علي حجازي أميناً عاماً لحزب “الراية الوطني” بدلاً من حزب “البعث اللبناني”.
قرار الحزب تبديل اسمه هو إقرار بمسلّمة أن لبنان دفن حزباً بعد سقوط نظام الأسد، ويُفترَض أن ينمو بين حدوده حزب آخر.
بعد الانقلابات الهائلة في المنطقة وسوريا، يواجه حزب “البعث” أسوأ مصائره. الحزب الذي أسّسه ميشال عفلق وصلاح الدين البيطار، ومدّ أذرعه عبر العراق ولبنان رافعاً شعارات قومية وسياسات سلطوية استبدادية، يواجه اليوم نهايته. يختبئ “البعث” في العراق، ويهرب من سوريا، وتُرفع فوق قبره في لبنان راهناً، راية تشي لحظة رفعها أن المرء أمام أحجية، فمن يرفع الراية؟ يد علي حجازي؟ أم صوته المكثَّف بالغضب والكبرياء؟ أم أن إلهاً أوحى له بالفكرة؟ ذلك أن “البعث” المردوم يتأتّى أصلاً من فكرة دينية وغيبية، وحجازي المُرضَع حليب الأسود، وأفكار الأبد، لا ريب أن حزبه الوليد لن يشذّ عن تلك المقاربة التي تندرج في راهننا كراية.
و”الراية”هي في الأغلب مسمّى له رمزيته “السورية” أكثر من رمزيتها في بلاد العرب، وتحديداً في لبنان الذي أعلن علي حجازي، وبـ”عنفوان” موصوف، عن حزبها من قلب عاصمته بيروت.
نحن إذاً مع حزب حجازي أمام نمط تمثيلي بنسخة رديئة، عن مجتمع تكافلي طبع بلاد الشام بطابعه في سنوات غابرة، واستعادته الدراما السورية كمسلسل كان له حظوة كبيرة من المشاهدة في العقد الأوّل من الألفية الجديدة.
كان “أهل الراية” ذلك المسلسل المثقل على الأرجح بالكثير من “اليوتوبيا”، التي اندرجت على الأعمّ كتكثيف لوطنية سورية غالباً ما خضعت لرغبات السلطة، وفي زمن العائلة الأسدية تحديداً.
إقرأوا أيضاً:
والتكافل الوطني في “أهل الراية” يستدرجه حجازي راهناً، وهو يبحث عن كفيل بديل بعد هروب الأصيل، والأرجح أن ضالّته تتأتّى مرّة أخرى من الموروث الديني والغيبي، ذلك أن حزباً وليداً يقوم على اندثار حزبه “الروحي”، لن يكون له من صيرورته الراهنة إلا ما كان لخاتمة مبعثه. وحده الكفيل هو فقط من سيكفلّه كمولود مطيع، وبدور لا يتعدّى دوره السابق منزوعاً منه ذلك الإسم الذي صار مرادفاً للعبث، حيث أن حزب “البعث” أحال اللغة وبدائعها إلى أسوأ ما فيها، وأسوأ ما فيها هو هذا الجناس بينه وبين سيرته: “البعث” و”العبث”.
و”الراية” بالمناسبة هي النشرة التي كانت تصدر عن جناح “البعث” المناهض لحافظ الأسد، قبل أن يستولي عليها “بعث” الأخير بحكم وصايته العميقة على لبنان. لكنّ علي حجازي حين يستدعي “الراية” من ماضيها “الضدّ أسدي”، لا يفعل ذلك كاستشراف ومحاباة لماضي “البعث” قبل الأسد، هو يفعله لرمزية تاريخية لكنّها مجرّدة بالطبع من بعثيين كصلاح جديد ونور الدين الأتاسي، فيمدّ يده إلى معنى، ثم يربطه بمبنى “الراية” الذي ضربته إسرائيل في الحرب الأخيرة. علي حجازي يثابر على الممانعة وسرديتها وأحوالها، و”براية” لا يقول حاضرها أكثر ممّا قال ماضيها البعثي، حيث لا فرق بين “البعثين”، وأيضاً بين الرايتين.
عموماً صار لدينا في لبنان حزب جديد، مجرّد مسمّى فطري ينبت بين مسمّيات فطرية أخرى. في السياسة هو لزوم ما لا يلزم، وفي الاستقطاب هو في أحسن الأحوال محاولة عبثية لرتق انحسار “بعثه” الشعبي، معطوفاً على صراع “ديكة” بين أمناء الأخيرمن سابقين وراهن، من عاصم قانصو، إلى غازي سيف الدين، إلى علي حجازي، وفي مفارقة لا تخلو من دلالات الجغرافية والحدود، يفضي إليها قيدهم في “بقاع” هو الأكثر التصاقاً بسوريا.
سبق إشهار علي حجازي لحزبه مباشرة معلنة منه تمهيداً لفكرة الحزب واسمه. تخيّلوا، أكثر من أسبوعين كان حجازي يتداول، مع نفسه على الأرجح، البحث عن اسم، ومشقّة الأسبوعين تمخّضت عن “راية” أعلنها حجازي في مؤتمر صحافي بدا فيه، وبطرافة معتبرة على الأرجح، أن عدد الوسائل الإعلامية أكثر من منتسبي الحزب.
يدفعنا علي حجازي إلى الاستغراق في الطرافة، استغراق يستدعي مسلسلاً سورياً غير”أهل الراية”، هو مسلسل “الخربة” الذائع الصيت.
شخصيّة علي حجازي في راهنه هي انبعاث لشخصيّة “جميل” في المسلسل المذكور، “جميل” حزبي في حزب آيل للاندثار، إلا من الاسم، لكنّه حين يستقيل من عضويته فيه، يباشر بتأسيس حزب جديد، معلّلاً الأمر بفكرة سطحية “ما بعرف عيش بلا حزب”.
علي حجازي أيضاً لا يستطيع العيش بلا حزب، مثل “جميل”، وليس مهمّاً شكل الحزب، وحظّه في السياسة، المهم أنه حزب وله اسم وهو أمينه العامّ.
إقرأوا أيضاً:













