها اليومي، إلا حين يكون مضبوطاً ومحضراً له من داخل دائرتها. لذلك، لعلها تفضل أن يبقى الخلاف في الإعلام والمنصات والمقابلات والترندات، حيث يمكن أن يتفرق ويبرد ويتحول إلى مادة عابرة تخص جمهوراً يشاهد ويعلق. 

أما “الجمهور”، ونركّز على كلمة الجمهور، في الداخل وفي المناطق المُهمّشة يبقى من دون أي تفاعل سياسي فعلي… هنا تماماً تبرز الحاجة الى عمل سياسي مؤسساتي يفترض أن يكون البرلمان هو ساحته. كما إن دخول الخلاف السياسي إلى البرلمان.

أي برلماني سيصير له مكان في البرلمان، ومحضر أعمال، وأسماء أناس يمثلهم، هم أنفسهم أبناء منطقته، سيراقبونه وينتقدونه ويبحثون من خلفه، وهذا سيكون في زمن السوشيل ميديا والكلام المفتوح مُنتجاً للمعنى السياسي حتماً. لذلك يبدو البرلمان المؤجل علامة على سلطة تريد إطار الدولة، لكنها لا تريد لهذا الإطار أن يتحول إلى مجال منازعة فعلية.

في 6 حزيران/ يونيو 2026، وصلت هذه المفارقة إلى صورتها الأوضح مع اعتصام “قانون وكرامة” أمام مجلس الشعب. كان الاحتجاج أمام المجلس فعلاً حدسياً، ومحاكاة لبرلمان غير موجود. أهمية الاعتصام أنه أخرج الحاجة من صمتها وشكّل دفعاً لا واعياً لتخيل مكان ما للاحتجاج، ومن حالة الفرجة العامة التي تضع الدولة الناس داخلها عبر مشاريعها الجديدة ونسبها الإحصائية الوهمية غير الدقيقة. 

لم يقف الناس أمام وزارة أو أصحاب قرار حقيقيين، بل ظهروا كشعب يُريد أن يناقش ما يحدث باسمه بالقرب من مكان صناعة الدولة ورعايتها: القوانين، الغلاء، الكهرباء، الرواتب، الفساد، وشروط العيش. هذا كله في وضع تخييليّ مفارق، لأنه أمام برلمان غير موجود، هو تخيل قد يظنه الرائي ذهانياً، كان الناس يحتجون أمام الكلمة لا أمام أي واقع لها.

حتى وجود برلمان ضعيف في سوريا، التي تتمتع نوعاً ما بشكل من أشكال الحرية في القول، قد يفتح مسافة داخل السلطة. لا يوقف الرئاسة بالضرورة، ولا يجعلها خاضعة كلياً، لكنه يمنعها من أن تكون المصدر الوحيد للقرار والكلام والشرعية. 

التأخير إذاً قد يبدو جزءاً من بنية الحكم نفسها… كلما تأخرت الجلسة الأولى، اتسعت قدرة الرئاسة على الظهور كأنها “الدولة كلها”، تفاوض الخارج، تصدر القوانين، ترد على المخاطر، وتحدد ما يجوز للمجتمع أن يعرفه عن القرار. وفي الملفات الحساسة، من العلاقة مع الخارج إلى أي خطر متصل بلبنان أو بحدود سوريا، يظهر القرار كأنه صادر عن رأس السلطة وحده، لا عن مسار سياسي يعرف الناس كيف تشكّل ومن ناقشه ومن تحمّل مسؤوليته.

الحرية خارج القبة… وداخل الحشد

هناك حرية ما في سوريا، لكنها محصورة بالحشد، والأفراد، فأن تكتب على وسائل التواصل، أن تنشر مقالاً، أن تعترض بصوت مسموع أحياناً، أن تخرج في بثّ وتنتقد السلطة، أن تسخر من قادة عسكريين… ذلك كله ممكن. لكنها حرية تبقى خارج القدرة على التأثير بشكل فعلي في صناعة القرار، ما يجعلها تبدو حرية سلبية بحتة. تظهر في الشارع وعلى الشاشة وفي النصوص، ولا تجد الشكل المؤسسي الذي يجعلها جزءاً من عمل الدولة. 

يتحدث الشرع عن مناخ الحرية، وتفعل وزارة الإعلام ذلك، وكذلك ناشطون قريبون من السلطة، غير أن هذا كله يسمح بظهور الحشد، لكنه لا يعترف به كقوة أبداً.

من هنا جاءت دلالة المفارقة في الوقوف أمام مجلس لا يعمل، وبالأصل نوابه مُعينيون بطريقة ما. الدولة تتكلم باسم المجتمع، وتخيط له سرداً عن أحلامه ومستقبله وخوفه، لكنها تؤجل المكان الذي يمكن أن يظهر فيه المجتمع كفاعل يحمل إمكانية. 

الممكن والافتراضي

المسألة ليست تأخير موعد أو تأجيل جلسة، بل صراع على الزمن السياسي. السلطة تتعامل مع التمثيل كشيء يمكن دفعه إلى الأمام. الممكن هو الصورة التي تعلنها السلطة عن نفسها بسهولة، عبر خطاب إعلامي أو لقاء سياسي: وجود برلمان، حوار وطني، وثيقة عن الإعلام ومسلكيته، حياة سياسية منظمة، فيها برهان غليون مثلاً يصرح بآرائه النقدية وغيرها. إنها صورة جاهزة وقابلة للعرض، كأنها تنتظر فقط وقتها المناسب كي تتحقق، وقد يكون هذا الوقت مؤجلاً دائماً.

في الحالة السورية، لا يأتي هذا من فراغ، بل من امتداد تجربة الحوكمة. تجربة هيئة تحرير الشام في إدلب تسبق تجربة البرلمان الحالي، لكنها تدخل في معناه من دون شك. هناك تشكلت أفكار الهيئة عن المؤسسة قبل الوصول إلى دمشق: شورى، حكومة إنقاذ، مجالس، إدارة محلية، مشاريع لتنمية الزراعة، وحديث دائم عن التنظيم والاستقرار والفرادة والأمن. لكنها بالطبع لم تكن مؤسسة ديمقراطية مفتوحة، بل شكلاً لإدارة المجتمع، منسجماً مع أقل وضع للاستعارة من مفاهيم غربية ومدنية، داخل سقف سياسي وأمني واضح.

لا يكون الافتراضي في الحالة السورية مجرد نية مخفية وباطنية، أو حتى خلفية عقائدية، بل نمط تشغيل أساسياً وسابقاً على كل مؤسسة، إنه الإطار المُجرب، وحتى على البرلمان نفسه سينطبق غالباً هذا الشيء. المؤسسة، كما تم اختبارها في إدلب، لا تُفهم ولم تقم بوصفها مكاناً لتكوين إرادة سياسية عامة، بل جهازاً لترتيب المجتمع داخل سقف معلوم سلفاً ومحدد الأطر. الشورى والإدارة والمجالس والحكومة المحلية كانت أسماء لمجال مضبوط أمنياً، وبتاريخ عسكري لم يخلُ من التصفيات والإلغاء، لا لمساحة يمكن أن تنقلب فيها المداولات على مركز القرار.

في تموز/ يوليو 2022، تحدث زعيم النصرة آنذاك أبو محمد الجولاني في لقاء عام وصحافي، عن مشروعه بوصفه إدارة، هذا التركيز على الإدارة يتكرر، بدون أي حديث عن الانتقال نحو تمثيل سياسي عام، فقال إن “المشروع في المناطق المحررة لم يعد ثورة ضد ظلم وطغيان وإنما تحول لبناء كيان سُني”، وتحدث عن حكومة الإنقاذ بوصفها “مرحلة مهمة في تاريخ الثورة السورية”، لأنها نقلت المناطق المحررة من “الحالة الفوضوية” إلى “الحالة التنظيمية والقانونية الأمنية”. هذه الجمل مهمة لأنها تكشف أصل التصور والافتراض. المؤسسات لا تبدأ من حق المجتمع في تمثيل نفسه، بل من بناء جماعة سياسية مضبوطة حول خوف وهوية طائفية وتنظيم وإدارة أمنية آمنة.

