ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

التحرّش بالأجنبيات في مصر: من واقعة التوك توك إلى سؤال الجندر والهويّة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

حتى الآن النظام المصري يتعامل مع قضايا التحرش باعتبارها “حوادث فردية”، لا أعراضًا لبنية اجتماعية مشوهة. وعلى رغم وجود قوانين تجرّم التحرش، إلا أن تطبيقها انتقائي وضعيف. في كثير من الحالات، يُلقى اللوم على النساء أنفسهن: ملابسهن، سلوكهن، أو حتى جنسيتهن.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

انتشر أخيراً مقطع فيديو يوثق تعرض سيدة أجنبية للتحرش والابتزاز المالي من سائق توك توك في منطقة القرافة. السائحة جيزيل، وهي أميركية تقيم في مصر منذ نحو أربع سنوات، وجدت نفسها محاصرة بسائق يساومها قائلاً: “خمسين جنيه أو بوسة“. لم يكتفِ بابتزازها ماليًا، بل انتزع منها قبلة عنوة وتحرّش بها أيضًا.

جيزيل، التي احترفت السفر إلى ست قارات وأكثر من عشرين دولة، كانت تقود دراجتها النارية وهي توثق رحلتها بكاميرا مثبّتة على خوذتها. أرادت أن تقدم مصر بعيون السائح الفضولي، بعيدًا عن اعتيادية نظرة أبنائها. لكن صاحبة الشعر الأحمر اللافت والجرأة في قيادة دراجة وسط ازدحام القاهرة، لم تكن تعلم أن حماستها قد تضعها في مواجهة إحدى “عثرات” العاصمة: التحرش، الظاهرة التي باتت تجرد المدينة من شعور الأمان حتى لنسائها، فما بال السائحات؟!

قالت جيزيل بلهجة مصرية مكسّرة: “أخويا أنا خايفة”، ظنًا منها أن استجداء أخلاق “ولاد البلد” سيمنع السائق من التمادي. لكن خوفها شجّعه على التحرش أكثر، لتكتشف أن حماستها لتوثيق حضارة مصر القديمة انتهت بموقف غير حضاري، خطير وغير أخلاقي.

ولم تكن هذه التجربة الأولى. ففي الفيوم، لاحقها مراهقون بدراجاتهم، سرقوا هاتفها ودفعوا دراجتها أثناء القيادة، ما عرّض حياتها للخطر.

في كلتَي الحادثتين، تحركت الشرطة بسرعة لافتة: في الأولى قُبض على سارق هاتفها بعد 11 ساعة، وفي الثانية على سائق التوك توك خلال خمس ساعات فقط. هذا التعامل السريع يعد استثناءً مقارنةً بما تواجهه كثيرات من المصريات، إذ غالبًا ما تُقابل بلاغاتهن بالروتين والضغوط للتنازل والتصالح.

لكن حين تكون الضحية سائحة، تأخذ القصة بعدًا آخر. فالسياحة أحد أعمدة الاقتصاد المصري، وأي واقعة تحرش تتحول إلى فضيحة دولية تهدد صورة البلد. ومع ذلك، لا يزال الخطاب الرسمي يتعامل مع هذه الجرائم باعتبارها “حوادث فردية”، لا انعكاسًا لبنية اجتماعية عميقة.

المفارقة أن المصريات يعانين من التحرش على نطاق أوسع وأكثر قسوة، لكن واقعة الأجنبية تكسر حاجز الصمت، إذ تكشف المستور أمام العالم. فالتحرش ضد الأجنبيات ليس استثناءً، بل هو امتداد لثقافة الاعتداء الجنسي اليومية التي تطارد المرأة المصرية، لكنه هنا يكتسب بعدًا دوليًا يحرج الدولة والمجتمع معًا.

جيزيل، التي وثّقت عشرات الفيديوهات لمناطق أثرية وحياة يومية في مصر، تحولت فجأة إلى ضحية تحرش وسرقة. بلد ينفق الملايين على حملات الترويج للسياحة وصناعة صورة لامعة عن الأمان والانفتاح، لكنه يعجز عن معالجة ظاهرة مزمنة تعصف بالنساء، مصريات كنّ أم أجنبيات.

حادثة جيزيل تقف عند تقاطع الاقتصاد مع قضايا الجندر، لتكشف هشاشة الخطاب الرسمي أمام واقع يومي يطارد جسد المرأة في الفضاء العام. الصورة الذهنية لمصر صارت مزدوجة: بلد الأهرامات والشواطئ الساحرة، لكنه في الوقت نفسه بلد التحرش والاعتداءات الجنسية.

ما يبدو للوهلة الأولى واقعة فردية، يفتح الباب واسعًا أمام سؤال مركب: كيف يرى المصريون – أو شريحة منهم – النساء الأجنبيات والسائحات؟

في المخيال الشعبي، غالبًا ما تُختزل الأجنبية إلى “جسد متاح”، يُنظر إليها بوصفها متحررة من القيود الأخلاقية والدينية والاجتماعية. هذا التصور المشوَّه ليس جديدًا، بل امتداد لصورة ترسخت لعقود، ما يجعل التحرش ممارسة ذات جذور جندرية عميقة.

ولا يمكن فصل الحادثة عن سياقها الاجتماعي. فالمتحرش في الفيديو سائق توك توك، من شريحة مهمشة اقتصاديًا واجتماعيًا. أبناء هذه الفئات – التي تعيش على هامش المدن أو في عشوائياتها – ينظر بعضهم إلى السائحات كـ”فرصة” للربح أو لإثبات الهيمنة. هنا يتقاطع الفقر مع الذكورية: الرجل المهمش يفرغ إحباطه عبر جسد أجنبية، معتبرًا امتلاكها أو ابتزازها “حقًا طبيعيًا”.

سجلّ التحرش بالأجنبيات في مصر صار مخجلاً، ففي كانون الثاني/ يناير 2025، انتشر على وسائل التواصل فيديو يظهر فيه سائق سيارة أجرة، وهو يتحرش بسائحة صينية داخل التاكسي. استخدم تطبيق “ترجمة غوغل” لإيصال رسالته لها قائلًا لها: “ما تيجي نروح البيت؟” وحاول لمس ساقيها بطريقة غير لائقة.

السائحة لم تقف مكتوفة الأيدي، بل صورته بهاتفها المحمول، ثم نشرت الفيديو الذي انتشر بسرعة كبيرة وأثار استياء واسعًا، على رغم أن السائحة لم تتقدم ببلاغ رسمي، إلا أن أجهزة الأمن تصرفت سريعًا فور انتشار الفيديو. تم تحديد هوية السائق والقبض عليه، وأصدرت النيابة قرارًا بحبسه 15 يومًا على ذمة التحقيق.

وفي أيار/ مايو 2022، تسببت مجموعة من 13 فتى مراهقًا (بين 13 و15 عامًا) في حالة استياء واسعة بعد ظهور مقطع فيديو يبيّن محاصرتهم سائحتين أجنبيتين للحصول على صور وملامسة جسديهما، ولم تتمكن السائحتان من الفرار بسهولة، تم احتجاز الفتيان في دار رعاية قَصّر بينما فتحت النيابة تحقيقًا، وسط نقاش عام حول كيفية حماية السائحات في المواقع الأثرية. 

وفي شرم الشيخ، حدثت واقعة تحرش جنسي داخل مياه البحر الأحمر، حيث تحرش مُدرّب غطس مصري بسيدة روسية تحت الماء وكاد أن يتسبب في غرقها بعد محاولاتها الهروب منه. تم توثيق الواقعة عبر صور من زميل الغطاس والحضور الذين تدخلوا لاحقًا. 

وفي نيسان/ أبريل 2023، أصدرت النيابة العامة قرارًا بحبس ثلاثة أشخاص احتياطياً، بعدما وثّق فيديو تداوله رواد مواقع التواصل قيامهم بالتحرش لفظيًا وجسديًا بسائحة في منطقة وسط القاهرة

كما نشرت سائحة تجربتها المؤلمة في مطار القاهرة، وقالت إن أحد العاملين حاول التحرّش بها داخل المطار، وعندما صوّرت الحدث أخفى بقية العاملين المتحرش في المتجر عندما بدأت تُسجّل وتطلب المساعدة، و”كانوا جميعًا يبتسمون متجاهلين الأمر تمامًا، وكأن شيئًا لم يحدث أو كأنهم اعتادوا على مثل هذه التصرفات”.

في سياق الجسد الأجنبي المستهدف في الشارع المصري، يجب أن نُسلّط الضوء أيضًا على النساء السودانيات اللواتي يعشن في مصر كسائحات أو زائرات، بل كلاجئات أو مهاجرات هربن من الحرب والفقر، واستُقبِلْن بواقع أكثر قسوة من الحروب التي فرّين منها.

 أكثر من نصف اللاجئين السودانيين في مصر هم من النساء والفتيات، والكثير منهن نجين من اعتداءات جنسية وتعنيف في السودان، لكن في مصر يتعرضن لتحرش واستغلال جسدي وابتزاز، حتى في أماكن عملهن أو أثناء التنقل. 

منظمة هيومن رايتس ووتش وثّقت بين عامي 2016 و2022 نحو 11 حالة اعتداء جنسي ضد لاجئات وأُسر من السودان واليمن، بما في ذلك طفل يتعرض للاغتصاب. في غالبية الحالات لم تُسجَّل بلاغات للشرطة، أو لم تُتح لهن فرصة تقديم شكوى، وبعضهن تلقى تحرشًا داخل أماكن الشرطة نفسها. 

وفي قصص لأطفال ونساء سودانيات، وُثّقت حالات اغتصاب جماعي واحتجاز في شقق، من بينها لاجئة سودانية تعرضت للاحتجاز من شباب تناوبوا على اغتصابها لثلاثة أشهر حتى تمكنت من الهروب وهي حامل من أحدهم.

حتى الآن النظام المصري يتعامل مع هذه القضايا باعتبارها “حوادث فردية”، لا أعراضًا لبنية اجتماعية مشوهة. وعلى رغم وجود قوانين تجرّم التحرش، إلا أن تطبيقها انتقائي وضعيف. في كثير من الحالات، يُلقى اللوم على النساء أنفسهن: ملابسهن، سلوكهن، أو حتى جنسيتهن.

هذه السياسة تعكس عقلية الإنكار: طالما أن السياحة مستمرة، وطالما أن الفيديوهات يتم احتواؤها إعلاميًا، فلا داعي لمواجهة جذور الأزمة، لكن هذا الإنكار يزيد المشكلة تعقيدًا. لأنه يترك النساء – مصريات وأجنبيات – في مواجهة عنف يومي بلا حماية حقيقية

11.09.2025
زمن القراءة: 5 minutes

حتى الآن النظام المصري يتعامل مع قضايا التحرش باعتبارها “حوادث فردية”، لا أعراضًا لبنية اجتماعية مشوهة. وعلى رغم وجود قوانين تجرّم التحرش، إلا أن تطبيقها انتقائي وضعيف. في كثير من الحالات، يُلقى اللوم على النساء أنفسهن: ملابسهن، سلوكهن، أو حتى جنسيتهن.

انتشر أخيراً مقطع فيديو يوثق تعرض سيدة أجنبية للتحرش والابتزاز المالي من سائق توك توك في منطقة القرافة. السائحة جيزيل، وهي أميركية تقيم في مصر منذ نحو أربع سنوات، وجدت نفسها محاصرة بسائق يساومها قائلاً: “خمسين جنيه أو بوسة“. لم يكتفِ بابتزازها ماليًا، بل انتزع منها قبلة عنوة وتحرّش بها أيضًا.

جيزيل، التي احترفت السفر إلى ست قارات وأكثر من عشرين دولة، كانت تقود دراجتها النارية وهي توثق رحلتها بكاميرا مثبّتة على خوذتها. أرادت أن تقدم مصر بعيون السائح الفضولي، بعيدًا عن اعتيادية نظرة أبنائها. لكن صاحبة الشعر الأحمر اللافت والجرأة في قيادة دراجة وسط ازدحام القاهرة، لم تكن تعلم أن حماستها قد تضعها في مواجهة إحدى “عثرات” العاصمة: التحرش، الظاهرة التي باتت تجرد المدينة من شعور الأمان حتى لنسائها، فما بال السائحات؟!

قالت جيزيل بلهجة مصرية مكسّرة: “أخويا أنا خايفة”، ظنًا منها أن استجداء أخلاق “ولاد البلد” سيمنع السائق من التمادي. لكن خوفها شجّعه على التحرش أكثر، لتكتشف أن حماستها لتوثيق حضارة مصر القديمة انتهت بموقف غير حضاري، خطير وغير أخلاقي.

ولم تكن هذه التجربة الأولى. ففي الفيوم، لاحقها مراهقون بدراجاتهم، سرقوا هاتفها ودفعوا دراجتها أثناء القيادة، ما عرّض حياتها للخطر.

في كلتَي الحادثتين، تحركت الشرطة بسرعة لافتة: في الأولى قُبض على سارق هاتفها بعد 11 ساعة، وفي الثانية على سائق التوك توك خلال خمس ساعات فقط. هذا التعامل السريع يعد استثناءً مقارنةً بما تواجهه كثيرات من المصريات، إذ غالبًا ما تُقابل بلاغاتهن بالروتين والضغوط للتنازل والتصالح.

لكن حين تكون الضحية سائحة، تأخذ القصة بعدًا آخر. فالسياحة أحد أعمدة الاقتصاد المصري، وأي واقعة تحرش تتحول إلى فضيحة دولية تهدد صورة البلد. ومع ذلك، لا يزال الخطاب الرسمي يتعامل مع هذه الجرائم باعتبارها “حوادث فردية”، لا انعكاسًا لبنية اجتماعية عميقة.

المفارقة أن المصريات يعانين من التحرش على نطاق أوسع وأكثر قسوة، لكن واقعة الأجنبية تكسر حاجز الصمت، إذ تكشف المستور أمام العالم. فالتحرش ضد الأجنبيات ليس استثناءً، بل هو امتداد لثقافة الاعتداء الجنسي اليومية التي تطارد المرأة المصرية، لكنه هنا يكتسب بعدًا دوليًا يحرج الدولة والمجتمع معًا.

جيزيل، التي وثّقت عشرات الفيديوهات لمناطق أثرية وحياة يومية في مصر، تحولت فجأة إلى ضحية تحرش وسرقة. بلد ينفق الملايين على حملات الترويج للسياحة وصناعة صورة لامعة عن الأمان والانفتاح، لكنه يعجز عن معالجة ظاهرة مزمنة تعصف بالنساء، مصريات كنّ أم أجنبيات.

حادثة جيزيل تقف عند تقاطع الاقتصاد مع قضايا الجندر، لتكشف هشاشة الخطاب الرسمي أمام واقع يومي يطارد جسد المرأة في الفضاء العام. الصورة الذهنية لمصر صارت مزدوجة: بلد الأهرامات والشواطئ الساحرة، لكنه في الوقت نفسه بلد التحرش والاعتداءات الجنسية.

ما يبدو للوهلة الأولى واقعة فردية، يفتح الباب واسعًا أمام سؤال مركب: كيف يرى المصريون – أو شريحة منهم – النساء الأجنبيات والسائحات؟

في المخيال الشعبي، غالبًا ما تُختزل الأجنبية إلى “جسد متاح”، يُنظر إليها بوصفها متحررة من القيود الأخلاقية والدينية والاجتماعية. هذا التصور المشوَّه ليس جديدًا، بل امتداد لصورة ترسخت لعقود، ما يجعل التحرش ممارسة ذات جذور جندرية عميقة.

ولا يمكن فصل الحادثة عن سياقها الاجتماعي. فالمتحرش في الفيديو سائق توك توك، من شريحة مهمشة اقتصاديًا واجتماعيًا. أبناء هذه الفئات – التي تعيش على هامش المدن أو في عشوائياتها – ينظر بعضهم إلى السائحات كـ”فرصة” للربح أو لإثبات الهيمنة. هنا يتقاطع الفقر مع الذكورية: الرجل المهمش يفرغ إحباطه عبر جسد أجنبية، معتبرًا امتلاكها أو ابتزازها “حقًا طبيعيًا”.

سجلّ التحرش بالأجنبيات في مصر صار مخجلاً، ففي كانون الثاني/ يناير 2025، انتشر على وسائل التواصل فيديو يظهر فيه سائق سيارة أجرة، وهو يتحرش بسائحة صينية داخل التاكسي. استخدم تطبيق “ترجمة غوغل” لإيصال رسالته لها قائلًا لها: “ما تيجي نروح البيت؟” وحاول لمس ساقيها بطريقة غير لائقة.

السائحة لم تقف مكتوفة الأيدي، بل صورته بهاتفها المحمول، ثم نشرت الفيديو الذي انتشر بسرعة كبيرة وأثار استياء واسعًا، على رغم أن السائحة لم تتقدم ببلاغ رسمي، إلا أن أجهزة الأمن تصرفت سريعًا فور انتشار الفيديو. تم تحديد هوية السائق والقبض عليه، وأصدرت النيابة قرارًا بحبسه 15 يومًا على ذمة التحقيق.

وفي أيار/ مايو 2022، تسببت مجموعة من 13 فتى مراهقًا (بين 13 و15 عامًا) في حالة استياء واسعة بعد ظهور مقطع فيديو يبيّن محاصرتهم سائحتين أجنبيتين للحصول على صور وملامسة جسديهما، ولم تتمكن السائحتان من الفرار بسهولة، تم احتجاز الفتيان في دار رعاية قَصّر بينما فتحت النيابة تحقيقًا، وسط نقاش عام حول كيفية حماية السائحات في المواقع الأثرية. 

وفي شرم الشيخ، حدثت واقعة تحرش جنسي داخل مياه البحر الأحمر، حيث تحرش مُدرّب غطس مصري بسيدة روسية تحت الماء وكاد أن يتسبب في غرقها بعد محاولاتها الهروب منه. تم توثيق الواقعة عبر صور من زميل الغطاس والحضور الذين تدخلوا لاحقًا. 

وفي نيسان/ أبريل 2023، أصدرت النيابة العامة قرارًا بحبس ثلاثة أشخاص احتياطياً، بعدما وثّق فيديو تداوله رواد مواقع التواصل قيامهم بالتحرش لفظيًا وجسديًا بسائحة في منطقة وسط القاهرة

كما نشرت سائحة تجربتها المؤلمة في مطار القاهرة، وقالت إن أحد العاملين حاول التحرّش بها داخل المطار، وعندما صوّرت الحدث أخفى بقية العاملين المتحرش في المتجر عندما بدأت تُسجّل وتطلب المساعدة، و”كانوا جميعًا يبتسمون متجاهلين الأمر تمامًا، وكأن شيئًا لم يحدث أو كأنهم اعتادوا على مثل هذه التصرفات”.

في سياق الجسد الأجنبي المستهدف في الشارع المصري، يجب أن نُسلّط الضوء أيضًا على النساء السودانيات اللواتي يعشن في مصر كسائحات أو زائرات، بل كلاجئات أو مهاجرات هربن من الحرب والفقر، واستُقبِلْن بواقع أكثر قسوة من الحروب التي فرّين منها.

 أكثر من نصف اللاجئين السودانيين في مصر هم من النساء والفتيات، والكثير منهن نجين من اعتداءات جنسية وتعنيف في السودان، لكن في مصر يتعرضن لتحرش واستغلال جسدي وابتزاز، حتى في أماكن عملهن أو أثناء التنقل. 

منظمة هيومن رايتس ووتش وثّقت بين عامي 2016 و2022 نحو 11 حالة اعتداء جنسي ضد لاجئات وأُسر من السودان واليمن، بما في ذلك طفل يتعرض للاغتصاب. في غالبية الحالات لم تُسجَّل بلاغات للشرطة، أو لم تُتح لهن فرصة تقديم شكوى، وبعضهن تلقى تحرشًا داخل أماكن الشرطة نفسها. 

وفي قصص لأطفال ونساء سودانيات، وُثّقت حالات اغتصاب جماعي واحتجاز في شقق، من بينها لاجئة سودانية تعرضت للاحتجاز من شباب تناوبوا على اغتصابها لثلاثة أشهر حتى تمكنت من الهروب وهي حامل من أحدهم.

حتى الآن النظام المصري يتعامل مع هذه القضايا باعتبارها “حوادث فردية”، لا أعراضًا لبنية اجتماعية مشوهة. وعلى رغم وجود قوانين تجرّم التحرش، إلا أن تطبيقها انتقائي وضعيف. في كثير من الحالات، يُلقى اللوم على النساء أنفسهن: ملابسهن، سلوكهن، أو حتى جنسيتهن.

هذه السياسة تعكس عقلية الإنكار: طالما أن السياحة مستمرة، وطالما أن الفيديوهات يتم احتواؤها إعلاميًا، فلا داعي لمواجهة جذور الأزمة، لكن هذا الإنكار يزيد المشكلة تعقيدًا. لأنه يترك النساء – مصريات وأجنبيات – في مواجهة عنف يومي بلا حماية حقيقية

11.09.2025
زمن القراءة: 5 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية