في عالم تُقيَّد فيه المعرفة بالجسد، وتُعدّ الصحّة والحقوق الجنسية والإنجابية من “المحرّمات”، غالباً ما يصبح الذين يحاولون كسر الصمت أهدافاً للتحرّش والإساءة والتشهير.
هذا النمط ليس عرضياً، إنه يعكس استحقاقاً أبوياً أعمق يتعامل مع أجساد النساء بوصفها متاحة للعموم، ويعاقب من ينتزعن حقّ امتلاك المعرفة الجنسية.
في مصر، تزداد حدّة المسألة لأن الجنس متداخل بإحكام مع الشرف وسمعة العائلة والخطاب الأخلاقي المدعوم من الدولة، وبناءً على ذلك، تتحدّى النساء الناشطات في مجال الصحّة والحقوق الجنسية والإنجابية بنية اجتماعية أبوية متعدّدة الطبقات، تشمل السيطرة الأبوية في المجالين العامّ والخاصّ في آن واحد، ونتيجة لذلك، تتجاوز التحدّيات التي يتعرّضن لها ندرة الموارد أو الوصمة الاجتماعية، لتشمل أيضاً أشكالاً متعدّدة من التحرّش الجنسي والإساءة، وكل تكتيكات الترهيب الهادفة إلى إسكات النساء اللواتي يجرؤن على فتح نقاش جادّ وعلمي حول الصحّة والحقوق الجنسية والإنجابية.
تقول مي الحسيني، مستشارة العلاقات الزوجية والمعالجة النفسية الجنسية: “من الشائع جداً أن يُرسل لي شخص صورة لعضوه الذكري سائلاً: هل هذا طبيعي؟ إرسال شيء كهذا إليّ هو شكل من أشكال التحرّش”.
تُنتج مي محتوى تثقيفياً حول الصحّة الجنسية والإنجابية من منظور جندري، وتتلقّى بانتظام رسائل وصوراً صريحة ردّاً على هذا المحتوى، ووفق ما تقوله، أصبح التحرّش جزءاً لا ينفصل عن عمل كثير من الناشطات في هذا المجال.
“الرسائل الخاصّة”
يُعرف إرسال صور جنسية صريحة غير مرغوب فيها ومن دون موافقة باسم Cyber-flashing، حيث تُستخدم الوسائط الرقمية لإعادة إنتاج ديناميات السلطة المرتبطة بالتعرّي الفاضح في الفضاء المادّي.
ويعمل هذا السلوك، المعروف شائعاً باسم إرسال “صور العضو الذكري”، كأداة أساسية لترهيب النساء وجعل البيئة الرقمية عدائية إلى درجة تدفعهن إلى الانسحاب منها. وبحسب جامعة دورهام، تعرّضت نحو نصف الشابّات لهذا الشكل من الإساءة عبر الإنترنت، وبالنسبة إلى الناشطات في مجال الصحّة والحقوق الجنسية والإنجابية، تؤدّي هذه الصور وظيفة “تذكيرهن” بمكانتهن المتخيَّلة كموضوعات جنسية لا ينبغي لهنّ نسيانها.
ولا يقتصر التحرّش الجنسي على صندوق رسائل مي في وسائل التواصل الاجتماعي، فهو يستهدف أيضاً النساء اللواتي يتفاعلن مع منشوراتها، إذ يتعرّضن لتعليقات ذات طابع جنسي مثل: “تعالي على الخاصّ”، أو “أبحث عن شخص بمواصفات معيّنة، صديقة مقرّبة، شخص يريد الحميمية”.
تشير مي إلى أن الرسائل الخاصّة غالباً ما تكون القناة الأساسية للتفاعل مع هذا النوع من المحتوى، بسبب القيود الاجتماعية المفروضة على مناقشة موضوعات الجنس. لذلك، يفضّل كثيرون طرح أسئلتهم بشكل خاصّ، غير أن هذه القنوات الخاصّة نفسها غالباً ما تُغرق بصور جنسية غير مرغوب فيها وبالتحرّش الصريح، فتتحوّل مساحة يُفترض أنها تعليمية إلى موقع للإساءة.
وقد يكون هذا أيضاً شكلاً من أشكال استعادة السيطرة على النساء “اللواتي يعرفن”، لأنهن يشكّلن تهديداً للرجال الذين يعتبرون أن سلطتهم النهائية تنبع أساساً من معرفتهم وخبرتهم بالجنس والجنسانية، لذلك يلجأون إلى التعرّي الرقمي أو غيره من أشكال التحرّش الجنسي، لصدم النساء عبر انتهاك خصوصياتهن ودفعهن إلى الصمت.
العنف الجنسي الميسّر بالتكنولوجيا
يُعترف بهذا الشكل من الإساءة على نطاق واسع بوصفه تحرّشاً جنسياً رقمياً، وقد عرّفته الباحثتان أناستازيا باول ونيكولا هنري في عام 2019 بأنه “سلوك جنسي غير مرغوب فيه أو غير مرحّب به يُمارس عبر وسائل إلكترونية مثل البريد الإلكتروني، والمكالمات الصوتية و/أو المرئية، والرسائل النصّية و/أو المصوّرة، والمنشورات في السياقات الرقمية”.
وفي دراستهما، تضع باول وهنري هذا التحرّش ضمن مفهوم العنف الجنسي الميسّر بالتكنولوجيا، وهو مفهوم يرفض الفصل بين العنف الجنسي في العالم “الحقيقي” وتجلياته الرقمية. وبدلاً من ذلك، يضع أشكال العنف المعاصرة في إطار تشابكها العميق مع المنصّات الرقمية وتقنيات الاتّصال، ومن ثم، لا يقتصر هذا النوع من العنف على الاعتداءات الرقمية ذات الطابع الجنسي، بل يشمل أنماطاً أوسع من العنف القائم على النوع الاجتماعي.
المعرفة كجريمة
من هنا، لا تبدو حالة مي معزولة، إنها مشهد متكرّر تقريباً لكل ناشطة أو مبادرة تحاول الحديث علناً ورفع الوعي بالصحّة والحقوق الجنسية والإنجابية. تستذكر ميار مكّي مؤسّسة مبادرة “برّ أمان”، موجة الإساءة التي تعرّضت لها بعدما نشرت على صفحتها عبارة: “الجنس للمتعة، وليس فقط للإنجاب”، وشملت ردود الفعل شتائم وسخرية وتحرّشاً جنسياً صريحاً في رسائلها الخاصّة.
تقول إن المجتمع لا يرفض فقط معرفة النساء بالصحّة والحقوق الجنسية والإنجابية، بل يوصم النساء أيضاً بسبب امتلاكهن هذه المعرفة، فيصفهن بأنهن “صاحبات خبرة” كإهانة، لا كاعتراف بالمعرفة أو الاختصاص.
وبما أن الجنسانية منظَّمة اجتماعياً في مصر، فإن المعرفة الجنسية تُقدَّم بوصفها شيئاً ينبغي ألّا تحصل عليه النساء إلا داخل الزواج. لذلك يُتوقّع من النساء غير المتزوّجات أن يبقين جاهلات جنسياً بوصف ذلك علامة على “الاحترام”، وهذا يترك كثيراً من الفتيات والنساء يتلمّسن طريقهن في فهم أجسادهن بصمت، وغالباً ما يُثبَّطن عن طلب معلومات دقيقة أو رعاية طبّية. وفي بعض المجتمعات، قد تثير زيارة طبيبة أو طبيب نسائي قبل الزواج الشكوك، وفي حلقة “عيادة النساء… للمتزوّجات فقط” من بودكاست Salmon، وصفت عدّة شابّات كيف مُنعن من الحصول على فحوصات نسائية لأنهن غير متزوّجات.
ونتيجة لذلك، فإن النساء اللواتي يشاركن علناً معرفة متعلّقة بالصحّة والحقوق الجنسية والإنجابية يواجهن نظاماً يساوي بين الجهل والفضيلة، وبين المعرفة وقلّة الاحتشام.
في نيسان/ أبريل 2024، طرحت منصّة The Sex Talk Arabic، وهي منصّة نسوية تقاطعية تنشر محتوى عن الصحّة والحقوق الجنسية والإنجابية باللغة العربية، بما يتّصل بسياق منطقة جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا، هذا السؤال البلاغي: “منذ متى تُدان الخبرة؟”، وفي هذا المنشور على إنستغرام، سلّطت المنصّة الضوء على أن هذه الوصمة ليست سوى انعكاس لرفض المجتمع السماح للنساء بامتلاك معرفة بحقوقهن الجسدية وجنسانيتهم، وهي معرفة قد تتيح لهن الإفلات من السيطرة الأبوية، أي من أعمق أشكال الهلع الاجتماعي.
تؤكّد مي هذا الشعور بالاستحقاق تجاه النساء اللواتي يمتلكن معرفة جنسية من خلال الرسائل التي تتلقّاها: “يغازلونني، ويسألونني أسئلة شخصية مثل: ماذا تحبّين؟ ما الذي يثيرك؟”.
وهكذا تصبح القدرة على الحديث بصراحة عن الجنسانية ذريعة لانتهاك خصوصيتها والتحرّش بها جنسياً، وعلى الرغم من أن هذه الموضوعات مرتبطة مباشرة بالحقّ في المعرفة وفي حياة كريمة، فإن مجرّد طرحها، خصوصاً عندما يصدر عن النساء، يفتح الباب أمام سيل من العنف الجنسي عبر الإنترنت، فقط لأنهن “تجرّأن” على الكلام.
وفي السياق نفسه، تؤكّد دراسة حديثة صادرة عن مؤسّسة “إدراك” للتنمية والمساواة في عام 2025، بعنوان “التحدّيات الاجتماعية وقيود وسائل التواصل الاجتماعي التي تواجه صانعات محتوى الصحّة والحقوق الجنسية والإنجابية”، أن النساء في هذا المجال يتعرّضن بشكل روتيني للوصم بسبب معرفتهن، إذ يُتَّهمن بـ”الترويج للفجور” أو “نشر الرذيلة”، وهو ما تؤكّده أيضاً ميار مكّي التي تشدّد على أهمّية فتح النقاش حول هذه الموضوعات من دون وصفها بأنها “عيب”، أو اتّهام من يطرحها بـ”فتح عيون البنات”، وترى أن هذا النقد يقف في تعارض مباشر مع حقّ النساء في المعرفة والوعي بحقوقهن الجسدية.
ووجدت الدراسة نفسها، التي استندت إلى تسع مقابلات معمّقة مع صانعات محتوى في مجال الصحّة والحقوق الجنسية والإنجابية، سواء كنّ مستقلّات أو مرتبطات بمنظّمات، أن الوصمة لا تطال النساء أنفسهن فقط، بل تمتدّ لتشمل عائلاتهن وشركاءهن، ما يضاعف القيود المفروضة عليهن ويقوّض قدرتهن على مواصلة عملهن.
وبحسب الدراسة، وعلى الرغم من أن كثيرات من المشاركات تلقّين دعماً مباشراً من شركائهن أو أصدقائهن، فقد تعرّضن في الوقت نفسه لهجمات من أفراد العائلة الممتدّة أو من عائلات الأزواج، وفي بعض الحالات، استُخدم الأزواج أنفسهم كأداة لاستهدافهن ووصمهن.
في مصر، السمعة جماعية. لذلك، فإن استهداف الأزواج وأفراد العائلة الممتدّة يعمل كاستراتيجية ضغط، عبر توظيف بنى القرابة، خصوصاً خارج القاهرة والمدن المركزية، لدفع النساء إلى الانسحاب.
أكّدت الحسيني أنها تعرّضت لهذا النوع من الاستهداف عندما نشرت مقطع فيديو في اليوم العالمي للمرأة حول التوعية بالصحّة الجنسية والإنجابية. ونتيجة لذلك، انهالت عليها تعليقات عدائية مثل: “إذا كان زوجك يسمح لك بفعل هذا، فماذا يمكن أن نقول؟”. بالنسبة إلى مي، هذا هو النوع الأكثر إيلاماً من الهجوم: “أنا واعية بعملي وبإيجابياته وسلبياته، لكنّ أهلي، حتى لو كانوا يدعمونني، يتأذّون من هذا، خصوصاً لأنه ليس مجالهم، ولأنه لا يُعدّ مجالاً ‘طبيعياً للنساء”.
خارج المركز
هذا الانتهاك لا يقتصر على العاصمة والمدن الكبرى. ففي الجنوب البعيد، تواجه مبادرة “ياء الملكية”، وهي مبادرة قاعدية تعمل على قضايا الصحّة والحقوق الجنسية والإنجابية في مدينة أسوان، التحدّيات نفسها.
في مجتمعات محلّية مثل صعيد مصر، يأتي العمل على هذه القضايا مصحوباً بطبقات إضافية من القمع والوصم، تشكّلها البنى القبلية المغلقة والاعتقاد بأن هذه الموضوعات “عيب أن تُناقش”، بحسب إيمان (*)، وهي إحدى المؤسّسات المشاركات، التي كثيراً ما تتلقّى رسائل جنسية صريحة في إطار تحرّشي، مثل: “أريد أن أجرّب المتعة”، أو “أنا متزوّج لكنّني لا أشعر بأيّ إشباع”.
تقول إيمان: “أحياناً لا أستطيع حتى أن أحدّد ما إذا كان المرسل يتحرّش بي فعلاً أم يطلب المساعدة من المبادرة بصدق”.
ومع ذلك، لم يردع هذا النوع من الهجمات عضوات المبادرة عن مواصلة عملهن، لأنهن، كما تقول إيمان “يفهمن كيف ينظر المجتمع إلى هذه القضايا. ما زلنا نخاف من الحديث عنها، ومن يتحدّث عنها يستحقّ، في نظر المجتمع، السخرية والتحرّش الجنسي”، كما تؤكّد أن المبادرة تعتزم مواصلة “كسر كل التابوهات المفروضة اجتماعياً”، ونشر المعرفة العلمية الدقيقة لرفع وعي النساء في الجنوب بصحّتهن وحقوقهن الجنسية والإنجابية، وتغيير المواقف الاجتماعية السائدة تجاه هذه الموضوعات.
وعلى الرغم من هذا العداء، تواصل إيمان وفريقها العمل: “نحن نعرف أن هذه الموضوعات لا تزال من المحرّمات، وأن كل من يتحدّث عنها يُنظر إليه بوصفه متاحاً أو مفتوحاً للتحرّش. لكنّنا نواصل كسر التابوهات ونشر المعرفة العلمية لمساعدة النساء في الجنوب على فهم حقوقهن”.
الضيق النفسي والاحتراق
حتمياً، تترك هذه التحدّيات التي تتعرّض لها النساء صانعات المحتوى في مجال الصحّة والحقوق الجنسية والإنجابية أثراً على صحّتهن النفسية والعقلية. فعلى سبيل المثال، وعلى الرغم من امتلاكها شبكة دعم قويّة، تشير مي الحسيني إلى أن التعرّض لهذا النوع من العنف يثبطها أحياناً ويؤثّر مباشرة في قدرتها على الاستمرار، خصوصاً في الأوقات الصعبة حين تكون أكثر هشاشة وأقلّ قدرة على التحمّل.
تقول: “أحياناً أصل إلى مرحلة من الاشمئزاز، وأتساءل لماذا عليّ أن أتعامل مع كل هذا الخطاب الكاره”، وتضيف: “عندما أشعر بالإحباط، أفكّر أنه لا ينبغي لي أن أهدر طاقتي في مواجهة هذا والردّ عليه”.
وبحسب دراسة “إدراك” فإن الضغوط المستمرّة المفروضة على الناشطات في هذا المجال تقوّض سلامتهن النفسية وتعرّضهن لمخاطر الإرهاق والاحتراق، وتشير الدراسة أيضاً إلى أن بعض المنظّمات تتبنّى استراتيجيات دعم نفسي جماعية، مثل خلق بيئة عمل داعمة، واستخدام الإدارة التشاركية لتقليل الإحساس بالعبء الفردي، وتنظيم جلسات تفريغ جماعية لتخفيف التوتّر ومشاركة المشاعر داخل الفريق.
غير أن هذه الآليّات تتطلّب موارد كافية كي تُنفذ بفاعلية، وهذا يخلق فجوة حادّة بين المنظّمات الأكبر أو المسجّلة رسمياً، القادرة على توفير دعم نفسي وإجراءات رعاية للعاملات فيها، وبين المبادرات القاعدية التي تعمل غالباً بموارد محدودة جداً، ويترك هذا التفاوت البنيوي الناشطات في الصفوف الأمامية أكثر عرضة للاحتراق وتداعياته، مع أنهن الأكثر تعرّضاً مباشرة للعنف.
وهكذا، تبقى الناشطات الرقميات في مجال الصحّة والحقوق الجنسية والإنجابية عالقات في معركة غير متكافئة. معركة يخضنها ليس فقط من أجل حقّ النساء في المعرفة والتعبير، بل أيضاً من أجل الحقّ في وجود آمن داخل الفضاء الرقمي، ومن أجل انتزاع الاعتراف بأن أجساد النساء ومعرفتهن ليست عاراً ولا جريمة، بل حقّ أساسي وضرورة لحياة كريمة.










