ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

التجويع… سلاح حرب على أعناق السودانيات

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تسبّبت الحرب الحالية في السودان في أزمة جوع كبيرة، وصفتها الأمم المتّحدة بأكبر أزمة جوع في العالم، و تمّ تحديد وقوع المجاعة لأوّل مرّة في ولاية شمال دارفور في مخيّم زمزم للنازحين قبل أكثر من عام، ثم امتدّت إلى أماكن أخرى، ومن المتوقّع أن تمتدّ نحو مزيد من المناطق.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“فقدنا أختي ذات ال17 عاماً وطفلها”، قالت عائشة حسن البالغة من العمر 19 عاماً، بصوت متعب،  توفّيت أختها أثناء الولادة وكانت تعاني من سوء التغذية وخلال أقلّ من ساعتين لحق بها طفلها، وذلك في مطلع هذا العام، في مخيّم زمزم للاجئين في ولاية شمال دارفور ، وفي نيسان/ أبريل 2025 نزحت عائشة وأسرتها الى مخيّم طويلة.

ذكر “مجلس الإغاثة الطارئة” في وقت سابق، أن المجاعة التي اكتُشفت في آب/ أغسطس 2024 في مخيّم زمزم في ولاية شمال دارفور، واستمرّت وامتدّت إلى مخيّمات السلام وأبو شوك وجبال النوبة الغربية، خلال الفترة من تشرين الأوّل/ أكتوبر إلى تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، ومن المتوقّع أن تتوسّع  في مناطق شمال دارفور، إضافة إلى خطر المجاعة في جبال النوبة الوسطى، وفي المناطق التي يُحتمل أن تشهد تدفّقات كبيرة من النازحين داخلياً في شمال دارفور وجنوبه، وكذلك مدن الكبرى وشرق الجزيرة في ولاية الجزيرة، ومايو والإنقاذ في جبل أولياء في ولاية الخرطوم، والفردوس في ولاية شرق دارفور. 

وشدّدت مديرة مكتب العمليات والمناصرة في مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إيديم وسرونو في كانون الثاني/ يناير من هذا العام خلال جلسة لمجلس الأمن، على أن “تأثير هذه الأزمة التي هي من صنع الإنسان، لا يتساوى بين السكّان، حيث يفرض الجوع الشديد مخاطر غير متناسبة على النساء والفتيات، وعلى الصغار وكبار السنّ”.

استُخدم التجويع بشكل واضح ومتعمّد كسلاح ضدّ المواطن/ة السوداني خلال الحرب -التي ما زالت مستمرّة- في عدد من المناطق، وعملت الأطراف والمجموعات المشاركة في الحرب على منع وصول إمدادات الغذاء والماء والدواء .

وعدّت “إيديم” السودان أكبر أزمة إنسانية في العالم من حيث عدد المحتاجين والوضع الصحّي، مشيرة إلى أن “مدينة الفاشر محاصرة منذ عام، وأن مخيّم زمزم للنازحين سجل حدوث ظروف المجاعة”، ووفقاً لمنظّمة الصحّة العالمية يُعاني 25 مليون شخص تقريباً من انعدام الأمن الغذائي الحادّ في السودان، وأُصيب 3.5 مليون امرأة وطفل بسوء التغذية، وفقاً لما ذكرته هيئة الأمم المتّحدة.  

التجويع كسلاح حرب

في 15 نيسان/ أبريل 2023 بدأت الحرب بين الجيش و”الدعم السريع” في العاصمة الخرطوم،  ثم امتدّت إلى عدد من المناطق الأخرى في وسط وغرب السودان،  وتعرّضت مناطق وأحياء سكنية للحصار، ونُهبت الموادّ الغذائية، وتعرّضت محاصيل زراعية للحرق والنهب،  وفقد العديد من المواطنين/ات مصادر دخلهم ومواردهم ومنازلهم، وصحب ذلك ارتفاع معدّلات النزوح واللجوء، حيث بلغ عدد النازحين في آذار/ مارس 2025، 11.3 مليون شخص أكثر من نصفهم من الأطفال، ويعيش 18% منهم في مخيّمات، بحسب التحالف الدولي للتنوّع البيولوجي والمركز الدولي للزراعة الاستوائية.

وتمّ تدمير مصانع ومنشآت ومحطّات المياه والكهرباء والوقود وتعطيلها، وأدّى ذلك مع تدهور الحالة الأمنية والأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى انعدام الأمن الغذائي في عدد من المناطق وتدهوره.

ويسيطر كلّ طرف من الأطراف المتحاربة على أنظمة الغذاء وقنوات التواصل والاستيراد والتصدير في مناطق نفوذه، مستخدماً التجويع كسلاح، ويعمل على تقييد حركة الغذاء لتجويع السكّان، إضافة إلى ما تتعرّض له قوافل الإغاثة من نهب وتهديد أو استيلاء ومنع من الوصول للمواطنين/ات.

الموت جوعاً

مئات الآلاف من المحاصرين في الفاشر يواجهون الموت جوعاً، حيث لا تزال المدينة معزولة عن برنامج الأغذية العالمي والمساعدات الإنسانية الأخرى، وقال إريك بيرديسون المدير الإقليمي لبرنامج الأغذية العالمي لشرق وجنوب أفريقيا: “يواجه الجميع في الفاشر صراعاً يومياً للبقاء على قيد الحياة بعد أكثر من عامين من الحرب، لقد استنفد الناس آليات التكيّف المتاحة تماماً”.

وبحسب الأمم المتّحدة تنتشر المجاعة في عدّة مناطق في دارفور وكردفان – بما فيها الفاشر، مليط، أم كدادة، والطويشة في دارفور، وجبال النوبة الغربية في كردفان – مع خطر المزيد من التوسّع، وتفيد التقارير بأن بعض سكّان الفاشر يعيشون على علف الحيوانات وبقايا الطعام، وبينما يواصل برنامج الأغذية العالمي تقديم دعم نقدي رقمي لنحو ربع مليون شخص في المدينة، مما يسمح لهم بشراء الطعام المتضائل في الأسواق، فإن هذه المساعدة لا تتناسب مع الاحتياجات المتصاعدة، لذلك من الضروري توفير المساعدة العينية لمواجهة الجوع على نطاق واسع، حيث ارتفعت الأسعار بشكل كبير بسبب إغلاق طرق التجارة وخطوط الإمداد إلى الفاشر، بما في ذلك أسعار السلع الأساسية مثل الدقيق والذرة، وتوقّفت أيضاً المطابخ المجتمعية، التي أُنشئت لإطعام الجائعين/ات. 

وانتهى المطاف بالعديد ممن تمكّنوا من مغادرة الفاشر في منطقة طويلة بحسب ما ذكرته الأمم المتّحدة، مؤكّدة أن الخيام المؤقّتة في المخيّم لا توفّر سوى القليل من الحماية من موسم الأمطار، وغالباً ما تكون حصص برنامج الأغذية العالمي من البسكويت عالي الطاقة الغنيّ بالمغذيات، والذرة، والزيت النباتي، والملح هي الغذاء الوحيد  بالنسبة إلى سكّان المخيّم البالغ  عددهم نحو 400,000 شخص، وكثير منهم وصلوا بملابسهم فقط.

ووصف محمّد وهو مقيم في طويلة ويبلغ من العمر 47 عاماً – بحسب تقرير نشرته الأمم المتّحدة هذا الشهر- أنه تمّ تقسيم كوب واحد من الماء بين أربعة أشخاص، كان على كلّ شخص أن يأخذ رشفة واحدة فقط، بالكاد تكفي لتصل إلى معدته، وقال: “الناس ماتوا من العطش”، وقد وصل محمّد الى طويلة بعد رحلة مروّعة من مخيّم زمزم.

وأخبرتنا الطفلة سعاد المقيمة حالياً في مخيّم أدري للنازحين في دولة تشاد، عن رحلة شاقّة بين دولتين قامت بها مع بعض أفراد أسرتها من الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور، حيث فقدت والدها وأخاها الأكبر جرّاء الهجوم الأخير على الجنينة في نيسان/ أبريل الفائت، ولا تدري هي وأسرتها ما إذا ظلّوا على قيد الحياة.

انعدام الأمن الغذائي

 مليون شخص تقريباً – ما يقارب نصف السكّان – يواجهون مستويات حادّة من انعدام الأمن الغذائي، ويواجه 15.9 مليون شخص مستوى الأزمة، و8.1 ملايين عند مستوى الطوارئ، وأكثر من 637 ألف شخص عند المستوى الخامس أو مرحلة المجاعة، ومنهم أكثر من 2.700 مليون في ولاية الجزيرة محلّيات الحصاحيصا والكاملين في مواجهة مستويات حادّة من انعدام الأمن الغذائي، بحسب قراءات منظّمة IPC.

من كانون الأوّل/ ديسمبر 2024 وحتى أيّار/ مايو 2025، يواجه أكثر من 100 ألف شخص المجاعة في مخيّم زمزم، يليهم 71 ألف في ولاية الخرطوم محلّية جبل أولياء.

وتباشر الأطراف المتحاربة سياساتها العدائية عبر حصار مدن وأحياء وقرى لفترات طويلة، ومنع وصول الغذاء والدواء والقوافل الإنسانية، أو عبر إغلاق الطرق الرئيسية والسيطرة عليها، ولعب الارتفاع الجنوني للأسعار دوراً مهمّاً في التجويع، ويعود هذا الارتفاع إلى التضخّم وانقطاع الإمداد وضعفه، وقد تجاوز الارتفاع نسبة 300% في بعض المناطق، مما جعل الحصول على الطعام شبه مستحيل لأعداد كبيرة من المواطنين/ات، ونهب المخزون الغذائي وتدميره وحرق الأسواق والمحلّات التجارية والمحاصيل الزراعية.

كما يُعدّ انهيار إنتاج الغذاء عاملاً رئيسياً في المجاعة، فقد تمّ استهداف الإنتاج الزراعي ونزح عدد كبير من المزارعين/ات وقُتل بعضهم، والقلّة الموجودة تواجه صعوبات في الوصول إلى المزارع وممارسة أعمالها، إضافة إلى عجزهم عن  توفير البذور والأسمدة والآليات وأنظمة الري، فقد تمّ تدمير المعدّات الزراعية وأنظمة الري، وتأثّر أيضاً الإنتاج الحيواني، ويظهر أثر ذلك واضحاً في ولاية الجزيرة وولايات دارفور، حيث دخل “الدعم السريع” في 19 كانون الأوّل/ ديسمبر 2023 مدينة ود مدني عاصمة الجزيرة، التي فيها أحد أكبر المشاريع الزراعية في العالم، والذي يُنتج نصف إنتاج السودان من القمح.

ترويع وإرهاب

وأوضح الاقتصادي كمال كرّار خلال حديثنا معه أن “طبيعة الحرب الدائرة والأطراف المنخرطة فيها، تفسّر النتائج الوخيمة والمآلات الراهنة على مستوى جرائم الحرب التي ترتكب، أو المجاعات والتجويع والأوبئة التي تتفشّى”، مؤكّداً أن “الحرب هي الطور الأعلى من الترويع والإرهاب والقمع، الذي تستخدمه الثورة المضادّة ممثّلة في قيادة الجيش والميليشيا، أو أطراف اللجنة الأمنية العليا للنظام البائد، في معركتها ضدّ ثورة ديسمبر وقواها الشعبية، ويأتي التجويع متعمّداً في سياق الترويع، وإجبار المواطنين/ات على النزوح واللجوء أو التعرّض للموت.

يرفض الطرفان الهدن الإنسانية، أو السماح بوصول المساعدات للعالقين في مناطق الحرب، ويتّخذان من المدنيين دروعاً بشرية ، مما أدّى إلى سقوط مئات الآلاف من القتلى والجرحى”، ولفت إلى أن “الأمن الغذائي هشّ من قبل أن تبدأ الحرب، ووصل مرحلة الانهيار بسبب تعطّل القطاع الزراعي المروي والتقليدي، فالحرب دارت في مناطق الزراعة الرئيسية في الجزيرة والنيلين الأبيض والأزرق وكردفان ودارفور، والوطن في حالة لا دولة ولا خطّة اقتصادية أو مخزون استراتيجي.

معظم القطاع التقليدي الذي يعيش فيه ٧٠٪؜ من السكّان، يعتمد نمط الاقتصاد المعيشي، بمعنى الزراعة للاستهلاك الغذائي، خاصّة الحبوب كالذرة والدخن، وبالإضافة إلى فقدان الوظائف ومصادر الدخل وارتفاع الأسعار، الغالبية العظمى من الناس اجتاحتهم المجاعة، والقليل من الطعام الموجود في التكايا هو الذي يُبقيهم علي قيد الحياة، وتسبّب نقص التمويل وارتفاع أسعار السلع الغذائية، في توقّف نحو 90% من 300 مطبخ خيري، كان يقدّم الوجبات للعالقين في مناطق القتال”، ورأى أن “التجويع والمجاعة سيظلّان يتصدّران المشهد مالم تتوقّف الحرب وتُفتح المعابر والطرق لإدخال المساعدات، واستعادة الحياة الطبيعية والقدرة على الزراعة وإنتاج الغذاء”.

وأشار إلى أن “حجم المساحات المزروعة في القطاع المروي لم تتجاوز ١٨٪؜ في الجزيرة و٢٥٪؜ في القضارف طوال أعوام الحرب، ومعظم المنتجين داخل القطاع التقليدي هم الآن نازحون أو لاجئون، ووفقاً لمعلومات أممية موثوق بها، انخفض إنتاج الحبوب من نحو 8 ملايين طن متري، إلى 4.1 ملايين طن متري في نهاية 2023، وتراجع  إلى 3.3 ملايين طن متري بنهاية 2024 بسبب فرار عشرات الآلاف من المزارعين من مناطق القتال، ويلجأ الكثير من النازحين والعالقين في مناطق القتال، إلى تدابير قاسية مثل الاكتفاء بوجبة واحدة في اليوم أو تناول وجبات عديمة الفائدة الغذائية”.

آثار التجويع

 تترتّب على التجويع آثار عديدة منها سوء التغذية والأمراض المرتبطة به التي تقود إلى الوفاة، خاصّة بالنسبة إلى الأطفال والنساء الحوامل، وأعربت مسؤولة في مكتب الأمم المتّحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في 11 آب/ أغسطس 2025، عن قلقها إزاء التقارير الواردة من مدينة الفاشر بشأن وفاة أكثر من 60 شخصاً بسبب سوء التغذية في أسبوع واحد فقط.

وارتفع  عدد الأطفال الذين يتلقّون العلاج من سوء التغذية الحادّ الوخيم في دارفور، إلى 46% في الأشهر الخمسة الأولى من العام 2025، بحسب منظّمة الأمم المتّحدة للطفولة (يونيسف) وتوقّعت المنظّمة أن يعاني نحو 770,000 طفلاً دون الخامسة من سوء التغذية الحادّ الوخيم هذا العام، وذكرت أن الوضع مقلق بالقدر نفسه في أجزاء أخرى من البلاد. فقد ارتفعت حالات سوء التغذية الحادّ الوخيم بنسبة تزيد عن 70% في شمال كردفان، وبنسبة 174% في ولاية الخرطوم، وبنسبة مذهلة بلغت 683% في ولاية الجزيرة، إلا أنها أشارت إلى أن الزيادة في معدلات القبول للعلاج في الجزيرة والخرطوم تعكس على الأرجح تحسناً جزئياً في الوضع الأمني، وإمكانية وصول المساعدات الإنسانية. وفي موسم الجفاف يتزايد خطر وفيات الأطفال الجماعية بسرعة في المناطق التي تقترب بالفعل من عتبات المجاعة. 

ووفقاً لأحدث المسوحات التي غطّت الفترة حتى أيار/مايو 2025، تمّ إدخال أكثر من 40 ألف طفل لتلقّي العلاج في شمال دارفور وحدها، وهو ضعف العدد المسجّل في الفترة نفسها من العام الماضي، و في 9 من أصل 13 منطقة في دارفور، تجاوز معدّل سوء التغذية الحادّ مستويات الطوارئ التي حدّدتها منظّمة الصحّة العالمية. 

وأفادتنا الطبيبة ريان علي أن المشكلة تزداد تعقيداً بسبب ضعف خدمات الرعاية الصحّية في المناطق التي تنتشر فيها المجاعة بنسب أعلى، وتنعدم الخدمات تماماً في بعض المناطق نسبةً إلى الأوضاع الأمنية، وأشارت إلى أن “الاعتداء على الكوادر الصحّية وتدمير المستشفيات ونهب الصيدليات وتدمير مصانع وشركات الدواء جزء من سياسات التجويع، ومن الصعب الوصول إلى إحصائيات دقيقة حول الوفيات بسبب الجوع”.

أصبح من الصعب على المجتمعات والأسر الصمود في ظلّ هذه الأوضاع، فقد ارتفع معدّل العديد من المشكلات، ومنها عدد الأطفال خارج السلّم التعليمي، ونسب الزواج القسري وزواج الأطفال، والاستغلال الجنسي، وعمالة الأطفال.

وبينما يعتمد نحو ثلثي سكّان السودان على الزراعة، أشارت نائبة المدير العامّ لمنظّمة الفاو بيث بيكدول إلى أن “خسائر الإنتاج في المحاصيل الأوّلية، مثل الذرة الرفيعة والدخن والقمح، خلال العام الأوّل من الصراع يمكن أن تُطعم نحو 18 مليون شخص لمدّة عام، ومثّلت خسارة اقتصادية تتراوح بين 1.3 و1.7 مليار دولار أميركي”.

طوارئ جنسانية

وأوضحت هيئة الأمم المتّحدة للمرأة في السودان أن “النساء والفتيات هنّ الأكثر تضرّراً من انعدام الأمن الغذائي”، ووصفت الأزمة الراهنة في البلاد بأنها “حالة طوارئ جنسانية”، وكشف تقرير نشرته الهيئة أن “الأسر التي ترأسها نساء تواجه خطراً مضاعفاً بثلاث مرّات، لانعدام الأمن الغذائي الشديد مقارنة بالأسر التي يرأسها رجال، و75% من الأسر التي تُعيلها نساء لا تستطيع تلبية الاحتياجات الغذائية الأساسية، فهذه الأزمة تغذّي أوجه عدم المساواة المنهجية بين الجنسين، التي تتفاقم بسبب النزاع والنزوح، ومع ازدياد عدد النساء اللواتي تقع عليهن مسؤوليّة إعالة الأسر – غالباً بسبب وفاة أو اختفاء الأقارب الذكور – فإنهن يواجهن أصعب الحواجز أمام الحصول على الغذاء والدخل والمساعدات”.

وبحسب سالفاتور نكورونزيزا ممثّل هيئة الأمم المتّحدة للمرأة في السودان فإن “الأسر التي تُعيلها نساء، والتي كانت بالفعل أكثر عرضة لانعدام الأمن الغذائي بثلاث مرّات، هي الآن المجموعة الأكثر جوعاً في البلاد، وغالباً ما تكون طوابير الغذاء مكتظّة بالرجال مقارنة بالأسر التي ترأسها نساء، وفي الوقت نفسه، تُستبعد النساء إلى حدّ كبير من الآليات المجتمعية ومساحات صنع القرار، لذا فإن احتياجاتهن الخاصّة واحتياجات أسرهن غالباً ما يتمّ التغاضي عنها”.

وتشير الإحصائيات إلى أن ما يقرب من 26% من الأسر تعاني حالياً من انعدام الأمن الغذائي الشديد، مقارنة بـ 14% فقط قبل عام واحد. وعزت الأمم المتّحدة  هذا التدهور إلى استبعاد النساء من آليات توزيع المساعدات، مما يجعل احتياجات النساء وأسرهن عرضة للتهميش، وتفاقمت الأزمة بسبب ارتفاع جرائم العنف القائم على النوع الاجتماعي، التي تُعيق وصول النساء إلى المساعدات.

وصرّحت  كورين فليشر مديرة سلسلة الإمداد وتوصيل المساعدات في برنامج الأغذية العالمي أن “برنامج الأغذية العالمي جاهز بشاحنات ممتلئة بالمساعدات الغذائية لإرسالها إلى الفاشر، لكنّهم بحاجة ماسة إلى ضمانات بالمرور الآمن”.

وقد تلقّى برنامج الأغذية العالمي تصريحات من مفوضيّة العون الإنساني في بورتسودان للسماح لقافلة مساعدات إنسانية بالتقدّم إلى الفاشر، لكنّ “الدعم السريع” الذي يحاصر الفاشر منذ أكثر من عام، لم يعلن بعد عن دعمه لوقف القتال للسماح بدخول السلع الإنسانية إلى المدينة.

وأكّدت نائبة المدير العام لمنظّمة الفاو بيث بيكدول أن “زيادة المساعدات الغذائية والمياه والنقد أمر حيوي، لكن لا يمكن أن يعالج وحده النطاق الكامل لأزمة الجوع، كما أن ضمان الإنتاج الغذائي المحلّي من خلال الدعم الزراعي الطارئ، أمر بالغ الأهمّية لبناء القدرة على الصمود ومنع مزيد من الكوارث الإنسانية، لذلك يجب إعطاء الأولوية للدعم الزراعي الطارئ في السودان”.

وخلال حديثنا مع عائشة التي ذكرناها في مطلع التقرير وقد خرجت من مخيّم زمزم  بعد هجوم “الدعم السريع” عليه في نيسان/ أبريل الماضي، تمكّنت بعد رحلة طويلة وشاقّة من الوصول إلى طويلة برفقة عدد من أفراد أسرتها، وأكّدت أنه “لا تتوفّر في طويلة حتى أبسط مقوّمات الحياة، لكن هذا هو وضعنا العادي منذ أن بدأنا النزوح”، ولا أحد يدري مصير عائشة وأسرتها في هذه اللحظة.

*أُنتجت هذه المادّة بدعم من مؤسّسة “انترنيوز”

نوار جبور- كاتب وباحث سوري | 05.05.2026

مات الحاج أبو علي فقيه بعدما فهم ما حلّ به

الحاج أبو علي لم يمت موت الغفلة، لم يمت كمن لم يفهم ما حدث له. كان في موته شيء من الوعي القاسي، وعي الإنسان الذي يرى بيته ولا يراه، يعرفه ولا يستطيع أن يسكنه، يلمس الحجر كمن يلمس بقايا نفسه. هنا لا يكون الموت بيولوجياً فقط. الجسد يموت مرة، أما الوعي فيموت حين يرى العالم…
06.09.2025
زمن القراءة: 10 minutes

تسبّبت الحرب الحالية في السودان في أزمة جوع كبيرة، وصفتها الأمم المتّحدة بأكبر أزمة جوع في العالم، و تمّ تحديد وقوع المجاعة لأوّل مرّة في ولاية شمال دارفور في مخيّم زمزم للنازحين قبل أكثر من عام، ثم امتدّت إلى أماكن أخرى، ومن المتوقّع أن تمتدّ نحو مزيد من المناطق.

“فقدنا أختي ذات ال17 عاماً وطفلها”، قالت عائشة حسن البالغة من العمر 19 عاماً، بصوت متعب،  توفّيت أختها أثناء الولادة وكانت تعاني من سوء التغذية وخلال أقلّ من ساعتين لحق بها طفلها، وذلك في مطلع هذا العام، في مخيّم زمزم للاجئين في ولاية شمال دارفور ، وفي نيسان/ أبريل 2025 نزحت عائشة وأسرتها الى مخيّم طويلة.

ذكر “مجلس الإغاثة الطارئة” في وقت سابق، أن المجاعة التي اكتُشفت في آب/ أغسطس 2024 في مخيّم زمزم في ولاية شمال دارفور، واستمرّت وامتدّت إلى مخيّمات السلام وأبو شوك وجبال النوبة الغربية، خلال الفترة من تشرين الأوّل/ أكتوبر إلى تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، ومن المتوقّع أن تتوسّع  في مناطق شمال دارفور، إضافة إلى خطر المجاعة في جبال النوبة الوسطى، وفي المناطق التي يُحتمل أن تشهد تدفّقات كبيرة من النازحين داخلياً في شمال دارفور وجنوبه، وكذلك مدن الكبرى وشرق الجزيرة في ولاية الجزيرة، ومايو والإنقاذ في جبل أولياء في ولاية الخرطوم، والفردوس في ولاية شرق دارفور. 

وشدّدت مديرة مكتب العمليات والمناصرة في مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إيديم وسرونو في كانون الثاني/ يناير من هذا العام خلال جلسة لمجلس الأمن، على أن “تأثير هذه الأزمة التي هي من صنع الإنسان، لا يتساوى بين السكّان، حيث يفرض الجوع الشديد مخاطر غير متناسبة على النساء والفتيات، وعلى الصغار وكبار السنّ”.

استُخدم التجويع بشكل واضح ومتعمّد كسلاح ضدّ المواطن/ة السوداني خلال الحرب -التي ما زالت مستمرّة- في عدد من المناطق، وعملت الأطراف والمجموعات المشاركة في الحرب على منع وصول إمدادات الغذاء والماء والدواء .

وعدّت “إيديم” السودان أكبر أزمة إنسانية في العالم من حيث عدد المحتاجين والوضع الصحّي، مشيرة إلى أن “مدينة الفاشر محاصرة منذ عام، وأن مخيّم زمزم للنازحين سجل حدوث ظروف المجاعة”، ووفقاً لمنظّمة الصحّة العالمية يُعاني 25 مليون شخص تقريباً من انعدام الأمن الغذائي الحادّ في السودان، وأُصيب 3.5 مليون امرأة وطفل بسوء التغذية، وفقاً لما ذكرته هيئة الأمم المتّحدة.  

التجويع كسلاح حرب

في 15 نيسان/ أبريل 2023 بدأت الحرب بين الجيش و”الدعم السريع” في العاصمة الخرطوم،  ثم امتدّت إلى عدد من المناطق الأخرى في وسط وغرب السودان،  وتعرّضت مناطق وأحياء سكنية للحصار، ونُهبت الموادّ الغذائية، وتعرّضت محاصيل زراعية للحرق والنهب،  وفقد العديد من المواطنين/ات مصادر دخلهم ومواردهم ومنازلهم، وصحب ذلك ارتفاع معدّلات النزوح واللجوء، حيث بلغ عدد النازحين في آذار/ مارس 2025، 11.3 مليون شخص أكثر من نصفهم من الأطفال، ويعيش 18% منهم في مخيّمات، بحسب التحالف الدولي للتنوّع البيولوجي والمركز الدولي للزراعة الاستوائية.

وتمّ تدمير مصانع ومنشآت ومحطّات المياه والكهرباء والوقود وتعطيلها، وأدّى ذلك مع تدهور الحالة الأمنية والأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى انعدام الأمن الغذائي في عدد من المناطق وتدهوره.

ويسيطر كلّ طرف من الأطراف المتحاربة على أنظمة الغذاء وقنوات التواصل والاستيراد والتصدير في مناطق نفوذه، مستخدماً التجويع كسلاح، ويعمل على تقييد حركة الغذاء لتجويع السكّان، إضافة إلى ما تتعرّض له قوافل الإغاثة من نهب وتهديد أو استيلاء ومنع من الوصول للمواطنين/ات.

الموت جوعاً

مئات الآلاف من المحاصرين في الفاشر يواجهون الموت جوعاً، حيث لا تزال المدينة معزولة عن برنامج الأغذية العالمي والمساعدات الإنسانية الأخرى، وقال إريك بيرديسون المدير الإقليمي لبرنامج الأغذية العالمي لشرق وجنوب أفريقيا: “يواجه الجميع في الفاشر صراعاً يومياً للبقاء على قيد الحياة بعد أكثر من عامين من الحرب، لقد استنفد الناس آليات التكيّف المتاحة تماماً”.

وبحسب الأمم المتّحدة تنتشر المجاعة في عدّة مناطق في دارفور وكردفان – بما فيها الفاشر، مليط، أم كدادة، والطويشة في دارفور، وجبال النوبة الغربية في كردفان – مع خطر المزيد من التوسّع، وتفيد التقارير بأن بعض سكّان الفاشر يعيشون على علف الحيوانات وبقايا الطعام، وبينما يواصل برنامج الأغذية العالمي تقديم دعم نقدي رقمي لنحو ربع مليون شخص في المدينة، مما يسمح لهم بشراء الطعام المتضائل في الأسواق، فإن هذه المساعدة لا تتناسب مع الاحتياجات المتصاعدة، لذلك من الضروري توفير المساعدة العينية لمواجهة الجوع على نطاق واسع، حيث ارتفعت الأسعار بشكل كبير بسبب إغلاق طرق التجارة وخطوط الإمداد إلى الفاشر، بما في ذلك أسعار السلع الأساسية مثل الدقيق والذرة، وتوقّفت أيضاً المطابخ المجتمعية، التي أُنشئت لإطعام الجائعين/ات. 

وانتهى المطاف بالعديد ممن تمكّنوا من مغادرة الفاشر في منطقة طويلة بحسب ما ذكرته الأمم المتّحدة، مؤكّدة أن الخيام المؤقّتة في المخيّم لا توفّر سوى القليل من الحماية من موسم الأمطار، وغالباً ما تكون حصص برنامج الأغذية العالمي من البسكويت عالي الطاقة الغنيّ بالمغذيات، والذرة، والزيت النباتي، والملح هي الغذاء الوحيد  بالنسبة إلى سكّان المخيّم البالغ  عددهم نحو 400,000 شخص، وكثير منهم وصلوا بملابسهم فقط.

ووصف محمّد وهو مقيم في طويلة ويبلغ من العمر 47 عاماً – بحسب تقرير نشرته الأمم المتّحدة هذا الشهر- أنه تمّ تقسيم كوب واحد من الماء بين أربعة أشخاص، كان على كلّ شخص أن يأخذ رشفة واحدة فقط، بالكاد تكفي لتصل إلى معدته، وقال: “الناس ماتوا من العطش”، وقد وصل محمّد الى طويلة بعد رحلة مروّعة من مخيّم زمزم.

وأخبرتنا الطفلة سعاد المقيمة حالياً في مخيّم أدري للنازحين في دولة تشاد، عن رحلة شاقّة بين دولتين قامت بها مع بعض أفراد أسرتها من الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور، حيث فقدت والدها وأخاها الأكبر جرّاء الهجوم الأخير على الجنينة في نيسان/ أبريل الفائت، ولا تدري هي وأسرتها ما إذا ظلّوا على قيد الحياة.

انعدام الأمن الغذائي

 مليون شخص تقريباً – ما يقارب نصف السكّان – يواجهون مستويات حادّة من انعدام الأمن الغذائي، ويواجه 15.9 مليون شخص مستوى الأزمة، و8.1 ملايين عند مستوى الطوارئ، وأكثر من 637 ألف شخص عند المستوى الخامس أو مرحلة المجاعة، ومنهم أكثر من 2.700 مليون في ولاية الجزيرة محلّيات الحصاحيصا والكاملين في مواجهة مستويات حادّة من انعدام الأمن الغذائي، بحسب قراءات منظّمة IPC.

من كانون الأوّل/ ديسمبر 2024 وحتى أيّار/ مايو 2025، يواجه أكثر من 100 ألف شخص المجاعة في مخيّم زمزم، يليهم 71 ألف في ولاية الخرطوم محلّية جبل أولياء.

وتباشر الأطراف المتحاربة سياساتها العدائية عبر حصار مدن وأحياء وقرى لفترات طويلة، ومنع وصول الغذاء والدواء والقوافل الإنسانية، أو عبر إغلاق الطرق الرئيسية والسيطرة عليها، ولعب الارتفاع الجنوني للأسعار دوراً مهمّاً في التجويع، ويعود هذا الارتفاع إلى التضخّم وانقطاع الإمداد وضعفه، وقد تجاوز الارتفاع نسبة 300% في بعض المناطق، مما جعل الحصول على الطعام شبه مستحيل لأعداد كبيرة من المواطنين/ات، ونهب المخزون الغذائي وتدميره وحرق الأسواق والمحلّات التجارية والمحاصيل الزراعية.

كما يُعدّ انهيار إنتاج الغذاء عاملاً رئيسياً في المجاعة، فقد تمّ استهداف الإنتاج الزراعي ونزح عدد كبير من المزارعين/ات وقُتل بعضهم، والقلّة الموجودة تواجه صعوبات في الوصول إلى المزارع وممارسة أعمالها، إضافة إلى عجزهم عن  توفير البذور والأسمدة والآليات وأنظمة الري، فقد تمّ تدمير المعدّات الزراعية وأنظمة الري، وتأثّر أيضاً الإنتاج الحيواني، ويظهر أثر ذلك واضحاً في ولاية الجزيرة وولايات دارفور، حيث دخل “الدعم السريع” في 19 كانون الأوّل/ ديسمبر 2023 مدينة ود مدني عاصمة الجزيرة، التي فيها أحد أكبر المشاريع الزراعية في العالم، والذي يُنتج نصف إنتاج السودان من القمح.

ترويع وإرهاب

وأوضح الاقتصادي كمال كرّار خلال حديثنا معه أن “طبيعة الحرب الدائرة والأطراف المنخرطة فيها، تفسّر النتائج الوخيمة والمآلات الراهنة على مستوى جرائم الحرب التي ترتكب، أو المجاعات والتجويع والأوبئة التي تتفشّى”، مؤكّداً أن “الحرب هي الطور الأعلى من الترويع والإرهاب والقمع، الذي تستخدمه الثورة المضادّة ممثّلة في قيادة الجيش والميليشيا، أو أطراف اللجنة الأمنية العليا للنظام البائد، في معركتها ضدّ ثورة ديسمبر وقواها الشعبية، ويأتي التجويع متعمّداً في سياق الترويع، وإجبار المواطنين/ات على النزوح واللجوء أو التعرّض للموت.

يرفض الطرفان الهدن الإنسانية، أو السماح بوصول المساعدات للعالقين في مناطق الحرب، ويتّخذان من المدنيين دروعاً بشرية ، مما أدّى إلى سقوط مئات الآلاف من القتلى والجرحى”، ولفت إلى أن “الأمن الغذائي هشّ من قبل أن تبدأ الحرب، ووصل مرحلة الانهيار بسبب تعطّل القطاع الزراعي المروي والتقليدي، فالحرب دارت في مناطق الزراعة الرئيسية في الجزيرة والنيلين الأبيض والأزرق وكردفان ودارفور، والوطن في حالة لا دولة ولا خطّة اقتصادية أو مخزون استراتيجي.

معظم القطاع التقليدي الذي يعيش فيه ٧٠٪؜ من السكّان، يعتمد نمط الاقتصاد المعيشي، بمعنى الزراعة للاستهلاك الغذائي، خاصّة الحبوب كالذرة والدخن، وبالإضافة إلى فقدان الوظائف ومصادر الدخل وارتفاع الأسعار، الغالبية العظمى من الناس اجتاحتهم المجاعة، والقليل من الطعام الموجود في التكايا هو الذي يُبقيهم علي قيد الحياة، وتسبّب نقص التمويل وارتفاع أسعار السلع الغذائية، في توقّف نحو 90% من 300 مطبخ خيري، كان يقدّم الوجبات للعالقين في مناطق القتال”، ورأى أن “التجويع والمجاعة سيظلّان يتصدّران المشهد مالم تتوقّف الحرب وتُفتح المعابر والطرق لإدخال المساعدات، واستعادة الحياة الطبيعية والقدرة على الزراعة وإنتاج الغذاء”.

وأشار إلى أن “حجم المساحات المزروعة في القطاع المروي لم تتجاوز ١٨٪؜ في الجزيرة و٢٥٪؜ في القضارف طوال أعوام الحرب، ومعظم المنتجين داخل القطاع التقليدي هم الآن نازحون أو لاجئون، ووفقاً لمعلومات أممية موثوق بها، انخفض إنتاج الحبوب من نحو 8 ملايين طن متري، إلى 4.1 ملايين طن متري في نهاية 2023، وتراجع  إلى 3.3 ملايين طن متري بنهاية 2024 بسبب فرار عشرات الآلاف من المزارعين من مناطق القتال، ويلجأ الكثير من النازحين والعالقين في مناطق القتال، إلى تدابير قاسية مثل الاكتفاء بوجبة واحدة في اليوم أو تناول وجبات عديمة الفائدة الغذائية”.

آثار التجويع

 تترتّب على التجويع آثار عديدة منها سوء التغذية والأمراض المرتبطة به التي تقود إلى الوفاة، خاصّة بالنسبة إلى الأطفال والنساء الحوامل، وأعربت مسؤولة في مكتب الأمم المتّحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في 11 آب/ أغسطس 2025، عن قلقها إزاء التقارير الواردة من مدينة الفاشر بشأن وفاة أكثر من 60 شخصاً بسبب سوء التغذية في أسبوع واحد فقط.

وارتفع  عدد الأطفال الذين يتلقّون العلاج من سوء التغذية الحادّ الوخيم في دارفور، إلى 46% في الأشهر الخمسة الأولى من العام 2025، بحسب منظّمة الأمم المتّحدة للطفولة (يونيسف) وتوقّعت المنظّمة أن يعاني نحو 770,000 طفلاً دون الخامسة من سوء التغذية الحادّ الوخيم هذا العام، وذكرت أن الوضع مقلق بالقدر نفسه في أجزاء أخرى من البلاد. فقد ارتفعت حالات سوء التغذية الحادّ الوخيم بنسبة تزيد عن 70% في شمال كردفان، وبنسبة 174% في ولاية الخرطوم، وبنسبة مذهلة بلغت 683% في ولاية الجزيرة، إلا أنها أشارت إلى أن الزيادة في معدلات القبول للعلاج في الجزيرة والخرطوم تعكس على الأرجح تحسناً جزئياً في الوضع الأمني، وإمكانية وصول المساعدات الإنسانية. وفي موسم الجفاف يتزايد خطر وفيات الأطفال الجماعية بسرعة في المناطق التي تقترب بالفعل من عتبات المجاعة. 

ووفقاً لأحدث المسوحات التي غطّت الفترة حتى أيار/مايو 2025، تمّ إدخال أكثر من 40 ألف طفل لتلقّي العلاج في شمال دارفور وحدها، وهو ضعف العدد المسجّل في الفترة نفسها من العام الماضي، و في 9 من أصل 13 منطقة في دارفور، تجاوز معدّل سوء التغذية الحادّ مستويات الطوارئ التي حدّدتها منظّمة الصحّة العالمية. 

وأفادتنا الطبيبة ريان علي أن المشكلة تزداد تعقيداً بسبب ضعف خدمات الرعاية الصحّية في المناطق التي تنتشر فيها المجاعة بنسب أعلى، وتنعدم الخدمات تماماً في بعض المناطق نسبةً إلى الأوضاع الأمنية، وأشارت إلى أن “الاعتداء على الكوادر الصحّية وتدمير المستشفيات ونهب الصيدليات وتدمير مصانع وشركات الدواء جزء من سياسات التجويع، ومن الصعب الوصول إلى إحصائيات دقيقة حول الوفيات بسبب الجوع”.

أصبح من الصعب على المجتمعات والأسر الصمود في ظلّ هذه الأوضاع، فقد ارتفع معدّل العديد من المشكلات، ومنها عدد الأطفال خارج السلّم التعليمي، ونسب الزواج القسري وزواج الأطفال، والاستغلال الجنسي، وعمالة الأطفال.

وبينما يعتمد نحو ثلثي سكّان السودان على الزراعة، أشارت نائبة المدير العامّ لمنظّمة الفاو بيث بيكدول إلى أن “خسائر الإنتاج في المحاصيل الأوّلية، مثل الذرة الرفيعة والدخن والقمح، خلال العام الأوّل من الصراع يمكن أن تُطعم نحو 18 مليون شخص لمدّة عام، ومثّلت خسارة اقتصادية تتراوح بين 1.3 و1.7 مليار دولار أميركي”.

طوارئ جنسانية

وأوضحت هيئة الأمم المتّحدة للمرأة في السودان أن “النساء والفتيات هنّ الأكثر تضرّراً من انعدام الأمن الغذائي”، ووصفت الأزمة الراهنة في البلاد بأنها “حالة طوارئ جنسانية”، وكشف تقرير نشرته الهيئة أن “الأسر التي ترأسها نساء تواجه خطراً مضاعفاً بثلاث مرّات، لانعدام الأمن الغذائي الشديد مقارنة بالأسر التي يرأسها رجال، و75% من الأسر التي تُعيلها نساء لا تستطيع تلبية الاحتياجات الغذائية الأساسية، فهذه الأزمة تغذّي أوجه عدم المساواة المنهجية بين الجنسين، التي تتفاقم بسبب النزاع والنزوح، ومع ازدياد عدد النساء اللواتي تقع عليهن مسؤوليّة إعالة الأسر – غالباً بسبب وفاة أو اختفاء الأقارب الذكور – فإنهن يواجهن أصعب الحواجز أمام الحصول على الغذاء والدخل والمساعدات”.

وبحسب سالفاتور نكورونزيزا ممثّل هيئة الأمم المتّحدة للمرأة في السودان فإن “الأسر التي تُعيلها نساء، والتي كانت بالفعل أكثر عرضة لانعدام الأمن الغذائي بثلاث مرّات، هي الآن المجموعة الأكثر جوعاً في البلاد، وغالباً ما تكون طوابير الغذاء مكتظّة بالرجال مقارنة بالأسر التي ترأسها نساء، وفي الوقت نفسه، تُستبعد النساء إلى حدّ كبير من الآليات المجتمعية ومساحات صنع القرار، لذا فإن احتياجاتهن الخاصّة واحتياجات أسرهن غالباً ما يتمّ التغاضي عنها”.

وتشير الإحصائيات إلى أن ما يقرب من 26% من الأسر تعاني حالياً من انعدام الأمن الغذائي الشديد، مقارنة بـ 14% فقط قبل عام واحد. وعزت الأمم المتّحدة  هذا التدهور إلى استبعاد النساء من آليات توزيع المساعدات، مما يجعل احتياجات النساء وأسرهن عرضة للتهميش، وتفاقمت الأزمة بسبب ارتفاع جرائم العنف القائم على النوع الاجتماعي، التي تُعيق وصول النساء إلى المساعدات.

وصرّحت  كورين فليشر مديرة سلسلة الإمداد وتوصيل المساعدات في برنامج الأغذية العالمي أن “برنامج الأغذية العالمي جاهز بشاحنات ممتلئة بالمساعدات الغذائية لإرسالها إلى الفاشر، لكنّهم بحاجة ماسة إلى ضمانات بالمرور الآمن”.

وقد تلقّى برنامج الأغذية العالمي تصريحات من مفوضيّة العون الإنساني في بورتسودان للسماح لقافلة مساعدات إنسانية بالتقدّم إلى الفاشر، لكنّ “الدعم السريع” الذي يحاصر الفاشر منذ أكثر من عام، لم يعلن بعد عن دعمه لوقف القتال للسماح بدخول السلع الإنسانية إلى المدينة.

وأكّدت نائبة المدير العام لمنظّمة الفاو بيث بيكدول أن “زيادة المساعدات الغذائية والمياه والنقد أمر حيوي، لكن لا يمكن أن يعالج وحده النطاق الكامل لأزمة الجوع، كما أن ضمان الإنتاج الغذائي المحلّي من خلال الدعم الزراعي الطارئ، أمر بالغ الأهمّية لبناء القدرة على الصمود ومنع مزيد من الكوارث الإنسانية، لذلك يجب إعطاء الأولوية للدعم الزراعي الطارئ في السودان”.

وخلال حديثنا مع عائشة التي ذكرناها في مطلع التقرير وقد خرجت من مخيّم زمزم  بعد هجوم “الدعم السريع” عليه في نيسان/ أبريل الماضي، تمكّنت بعد رحلة طويلة وشاقّة من الوصول إلى طويلة برفقة عدد من أفراد أسرتها، وأكّدت أنه “لا تتوفّر في طويلة حتى أبسط مقوّمات الحياة، لكن هذا هو وضعنا العادي منذ أن بدأنا النزوح”، ولا أحد يدري مصير عائشة وأسرتها في هذه اللحظة.

*أُنتجت هذه المادّة بدعم من مؤسّسة “انترنيوز”