ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

التحرّش في مصر… لماذا لا يُنصف القانون النساء؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

بحسب الأمم المتّحدة فإن نحو 99.4 من المصريات تعرّضن لشكل من أشكال التحرّش، هذا الرقم لم يكن سيتحقّق لو تمّت معاقبة المتحرّشين، لكنّ القانون المصري رغم تغليظه لم يحقّق العدالة للنساء!

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

قبل أربع سنوات كانت سلمى القاضي تقف أمام النيابة العامّة حائرة، فوكيل النائب العامّ الذي يحقّق في الواقعة طالبها بشهود على واقعة التحرّش التي تعرّضت لها، لكنّ لم يتسنّ لها ذلك، بعدما رفض الشهود الذهاب معها إلى قسم الشرطة للإدلاء بشهاداتهم في محضر التحرّش، وبذلك لم تستطع القاضي إثبات واقعة التحرّش سواء في المحضر أو أمام النيابة، وخرج المتحرّش من النيابة بعد حفظ التحقيق.

“كنت اشتري ملابس من أحد الباعة الجائلين في الوكالة – منطقة لبيع الملابس المستعملة- وأفحص الملابس على “الستاند” حيث شعرت بيد تلمس مؤخّرتي، وحين التفتّ وجدت أنها يد أحد الباعة، فبدأت بالصراخ والشجار معه، لكنّه أخذ يردّد: “هو فيه حد جه جنبك”، وقام الباعة بأخذه بعيداً عني.

 “لكنّني طلبت النجدة، وحضرت قوّة من قسم الشرطة القريب، وحين طلبت من الأشخاص الذين شهدوا الواقعة أن يأتوا معي للشهادة في قسم الشرطة، رفضوا، وهناك حرّرت محضراً بالواقعة لكن من دون شهود، وفي النيابة تكرّر الأمر نفسه، حيث طالب محامي الخصم بحفظ التحقيق لعدم وجود إثبات، أي أن محضر التحرّيات لم يضمّ أيّ إثبات على الواقعة”، كما تقول القاضي.

وتضيف: “مع صدور قرار النيابة التقت عيني بعين المتّهم، كانت ممتلئة بالشماتة كأنه يقول لي “لمستك ولم تستطيعي أن تلمسيني”، ومنذ ذلك الحين أدركت أنه حين أتعرّض للتحرّش، ألّا أراهن على أن القانون سينصفني، إنما عليّ أن أحصل على حقّي في لحظتها، بضرب المتحرّش أو سبّه وفضحه”.

سلمى القاضي واحدة من ملايين المصريات اللاتي يتعرّضن للتحرّش يومياً، من دون أن يكون لديهن فرصة الحصول على العدالة بسبب عوار قانوني وإجرائي، وانتشار ثقافة حماية المتحرّش في الشارع المصري.

عبء الإثبات

في شباط/ فبراير الماضي، كانت مصر على موعد مع فيديو نشرته مريم شوقي المعروفة إعلامياً بـ فتاة الأتوبيس، حيث تعرّضت شوقي للتحرّش في أتوبيس نقل عامّ، إلا أنها فوجئت بالركّاب يدافعون عن المتحرّش ويحمونه، وبعد نشر الفيديو قامت وزارة الداخلية بإلقاء القبض على المتّهم.

في الفيديو الذي نشرته شوقي، ظهر المتّهم والركّاب يهاجمونها بسبب مظهرها وملابسها، وهو الأمر الذي امتدّ إلى الفضاء الإلكتروني بعد انتشار الفيديو، حيث شكّك الكثيرون في روايتها، لأن شوقي تضع “بيرسينج” أو حلقاً في أنفها، بينما اعتبر اليوتيوبر الديني عبد الله رشدي المتحرّش بطلاً، وروّج لبراءة المتّهم بعد الإفراج عنه بكفالة مالية، رغم أن تحرّيات المباحث أقرّت أن المتّهم تحرّش لفظياً بها.

وبحسب شوقي، فإن المتّهم تحرّش بها قبل أسبوع من الواقعة الأخيرة، حيث تتبّعها وحاول التعرّف عليها عنوة، وفوجئت به في الأتوبيس في ذلك اليوم، ممّا اضطرّها لتصويره، وحين استنجدت بالركّاب لحمايتها ولم تلقَ استجابة، ادّعت أنه حاول سرقتها كي يمسكوه.

وبرغم أن محضر التحرّيات جاء في صالحها، ضمّ في المقابل عبارة المضايقة اللفظية دون غرض جنسي، ممّا مهّد الطريق لبراءة المتّهم، كما استند دفاع المتّهم إلى أن الفيديو لم يُظهر أيّ احتكاك جسدي، وإلى تضارب أقوالها بين التحرّش وتهمة السرقة، كما طالب الدفاع بعرض شوقي على طبيب نفسي، ليسدل الستار على الواقعة الجنائية ببراءة المتّهم في مارس/ آذار الماضي، بينما يستمرّ الشقّ المدني بعد استئناف شوقي الحكم، حيث سيتمّ النظر في الدعوى يوم 2 حزيران/ يونيو المقبل.

“القانون لدينا متشدّد في قضايا التحرّش الجنسي، لكنّ الأزمة في عبء الإثبات”، بهذه العبارة بدأ المحامي الحقوقي ومؤسّس “مبادرة حقّي” عمرو محمّد حديثه لـ “درج”.

يقول محمّد إن “عبء الإثبات في هذا النوع من القضايا يكون صعباً على الضحايا، حيث يُطلب من الضحيّة إحضار الشهود أو تسجيلات الكاميرات، وإذا كان المكان غير مغطّى بالكاميرات، أو رفض الشهود المثول أمام النيابة، يصبح موقف الضحيّة سيّئ، واحتمالية براءة المتّهم هي الغالبة، فالشكّ دائما يفسّر لصالح المتّهم”.

ويطالب محمّد بأن يكون عبء الإثبات في هذا النوع من القضايا “من اختصاص الشرطة أو النيابة العامّة لما تمتلكه هاتان الجهتان من سلطات تمكّنهما من الإثبات”، لكنّ الواقع يقول إن نسبة 99% من وقائع تحرّيات المباحث تكون لم “يُستدلّ على صحفة الواقعة”، وهذا يجعل الضحايا مطالبات طوال الوقت بالسير بكاميرا مفتوحة لتوثيق الواقعة، لا سيّما مع الدعم المجتمعي للمتحرّشين.

شيوع التهمة ودعم الشارع 

في 2016، تعرّضت الشابة فاطمة حميد للتحرّش الجسدي في أحد شوارع مدينة الإسكندرية، أربكتها الصدمة لكنّها استطاعت الإمساك بالمتحرّش وصمّمت على تحرير محضر ضدّه، لكنّ مواطنين تدخّلوا وخلّصوه من بين يديها، وقبل أن يفلت المتّهم وعدها أحد أصحاب المحلّات بالذهاب معها إلى قسم الشرطة والإدلاء باسمه وبياناته لكونه أحد سكّان الشارع، وبالفعل ذهب معها وأعطاها كافّة البيانات اللازمة لتحرير المحضر.

قبل ما يقرب من أسبوعين على الواقعة، كانت حميد في النيابة لمواجهة المتحرّش في إجراء قانوني متّبع، لكنّها فوجئت بشخص آخر غير الذي تحرّش بها، فاكتشفت أن صاحب المحلّ أدلى ببيانات شخص آخر بينهما عداوة لتوريطه ولتخليص المتحرّش الأساسي، فما كان منها إلا إنكار أن هذا الشخص هو المتحرّش ليتمّ إخلاء سبيله.

تقول حميد: “نحن لا نحارب المتحرّش فقط، إنما نحارب المجتمع بكامله، ففي كل مرّة يتمّ التحرّش بإحدانا نتفاجأ بخطاب يترواح ما بين “معلش” أو “أنت السبب وفضحتي نفسك”، وما بين هذين الخطابين من خطابات واسعة لحماية المتحرّش، لأن الطبيعي أصبح هو التحرّش، حتى إذا كانت الضحيّة على مقاييس المجتمع من ملابس، أو حتى حين ترتدي النقاب ستجد من يلومها ويسألها لماذا خرجت من منزلها؟”.

في كانون الأوّل/ ديسمبر 2020، تعرّضت الشابّة بسنت في مدينة المنصورة لتحرّش جماعي من 7 أشخاص، ورغم انتشار فيديوهات لواقعة التحرّش مسرّبة من كاميرات المراقبة في الشارع، قضى حكم المحكمة ببراءة المتّهمين السبعة لاحقاً.

بحسب أوراق القضيّة فإن بسنت تقدّمت إلى قسم الشرطة ببلاغ تتّهم فيه 7 أشخاص بمطاردتها والتحرّش بها وتمزيق ملابسها، وهي الواقعة التي تمّت إعادة تجسيدها في مسلسل “ساعته وتاريخه”، الذي أنتجته شركة “المتّحدة للخدمات الإعلامية”، وانتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات عنها، إلا أن المحكمة رأت أن التهمة لم تثبت على المتّهمين بسبب تضارب أقوال بسنت في الفيديوهات، متغافلة أن الضحيّة في ذلك الوقت كانت في حالة صدمة، وبالتالي لا يمكنها تذكّر تفاصيل ما حدث، كما استندت المحكمة إلى مفهوم “شيوع التهمة”، حيث لم يثبت من قام من السبعة بالأفعال الواردة في المحضر، وهو ما يعيد إلى الأذهان واقعة اغتصاب فتاة العتبة في الأتوبيس في التسعينيات حيث تمّت تبرئة المتّهمين للسبب نفسه.

المحاضر العكسية 

أما شيماء عمّار فكان موقفها مختلفاً، فالشابّة استطاعت الإمساك بالمتحرّش واستدعت النجدة حيث تمّ القبض عليه، في القسم فوجئت بأمين الشرطة يسأل المتّهم إذا كان يريد تحرير محضر ضدّها، بعدما ادّعى أنها اعتدت عليه بالضرب، وحرّر محضراً ضدّها، وهو ما استدعى حجز الطرفين ومبيتهما في القسم لحين العرض على النيابة، ورغم نصيحة الضابط والمحامي للتنازل عن حقّها كي لا تبيت في الحجز، أصرّت على استكمال المحضر، وبالفعل تمّ احتجازها في القسم.

في اليوم التالي أخبرها وكيل النيابة أنه لا يستطيع فعل أيّ شيء سوى ترك المحضرين في مسارهما الطبيعي، وهذا يعني صدور حكم ضدّها في الدرجة الأولى، ثم الاستئناف، ولكن سيحصل ذلك بعد إدراج اسمها ضمن النظام الجنائي، وهو ما سيُعيقها حتى يتمّ الحكم في الاستئناف، ناصحاً إيّاها بالتنازل، وهو السيناريو الذي أكّده المحامي فاضطرّت للتصالح.

ما حدث مع شيماء عمّار تكرّر مع الشابّة السكندرية إيريني أكرم، التي تعرّضت للتحرّش الجسدي في ميكروباص، حيث شعرت بيد تتحسّسها بعدما طلب أحد الركّاب من السائق إطفاء الإضاءة، صمّمت أكرم على الذهاب إلى قسم الشرطة ومعها المتّهم والشهود، لكنّها فوجئت هناك بالضابط يصرف الشهود، وبالمتّهم يهدّدها بتحرير محضر ضدّها بعدما أقدم على جرح وجهه، وقال إنه محامٍ وسيتمّ الإفراج عنه بضمان وظيفته، بينما هي ستقضي ليلتها في قسم الشرطة، وهو السيناريو الذي أكّده الضابط أيضاً، ممّا اضطرّها لصرف النظر عن تحرير محضر، وقرّرت تقديم شكوى ضدّه في نقابة المحامين، التي رفضت بدورها تسلّم الشكوى، فخرجت عمّار في بثّ مباشر تروي ما جرى معها، فتطوّعت مبادرة “سند” بالتواصل معها وتقديم بلاغ جديد، إلا أنه حُفظ طبقاً لما قالته أكرم.

من جانبها تقول المحامية المهتمّة بقضايا النساء هالة دومة “هناك إشكالية في معاقبة المتحرّشين لا تتعلّق بالعقوبات، حيث تمّ تغليظ عقوبة التحرّش في القانون، وهو ما أسفر عن زيادة نسبة الإفلات منه بسبب تعاطف الشارع مع المتحرّش”.

وتضيف دومة “هناك عدّة إشكاليات إجرائية أهمّها عبء الإثبات الواقع على الضحيّة، فإذا رفض الشهود الشهادة، ولم تكن هناك كاميرات تغطّي الواقعة، لا تستطيع الضحيّة إثبات الواقعة، وبالتالي يفلت المرتكب، وللأسف فالشارع يتضامن مع المتحرّشين بصورة كبيرة، ومن لا يتضامن على الأقلّ ينظر إلى الأمر على أنه لا يعنيه ولا يريد مشكلات، وهو ما يجري أيضاً في حالة وجود الكاميرات، حيث يرفض أصحابها فتح تسجيلاتها لأن ذلك يمكن أن يعرّضهم للمساءلة القانونية”.

وتتابع دومة “هناك أيضاً أزمة في طبيعة متلقّي البلاغ الخاصّ بالتحرّش، فبلاغ التحرّش له طبيعة خاصّة، فتتفاجأ الضحايا بأنهن مضطرّات لإعادة ما جرى معهن بوصف دقيق في حضور رجال، كما يُتاح للمتّهم تحرير محضر ضدّ الضحيّة، ويصبح الوضع محضراً أمام محضر ويتمّ حجز الطرفين، وفي هذه الحالة يخشى الكثير من الضحايا احتجازهن، لذلك يتنازلن، وكل هذه الأسباب تجعل الحصول على العدالة في دعاوى التحرّش صعب”.

بحسب الأمم المتّحدة فإن نحو 99.4 من المصريات تعرّضن لشكل من أشكال التحرّش، هذا الرقم لم يكن سيتحقّق لو تمّت معاقبة المتحرّشين، لكنّ القانون المصري رغم تغليظه لم يحقّق العدالة للنساء! 

شركة المهندس العراقية
هالة الطائي | 15.07.2026

شركة «المهندس»: “بيزنس” الحشد الشعبي فوق رقابة الدولة!

بحسب تقارير صحافية، تعتمد شركة "المهندس العامّة" على شبكة من الشركات كواجهة لتجنّب العقوبات، إذ تدخل هذه الكيانات بديلة عنها في التعاقدات الرسمية ومن أبرز هذه الشركات: «بلدنا للاستثمارات الزراعية»، ويُعتقد أن دورها يتمثّل في غسل أموال المشاريع الزراعية، و«التكامل الهندسي الدولي»، التي تُحال إليها عقود الكهرباء والطاقة، و«نور الجنوب للمقاولات» و«الرافد العربي للتوريد العامّ»،…
08.06.2026
زمن القراءة: 7 minutes

بحسب الأمم المتّحدة فإن نحو 99.4 من المصريات تعرّضن لشكل من أشكال التحرّش، هذا الرقم لم يكن سيتحقّق لو تمّت معاقبة المتحرّشين، لكنّ القانون المصري رغم تغليظه لم يحقّق العدالة للنساء!

قبل أربع سنوات كانت سلمى القاضي تقف أمام النيابة العامّة حائرة، فوكيل النائب العامّ الذي يحقّق في الواقعة طالبها بشهود على واقعة التحرّش التي تعرّضت لها، لكنّ لم يتسنّ لها ذلك، بعدما رفض الشهود الذهاب معها إلى قسم الشرطة للإدلاء بشهاداتهم في محضر التحرّش، وبذلك لم تستطع القاضي إثبات واقعة التحرّش سواء في المحضر أو أمام النيابة، وخرج المتحرّش من النيابة بعد حفظ التحقيق.

“كنت اشتري ملابس من أحد الباعة الجائلين في الوكالة – منطقة لبيع الملابس المستعملة- وأفحص الملابس على “الستاند” حيث شعرت بيد تلمس مؤخّرتي، وحين التفتّ وجدت أنها يد أحد الباعة، فبدأت بالصراخ والشجار معه، لكنّه أخذ يردّد: “هو فيه حد جه جنبك”، وقام الباعة بأخذه بعيداً عني.

 “لكنّني طلبت النجدة، وحضرت قوّة من قسم الشرطة القريب، وحين طلبت من الأشخاص الذين شهدوا الواقعة أن يأتوا معي للشهادة في قسم الشرطة، رفضوا، وهناك حرّرت محضراً بالواقعة لكن من دون شهود، وفي النيابة تكرّر الأمر نفسه، حيث طالب محامي الخصم بحفظ التحقيق لعدم وجود إثبات، أي أن محضر التحرّيات لم يضمّ أيّ إثبات على الواقعة”، كما تقول القاضي.

وتضيف: “مع صدور قرار النيابة التقت عيني بعين المتّهم، كانت ممتلئة بالشماتة كأنه يقول لي “لمستك ولم تستطيعي أن تلمسيني”، ومنذ ذلك الحين أدركت أنه حين أتعرّض للتحرّش، ألّا أراهن على أن القانون سينصفني، إنما عليّ أن أحصل على حقّي في لحظتها، بضرب المتحرّش أو سبّه وفضحه”.

سلمى القاضي واحدة من ملايين المصريات اللاتي يتعرّضن للتحرّش يومياً، من دون أن يكون لديهن فرصة الحصول على العدالة بسبب عوار قانوني وإجرائي، وانتشار ثقافة حماية المتحرّش في الشارع المصري.

عبء الإثبات

في شباط/ فبراير الماضي، كانت مصر على موعد مع فيديو نشرته مريم شوقي المعروفة إعلامياً بـ فتاة الأتوبيس، حيث تعرّضت شوقي للتحرّش في أتوبيس نقل عامّ، إلا أنها فوجئت بالركّاب يدافعون عن المتحرّش ويحمونه، وبعد نشر الفيديو قامت وزارة الداخلية بإلقاء القبض على المتّهم.

في الفيديو الذي نشرته شوقي، ظهر المتّهم والركّاب يهاجمونها بسبب مظهرها وملابسها، وهو الأمر الذي امتدّ إلى الفضاء الإلكتروني بعد انتشار الفيديو، حيث شكّك الكثيرون في روايتها، لأن شوقي تضع “بيرسينج” أو حلقاً في أنفها، بينما اعتبر اليوتيوبر الديني عبد الله رشدي المتحرّش بطلاً، وروّج لبراءة المتّهم بعد الإفراج عنه بكفالة مالية، رغم أن تحرّيات المباحث أقرّت أن المتّهم تحرّش لفظياً بها.

وبحسب شوقي، فإن المتّهم تحرّش بها قبل أسبوع من الواقعة الأخيرة، حيث تتبّعها وحاول التعرّف عليها عنوة، وفوجئت به في الأتوبيس في ذلك اليوم، ممّا اضطرّها لتصويره، وحين استنجدت بالركّاب لحمايتها ولم تلقَ استجابة، ادّعت أنه حاول سرقتها كي يمسكوه.

وبرغم أن محضر التحرّيات جاء في صالحها، ضمّ في المقابل عبارة المضايقة اللفظية دون غرض جنسي، ممّا مهّد الطريق لبراءة المتّهم، كما استند دفاع المتّهم إلى أن الفيديو لم يُظهر أيّ احتكاك جسدي، وإلى تضارب أقوالها بين التحرّش وتهمة السرقة، كما طالب الدفاع بعرض شوقي على طبيب نفسي، ليسدل الستار على الواقعة الجنائية ببراءة المتّهم في مارس/ آذار الماضي، بينما يستمرّ الشقّ المدني بعد استئناف شوقي الحكم، حيث سيتمّ النظر في الدعوى يوم 2 حزيران/ يونيو المقبل.

“القانون لدينا متشدّد في قضايا التحرّش الجنسي، لكنّ الأزمة في عبء الإثبات”، بهذه العبارة بدأ المحامي الحقوقي ومؤسّس “مبادرة حقّي” عمرو محمّد حديثه لـ “درج”.

يقول محمّد إن “عبء الإثبات في هذا النوع من القضايا يكون صعباً على الضحايا، حيث يُطلب من الضحيّة إحضار الشهود أو تسجيلات الكاميرات، وإذا كان المكان غير مغطّى بالكاميرات، أو رفض الشهود المثول أمام النيابة، يصبح موقف الضحيّة سيّئ، واحتمالية براءة المتّهم هي الغالبة، فالشكّ دائما يفسّر لصالح المتّهم”.

ويطالب محمّد بأن يكون عبء الإثبات في هذا النوع من القضايا “من اختصاص الشرطة أو النيابة العامّة لما تمتلكه هاتان الجهتان من سلطات تمكّنهما من الإثبات”، لكنّ الواقع يقول إن نسبة 99% من وقائع تحرّيات المباحث تكون لم “يُستدلّ على صحفة الواقعة”، وهذا يجعل الضحايا مطالبات طوال الوقت بالسير بكاميرا مفتوحة لتوثيق الواقعة، لا سيّما مع الدعم المجتمعي للمتحرّشين.

شيوع التهمة ودعم الشارع 

في 2016، تعرّضت الشابة فاطمة حميد للتحرّش الجسدي في أحد شوارع مدينة الإسكندرية، أربكتها الصدمة لكنّها استطاعت الإمساك بالمتحرّش وصمّمت على تحرير محضر ضدّه، لكنّ مواطنين تدخّلوا وخلّصوه من بين يديها، وقبل أن يفلت المتّهم وعدها أحد أصحاب المحلّات بالذهاب معها إلى قسم الشرطة والإدلاء باسمه وبياناته لكونه أحد سكّان الشارع، وبالفعل ذهب معها وأعطاها كافّة البيانات اللازمة لتحرير المحضر.

قبل ما يقرب من أسبوعين على الواقعة، كانت حميد في النيابة لمواجهة المتحرّش في إجراء قانوني متّبع، لكنّها فوجئت بشخص آخر غير الذي تحرّش بها، فاكتشفت أن صاحب المحلّ أدلى ببيانات شخص آخر بينهما عداوة لتوريطه ولتخليص المتحرّش الأساسي، فما كان منها إلا إنكار أن هذا الشخص هو المتحرّش ليتمّ إخلاء سبيله.

تقول حميد: “نحن لا نحارب المتحرّش فقط، إنما نحارب المجتمع بكامله، ففي كل مرّة يتمّ التحرّش بإحدانا نتفاجأ بخطاب يترواح ما بين “معلش” أو “أنت السبب وفضحتي نفسك”، وما بين هذين الخطابين من خطابات واسعة لحماية المتحرّش، لأن الطبيعي أصبح هو التحرّش، حتى إذا كانت الضحيّة على مقاييس المجتمع من ملابس، أو حتى حين ترتدي النقاب ستجد من يلومها ويسألها لماذا خرجت من منزلها؟”.

في كانون الأوّل/ ديسمبر 2020، تعرّضت الشابّة بسنت في مدينة المنصورة لتحرّش جماعي من 7 أشخاص، ورغم انتشار فيديوهات لواقعة التحرّش مسرّبة من كاميرات المراقبة في الشارع، قضى حكم المحكمة ببراءة المتّهمين السبعة لاحقاً.

بحسب أوراق القضيّة فإن بسنت تقدّمت إلى قسم الشرطة ببلاغ تتّهم فيه 7 أشخاص بمطاردتها والتحرّش بها وتمزيق ملابسها، وهي الواقعة التي تمّت إعادة تجسيدها في مسلسل “ساعته وتاريخه”، الذي أنتجته شركة “المتّحدة للخدمات الإعلامية”، وانتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات عنها، إلا أن المحكمة رأت أن التهمة لم تثبت على المتّهمين بسبب تضارب أقوال بسنت في الفيديوهات، متغافلة أن الضحيّة في ذلك الوقت كانت في حالة صدمة، وبالتالي لا يمكنها تذكّر تفاصيل ما حدث، كما استندت المحكمة إلى مفهوم “شيوع التهمة”، حيث لم يثبت من قام من السبعة بالأفعال الواردة في المحضر، وهو ما يعيد إلى الأذهان واقعة اغتصاب فتاة العتبة في الأتوبيس في التسعينيات حيث تمّت تبرئة المتّهمين للسبب نفسه.

المحاضر العكسية 

أما شيماء عمّار فكان موقفها مختلفاً، فالشابّة استطاعت الإمساك بالمتحرّش واستدعت النجدة حيث تمّ القبض عليه، في القسم فوجئت بأمين الشرطة يسأل المتّهم إذا كان يريد تحرير محضر ضدّها، بعدما ادّعى أنها اعتدت عليه بالضرب، وحرّر محضراً ضدّها، وهو ما استدعى حجز الطرفين ومبيتهما في القسم لحين العرض على النيابة، ورغم نصيحة الضابط والمحامي للتنازل عن حقّها كي لا تبيت في الحجز، أصرّت على استكمال المحضر، وبالفعل تمّ احتجازها في القسم.

في اليوم التالي أخبرها وكيل النيابة أنه لا يستطيع فعل أيّ شيء سوى ترك المحضرين في مسارهما الطبيعي، وهذا يعني صدور حكم ضدّها في الدرجة الأولى، ثم الاستئناف، ولكن سيحصل ذلك بعد إدراج اسمها ضمن النظام الجنائي، وهو ما سيُعيقها حتى يتمّ الحكم في الاستئناف، ناصحاً إيّاها بالتنازل، وهو السيناريو الذي أكّده المحامي فاضطرّت للتصالح.

ما حدث مع شيماء عمّار تكرّر مع الشابّة السكندرية إيريني أكرم، التي تعرّضت للتحرّش الجسدي في ميكروباص، حيث شعرت بيد تتحسّسها بعدما طلب أحد الركّاب من السائق إطفاء الإضاءة، صمّمت أكرم على الذهاب إلى قسم الشرطة ومعها المتّهم والشهود، لكنّها فوجئت هناك بالضابط يصرف الشهود، وبالمتّهم يهدّدها بتحرير محضر ضدّها بعدما أقدم على جرح وجهه، وقال إنه محامٍ وسيتمّ الإفراج عنه بضمان وظيفته، بينما هي ستقضي ليلتها في قسم الشرطة، وهو السيناريو الذي أكّده الضابط أيضاً، ممّا اضطرّها لصرف النظر عن تحرير محضر، وقرّرت تقديم شكوى ضدّه في نقابة المحامين، التي رفضت بدورها تسلّم الشكوى، فخرجت عمّار في بثّ مباشر تروي ما جرى معها، فتطوّعت مبادرة “سند” بالتواصل معها وتقديم بلاغ جديد، إلا أنه حُفظ طبقاً لما قالته أكرم.

من جانبها تقول المحامية المهتمّة بقضايا النساء هالة دومة “هناك إشكالية في معاقبة المتحرّشين لا تتعلّق بالعقوبات، حيث تمّ تغليظ عقوبة التحرّش في القانون، وهو ما أسفر عن زيادة نسبة الإفلات منه بسبب تعاطف الشارع مع المتحرّش”.

وتضيف دومة “هناك عدّة إشكاليات إجرائية أهمّها عبء الإثبات الواقع على الضحيّة، فإذا رفض الشهود الشهادة، ولم تكن هناك كاميرات تغطّي الواقعة، لا تستطيع الضحيّة إثبات الواقعة، وبالتالي يفلت المرتكب، وللأسف فالشارع يتضامن مع المتحرّشين بصورة كبيرة، ومن لا يتضامن على الأقلّ ينظر إلى الأمر على أنه لا يعنيه ولا يريد مشكلات، وهو ما يجري أيضاً في حالة وجود الكاميرات، حيث يرفض أصحابها فتح تسجيلاتها لأن ذلك يمكن أن يعرّضهم للمساءلة القانونية”.

وتتابع دومة “هناك أيضاً أزمة في طبيعة متلقّي البلاغ الخاصّ بالتحرّش، فبلاغ التحرّش له طبيعة خاصّة، فتتفاجأ الضحايا بأنهن مضطرّات لإعادة ما جرى معهن بوصف دقيق في حضور رجال، كما يُتاح للمتّهم تحرير محضر ضدّ الضحيّة، ويصبح الوضع محضراً أمام محضر ويتمّ حجز الطرفين، وفي هذه الحالة يخشى الكثير من الضحايا احتجازهن، لذلك يتنازلن، وكل هذه الأسباب تجعل الحصول على العدالة في دعاوى التحرّش صعب”.

بحسب الأمم المتّحدة فإن نحو 99.4 من المصريات تعرّضن لشكل من أشكال التحرّش، هذا الرقم لم يكن سيتحقّق لو تمّت معاقبة المتحرّشين، لكنّ القانون المصري رغم تغليظه لم يحقّق العدالة للنساء!