ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

البديهيات لم تعد بديهيّة لهذه الدرجة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بينما يأخذ استنكار الفضيحة الأخلاقي دوراً تطهيرياً، حسب دوركهايم، يأخذ في البلاد العربية طابعاً “وظيفياً” يرسّخ الانحراف ويظهر تفوّق المال السياسي على ما عداه، حتى لتبدو حياتنا في بلادنا، وحتى السياسة فيها، سلسلة مستمرة من الفضائح لا تنقطع.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“القناع لم يعد الفضيحة الأخلاقية التي نسعى الى التنديد بها، أصبح هناك تقليد آخر للقناع: إنه ليس فقط للإخفاء بل للتباهي. القناع أصبح واجهة رمزية تمنح نفسها للمشاهدة والقراءة”. 

رافاييل لوركا من كتاب “الأقنعة الجديدة لليمين المتطرف، الراديكالية في عصر نتفلكس”.

هل نستطيع أن نتذكر بديهيات الأخلاق والقانون، الحق والخير والجمال؟ ربما ليس بالعمق الذي تفترضه صيغة السؤال، لكن بالبساطة التي تقترحها صيغة إعلان حقوق الإنسان على سبيل المثال، أي بالبساطة التي تجعلنا ندين سارقاً أو متحرّشاً أو شرطياً مرتشياً أو لصّ مواش أو دولة معتدية على أخرى بفائض القوة والدعم.

تستخدم كلمة “البديهية” للإشارة إلى حقيقة أولى غير قابلة للإثبات بطرق الاستدلال العلمي التقليدية. يجب الموافقة عليها من المتحاورين أو الأخصام أو العموم، لصنع الأساس الذي ننطلق منه نحو ابتكار بديهيات أخرى، ربما أو نتائج يصحّ أن يُبنى عليها.

وعبر عشرين قرناً من الصراع اليومي ومن إنتاج الأفكار ومخاصمتها ونقضها والتعامل معها بالكلام حيناً، والمنطق والعصي والسكاكين حيناً آخر، خلصت الأجسام الاجتماعية، أو المجموعات البشرية، إلى مجموعة من البديهيات أصبحت أكثر من بديهية، بل مسلمات، مثل مجموعة الحقوق التي يتضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إذ لا يجوز لسلطة سياسية في العالم أن تقول، على سبيل المثال، إنها ضد حقوق الإنسان، وإلا أصبحت ليس فقط خارج العلاقات السياسية الطبيعية، بل خارج المنطق أيضاً.

في المجتمعات الحديثة، لم تعد البديهيات بديهية لهذا الحد، بل توجّب أيضاً إعادة تفسيرها وتعريفها أيضاً. تعريف البديهيات أصبح جزءاً مهماً من أي خطاب موجّه إلى جمهور من ثلاثة مستمعين وما فوق. لنأخذ على سبيل المثال الفضائح السياسية التي تصادفنا:

تسير الفضيحة اليوم جنباً إلى جنب مع الحدث اليومي، مع أي حدث يومي بسيط: فضائح مالية، جنسية، دوائية، سياسية، تجسس، اختراق للخصوصية، تعنيف زوجي أمام الشاشات، لغة مبتذلة لقادة العالم، وغالباً ما يكون للفضيحة السياسة المترافقة مع الفضيحة الجنسية وقع أكبر، وتنال حصة أكبر من التغطية الإعلامية أو الاهتمام الشعبي بها، ذلك أن أكثر ما يثير حفيظة الجمهور العادي هو استغلال السياسي لمنصبه لنيل حظوة لدى امرأة ما، بينما لا يلقى الفساد المالي أو حتى الخيانة الوطنية، بالمقارنة، الاهتمام والمتابعة ذاتهما، وهذا ببساطة بسبب الحسد، الحسد الذي يرتبط بالحظوة المالية للسياسي باعتباره ذا شأن حكومي، وأيضاً لأنه ينال الحظوة نفسها لدى النساء الجميلات.

وبينما يأخذ استنكار الفضيحة الأخلاقي دوراً تطهيرياً، حسب دوركهايم، يأخذ في البلاد العربية طابعاً “وظيفياً” يرسّخ الانحراف ويظهر تفوّق المال السياسي على ما عداه، حتى لتبدو حياتنا في بلادنا، وحتى السياسة فيها، سلسلة مستمرة من الفضائح لا تنقطع.

أي مشهد سياسي في العالم العربي، منذ انطلاق موجة “الربيع العربي” وحتى سقوط النظام السوري، أي قرابة العقد ونصف العقد، ثم الحرب الإسرائيلية – الإيرانية التي شهدناها. كل مشهد بمفرده يشكل فضيحة بحد ذاته، لكنها تمرّ وكأنها لم تكن.

أما خفايا الأمور التي يطلع عليها الجمهور، غالباً بعد فوات الأوان، أو بفضيحة أخرى أشد هولاً تجعله ينسى الدوافع البدئية التي أنتجت النهايات التي يرزح تحتها، لا تنال من الاستنكار أو الغضب إلا ما يكفي لأن يرقد الجمهور المعني على سريره برضى تام عن ردة فعله، وحتى عن مصيره.

سوريا أرض الفضيحة المتجددة

“إنه رجل جذاب، صلب، وله ماض قوي”، هذا ما قاله الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في تعليق على مقابلته مع الجولاني.

لا يبدو ترامب في طريقة تفكيره ونظرته للأشياء، بعيداً عن النظرة “الدونية” التي تسم المجتمعات الشرقية، أو مجتمعات البطولة الفردية، بل يبدو أنه يتبنى مفاهيم البطولة نفسها التي تسحرنا: رجل من منبت غير معروف، يتمتع بصفات شخصية خاصة تجعله “مثالاً” لما يجب أن يكون عليه الزعيم أو البطل أو القائد. واستخدم ترامب كلمة “tough” لوصفه، والتي تعني الصلب أو القوي أو المتين، ولحسن الحظ لا يعلم ترامب شيئاً عن الثقافة واللغة العربيتين، وإلا كنا سمعنا تشبيهات بخالد أو بعمر، وربما بيتاً أو بيتين من الشعر الرديء أيضاً، ولكنْ لهذا التصريح الغريب أيضاً تعريف في علم الاجتماع: إنه فضيحة فحسب.

ما يحدث في سوريا، وكيفية الترحيب بجهادي معروف ومصنّف على قوائم المطلوبين، وكان سعر أي معلومة تفضي إلى رأسه موضوعاً على ملصقات تشبه تلك التي كانت متداولة في “الغرب المتوحش” على أنه رئيس شرعي، واستقباله من قادة العالم الحر، ثم التصريح بأن هذه “الترقية”، أي تحويل “الجولاني” إلى “الشرع”،  كما كان يُفعل مع فتيات العائلات الأرستقراطية لتعليمهن “أصول الإتيكيت” والرقص مع النبلاء لضمان الحصول على زوج ثري، قد تمّ بمعونة من معهد بريطاني، حسبما صرح روبرت فورد، السفير الأميركي السابق في سوريا… هذا كله ليس سياسة، وليس براغماتية. 

إنه ببساطة فضيحة. 

قصف غزة المستمرّ منذ ما يزيد عن 600 يوم والتصريح بالرغبة في تحويلها إلى فنادق ومنتجعات فضيحة، “تبخير” قادة حزب الله ومحو نصف عاصمة عربية فضيحة. “تحرير” سوريا على يد عناصر القاعدة، تدمير معداتها العسكرية بالكامل وقضم جزء من أراضيها فضيحة، قصف إيران، الحرب الروسية – الأوكرانية. تصريحات ترامب وإجباره قادة العالم على الاستماع إلى هرائه، بل حتى وجوده على راس أعتى قوة في العالم… هذا ليس العالم كما نعرفه، وليست السياسة كما نعرفها وعرفناها. إنها فضيحة فحسب.

وظيفة بمرتبة رئيس

في كتابه المذكور سابقاً رافاييل لوركا، يتحدث عن المفاهيم السياسية الحديثة ليس بوصفها كذلك، بل بوصفها علامات تجارية مثلها مثل ستارباكس ونايكي وماكدونالد.

هذه “العلامات” التجارية الجديدة، كالأحزاب اليمينية الصاعدة في أوروبا، الترامبية، ومثيلاتها في عالمنا العربي، الإسلام السياسي “المعتدل”،  تم استبدال المصطلحات الفلسفية والسياسية بها، وجاءت كخاتمة لانتهاء السياسة كما عرّفها ويعرفها الجمهور، بأنها اشتغال بالشأن العام، لتصبح “وظيفة” أو “تمثيل”، بمعنى أن يلتقط السياسي الفرصة التي يحتاجها الفراغ الذي تؤسسه المؤسسات التي تصنع السياسة، ويتقدم كأفضل مرشّح يمكن أن يشغل هذا المنصب. 

 وإذا أردنا أن نتذكر منجزات درّة تاج الديمقراطية الأميركية، أي وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض وفرحة العالم الحرّ بهذا الإنجاز، فلنتذكر أنه من أمر بقتل المواطن اليمني أنور العولقي بدون إدانته بأي جريمة، في أيلول/ سبتمبر 2011، وبعدها بأسبوعين قتل ابنه وابن أخيه 17 سنة، والكثير من اليمنيين الأبرياء، ونسف جهود تحديد انبعاثات الكربون في كوبنهاغن في كانون الأول/ ديسمبر 2009، ووافق على زيادة التنقيب عن النفط في الولايات المتحدة بدعوى استقلالية الطاقة، وفكّك حركة “احتلوا وول ستريت”، وأصبح عدواً رئيسياً للمبلغين عن المخالفات الحكومية، وأعطى جورج بوش الابن وتشيني، وبقية العصابة العسكرية، إعفاء من التعذيب والاغتيال والقيام بحروب إجرامية. هذا مثال صغير فقط عن المبادئ التي لا تعني أي شيء.

لم يعد اليسار يعني اليسار ولا اليمين واليمين المتطرّف حتى، والاشتراكية والحقوق والتوزيع العادل للثروة، لم تعد تعني ما تعنيه بشكل مباشر. قد ترى حقوقياً يؤمن بتعنيف النساء، وليبرالياً يدعو لزرع أجهزة تنصّت على المواطنين، اشتراكياً يسرق حقوق العمّال ويسارياً يرفع راية فصيل جهادي. 

الدولة “الوطنية” والعلم الرسمي وكامل التراب الوطني، أصبحت نماذج تتم معاملتها كعلامات تجارية يمكن أن “تضرب” ويمكن أن تفشل في التسويق لدى جمهور متعطش لـ “الماركات” ويعشق “الترند”، وللأسف كل ما كنا نؤمن به من سيادة واستقلال أصبح خارج الترند.

قناع “التطرف”، قومياً كان أم إسلامياً، قناع “الوطنية”، قناع “الليبرالية”، تشبع الشبكات الاجتماعية والفضاء الرقمي برموز لإضفاء الحماسة على الخطاب الجديد للسياسيين الجدد، ويعمل على تغذيتها باستمرار لـ “تلبي” رغبة الجمهور. 

 وعند هذه النقطة، يصف رافاييل لوركا، على سبيل المثال، إريك زمور، السياسي اليميني الفرنسي من أصول جزائرية، بأنه يأتي من عصر نتفلكس، فيما تأتي ماريان لوبان، من عصر TF1  (قناة فرنسية مجانية)، وبهذا نستطيع القول إن كان الرعيل الأول للرؤساء العرب أتى من محل “فلافل” مغمور في زاروب متسخ، فإن الرعيل الجديد قادم من “KFC”، وبتوصيل مجّاني أيضاً.

إقرأوا أيضاً:

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 16.01.2026

“الإبادة البيئيّة” في سلطنة عمان: من يحمي الحوت الأحدب والنمر العربي من شركات النفط والغاز؟

سلطنة عُمان تحتل المركز الثاني بين أكثر الدول التي تتضمن تراخيص نفط وغاز داخل مناطق محمية معترف بها دوليًا بمساحة تداخل تبلغ نحو 56 ألف كم²، حيث تتقاطع 20 ترخيصًا للنفط والغاز مع 35 منطقة محمية.
03.09.2025
زمن القراءة: 6 minutes

بينما يأخذ استنكار الفضيحة الأخلاقي دوراً تطهيرياً، حسب دوركهايم، يأخذ في البلاد العربية طابعاً “وظيفياً” يرسّخ الانحراف ويظهر تفوّق المال السياسي على ما عداه، حتى لتبدو حياتنا في بلادنا، وحتى السياسة فيها، سلسلة مستمرة من الفضائح لا تنقطع.

“القناع لم يعد الفضيحة الأخلاقية التي نسعى الى التنديد بها، أصبح هناك تقليد آخر للقناع: إنه ليس فقط للإخفاء بل للتباهي. القناع أصبح واجهة رمزية تمنح نفسها للمشاهدة والقراءة”. 

رافاييل لوركا من كتاب “الأقنعة الجديدة لليمين المتطرف، الراديكالية في عصر نتفلكس”.

هل نستطيع أن نتذكر بديهيات الأخلاق والقانون، الحق والخير والجمال؟ ربما ليس بالعمق الذي تفترضه صيغة السؤال، لكن بالبساطة التي تقترحها صيغة إعلان حقوق الإنسان على سبيل المثال، أي بالبساطة التي تجعلنا ندين سارقاً أو متحرّشاً أو شرطياً مرتشياً أو لصّ مواش أو دولة معتدية على أخرى بفائض القوة والدعم.

تستخدم كلمة “البديهية” للإشارة إلى حقيقة أولى غير قابلة للإثبات بطرق الاستدلال العلمي التقليدية. يجب الموافقة عليها من المتحاورين أو الأخصام أو العموم، لصنع الأساس الذي ننطلق منه نحو ابتكار بديهيات أخرى، ربما أو نتائج يصحّ أن يُبنى عليها.

وعبر عشرين قرناً من الصراع اليومي ومن إنتاج الأفكار ومخاصمتها ونقضها والتعامل معها بالكلام حيناً، والمنطق والعصي والسكاكين حيناً آخر، خلصت الأجسام الاجتماعية، أو المجموعات البشرية، إلى مجموعة من البديهيات أصبحت أكثر من بديهية، بل مسلمات، مثل مجموعة الحقوق التي يتضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إذ لا يجوز لسلطة سياسية في العالم أن تقول، على سبيل المثال، إنها ضد حقوق الإنسان، وإلا أصبحت ليس فقط خارج العلاقات السياسية الطبيعية، بل خارج المنطق أيضاً.

في المجتمعات الحديثة، لم تعد البديهيات بديهية لهذا الحد، بل توجّب أيضاً إعادة تفسيرها وتعريفها أيضاً. تعريف البديهيات أصبح جزءاً مهماً من أي خطاب موجّه إلى جمهور من ثلاثة مستمعين وما فوق. لنأخذ على سبيل المثال الفضائح السياسية التي تصادفنا:

تسير الفضيحة اليوم جنباً إلى جنب مع الحدث اليومي، مع أي حدث يومي بسيط: فضائح مالية، جنسية، دوائية، سياسية، تجسس، اختراق للخصوصية، تعنيف زوجي أمام الشاشات، لغة مبتذلة لقادة العالم، وغالباً ما يكون للفضيحة السياسة المترافقة مع الفضيحة الجنسية وقع أكبر، وتنال حصة أكبر من التغطية الإعلامية أو الاهتمام الشعبي بها، ذلك أن أكثر ما يثير حفيظة الجمهور العادي هو استغلال السياسي لمنصبه لنيل حظوة لدى امرأة ما، بينما لا يلقى الفساد المالي أو حتى الخيانة الوطنية، بالمقارنة، الاهتمام والمتابعة ذاتهما، وهذا ببساطة بسبب الحسد، الحسد الذي يرتبط بالحظوة المالية للسياسي باعتباره ذا شأن حكومي، وأيضاً لأنه ينال الحظوة نفسها لدى النساء الجميلات.

وبينما يأخذ استنكار الفضيحة الأخلاقي دوراً تطهيرياً، حسب دوركهايم، يأخذ في البلاد العربية طابعاً “وظيفياً” يرسّخ الانحراف ويظهر تفوّق المال السياسي على ما عداه، حتى لتبدو حياتنا في بلادنا، وحتى السياسة فيها، سلسلة مستمرة من الفضائح لا تنقطع.

أي مشهد سياسي في العالم العربي، منذ انطلاق موجة “الربيع العربي” وحتى سقوط النظام السوري، أي قرابة العقد ونصف العقد، ثم الحرب الإسرائيلية – الإيرانية التي شهدناها. كل مشهد بمفرده يشكل فضيحة بحد ذاته، لكنها تمرّ وكأنها لم تكن.

أما خفايا الأمور التي يطلع عليها الجمهور، غالباً بعد فوات الأوان، أو بفضيحة أخرى أشد هولاً تجعله ينسى الدوافع البدئية التي أنتجت النهايات التي يرزح تحتها، لا تنال من الاستنكار أو الغضب إلا ما يكفي لأن يرقد الجمهور المعني على سريره برضى تام عن ردة فعله، وحتى عن مصيره.

سوريا أرض الفضيحة المتجددة

“إنه رجل جذاب، صلب، وله ماض قوي”، هذا ما قاله الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في تعليق على مقابلته مع الجولاني.

لا يبدو ترامب في طريقة تفكيره ونظرته للأشياء، بعيداً عن النظرة “الدونية” التي تسم المجتمعات الشرقية، أو مجتمعات البطولة الفردية، بل يبدو أنه يتبنى مفاهيم البطولة نفسها التي تسحرنا: رجل من منبت غير معروف، يتمتع بصفات شخصية خاصة تجعله “مثالاً” لما يجب أن يكون عليه الزعيم أو البطل أو القائد. واستخدم ترامب كلمة “tough” لوصفه، والتي تعني الصلب أو القوي أو المتين، ولحسن الحظ لا يعلم ترامب شيئاً عن الثقافة واللغة العربيتين، وإلا كنا سمعنا تشبيهات بخالد أو بعمر، وربما بيتاً أو بيتين من الشعر الرديء أيضاً، ولكنْ لهذا التصريح الغريب أيضاً تعريف في علم الاجتماع: إنه فضيحة فحسب.

ما يحدث في سوريا، وكيفية الترحيب بجهادي معروف ومصنّف على قوائم المطلوبين، وكان سعر أي معلومة تفضي إلى رأسه موضوعاً على ملصقات تشبه تلك التي كانت متداولة في “الغرب المتوحش” على أنه رئيس شرعي، واستقباله من قادة العالم الحر، ثم التصريح بأن هذه “الترقية”، أي تحويل “الجولاني” إلى “الشرع”،  كما كان يُفعل مع فتيات العائلات الأرستقراطية لتعليمهن “أصول الإتيكيت” والرقص مع النبلاء لضمان الحصول على زوج ثري، قد تمّ بمعونة من معهد بريطاني، حسبما صرح روبرت فورد، السفير الأميركي السابق في سوريا… هذا كله ليس سياسة، وليس براغماتية. 

إنه ببساطة فضيحة. 

قصف غزة المستمرّ منذ ما يزيد عن 600 يوم والتصريح بالرغبة في تحويلها إلى فنادق ومنتجعات فضيحة، “تبخير” قادة حزب الله ومحو نصف عاصمة عربية فضيحة. “تحرير” سوريا على يد عناصر القاعدة، تدمير معداتها العسكرية بالكامل وقضم جزء من أراضيها فضيحة، قصف إيران، الحرب الروسية – الأوكرانية. تصريحات ترامب وإجباره قادة العالم على الاستماع إلى هرائه، بل حتى وجوده على راس أعتى قوة في العالم… هذا ليس العالم كما نعرفه، وليست السياسة كما نعرفها وعرفناها. إنها فضيحة فحسب.

وظيفة بمرتبة رئيس

في كتابه المذكور سابقاً رافاييل لوركا، يتحدث عن المفاهيم السياسية الحديثة ليس بوصفها كذلك، بل بوصفها علامات تجارية مثلها مثل ستارباكس ونايكي وماكدونالد.

هذه “العلامات” التجارية الجديدة، كالأحزاب اليمينية الصاعدة في أوروبا، الترامبية، ومثيلاتها في عالمنا العربي، الإسلام السياسي “المعتدل”،  تم استبدال المصطلحات الفلسفية والسياسية بها، وجاءت كخاتمة لانتهاء السياسة كما عرّفها ويعرفها الجمهور، بأنها اشتغال بالشأن العام، لتصبح “وظيفة” أو “تمثيل”، بمعنى أن يلتقط السياسي الفرصة التي يحتاجها الفراغ الذي تؤسسه المؤسسات التي تصنع السياسة، ويتقدم كأفضل مرشّح يمكن أن يشغل هذا المنصب. 

 وإذا أردنا أن نتذكر منجزات درّة تاج الديمقراطية الأميركية، أي وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض وفرحة العالم الحرّ بهذا الإنجاز، فلنتذكر أنه من أمر بقتل المواطن اليمني أنور العولقي بدون إدانته بأي جريمة، في أيلول/ سبتمبر 2011، وبعدها بأسبوعين قتل ابنه وابن أخيه 17 سنة، والكثير من اليمنيين الأبرياء، ونسف جهود تحديد انبعاثات الكربون في كوبنهاغن في كانون الأول/ ديسمبر 2009، ووافق على زيادة التنقيب عن النفط في الولايات المتحدة بدعوى استقلالية الطاقة، وفكّك حركة “احتلوا وول ستريت”، وأصبح عدواً رئيسياً للمبلغين عن المخالفات الحكومية، وأعطى جورج بوش الابن وتشيني، وبقية العصابة العسكرية، إعفاء من التعذيب والاغتيال والقيام بحروب إجرامية. هذا مثال صغير فقط عن المبادئ التي لا تعني أي شيء.

لم يعد اليسار يعني اليسار ولا اليمين واليمين المتطرّف حتى، والاشتراكية والحقوق والتوزيع العادل للثروة، لم تعد تعني ما تعنيه بشكل مباشر. قد ترى حقوقياً يؤمن بتعنيف النساء، وليبرالياً يدعو لزرع أجهزة تنصّت على المواطنين، اشتراكياً يسرق حقوق العمّال ويسارياً يرفع راية فصيل جهادي. 

الدولة “الوطنية” والعلم الرسمي وكامل التراب الوطني، أصبحت نماذج تتم معاملتها كعلامات تجارية يمكن أن “تضرب” ويمكن أن تفشل في التسويق لدى جمهور متعطش لـ “الماركات” ويعشق “الترند”، وللأسف كل ما كنا نؤمن به من سيادة واستقلال أصبح خارج الترند.

قناع “التطرف”، قومياً كان أم إسلامياً، قناع “الوطنية”، قناع “الليبرالية”، تشبع الشبكات الاجتماعية والفضاء الرقمي برموز لإضفاء الحماسة على الخطاب الجديد للسياسيين الجدد، ويعمل على تغذيتها باستمرار لـ “تلبي” رغبة الجمهور. 

 وعند هذه النقطة، يصف رافاييل لوركا، على سبيل المثال، إريك زمور، السياسي اليميني الفرنسي من أصول جزائرية، بأنه يأتي من عصر نتفلكس، فيما تأتي ماريان لوبان، من عصر TF1  (قناة فرنسية مجانية)، وبهذا نستطيع القول إن كان الرعيل الأول للرؤساء العرب أتى من محل “فلافل” مغمور في زاروب متسخ، فإن الرعيل الجديد قادم من “KFC”، وبتوصيل مجّاني أيضاً.

إقرأوا أيضاً: