ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

البيئة الشيعية بين عقلية الحصار والتعدّدية الصامتة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

شهدت الساحة الشيعية على خروج واضح لبعض الأصوات المناهضة لمغامرات الحزب العسكرية الأخيرة، التي اعترضت على ممارساته، لكن سرعان ما استطاعت شبكة العلاقات الأوّلية داخل العوائل والقرى احتواء هذه الأصوات وإخفاءها.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في المجتمعات التي يغلب عليها الطابع الطائفي والفئوي والمناطقي، لا تحتاج الجماعات السياسية إلى أجهزة قمع رسمية كي تنتج الصمت، ففي كثير من الأحيان، يكفي أن يتحوّل الاختلاف إلى مخاطرة اجتماعية حتى يصبح الصمت خياراً عقلانياً للكثيرين. 

هذا ما يمكن ملاحظته في بيئات سياسية مغلقة عدة، لكنّه يكتسب خصوصية إضافية داخل الجماعات التي خاضت تجارب طويلة من الصراع والحصار والحروب، والتي تشبّعت بأيديولوجيات معيّنة، حيث تتداخل الحدود بين الانتماء السياسي والوجودي للجماعة نفسها.

في الحالة الشيعية اللبنانية، لا يمكن فهم صعوبة إعلان المواقف المخالفة للمزاج العام، تحديداً ذاك القريب من حزب الله، من دون العودة إلى السياق التاريخي، الذي تشكّلت فيه الهويّة السياسية المعاصرة للجماعة. فقد عاشت هذه البيئة عقوداً من التهميش السياسي والاجتماعي، ثم شهدت مرحلة صعود سياسي وعسكري غير مسبوقة، قبل أن تدخل في السنوات الأخيرة مرحلة شديدة التعقيد، نتيجة الحروب المتتالية والتحوّلات الإقليمية والضغوط الداخلية والخارجية والخيارات الاستراتيجية التي تتجاوز حدود الوطن. 

في مثل هذه الظروف، يصبح الحفاظ على السردية الأحادية أولوية تتقدّم على النقاشات النقدية بالنسبة إلى صانعي القرار، ويصبح الاختلاف عرضة للتأويل بوصفه تهديداً للجماعة لا مجرّد اختلاف في الرأي.

عندما يصبح الرأي موقفاً وجودياً

في المجتمعات الطبيعية، يُنظر إلى الاختلاف السياسي باعتباره جزءاً من الحياة العامّة، أمّا في الجماعات التي تعيش شعوراً دائماً بالتهديد، فإن الحدود بين السياسي والوجودي تتلاشى، فلا يعود الخلاف حول خيار سياسي معيّن مجرّد نقاش حول السياسات العامّة، بل يتحوّل إلى سؤال حول الولاء والانتماء والاصطفاف. 

لذلك، تعمد الجماعات المهيمنة إلى رفع وإعادة إظهار الخطر الوجودي بشكلٍ مستمرّ، للحؤول دون نموّ معارضات وتساؤلات فردية وجماعية حول جدوى خيارات سياسية خاطئة.

عانت الطائفة الشيعية في لبنان، على مدى عقود، من تبعات خيارات سياسية وعسكرية تجاوزت في كثير من الأحيان طموحات أبنائها الوطنية ومصالحهم المباشرة. ولعلّ الحرب الإسرائيلية المستمرّة منذ أكثر من سنتين على لبنان تمثّل أحدث تجلّيات هذا المسار، إذ يرى كثيرون أنها جاءت نتيجة قرار “حزب الله” إقحام البلاد في صراعات المنطقة وتشابكاتها المعقّدة، وقد تحمّل الشيعة في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية بصورة خاصّة، واللبنانيون عموماً، الكلفة الأكبر لهذه الخيارات، من آلاف الضحايا إلى الدمار الواسع الذي طاول عشرات القرى واحتلال أجزاء منها، في ظلّ غياب أيّ أفق واضح للحلّ.

وفي موازاة حجم الكارثة، لم تُتح هذه الأزمة فرصة لبلورة بديل سياسي شيعي يتبنّى مقاربة نقدية للتجربة القائمة، بل على العكس، تعرّض عدد من الناشطين السياسيين والإعلاميين الشيعة لاعتداءات ومضايقات وحملات نبذ اجتماعي بسبب مواقفهم المعارضة.

 والأخطر أن هذه الممارسات حظيت، بدرجات متفاوتة، بقدر من القبول أو التسامح داخل البيئة الشيعية، بما فيها أوساط تُصنَّف معتدلة، إذ فضّل كثيرون الصمت أو الامتناع عن التضامن العلني خشية التعرّض بدورهم للعزل الاجتماعي أو الاتّهام والتخوين.

هنا تظهر إحدى أهمّ آليّات إنتاج الخوف من الاختلاف، فالفرد غالباً في مثل هذه البيئة وتحت الظروف الراهنة لا يخشى فقط الاعتراض على رأي سائد، بل يخشى أن يُفسَّر اعتراضه باعتباره خروجاً من الجماعة نفسها. ومع تصاعد الأزمات والحروب، تتعزّز هذه الدينامية أكثر فأكثر، إذ تميل الجماعات إلى البحث عن الوحدة والتماسك في مواجهة المخاطر الخارجية، ما يؤدّي إلى تضييق مساحة النقاش الداخلي.

من منظور علم الاجتماع السياسي، تشكّل هذه الظاهرة إحدى النتائج الطبيعية لما يُعرف بـ”عقلية الحصار”، إذ تنظر الجماعة إلى نفسها باعتبارها مستهدفة من الخارج، فتزداد حساسيتها تجاه أيّ نقد داخلي يمكن أن يُفهم على أنه إضعاف للجبهة الداخلية.

الضبط الاجتماعي: سلطة المجتمع أقوى من سلطة القانون

ليس ضرورياً أن يتعرّض صاحب الرأي المخالف للملاحقة المباشرة حتى يتردّد في التعبير عن موقفه، ففي المجتمعات المتماسكة اجتماعياً، تلعب العائلة والقرية وشبكات العلاقات الشخصية دوراً أساسياً في تنظيم السلوك السياسي وضبط حدود المقبول والمرفوض، وينطبق ذلك بصورة واضحة على البيئة الشيعية في لبنان، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية مع الروابط العائلية والاجتماعية والدينية، ما يجعل الموقف من “حزب الله” يتجاوز كونه خياراً سياسياً، ليصبح لدى شريحة واسعة من الناس، جزءاً من الانتماء الجماعي والهويّة المشتركة.

ومع مرور الوقت، تنتج هذه الآليّات نوعاً من الرقابة الذاتية، إذ يتعلّم الأفراد تلقائياً تحديد ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله داخل المجال العامّ. فبدلاً من الحاجة إلى فرض الصمت بالقوّة، يصبح إدراك الحدود الاجتماعية كافياً لضبط الخطاب. وفي حالة “حزب الله”، ساهمت المكانة الرمزية التي اكتسبها الحزب داخل جزء كبير من البيئة الشيعية، بوصفه قوّة مقاومة وحامياً للجماعة في مراحل معيّنة، في رفع كلفة انتقاده اجتماعياً، حتى بالنسبة إلى أفراد لا يتّفقون مع جميع خياراته.

التجانس الوهمي والكلفة السياسية

على الرغم من الصورة التي توحي بوجود إجماع كامل داخل البيئة الشيعية، فإن الواقع أكثر تعقيداً بكثير، إذ توجد فيها تباينات واسعة في الرؤى والمواقف والتقييمات السياسية، مثل أيّ جماعة بشرية أخرى.

غير أن المشكلة تكمن في أن جزءاً كبيراً من هذه التباينات يبقى محصوراً في الدوائر الخاصّة، فآراء كثيرة تُقال داخل المنازل أو بين الأصدقاء أو في الجلسات المغلقة، ولا تنتقل إلى المجال العامّ، ما يُنتج ما يمكن تسميته “التعددية الصامتة”. 

وقد شهدت الساحة الشيعية على خروج واضح لبعض الأصوات المناهضة لمغامرات الحزب العسكرية الأخيرة، التي اعترضت على ممارساته، لكن سرعان ما استطاعت شبكة العلاقات الأوّلية داخل العوائل والقرى احتواء هذه الأصوات وإخفاءها.

ومع غياب هذه الأصوات عن الفضاء العامّ، يتشكّل انطباع مضلّل بوجود إجماع مطلق، ثم يتحوّل هذا الإجماع المتخيَّل إلى أداة إضافية للضغط على الأفراد، لأن كل صاحب رأي مختلف يعتقد أنه أقلّية معزولة، فيما يعتقد الآخرون الشيء نفسه.

وتُساهم وسائل التواصل الاجتماعي في تعميق هذه الظاهرة، إذ تمنح الأفضلية للأصوات الأكثر صخباً وتنظيماً، ولدى “حزب الله” القدرات الافتراضية اللازمة لتحقيق ذلك، ما يؤدّي إلى تضخيم صورة التجانس وإخفاء التنوّع الفعلي الموجود داخل الجماعة.

قد ينجح الخوف من الاختلاف في إنتاج تماسك مؤقّت، لكنّه يحمل كلفة مرتفعة على المدى الطويل، فالجماعات التي تفقد قدرتها على النقد الذاتي تفقد تدريجياً قدرتها على تصحيح أخطائها، وعندما تصبح الأسئلة الصعبة محرّمة، تتراجع إمكانات المراجعة والتعلّم والتطوير.

ولا يقتصر أثر ذلك على الجماعة نفسها، بل ينعكس أيضاً على الدولة اللبنانية ككل، فبناء دولة مستقرّة لا يحتاج فقط إلى توافقات سياسية، بل أيضاً إلى وجود فضاءات آمنة للنقاش والاختلاف داخل مختلف المكوّنات الاجتماعية والطائفية، فالمجتمعات التي لا تستطيع مناقشة خياراتها بحرّية تصبح عاجزة عن تطوير تلك الخيارات أو تعديلها عندما تتغيّر الظروف.

مسؤولية الدولة

هنا تبرز ضرورة حضور الدولة في تشجيع الجماعات وتمكينهم من تطوير مجالات النقاش العامّ وتوسيعها على مستويات متعدّدة. 

فمن واجب وزارة الثقافة دعم نشوء أندية ومنتديات ثقافية مستقلّة خارج الأطر الحزبية التقليدية، بما يتيح بناء فضاءات وطنية جامعة تحتضن التعدّدية الفكرية وتشجّع الحوار النقدي. كما يقع على عاتق وزارة التربية دور أساسي في ضمان حقّ طلاب الجامعة اللبنانية والجامعات الخاصّة في تأسيس نوادٍ ثقافية وفكرية متنوّعة قادرة على تأطير الأفكار والرؤى المختلفة، والمساهمة في تكوين حالة طلابية ديمقراطية تُنمّي ثقافة المشاركة، وتؤهّل الأفراد للانخراط في صناعة القرار العامّ بصورة عقلانية ومسؤولة مستقبلاً.

وإلى جانب ذلك، تتحمّل الدولة مسؤولية توفير الحماية الأمنية اللازمة للتجمّعات والأندية والمنتديات الثقافية، بما يضمن حرّية عملها واستمراريتها، ويمنع أيّ جهة من استخدام الترهيب أو التخويف لتقييد المشاركة فيها. 

فغياب الضمانات الأمنية لا يهدّد الأفراد فحسب، بل يهدّد المجال العامّ نفسه، عبر خلق مناخ من الخوف يدفع المواطنين إلى الانكفاء عن ممارسة حقّهم في التعبير والتنظيم والمشاركة، الأمر الذي نجح “حزب الله” لفترة طويلة في تحقيقه عبر بثّ الحذر في الأوساط التي خاصمته ثقافياً وسياسياً وانتخابياً.

وفي ظلّ ضيق مجال الحوار وصعوبة إنتاج خطاب سياسيّ واضح يناقش خيارات “حزب الله” ويناقضها، تبرز أهمّية إيجاد مسارات رديفة داخل المجتمع الشيعي المعارض، لتكريس النقاشات وتعميقها، وإنتاج رؤى سياسية تمتلك الإجابات المباشرة عن تساؤلات “البيئة الشيعية” وجمهور “حزب الله” بشكل خاص، لتتمكّن لاحقاً من الوصول إلى موقع أخذ القرار داخل الطائفة وتصويب مآلاتها.

ويقع على عاتق الأحزاب المستقلّة والعلمانية، وكذلك الشبكات والمجموعات التي نشأت في أعقاب موجة الاحتجاجات في لبنان، دور أساسي في استقطاب الأفراد الراغبين في الانخراط في أطر سياسية بديلة داخل البيئات الخاضعة لهيمنة القوى التقليدية، بما فيها المناطق التي يتمتّع فيها الثنائي الشيعي بنفوذ واسع. 

ولا يقتصر هذا الدور على استيعاب الأفراد فحسب، بل يتعدّاه إلى تأطيرهم ضمن هياكل تنظيمية وسياسية واضحة، بما يسمح بتحويل تجاربهم الفردية وقضاياهم المحلّية إلى طاقة جماعية منظّمة وقادرة على التأثير في المجال العامّ، فوجود الأفراد خارج الأطر التنظيمية يحدّ من قدراتهم على الفعل السياسي المستدام، بينما يتيح العمل الحزبي والمؤسّساتي تراكم الخبرات وصياغة المطالب والدفاع عنها بصورة أكثر فاعلية واستمرارية.

دورنا نحكي

بلدية القامشلي لوحة
شفان ابراهيم - صحافي سوري كردي | 10.07.2026

هدم مبنى بلدية القامشلي: الجرافات أسرع من “بيانات الإدانة”!

لم تتوقف "حرب البيانات" عند الأطراف الرسميّة، بل امتدت إلى ساحة المجتمع المدني، إذ أصدرت 21 منظمة مدنية محلية بياناً شجبت فيه عملية الهدم وطالبت بوقف أي إجراءات تؤدي إلى إزالة أو تغيير الطابع التاريخي لمبنى بلدية القامشلي القديم، معتبرةً أنه أحد أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ المدينة وهويتها العمرانية. وأكدت أن الحفاظ على اللوحة التاريخية…
12.06.2026
زمن القراءة: 6 minutes

شهدت الساحة الشيعية على خروج واضح لبعض الأصوات المناهضة لمغامرات الحزب العسكرية الأخيرة، التي اعترضت على ممارساته، لكن سرعان ما استطاعت شبكة العلاقات الأوّلية داخل العوائل والقرى احتواء هذه الأصوات وإخفاءها.

في المجتمعات التي يغلب عليها الطابع الطائفي والفئوي والمناطقي، لا تحتاج الجماعات السياسية إلى أجهزة قمع رسمية كي تنتج الصمت، ففي كثير من الأحيان، يكفي أن يتحوّل الاختلاف إلى مخاطرة اجتماعية حتى يصبح الصمت خياراً عقلانياً للكثيرين. 

هذا ما يمكن ملاحظته في بيئات سياسية مغلقة عدة، لكنّه يكتسب خصوصية إضافية داخل الجماعات التي خاضت تجارب طويلة من الصراع والحصار والحروب، والتي تشبّعت بأيديولوجيات معيّنة، حيث تتداخل الحدود بين الانتماء السياسي والوجودي للجماعة نفسها.

في الحالة الشيعية اللبنانية، لا يمكن فهم صعوبة إعلان المواقف المخالفة للمزاج العام، تحديداً ذاك القريب من حزب الله، من دون العودة إلى السياق التاريخي، الذي تشكّلت فيه الهويّة السياسية المعاصرة للجماعة. فقد عاشت هذه البيئة عقوداً من التهميش السياسي والاجتماعي، ثم شهدت مرحلة صعود سياسي وعسكري غير مسبوقة، قبل أن تدخل في السنوات الأخيرة مرحلة شديدة التعقيد، نتيجة الحروب المتتالية والتحوّلات الإقليمية والضغوط الداخلية والخارجية والخيارات الاستراتيجية التي تتجاوز حدود الوطن. 

في مثل هذه الظروف، يصبح الحفاظ على السردية الأحادية أولوية تتقدّم على النقاشات النقدية بالنسبة إلى صانعي القرار، ويصبح الاختلاف عرضة للتأويل بوصفه تهديداً للجماعة لا مجرّد اختلاف في الرأي.

عندما يصبح الرأي موقفاً وجودياً

في المجتمعات الطبيعية، يُنظر إلى الاختلاف السياسي باعتباره جزءاً من الحياة العامّة، أمّا في الجماعات التي تعيش شعوراً دائماً بالتهديد، فإن الحدود بين السياسي والوجودي تتلاشى، فلا يعود الخلاف حول خيار سياسي معيّن مجرّد نقاش حول السياسات العامّة، بل يتحوّل إلى سؤال حول الولاء والانتماء والاصطفاف. 

لذلك، تعمد الجماعات المهيمنة إلى رفع وإعادة إظهار الخطر الوجودي بشكلٍ مستمرّ، للحؤول دون نموّ معارضات وتساؤلات فردية وجماعية حول جدوى خيارات سياسية خاطئة.

عانت الطائفة الشيعية في لبنان، على مدى عقود، من تبعات خيارات سياسية وعسكرية تجاوزت في كثير من الأحيان طموحات أبنائها الوطنية ومصالحهم المباشرة. ولعلّ الحرب الإسرائيلية المستمرّة منذ أكثر من سنتين على لبنان تمثّل أحدث تجلّيات هذا المسار، إذ يرى كثيرون أنها جاءت نتيجة قرار “حزب الله” إقحام البلاد في صراعات المنطقة وتشابكاتها المعقّدة، وقد تحمّل الشيعة في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية بصورة خاصّة، واللبنانيون عموماً، الكلفة الأكبر لهذه الخيارات، من آلاف الضحايا إلى الدمار الواسع الذي طاول عشرات القرى واحتلال أجزاء منها، في ظلّ غياب أيّ أفق واضح للحلّ.

وفي موازاة حجم الكارثة، لم تُتح هذه الأزمة فرصة لبلورة بديل سياسي شيعي يتبنّى مقاربة نقدية للتجربة القائمة، بل على العكس، تعرّض عدد من الناشطين السياسيين والإعلاميين الشيعة لاعتداءات ومضايقات وحملات نبذ اجتماعي بسبب مواقفهم المعارضة.

 والأخطر أن هذه الممارسات حظيت، بدرجات متفاوتة، بقدر من القبول أو التسامح داخل البيئة الشيعية، بما فيها أوساط تُصنَّف معتدلة، إذ فضّل كثيرون الصمت أو الامتناع عن التضامن العلني خشية التعرّض بدورهم للعزل الاجتماعي أو الاتّهام والتخوين.

هنا تظهر إحدى أهمّ آليّات إنتاج الخوف من الاختلاف، فالفرد غالباً في مثل هذه البيئة وتحت الظروف الراهنة لا يخشى فقط الاعتراض على رأي سائد، بل يخشى أن يُفسَّر اعتراضه باعتباره خروجاً من الجماعة نفسها. ومع تصاعد الأزمات والحروب، تتعزّز هذه الدينامية أكثر فأكثر، إذ تميل الجماعات إلى البحث عن الوحدة والتماسك في مواجهة المخاطر الخارجية، ما يؤدّي إلى تضييق مساحة النقاش الداخلي.

من منظور علم الاجتماع السياسي، تشكّل هذه الظاهرة إحدى النتائج الطبيعية لما يُعرف بـ”عقلية الحصار”، إذ تنظر الجماعة إلى نفسها باعتبارها مستهدفة من الخارج، فتزداد حساسيتها تجاه أيّ نقد داخلي يمكن أن يُفهم على أنه إضعاف للجبهة الداخلية.

الضبط الاجتماعي: سلطة المجتمع أقوى من سلطة القانون

ليس ضرورياً أن يتعرّض صاحب الرأي المخالف للملاحقة المباشرة حتى يتردّد في التعبير عن موقفه، ففي المجتمعات المتماسكة اجتماعياً، تلعب العائلة والقرية وشبكات العلاقات الشخصية دوراً أساسياً في تنظيم السلوك السياسي وضبط حدود المقبول والمرفوض، وينطبق ذلك بصورة واضحة على البيئة الشيعية في لبنان، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية مع الروابط العائلية والاجتماعية والدينية، ما يجعل الموقف من “حزب الله” يتجاوز كونه خياراً سياسياً، ليصبح لدى شريحة واسعة من الناس، جزءاً من الانتماء الجماعي والهويّة المشتركة.

ومع مرور الوقت، تنتج هذه الآليّات نوعاً من الرقابة الذاتية، إذ يتعلّم الأفراد تلقائياً تحديد ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله داخل المجال العامّ. فبدلاً من الحاجة إلى فرض الصمت بالقوّة، يصبح إدراك الحدود الاجتماعية كافياً لضبط الخطاب. وفي حالة “حزب الله”، ساهمت المكانة الرمزية التي اكتسبها الحزب داخل جزء كبير من البيئة الشيعية، بوصفه قوّة مقاومة وحامياً للجماعة في مراحل معيّنة، في رفع كلفة انتقاده اجتماعياً، حتى بالنسبة إلى أفراد لا يتّفقون مع جميع خياراته.

التجانس الوهمي والكلفة السياسية

على الرغم من الصورة التي توحي بوجود إجماع كامل داخل البيئة الشيعية، فإن الواقع أكثر تعقيداً بكثير، إذ توجد فيها تباينات واسعة في الرؤى والمواقف والتقييمات السياسية، مثل أيّ جماعة بشرية أخرى.

غير أن المشكلة تكمن في أن جزءاً كبيراً من هذه التباينات يبقى محصوراً في الدوائر الخاصّة، فآراء كثيرة تُقال داخل المنازل أو بين الأصدقاء أو في الجلسات المغلقة، ولا تنتقل إلى المجال العامّ، ما يُنتج ما يمكن تسميته “التعددية الصامتة”. 

وقد شهدت الساحة الشيعية على خروج واضح لبعض الأصوات المناهضة لمغامرات الحزب العسكرية الأخيرة، التي اعترضت على ممارساته، لكن سرعان ما استطاعت شبكة العلاقات الأوّلية داخل العوائل والقرى احتواء هذه الأصوات وإخفاءها.

ومع غياب هذه الأصوات عن الفضاء العامّ، يتشكّل انطباع مضلّل بوجود إجماع مطلق، ثم يتحوّل هذا الإجماع المتخيَّل إلى أداة إضافية للضغط على الأفراد، لأن كل صاحب رأي مختلف يعتقد أنه أقلّية معزولة، فيما يعتقد الآخرون الشيء نفسه.

وتُساهم وسائل التواصل الاجتماعي في تعميق هذه الظاهرة، إذ تمنح الأفضلية للأصوات الأكثر صخباً وتنظيماً، ولدى “حزب الله” القدرات الافتراضية اللازمة لتحقيق ذلك، ما يؤدّي إلى تضخيم صورة التجانس وإخفاء التنوّع الفعلي الموجود داخل الجماعة.

قد ينجح الخوف من الاختلاف في إنتاج تماسك مؤقّت، لكنّه يحمل كلفة مرتفعة على المدى الطويل، فالجماعات التي تفقد قدرتها على النقد الذاتي تفقد تدريجياً قدرتها على تصحيح أخطائها، وعندما تصبح الأسئلة الصعبة محرّمة، تتراجع إمكانات المراجعة والتعلّم والتطوير.

ولا يقتصر أثر ذلك على الجماعة نفسها، بل ينعكس أيضاً على الدولة اللبنانية ككل، فبناء دولة مستقرّة لا يحتاج فقط إلى توافقات سياسية، بل أيضاً إلى وجود فضاءات آمنة للنقاش والاختلاف داخل مختلف المكوّنات الاجتماعية والطائفية، فالمجتمعات التي لا تستطيع مناقشة خياراتها بحرّية تصبح عاجزة عن تطوير تلك الخيارات أو تعديلها عندما تتغيّر الظروف.

مسؤولية الدولة

هنا تبرز ضرورة حضور الدولة في تشجيع الجماعات وتمكينهم من تطوير مجالات النقاش العامّ وتوسيعها على مستويات متعدّدة. 

فمن واجب وزارة الثقافة دعم نشوء أندية ومنتديات ثقافية مستقلّة خارج الأطر الحزبية التقليدية، بما يتيح بناء فضاءات وطنية جامعة تحتضن التعدّدية الفكرية وتشجّع الحوار النقدي. كما يقع على عاتق وزارة التربية دور أساسي في ضمان حقّ طلاب الجامعة اللبنانية والجامعات الخاصّة في تأسيس نوادٍ ثقافية وفكرية متنوّعة قادرة على تأطير الأفكار والرؤى المختلفة، والمساهمة في تكوين حالة طلابية ديمقراطية تُنمّي ثقافة المشاركة، وتؤهّل الأفراد للانخراط في صناعة القرار العامّ بصورة عقلانية ومسؤولة مستقبلاً.

وإلى جانب ذلك، تتحمّل الدولة مسؤولية توفير الحماية الأمنية اللازمة للتجمّعات والأندية والمنتديات الثقافية، بما يضمن حرّية عملها واستمراريتها، ويمنع أيّ جهة من استخدام الترهيب أو التخويف لتقييد المشاركة فيها. 

فغياب الضمانات الأمنية لا يهدّد الأفراد فحسب، بل يهدّد المجال العامّ نفسه، عبر خلق مناخ من الخوف يدفع المواطنين إلى الانكفاء عن ممارسة حقّهم في التعبير والتنظيم والمشاركة، الأمر الذي نجح “حزب الله” لفترة طويلة في تحقيقه عبر بثّ الحذر في الأوساط التي خاصمته ثقافياً وسياسياً وانتخابياً.

وفي ظلّ ضيق مجال الحوار وصعوبة إنتاج خطاب سياسيّ واضح يناقش خيارات “حزب الله” ويناقضها، تبرز أهمّية إيجاد مسارات رديفة داخل المجتمع الشيعي المعارض، لتكريس النقاشات وتعميقها، وإنتاج رؤى سياسية تمتلك الإجابات المباشرة عن تساؤلات “البيئة الشيعية” وجمهور “حزب الله” بشكل خاص، لتتمكّن لاحقاً من الوصول إلى موقع أخذ القرار داخل الطائفة وتصويب مآلاتها.

ويقع على عاتق الأحزاب المستقلّة والعلمانية، وكذلك الشبكات والمجموعات التي نشأت في أعقاب موجة الاحتجاجات في لبنان، دور أساسي في استقطاب الأفراد الراغبين في الانخراط في أطر سياسية بديلة داخل البيئات الخاضعة لهيمنة القوى التقليدية، بما فيها المناطق التي يتمتّع فيها الثنائي الشيعي بنفوذ واسع. 

ولا يقتصر هذا الدور على استيعاب الأفراد فحسب، بل يتعدّاه إلى تأطيرهم ضمن هياكل تنظيمية وسياسية واضحة، بما يسمح بتحويل تجاربهم الفردية وقضاياهم المحلّية إلى طاقة جماعية منظّمة وقادرة على التأثير في المجال العامّ، فوجود الأفراد خارج الأطر التنظيمية يحدّ من قدراتهم على الفعل السياسي المستدام، بينما يتيح العمل الحزبي والمؤسّساتي تراكم الخبرات وصياغة المطالب والدفاع عنها بصورة أكثر فاعلية واستمرارية.

دورنا نحكي

12.06.2026
زمن القراءة: 6 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية