ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

التحرّش الجماعي في العراق: جريمة متوقّعة لا استثناء صادم

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الوحشنة هنا توصيف أخلاقي فردي، وهو ما أزعج العيداني. أما العنف نفسه، الناتج من إفلات من العقاب وخطابات تشرعن السيطرة على الجسد المؤنث، فلم يكن موضع اعتراض.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم تكن ليلة رأس السنة في البصرة مجرّد احتفال خرج عن السيطرة. الفيديو الذي وثّق تعرّض طفلة لتحرّش جماعي في كورنيش المدينة هزّ الرأي العام العراقي، لا فقط لبشاعة المشهد، بل لأنه كشف مجدداً عن عنف لم يعد طارئاً ولا مفاجئا، بل متوقَّعٌ، يُعاد إنتاجه عاماً بعد عام.

حادثة الطفلة لم تكن الأولى خلال العام. سبقتها حوادث تحرّش جماعي استهدفت سائحتين، ثم عاملتين سوداوتين، ثم هذه الطفلة. وبين هذه الوقائع، عشرات الحوادث الفردية التي تُحتوى وتُصادَر تحت عناوين “العيب” و”الشرف”، أو تُهمَل لأنها لم تكن “ترندًا” بما يكفي. ما نشهده ليس تكرارًا للفعل فقط، بل انتظامه، بما يكشف عن بنية مستقرة للعنف، وعن قبول اجتماعي ضمني باستمراره.

هذا التوقّع المسبق للتحرّش لا يدل على اعتياد العنف فحسب، بل على استقرار شروطه: هشاشة الدولة، إفلات المعتدين من العقاب، وخطاب أخلاقي وديني يشرعن استباحة الجسد المؤنث. في هذا السياق، لا يُمارَس التحرش الجماعي بوصفه خللًا أخلاقيًا لحظيًا، بل كعنف ممأسس يعمل داخل الفضاء العام، ويعيد ترسيم من يحق له الوجود فيه، ومن يُعاقَب على حضوره.

من إدانة الجريمة إلى لوم الضحيّة

استحوذت حادثة الطفلة على حيّز واسع من النقاش العام، لا لبشاعتها فقط، بل لطبيعة التفاعل معها. إذ انقسم الرأي العام بين مطالبين بمحاسبة المعتدين، وبين من حمّل الطفلة وعائلتها مسؤولية وجودها في الفضاء العام، وفي كورنيش البصرة تحديدًا. هذا الخطاب يريح المجتمع من مواجهة ذاته: فاتهام عائلة “لم تحسن التربية” أسهل بكثير من طرح السؤال الجوهري: لماذا يشعر هذا العدد من الرجال بأمان كافٍ لممارسة تحرّش علني وجماعي؟

في المقابل، تجاهل عدد من “صنّاع المحتوى” ما حصل، معتبرين أن الحديث عن الجريمة “يسيء الى سمعة العراق”، في خطاب يدافع عن البنية لا عن الضحية، ويقدّم السمعة بوصفها أولوية أعلى من سلامة الأجساد. هذا المنطق بلغ ذروته في تصريح محافظ البصرة أسعد العيداني، الذي قال إن الحادثة “أخذت أكبر من حجمها على السوشيال ميديا” على رغم الإعلان عن اعتقال عدد من المتورطين. اعتراضه لم يكن على العنف، بل على “تشويه صورة شباب البصرة”، رافضًا وصفهم بـ”الوحوش”، بحجة أن التحرش يحدث في كل مكان في العالم.

الوحشنة هنا توصيف أخلاقي فردي، وهو ما أزعج العيداني. أما العنف نفسه، الناتج من إفلات من العقاب وخطابات تشرعن السيطرة على الجسد المؤنث، فلم يكن موضع اعتراض.

قانون بلا اعتراف

لا يوجد في العراق إطار قانوني يجرّم التحرش بشكل صريح. المفردة نفسها غائبة عن النصوص القانونية، ويُحاسَب المتحرشون وفق مواد فضفاضة تتعلّق بـ”الإخلال بالآداب العامة”. تقول المحامية منال حميد إن القانون العراقي “لا يجرّم التحرش بصفته جريمة مستقلة، بل نضطر إلى تكييف بعض الأفعال ضمن جرائم الإخلال بالحياء أو هتك العرض، وهي توصيفات أخلاقية أكثر منها حقوقية”.

في هذه الصياغة، يُجرَّم السلوك بوصفه إزعاجًا للفضاء العام، لا اعتداءً على الجسد. ويُترك للقاضي تقدير “نية الجاني” وفق معايير أخلاقية واجتماعية، ما يفتح الباب أمام لوم الضحية، وتأثير الثقافة السائدة في مسار العدالة. غياب التوصيف القانوني الدقيق يعني غياب الاعتراف بالتحرش كعنف جندري قائم بذاته، له ضحايا ومسؤوليات واضحة.

حتى التدخل الأمني في قضية الطفلة جاء لضبط الفضاء العام لا لحمايتها. فالاعتقال تم قبل الاعتراف بالجريمة، وقبل تقديم شكوى رسمية، في مقاربة تعكس أولوية “الهدوء” على العدالة.

الفضاء العام كملكيّة ذكوريّة

يعيش جزء كبير من المجتمع العراقي ضمن مخيال ذكوري يقسّم العالم إلى “خارج” للرجال و”داخل” للنساء. في هذا المخيال، يُنظر إلى وجود المرأة أو الطفلة في الفضاء العام كاختراق لحيّز رجولي، لا كحق. لذلك تُعاد صياغة الجريمة فورًا بأسئلة جاهزة: “شنو تسوي هنا؟ أهلها وين؟ شنو لابسة؟”. هذه الأسئلة لا تبحث عن الجاني، بل عن المبرّر.

بهذا المنطق، يصبح الفضاء العام مكانًا معاديًا بطبيعته، وعلى النساء والأطفال تبرير وجودهم فيه، بينما يُقدَّم الرجل المعتدي بوصفه امتدادًا “طبيعيًا” للمكان. السؤال لا يكون: لماذا هذا الفضاء غير آمن؟ بل: لماذا كانت الضحية هنا أصلًا؟

الدين والجغرافيا الأخلاقيّة

بعد انتشار حادثة التحرش، عاد خطاب “قدسية البصرة” إلى الواجهة. حسابات وعظ ديني ربطت ما حدث باحتفالات برأس السنة، معتبرة أن العنف نتيجة “الانحلال الأخلاقي”. رجال دين كانوا دعوا سابقًا إلى منع الاحتفالات، وجدوا في الحادثة “دليلًا” على صحة تحذيراتهم. من بينهم رجل الدين الشيعي أبو حبيب الصافي، الذي وعد بـ”مكافأة” لكل فتاة لا تخرج للاحتفال، في دعوة صريحة لانسحاب النساء من الفضاء العام “لمصلحتهن”.

هذا الخطاب لا يواجه العنف الجنسي، بل يعيد تنظيمه مكانيًا، ويحمّل النساء مسؤولية ما يتعرضن له. يخلق “جغرافيا أخلاقية” لأماكن مسموحة وأخرى محرّمة، إذ يُعرَّف الأمان لا بغياب العنف، بل بوجود الرقابة الذكورية. هكذا يُستخدم العنف، حتى ضد طفلة، كأداة لإعادة النساء إلى الداخل.

من “شنو شعندها طالعة” إلى خطاب القدسية، تتكامل أدوات الدفاع عن البنية لا عن الضحايا. الفضاء العام يُعرَّف كملكية ذكورية مشروطة، ووجود الجسد المؤنث فيه يُعد خطأ. ما دامت هذه التعريفات سائدة، سيبقى التحرش الجماعي جريمة متوقعة، لا استثناءً صادمًا، وسيبقى العنف أداة ضبط، لا خللًا طارئًا يمكن تجاوزه.

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 16.01.2026

“الإبادة البيئيّة” في سلطنة عمان: من يحمي الحوت الأحدب والنمر العربي من شركات النفط والغاز؟

سلطنة عُمان تحتل المركز الثاني بين أكثر الدول التي تتضمن تراخيص نفط وغاز داخل مناطق محمية معترف بها دوليًا بمساحة تداخل تبلغ نحو 56 ألف كم²، حيث تتقاطع 20 ترخيصًا للنفط والغاز مع 35 منطقة محمية.
07.01.2026
زمن القراءة: 4 minutes

الوحشنة هنا توصيف أخلاقي فردي، وهو ما أزعج العيداني. أما العنف نفسه، الناتج من إفلات من العقاب وخطابات تشرعن السيطرة على الجسد المؤنث، فلم يكن موضع اعتراض.

لم تكن ليلة رأس السنة في البصرة مجرّد احتفال خرج عن السيطرة. الفيديو الذي وثّق تعرّض طفلة لتحرّش جماعي في كورنيش المدينة هزّ الرأي العام العراقي، لا فقط لبشاعة المشهد، بل لأنه كشف مجدداً عن عنف لم يعد طارئاً ولا مفاجئا، بل متوقَّعٌ، يُعاد إنتاجه عاماً بعد عام.

حادثة الطفلة لم تكن الأولى خلال العام. سبقتها حوادث تحرّش جماعي استهدفت سائحتين، ثم عاملتين سوداوتين، ثم هذه الطفلة. وبين هذه الوقائع، عشرات الحوادث الفردية التي تُحتوى وتُصادَر تحت عناوين “العيب” و”الشرف”، أو تُهمَل لأنها لم تكن “ترندًا” بما يكفي. ما نشهده ليس تكرارًا للفعل فقط، بل انتظامه، بما يكشف عن بنية مستقرة للعنف، وعن قبول اجتماعي ضمني باستمراره.

هذا التوقّع المسبق للتحرّش لا يدل على اعتياد العنف فحسب، بل على استقرار شروطه: هشاشة الدولة، إفلات المعتدين من العقاب، وخطاب أخلاقي وديني يشرعن استباحة الجسد المؤنث. في هذا السياق، لا يُمارَس التحرش الجماعي بوصفه خللًا أخلاقيًا لحظيًا، بل كعنف ممأسس يعمل داخل الفضاء العام، ويعيد ترسيم من يحق له الوجود فيه، ومن يُعاقَب على حضوره.

من إدانة الجريمة إلى لوم الضحيّة

استحوذت حادثة الطفلة على حيّز واسع من النقاش العام، لا لبشاعتها فقط، بل لطبيعة التفاعل معها. إذ انقسم الرأي العام بين مطالبين بمحاسبة المعتدين، وبين من حمّل الطفلة وعائلتها مسؤولية وجودها في الفضاء العام، وفي كورنيش البصرة تحديدًا. هذا الخطاب يريح المجتمع من مواجهة ذاته: فاتهام عائلة “لم تحسن التربية” أسهل بكثير من طرح السؤال الجوهري: لماذا يشعر هذا العدد من الرجال بأمان كافٍ لممارسة تحرّش علني وجماعي؟

في المقابل، تجاهل عدد من “صنّاع المحتوى” ما حصل، معتبرين أن الحديث عن الجريمة “يسيء الى سمعة العراق”، في خطاب يدافع عن البنية لا عن الضحية، ويقدّم السمعة بوصفها أولوية أعلى من سلامة الأجساد. هذا المنطق بلغ ذروته في تصريح محافظ البصرة أسعد العيداني، الذي قال إن الحادثة “أخذت أكبر من حجمها على السوشيال ميديا” على رغم الإعلان عن اعتقال عدد من المتورطين. اعتراضه لم يكن على العنف، بل على “تشويه صورة شباب البصرة”، رافضًا وصفهم بـ”الوحوش”، بحجة أن التحرش يحدث في كل مكان في العالم.

الوحشنة هنا توصيف أخلاقي فردي، وهو ما أزعج العيداني. أما العنف نفسه، الناتج من إفلات من العقاب وخطابات تشرعن السيطرة على الجسد المؤنث، فلم يكن موضع اعتراض.

قانون بلا اعتراف

لا يوجد في العراق إطار قانوني يجرّم التحرش بشكل صريح. المفردة نفسها غائبة عن النصوص القانونية، ويُحاسَب المتحرشون وفق مواد فضفاضة تتعلّق بـ”الإخلال بالآداب العامة”. تقول المحامية منال حميد إن القانون العراقي “لا يجرّم التحرش بصفته جريمة مستقلة، بل نضطر إلى تكييف بعض الأفعال ضمن جرائم الإخلال بالحياء أو هتك العرض، وهي توصيفات أخلاقية أكثر منها حقوقية”.

في هذه الصياغة، يُجرَّم السلوك بوصفه إزعاجًا للفضاء العام، لا اعتداءً على الجسد. ويُترك للقاضي تقدير “نية الجاني” وفق معايير أخلاقية واجتماعية، ما يفتح الباب أمام لوم الضحية، وتأثير الثقافة السائدة في مسار العدالة. غياب التوصيف القانوني الدقيق يعني غياب الاعتراف بالتحرش كعنف جندري قائم بذاته، له ضحايا ومسؤوليات واضحة.

حتى التدخل الأمني في قضية الطفلة جاء لضبط الفضاء العام لا لحمايتها. فالاعتقال تم قبل الاعتراف بالجريمة، وقبل تقديم شكوى رسمية، في مقاربة تعكس أولوية “الهدوء” على العدالة.

الفضاء العام كملكيّة ذكوريّة

يعيش جزء كبير من المجتمع العراقي ضمن مخيال ذكوري يقسّم العالم إلى “خارج” للرجال و”داخل” للنساء. في هذا المخيال، يُنظر إلى وجود المرأة أو الطفلة في الفضاء العام كاختراق لحيّز رجولي، لا كحق. لذلك تُعاد صياغة الجريمة فورًا بأسئلة جاهزة: “شنو تسوي هنا؟ أهلها وين؟ شنو لابسة؟”. هذه الأسئلة لا تبحث عن الجاني، بل عن المبرّر.

بهذا المنطق، يصبح الفضاء العام مكانًا معاديًا بطبيعته، وعلى النساء والأطفال تبرير وجودهم فيه، بينما يُقدَّم الرجل المعتدي بوصفه امتدادًا “طبيعيًا” للمكان. السؤال لا يكون: لماذا هذا الفضاء غير آمن؟ بل: لماذا كانت الضحية هنا أصلًا؟

الدين والجغرافيا الأخلاقيّة

بعد انتشار حادثة التحرش، عاد خطاب “قدسية البصرة” إلى الواجهة. حسابات وعظ ديني ربطت ما حدث باحتفالات برأس السنة، معتبرة أن العنف نتيجة “الانحلال الأخلاقي”. رجال دين كانوا دعوا سابقًا إلى منع الاحتفالات، وجدوا في الحادثة “دليلًا” على صحة تحذيراتهم. من بينهم رجل الدين الشيعي أبو حبيب الصافي، الذي وعد بـ”مكافأة” لكل فتاة لا تخرج للاحتفال، في دعوة صريحة لانسحاب النساء من الفضاء العام “لمصلحتهن”.

هذا الخطاب لا يواجه العنف الجنسي، بل يعيد تنظيمه مكانيًا، ويحمّل النساء مسؤولية ما يتعرضن له. يخلق “جغرافيا أخلاقية” لأماكن مسموحة وأخرى محرّمة، إذ يُعرَّف الأمان لا بغياب العنف، بل بوجود الرقابة الذكورية. هكذا يُستخدم العنف، حتى ضد طفلة، كأداة لإعادة النساء إلى الداخل.

من “شنو شعندها طالعة” إلى خطاب القدسية، تتكامل أدوات الدفاع عن البنية لا عن الضحايا. الفضاء العام يُعرَّف كملكية ذكورية مشروطة، ووجود الجسد المؤنث فيه يُعد خطأ. ما دامت هذه التعريفات سائدة، سيبقى التحرش الجماعي جريمة متوقعة، لا استثناءً صادمًا، وسيبقى العنف أداة ضبط، لا خللًا طارئًا يمكن تجاوزه.