في آذار/ مارس 2024، حين خرجت احتجاجات إدلب ضد هيئة تحرير الشام وحكومة الإنقاذ سويا، قال الشرع إنه “غير متمسك بالسلطة”، وأضاف: “تستطيعون أن تتفقوا على شخص بنسبة 60 أو 70 بالمائة وأنا معكم”. لكن هذا الانفتاح بقي محاطاً بحد أمني واضح، حين تحدث عن “خطوط حمراء”، وقال: “إذا تدخلنا لحماية المحرر سنتدخل بشكل شديد”. هنا تظهر المشاركة كمساحة مشروطة وتحت تهديد خطر دائم. السلطة تقبل الكلام حين يبقى داخل تصوراتها عن حماية المحرر، أي عن حماية السلطة ومكانها.

بعد سقوط دمشق تغير القاموس، أصبح أكثر اتساعاً، لكن التجربة السابقة لم تختف بالأصل، والشرع نفسه يؤكد أولوية تجربة إدلب. في إدلب كانت اللغة: شورى، حكومة إنقاذ، عمل مؤسساتي، ضبط الفصائل، حماية المكان المحرر، وخطوط حمراء إن تهدد الكيان. بعد دمشق صارت اللغة: برلمان، انتقال، انتخابات، حوار وطني، ومشاركة وطنية.

 في كانون الأول/ ديسمبر 2024، تحدث الشرع عن نظام حكم مؤسسي، لا عن حكم يقوم على “أهواء شخصية أو طريقة حكم الميليشيا”. وفي شباط/ فبراير 2025، حين سئل عن الديمقراطية، قال: “في منطقتنا، هناك تعريفات مختلفة للديمقراطية”. هذه الطريقة في نقل التعريف إلى سياق عمومي تترك فراغاً في المعنى، حتى حين يقبل لاحقاً بأنها تعني أن الشعب يقرر من يحكمه ومن يمثله في البرلمان. غير أن ذلك كله بقي مربوطاً بلجان حوار، وقوانين لاحقة تشي بعمل سياسي لكنه لا يظهر، وزمن انتقالي طويل دائم الحديث عنه. تغير اسم المؤسسة، وبقي السؤال نفسه: هل تكون المؤسسة مكاناً لظهور المجتمع كقوة سياسية فاعلة واجتماعية؟

السياسي كقاموس ورشة عمل

تساعد لغة السلطة نفسها على فهم هذا الانتقال المفتوح والغريب والمفارق. فهي تميل إلى جعل السياسة قابلة للعرض عبر تواريخ ونسب ومراحل ولجان ومواعيد. التواريخ تتحول إلى سلع متكررة، قابلة لاستهلاك نموذجي لا تنموي. تعلن السلطة موعداً، ثم تؤجله، ثم تعلن ترتيباً جديداً ومواعيد أخرى، كأن الزمن السياسي مسألة روزنامة وعروض ترند، لا وقائع ولا أحداث سياسية مغيرة. هناك هيمنة للعمل على الكلمات، سلطة أنشأت ورقة دستورية صادمة ومتفردة، ثم جيشا بعدما كان ميليشيا، ثم مجلس شعب من دون مشاركة فعلية، وقد تم هذا كله من دون قدرة حقيقية على المساءلة من أحد.

هنا تكشف اللغة حدودها. فليس كل إعلان عن مؤسسة ينتج مؤسسة، وتسمية الشيء لا تكفي لكي يعمل. البرلمان لا يصير برلماناً لأنه دخل في خطاب الدولة أو في روزنامتها. يحتاج إلى معنى مع الناس، ومحاضر لرؤاهم، وأعضاء يمكن سؤالهم، وإجراءات تجعل الكلام في مؤسسة، وجمهور يعرف أين تشكل القرار وكيف من الممكن تشكيله، من دون ذلك، تبقى الكلمة أقوى من الواقع الفعلي، مجلس شعب بلا عمل، وتمثيل بلا أثر، وحداثة سياسية تتحقق في الاسم. 

الحداثة السياسية تبدو سلعاً متكررة وسطحاً إدارياً، لأن من يعبر عنها حديثو الياقة وإعلاميون شعبويون. الدولة تبدو منظمة لأنها تملك الجداول والأرقام، لكنها لا ترى في المجتمع إلا ما يمكن حسابه وترتيبه وإحصاؤه، ولو كان الإحصاء خاطئاً. والمأساة أن ما لا يدخل في الرقم يبقى خارج الصورة التي تريدها السلطة أن تظهر، القتل اليومي، الخوف من القانون، فاتورة الكهرباء، الغلاء، وحتى أرقام أرغفة الخبز، حين تعلن لا تقول شيئاً كافياً عن قدرة الناس على احتماله. لذلك لا يكفي أن تقول السلطة إن البرلمان سيبدأ في وقت ما. السؤال هو ماذا يحدث للناس في هذا اللاحق أو المؤجل.

داخل هذا الفراغ، يتصرف الرئيس كأنه حاصل على تفويض عام، لا يحتاج إلى وسطاء ولا إلى مؤسسات تعمل بينه وبين المجتمع.  الشرعية تدور حول محددات، أولها لحظة الانتصار، ثم الاعتراف الخارجي، ثم سلطة دينية أتمت شروطها وميقاتها وتفويضها جماعات اجتماعية محددة، تمنحه حق الكلام باسم الأمة كلها. السلطة لا تؤسس لأي منطق تمثيلي خارج الأطر المذكرة، ومنطق التفويض  يدور حول الرئيس في المركز، والمؤسسات تأتي لاحقاً كي تلحق بالصورة التي رسمها القرار. 

الديموقراطية “غداً”

البرلمان هنا أثر أكثر من كونه مكاناً لمفهوم، ففي المخيلة السياسية السورية أصبح البرلمان أثراً، قبل أن يكون مؤسسة تعمل. هذا ما ظهر في الاعتصام أمام مجلس مؤجل، أمام شيء لا يعمل، لكنه يعمل من داخل التأجيل نفسه.

ما يبدو جديداً في السلطة يحمل شيئاً قديماً جداً. هناك افتراض قديم يحكم الحاضر، وهو أن الحاكم يعرف الخير العام أكثر من أي مؤسسة، وأن المجتمع لم ينضج بعد كي يمثّل نفسه أو يناقش السلطة من داخل قاعة. هذا التصور ليس غريباً عن تاريخ الفكر السياسي القديم، لكنه يعود أيضاً في لغة السلطة السورية السابقة، حين كان تأجيل الديمقراطية يبرر دائماً باسم الشروط والنضج والخطر والاستقرار وقلة الخبرة في السياسة.

 بعد ربيع دمشق، تحدث بشار الأسد بلغة قريبة من هذا المعنى: الديمقراطية لا تأتي الآن، المجتمع غير جاهز، الأولوية للأمن والاستقرار، والإصلاح قبل أي شيء. هذا التكرار نعرفه، لكن هل من السهل أن يصبح ما نعامله كأثر مفهوماً؟

بلدية القامشلي لوحة
شفان ابراهيم - صحافي سوري كردي | 10.07.2026

هدم مبنى بلدية القامشلي: الجرافات أسرع من “بيانات الإدانة”!

لم تتوقف "حرب البيانات" عند الأطراف الرسميّة، بل امتدت إلى ساحة المجتمع المدني، إذ أصدرت 21 منظمة مدنية محلية بياناً شجبت فيه عملية الهدم وطالبت بوقف أي إجراءات تؤدي إلى إزالة أو تغيير الطابع التاريخي لمبنى بلدية القامشلي القديم، معتبرةً أنه أحد أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ المدينة وهويتها العمرانية. وأكدت أن الحفاظ على اللوحة التاريخية…
26.06.2026
زمن القراءة: 8 minutes

 بعد ربيع دمشق، تحدث بشار الأسد بلغة قريبة من هذا المعنى: الديمقراطية لا تأتي الآن، المجتمع غير جاهز، الأولوية للأمن والاستقرار، والإصلاح قبل أي شيء. هذا التكرار نعرفه، لكن هل من السهل أن يصبح ما نعامله كأثر مفهوماً؟

هناك برلمان سوري داخل زمن مُعلن ومؤجل في الوقت نفسه، فمنذ إعلان النتائج النهائية لانتداب مُمثلين في مجلس الشعب في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 ضمن آلية “هجينة”، كان يفترض أن يكتمل المجلس بإعلان الثلث الذي يعينه الرئيس الانتقالي، وأن تنعقد جلسته الأولى قبل نهاية العام. 

لكن نهاية 2025 مرت من دون افتتاح. ثم جاء وعد جديد في نيسان/ أبريل 2026، حين تحدث الرئيس أحمد الشرع عن انعقاد الجلسة الأولى في نهاية الشهر، قبل أن ينتقل الموعد في التداول الرسمي والإعلامي إلى مطلع أيار/ مايو، ثم إلى 8 حزيران/ يونيو، من دون أن يتحول أي موعد إلى افتتاح فعلي.

كل شهر إضافي بلا مجلس شعب يضعف العمل السياسي والرقابي على سلطة غير منتخبة ويمنح الرئاسة والسلطة التنفيذية، مساحة أوسع لإصدار القوانين والمراسيم والقرارات الاقتصادية والمعيشية من دون نقاش تشريعي. والأهم، في مخالفة لمعظم بنود الإعلان الدستوري، الذي أقرته السلطة نفسها.

الحكم بـ”الوقت المؤجل”

تأجيل البرلمان هو طريقة في الحكم، وصناعة الأشياء وترقيمها ووضع تواريخ لها، لكن من دون أي ممارسة فعلية. فالسلطة لا تبدو مستعدة لأن تجعل التداول السياسي جزءاً من عملها اليومي، إلا حين يكون مضبوطاً ومحضراً له من داخل دائرتها. لذلك، لعلها تفضل أن يبقى الخلاف في الإعلام والمنصات والمقابلات والترندات، حيث يمكن أن يتفرق ويبرد ويتحول إلى مادة عابرة تخص جمهوراً يشاهد ويعلق. 

أما “الجمهور”، ونركّز على كلمة الجمهور، في الداخل وفي المناطق المُهمّشة يبقى من دون أي تفاعل سياسي فعلي… هنا تماماً تبرز الحاجة الى عمل سياسي مؤسساتي يفترض أن يكون البرلمان هو ساحته. كما إن دخول الخلاف السياسي إلى البرلمان.

أي برلماني سيصير له مكان في البرلمان، ومحضر أعمال، وأسماء أناس يمثلهم، هم أنفسهم أبناء منطقته، سيراقبونه وينتقدونه ويبحثون من خلفه، وهذا سيكون في زمن السوشيل ميديا والكلام المفتوح مُنتجاً للمعنى السياسي حتماً. لذلك يبدو البرلمان المؤجل علامة على سلطة تريد إطار الدولة، لكنها لا تريد لهذا الإطار أن يتحول إلى مجال منازعة فعلية.

في 6 حزيران/ يونيو 2026، وصلت هذه المفارقة إلى صورتها الأوضح مع اعتصام “قانون وكرامة” أمام مجلس الشعب. كان الاحتجاج أمام المجلس فعلاً حدسياً، ومحاكاة لبرلمان غير موجود. أهمية الاعتصام أنه أخرج الحاجة من صمتها وشكّل دفعاً لا واعياً لتخيل مكان ما للاحتجاج، ومن حالة الفرجة العامة التي تضع الدولة الناس داخلها عبر مشاريعها الجديدة ونسبها الإحصائية الوهمية غير الدقيقة. 

لم يقف الناس أمام وزارة أو أصحاب قرار حقيقيين، بل ظهروا كشعب يُريد أن يناقش ما يحدث باسمه بالقرب من مكان صناعة الدولة ورعايتها: القوانين، الغلاء، الكهرباء، الرواتب، الفساد، وشروط العيش. هذا كله في وضع تخييليّ مفارق، لأنه أمام برلمان غير موجود، هو تخيل قد يظنه الرائي ذهانياً، كان الناس يحتجون أمام الكلمة لا أمام أي واقع لها.

حتى وجود برلمان ضعيف في سوريا، التي تتمتع نوعاً ما بشكل من أشكال الحرية في القول، قد يفتح مسافة داخل السلطة. لا يوقف الرئاسة بالضرورة، ولا يجعلها خاضعة كلياً، لكنه يمنعها من أن تكون المصدر الوحيد للقرار والكلام والشرعية. 

التأخير إذاً قد يبدو جزءاً من بنية الحكم نفسها… كلما تأخرت الجلسة الأولى، اتسعت قدرة الرئاسة على الظهور كأنها “الدولة كلها”، تفاوض الخارج، تصدر القوانين، ترد على المخاطر، وتحدد ما يجوز للمجتمع أن يعرفه عن القرار. وفي الملفات الحساسة، من العلاقة مع الخارج إلى أي خطر متصل بلبنان أو بحدود سوريا، يظهر القرار كأنه صادر عن رأس السلطة وحده، لا عن مسار سياسي يعرف الناس كيف تشكّل ومن ناقشه ومن تحمّل مسؤوليته.

الحرية خارج القبة… وداخل الحشد

هناك حرية ما في سوريا، لكنها محصورة بالحشد، والأفراد، فأن تكتب على وسائل التواصل، أن تنشر مقالاً، أن تعترض بصوت مسموع أحياناً، أن تخرج في بثّ وتنتقد السلطة، أن تسخر من قادة عسكريين… ذلك كله ممكن. لكنها حرية تبقى خارج القدرة على التأثير بشكل فعلي في صناعة القرار، ما يجعلها تبدو حرية سلبية بحتة. تظهر في الشارع وعلى الشاشة وفي النصوص، ولا تجد الشكل المؤسسي الذي يجعلها جزءاً من عمل الدولة. 

يتحدث الشرع عن مناخ الحرية، وتفعل وزارة الإعلام ذلك، وكذلك ناشطون قريبون من السلطة، غير أن هذا كله يسمح بظهور الحشد، لكنه لا يعترف به كقوة أبداً.

من هنا جاءت دلالة المفارقة في الوقوف أمام مجلس لا يعمل، وبالأصل نوابه مُعينيون بطريقة ما. الدولة تتكلم باسم المجتمع، وتخيط له سرداً عن أحلامه ومستقبله وخوفه، لكنها تؤجل المكان الذي يمكن أن يظهر فيه المجتمع كفاعل يحمل إمكانية. 

الممكن والافتراضي

المسألة ليست تأخير موعد أو تأجيل جلسة، بل صراع على الزمن السياسي. السلطة تتعامل مع التمثيل كشيء يمكن دفعه إلى الأمام. الممكن هو الصورة التي تعلنها السلطة عن نفسها بسهولة، عبر خطاب إعلامي أو لقاء سياسي: وجود برلمان، حوار وطني، وثيقة عن الإعلام ومسلكيته، حياة سياسية منظمة، فيها برهان غليون مثلاً يصرح بآرائه النقدية وغيرها. إنها صورة جاهزة وقابلة للعرض، كأنها تنتظر فقط وقتها المناسب كي تتحقق، وقد يكون هذا الوقت مؤجلاً دائماً.

في الحالة السورية، لا يأتي هذا من فراغ، بل من امتداد تجربة الحوكمة. تجربة هيئة تحرير الشام في إدلب تسبق تجربة البرلمان الحالي، لكنها تدخل في معناه من دون شك. هناك تشكلت أفكار الهيئة عن المؤسسة قبل الوصول إلى دمشق: شورى، حكومة إنقاذ، مجالس، إدارة محلية، مشاريع لتنمية الزراعة، وحديث دائم عن التنظيم والاستقرار والفرادة والأمن. لكنها بالطبع لم تكن مؤسسة ديمقراطية مفتوحة، بل شكلاً لإدارة المجتمع، منسجماً مع أقل وضع للاستعارة من مفاهيم غربية ومدنية، داخل سقف سياسي وأمني واضح.

لا يكون الافتراضي في الحالة السورية مجرد نية مخفية وباطنية، أو حتى خلفية عقائدية، بل نمط تشغيل أساسياً وسابقاً على كل مؤسسة، إنه الإطار المُجرب، وحتى على البرلمان نفسه سينطبق غالباً هذا الشيء. المؤسسة، كما تم اختبارها في إدلب، لا تُفهم ولم تقم بوصفها مكاناً لتكوين إرادة سياسية عامة، بل جهازاً لترتيب المجتمع داخل سقف معلوم سلفاً ومحدد الأطر. الشورى والإدارة والمجالس والحكومة المحلية كانت أسماء لمجال مضبوط أمنياً، وبتاريخ عسكري لم يخلُ من التصفيات والإلغاء، لا لمساحة يمكن أن تنقلب فيها المداولات على مركز القرار.

في تموز/ يوليو 2022، تحدث زعيم النصرة آنذاك أبو محمد الجولاني في لقاء عام وصحافي، عن مشروعه بوصفه إدارة، هذا التركيز على الإدارة يتكرر، بدون أي حديث عن الانتقال نحو تمثيل سياسي عام، فقال إن “المشروع في المناطق المحررة لم يعد ثورة ضد ظلم وطغيان وإنما تحول لبناء كيان سُني”، وتحدث عن حكومة الإنقاذ بوصفها “مرحلة مهمة في تاريخ الثورة السورية”، لأنها نقلت المناطق المحررة من “الحالة الفوضوية” إلى “الحالة التنظيمية والقانونية الأمنية”. هذه الجمل مهمة لأنها تكشف أصل التصور والافتراض. المؤسسات لا تبدأ من حق المجتمع في تمثيل نفسه، بل من بناء جماعة سياسية مضبوطة حول خوف وهوية طائفية وتنظيم وإدارة أمنية آمنة.

في آذار/ مارس 2024، حين خرجت احتجاجات إدلب ضد هيئة تحرير الشام وحكومة الإنقاذ سويا، قال الشرع إنه “غير متمسك بالسلطة”، وأضاف: “تستطيعون أن تتفقوا على شخص بنسبة 60 أو 70 بالمائة وأنا معكم”. لكن هذا الانفتاح بقي محاطاً بحد أمني واضح، حين تحدث عن “خطوط حمراء”، وقال: “إذا تدخلنا لحماية المحرر سنتدخل بشكل شديد”. هنا تظهر المشاركة كمساحة مشروطة وتحت تهديد خطر دائم. السلطة تقبل الكلام حين يبقى داخل تصوراتها عن حماية المحرر، أي عن حماية السلطة ومكانها.

بعد سقوط دمشق تغير القاموس، أصبح أكثر اتساعاً، لكن التجربة السابقة لم تختف بالأصل، والشرع نفسه يؤكد أولوية تجربة إدلب. في إدلب كانت اللغة: شورى، حكومة إنقاذ، عمل مؤسساتي، ضبط الفصائل، حماية المكان المحرر، وخطوط حمراء إن تهدد الكيان. بعد دمشق صارت اللغة: برلمان، انتقال، انتخابات، حوار وطني، ومشاركة وطنية.

 في كانون الأول/ ديسمبر 2024، تحدث الشرع عن نظام حكم مؤسسي، لا عن حكم يقوم على “أهواء شخصية أو طريقة حكم الميليشيا”. وفي شباط/ فبراير 2025، حين سئل عن الديمقراطية، قال: “في منطقتنا، هناك تعريفات مختلفة للديمقراطية”. هذه الطريقة في نقل التعريف إلى سياق عمومي تترك فراغاً في المعنى، حتى حين يقبل لاحقاً بأنها تعني أن الشعب يقرر من يحكمه ومن يمثله في البرلمان. غير أن ذلك كله بقي مربوطاً بلجان حوار، وقوانين لاحقة تشي بعمل سياسي لكنه لا يظهر، وزمن انتقالي طويل دائم الحديث عنه. تغير اسم المؤسسة، وبقي السؤال نفسه: هل تكون المؤسسة مكاناً لظهور المجتمع كقوة سياسية فاعلة واجتماعية؟

السياسي كقاموس ورشة عمل

تساعد لغة السلطة نفسها على فهم هذا الانتقال المفتوح والغريب والمفارق. فهي تميل إلى جعل السياسة قابلة للعرض عبر تواريخ ونسب ومراحل ولجان ومواعيد. التواريخ تتحول إلى سلع متكررة، قابلة لاستهلاك نموذجي لا تنموي. تعلن السلطة موعداً، ثم تؤجله، ثم تعلن ترتيباً جديداً ومواعيد أخرى، كأن الزمن السياسي مسألة روزنامة وعروض ترند، لا وقائع ولا أحداث سياسية مغيرة. هناك هيمنة للعمل على الكلمات، سلطة أنشأت ورقة دستورية صادمة ومتفردة، ثم جيشا بعدما كان ميليشيا، ثم مجلس شعب من دون مشاركة فعلية، وقد تم هذا كله من دون قدرة حقيقية على المساءلة من أحد.

هنا تكشف اللغة حدودها. فليس كل إعلان عن مؤسسة ينتج مؤسسة، وتسمية الشيء لا تكفي لكي يعمل. البرلمان لا يصير برلماناً لأنه دخل في خطاب الدولة أو في روزنامتها. يحتاج إلى معنى مع الناس، ومحاضر لرؤاهم، وأعضاء يمكن سؤالهم، وإجراءات تجعل الكلام في مؤسسة، وجمهور يعرف أين تشكل القرار وكيف من الممكن تشكيله، من دون ذلك، تبقى الكلمة أقوى من الواقع الفعلي، مجلس شعب بلا عمل، وتمثيل بلا أثر، وحداثة سياسية تتحقق في الاسم. 

الحداثة السياسية تبدو سلعاً متكررة وسطحاً إدارياً، لأن من يعبر عنها حديثو الياقة وإعلاميون شعبويون. الدولة تبدو منظمة لأنها تملك الجداول والأرقام، لكنها لا ترى في المجتمع إلا ما يمكن حسابه وترتيبه وإحصاؤه، ولو كان الإحصاء خاطئاً. والمأساة أن ما لا يدخل في الرقم يبقى خارج الصورة التي تريدها السلطة أن تظهر، القتل اليومي، الخوف من القانون، فاتورة الكهرباء، الغلاء، وحتى أرقام أرغفة الخبز، حين تعلن لا تقول شيئاً كافياً عن قدرة الناس على احتماله. لذلك لا يكفي أن تقول السلطة إن البرلمان سيبدأ في وقت ما. السؤال هو ماذا يحدث للناس في هذا اللاحق أو المؤجل.

داخل هذا الفراغ، يتصرف الرئيس كأنه حاصل على تفويض عام، لا يحتاج إلى وسطاء ولا إلى مؤسسات تعمل بينه وبين المجتمع.  الشرعية تدور حول محددات، أولها لحظة الانتصار، ثم الاعتراف الخارجي، ثم سلطة دينية أتمت شروطها وميقاتها وتفويضها جماعات اجتماعية محددة، تمنحه حق الكلام باسم الأمة كلها. السلطة لا تؤسس لأي منطق تمثيلي خارج الأطر المذكرة، ومنطق التفويض  يدور حول الرئيس في المركز، والمؤسسات تأتي لاحقاً كي تلحق بالصورة التي رسمها القرار. 

الديموقراطية “غداً”

البرلمان هنا أثر أكثر من كونه مكاناً لمفهوم، ففي المخيلة السياسية السورية أصبح البرلمان أثراً، قبل أن يكون مؤسسة تعمل. هذا ما ظهر في الاعتصام أمام مجلس مؤجل، أمام شيء لا يعمل، لكنه يعمل من داخل التأجيل نفسه.

ما يبدو جديداً في السلطة يحمل شيئاً قديماً جداً. هناك افتراض قديم يحكم الحاضر، وهو أن الحاكم يعرف الخير العام أكثر من أي مؤسسة، وأن المجتمع لم ينضج بعد كي يمثّل نفسه أو يناقش السلطة من داخل قاعة. هذا التصور ليس غريباً عن تاريخ الفكر السياسي القديم، لكنه يعود أيضاً في لغة السلطة السورية السابقة، حين كان تأجيل الديمقراطية يبرر دائماً باسم الشروط والنضج والخطر والاستقرار وقلة الخبرة في السياسة.

 بعد ربيع دمشق، تحدث بشار الأسد بلغة قريبة من هذا المعنى: الديمقراطية لا تأتي الآن، المجتمع غير جاهز، الأولوية للأمن والاستقرار، والإصلاح قبل أي شيء. هذا التكرار نعرفه، لكن هل من السهل أن يصبح ما نعامله كأثر مفهوماً؟

26.06.2026
زمن القراءة: 8 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية