ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

هل شرب فودكا مع «ريد بُل» آمن؟ …أبحاث مشبوهة أجرتها الشركة وساهمت في تشكيل سياسات مشروبات الطاقة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
The Examination

دفعت شركة “ريد بُل” أموالاً لعلماء خلصت دراساتهم في معظمها إلى أن خلط مشروبات الطاقة بالكحول ليس ضارّاً، خلافاً لمعظم الأبحاث.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تُنشر هذه القصّة بشكل مشترك مع STAT، وهي جزء من مشروع Behind the Buzz، وهو تعاون استقصائي يضمّ The Examination، وThe Bristol Cable، وDaraj، وInvestico، وPaper Trail Media، وDer Spiegel، وDer Standard، وToronto Star

في صباح شتوي في بلدة بجزيرة لونغ آيلاند، التي تبعد نحو ساعتين شرق ناطحات السحاب في مدينة نيويورك، أخبر باحث هولندي مسؤولين محلّيين أن مخاوفهم بشأن خلط مشروبات الطاقة الغنيّة بالكافيين مع الكحول، كانت مبالغاً فيها.

قبل بضعة أشهر، كانت إدارة الغذاء والدواء الأميركية قد حظرت فعلياً مشروب “فور لوكو”، وهو مشروب كحولي ممزوج بالكافيين، وصفه طلاب الجامعات بأنه “فقدان للوعي في علبة”. وكانت مقاطعة سوفولك، إحدى ضواحي المدينة، تدرس حينها إجراءً أكثر شمولاً: حظر بيع مشروبات الطاقة للقاصرين.

قال يوريس فيرستر، وهو أكاديمي من جامعة أوتريخت، إنه لا يوجد أساس علمي لهذا القانون. ورغم أن الكحول ومشروبات الطاقة غالباً ما يتمّ استهلاكهما معاً، جادل فيرستر بأن مشروبات مثل “ريد بُل” ليست مسؤولة عن الأمور السيّئة التي تحدث عندما يسكر الناس.

وطرح تشبيهاً قد يلقى صدى لدى السكّان المحلّيين، إذ تضمّ مقاطعة سوفولك بلدات ساحلية ألهمت فيلم الإثارة “الفكّ المفترس” (Jaws)، وقال إن تحميل مشروبات الطاقة مسؤولية الإفراط في شرب الكحول والإصابات المرتبطة به، يشبه إلقاء اللوم على مبيعات المثلّجات الصيفية في وقوع هجمات أسماك القرش.

وقال فيرستر خلال جلسة استماع في شباط/ فبراير 2011: “هجمات أسماك القرش لا تسبّبها مبيعات المثلّجات”.

وكان واحداً من ثلاثة علماء عبروا المحيط الأطلسي لحثّ المسؤولين على التخلّي عن المقترح، وكان الآخران أستاذاً بريطانياً، ومدير الشؤون العلمية في شركة “ريد بُل”، وقد جمع الثلاثة أكثر من مجرّد اهتمام بحثي مشترك، إذ حصلوا جميعاً، إما عبر رواتب وإما عبر منح بحثية، على أموال من “ريد بُل”، أكبر شركة لمشروبات الطاقة في العالم.

وقد انتصر هذا الطرح في نهاية المطاف، حيث تخلّى المشرّعون عن تحديد السنّ، في ما شكّل انتصاراً مبكراً للشركة النمساوية، في حملة عالمية ستستخدم فيها العلم لمواجهة القيود على منتجاتها.

وكشف تحقيق مشترك شاركت فيه مؤسّسات “ذا إكزامينيشن”، و”ذا بريستول كابل”، و”درج”، و”إنفستيکو”، و”بايبر تريل ميديا”، و”دير شبيغل”، و”دير شتاندرد”، و”STAT”، و”تورونتو ستار”، أن شركة “ريد بُل” دفعت على مدى أكثر من عقد، مئات الآلاف من الدولارات لأساتذة جامعيين لإجراء أبحاث جاءت نتائجها في صالح صناعة مشروبات الطاقة. كما قامت الشركة بنقل أكاديميين جوّاً إلى مدن أميركية، وقدّمت لهم نقاط حديث لاستخدامها في اجتماعات مع مسؤولين حكوميين كانوا يدرسون فرض قيود على هذه المشروبات، وموّلت أيضاً درجة دكتوراه لباحث في المملكة المتّحدة وأخرى لباحث في هولندا.

في الولايات المتّحدة وكندا، استُخدمت أبحاث مدعومة من شركة “ريد بُل”، أو أُجريت من قِبل أكاديميين لديهم روابط مالية مع الشركة، لإسقاط إجراءات مثل فرض قيود عمرية ووضع ملصقات تحذيرية.

وقد استند تقرير محوري صادر عن وكالة أوروبية للأغذية في عام 2015، إلى هذه الدراسات وخلص إلى عدم وجود دليل واضح على أن خلط مشروبات الطاقة بالكحول مضرّ. ولا يزال هذا التقرير يُعدّ المرجعية الأخيرة في أوروبا، وقد استُخدم بنجاح لمنع اتّخاذ إجراءات مماثلة في أماكن أخرى.

كانت الدراسات المدعومة من “ريد بُل” شبه مجمعة في رسالتها: إن استهلاك مشروبات الطاقة مع الكحول ليس أكثر ضرراً من شرب الكحول وحده.

وهذا يتناقض بشكل صارخ مع الغالبية العظمى من الدراسات المستقلّة حول هذا الموضوع.

جمع تحقيق “ذا إكزامينيشن” أكثر من 100 دراسة حول المخاطر الصحّية أو السلوكية لخلط مشروبات الطاقة بالكحول. ومن بين الدراسات التي تلقّت تمويلاً من “ريد بُل” أو أُجريت من قِبل باحثين أفصحوا عن تضارب مصالح مالية مع الشركة، خلصت نسبة 95% إلى أن خلط الكحول بمشروبات الطاقة لا يزيد من تلك المخاطر. في المقابل، توصّل نحو 80% من الدراسات المستقلّة إلى النتيجة المعاكسة، وفقاً لتحقيق “ذا إكزامينيشن”.

95%
من الدراسات المموّلة من “ريد بُل”، أو التي شارك فيها باحثون أفصحوا عن علاقات مالية مع الشركة، خلصت إلى عدم وجود زيادة في المخاطر الناتجة عن خلط الكحول بمشروبات الطاقة.

80%
من الدراسات المستقلّة توصّلت إلى النتيجة المعاكسة.

غالباً ما تموّل الشركات أبحاثاً تتعلّق بمنتجات مثيرة للجدل، وهي ممارسة ينتقدها المدافعون عن الصحّة العامّة. لكنّ باحثين بارزين في مجال الكحول، راجعوا بعض الدراسات المرتبطة مالياً بـ”ريد بُل”، قالوا إن هناك مشكلات أعمق.

وأشاروا إلى أن عدداً من هذه الدراسات يعاني من عيوب منهجية، ما يثير تساؤلات حول استنتاجاتها. وفي بوسطن، انسحب فريق من العلماء من دراسة مموّلة من “ريد بُل” بعد أن رفض فيرستر، الباحث الهولندي، معالجة مشكلات اعتقدوا أنها قد تؤدّي إلى تحيّز في النتائج.

وفي بيان مقتضب لـ”ذا إكزامينيشن” وشركائها، كتب كارلهاينز نيدررايتر، الرئيس العالمي لشؤون العلوم والتنظيم والعلاقات الحكومية في “ريد بُل”: “خلصت السلطات الصحّية في جميع أنحاء العالم إلى أن مشروب ريد بُل للطاقة آمن للاستهلاك”، وأضاف أن هذا هو السبب في بيع ما يقارب 14 مليار علبة حول العالم خلال العام الماضي.

لم يردّ نيدررايتر وغيره من كبار مسؤولي “ريد بُل” على أسئلة وسائل الإعلام بشأن نتائج التحقيق، بما في ذلك تلك المتعلّقة بسلامة استهلاك مشروبات الطاقة مع الكحول.

وتنصّ إرشادات طوعية نشرتها جمعيّات صناعية أميركية وأوروبية على أن الشركات الأعضاء فيها، ومن بينها “ريد بُل” و”مونستر بيفريدج كورب”، لا تروّج لخلط مشروبات الطاقة مع الكحول، ولا تدّعي أن مشروبات الطاقة تعاكس تأثيرات الكحول. وقالت المجموعة الأوروبية إن الأبحاث الأكاديمية وجدت أن خلط الاثنين لا يشكّل مخاطر إضافية.

وقال بيتر ميلر، أستاذ في جامعة ديكين في أستراليا، إن نتائج التحقيق لم تكن مفاجئة. ففي عام 2013، بالتزامن مع نشر جزء كبير من هذه الأبحاث، كتب مقالاً في مجلّة طبّية انتقد فيه موجة الدراسات المموّلة من الصناعة حول خلط مشروبات الطاقة بالكحول.

وقال ميلر لـ”ذا إكزامينيشن” إن تلك المنح البحثية تمثّل “استثماراً يستخدم سمعة الجامعات للتأثير على السياسات”، وأضاف: “هذه حملة لحماية أرباحهم وتجنّب التدخّل التشريعي”.

وتابع أن ذلك نجح بالفعل، وقال إن الباحثين المموّلين من “ريد بُل” قد “قوّضوا بشكل كامل قاعدة الأدلّة”، مضيفاً: “هذا يخلق حالة من الشكّ تجعل السياسيين لا يتحرّكون”.

وقد أُجري جزء كبير من هذه الأبحاث في وقت كان يشهد تصاعداً في النقاش العام حول سلامة مشروبات الطاقة، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب، وخصوصاً عند استهلاكها مع الكحول.

ثمل متيقّظ

في إحدى ليالي آب/  أغسطس الحارّة من العام 2016، انضم زاكاري ميتشل إلى بعض أصدقائه لقضاء عطلة نهاية أسبوع في كوخ على ضفاف بحيرة في كيبيك، وكان الشابّ البالغ من العمر 21 عاماً يزور ذلك الكوخ تقريباً في كل عطلة نهاية أسبوع صيفية، بحسب والدته.

وبحسب تقرير الطبيب الشرعي، شرب ميتشل عدّة علب من “ريد بُل”، ونحو ستّة أكواب من الجعة خلال ما يقارب ساعتين قبل أن يقرّر هو وأصدقاؤه السباحة.

وكان ميتشل قد وُلد بالقرب من بحيرة وتعلّم السباحة في سنّ مبكرة، وقالت والدته، هيذر ميتشل: “كان كالسمكة”.

حقوق الصورة: رسم توضيحي من إعداد The Examination/Evident Media
: مع تصاعد المخاوف، سجّلت إدارة الغذاء والدواء الأميركية تقارير عن مشكلات قلبية وأحداث سلبية أخرى يُشتبه بارتباطها بمشروبات الطاقة. وفي كيبيك، كندا، خلصت طبيبة شرعية إلى أن زاكاري ميتشل، البالغ من العمر 21 عاماً، توفي غرقاص بعد اضطراب محتمل في نظم القلب مرتبط بممارسة الرياضة واستهلاك مشروبات الطاقة.

لكن قبيل منتصف الليل بقليل، ارتطم ميتشل بالماء بشكل غير متوازن عندما قفز من منصّة يبلغ ارتفاعها 15 قدماً، وطفا على السطح لفترة وجيزة، وتحدّث ببضع كلمات، ثم غاص مجدّداً، وكانت تلك آخر مرّة يراه فيها أصدقاؤه، وفقاً لتقرير الطبيب الشرعي.

وكتبت الطبيبة الشرعية أن ميتشل توفي غرقاً، على الأرجح نتيجة اضطراب في نظم القلب ناتج عن الجمع بين مشروبات الطاقة والمجهود البدني، وأشارت إلى أن نسبة الكحول في دمه بلغت نحو 0.1%، أي أعلى بقليل من الحدّ القانوني للقيادة.

وفي تقريرها، دعت إلى “حملة توعية إعلانية واسعة تستهدف فئة الشباب”، بشأن مخاطر مشروبات الطاقة، بما في ذلك مخاطر الجمع بينها وبين الكحول.

حقوق الصورة: صورة مقدّمة من هيذر ميتشل
زاكاري ميتشل كما يظهر في حفل تخرّجه في المدرسة الثانوية عام 2012

في الأوساط البحثية، هناك مصطلح يختصر القلق من خلط الكحول بمشروبات الطاقة: “ثمل متيقّظ”.

وقال تيم ستوكويل، الذي ترأّس المعهد الكندي لأبحاث تعاطي الموادّ بين عامي 2004 و2020، إن إضافة تأثير التنبيه الذي توفّره مشروبات الطاقة إلى ضعف الحكم الناتج عن الكحول، تشكّل وصفة لسلوكيات محفوفة بالمخاطر.

تتراوح كميّة الكافيين في مشروبات الطاقة بين 80 ملغ في “ريد بُل”، أي أقلّ بقليل من فنجان قهوة عادي، و300 ملغ في علامات تجارية أخرى. لكنّ هذه المشروبات تحتوي أيضاً على مكوّنات مثل التورين والغوارانا التي قد تعزّز تأثيرها على الجسم.

وقال ستوكويل: “إنه مزيج قد يكون خطيراً، إذ يمنحك الطاقة للقيام بأشياء متهوّرة وغبيّة، وفي الوقت نفسه يسلبك الخوف من العواقب”.

حقوق الصورة: صور مقدّمة من هيذر ميتشل
يظهر ميتشل في الصورة وهو يقفز في بحيرة سان بيير في كيبيك في مناسبة أخرى. وقد نشأ بالقرب من الماء وكان سبّاحاً ماهراً، على ما تتذكّر والدته هيذر ميتشل، وقالت: “كان كالسمكة”.

وأفادت تقارير إخبارية بأن أشخاصاً تعرّضوا لإصابات أو لقوا حتفهم حول العالم، بعد استهلاك الكحول مع مشروبات الطاقة. ففي إنجلترا، تعرّضت شابّة تبلغ 18 عاماً لثلاث نوبات قلبية بعد أن شربت 10 كؤوس من “ياغربومب”، وهو مشروب يمزج بين مشروب طاقة ومشروب “ياغرمايستر” الكحولي. وفي ولاية واشنطن، توفي فتى يبلغ 17 عاماً بسبب تسمّم كحولي حادّ بعد خلط مشروبات كحولية قويّة بمشروبات طاقة أثناء لعبه ألعاب الفيديو مع أصدقائه. وفي كيبيك، عُثر على فتاة تبلغ 14 عاماً متوفاة خلف مدرستها بعد تناول مشروب كحولي يحتوي على الكافيين يُدعى FCKD UP.

تشير مجموعة كبيرة من الأبحاث إلى أن حوادث كهذه ليست مجرّد مصادفة أو ظروف عرضية. فقد ارتبط خلط الكحول بمشروبات الطاقة بارتفاع معدّلات الإفراط في الشرب والاعتداءات الجنسية والقيادة تحت تأثير الكحول، وفقاً لدراسة أُجريت على طلاب جامعات في الولايات المتّحدة. كما وجدت دراسة أخرى شملت مرضى في مستشفيات كندا أن هذا المزيج يرتبط بمستويات أعلى من الإصابات؛ ولدى النساء، تضاعف خطر الإصابة ثلاث مرّات.

وتبنّت السلطات الصحّية هذه المخاوف. إذ تحذّر مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتّحدة، من أن خلط الكحول بمشروبات الطاقة قد يؤدّي إلى زيادة الاستهلاك وارتفاع خطر الإصابات والقيادة تحت تأثير الكحول وممارسة الجنس غير المرغوب فيه أو غير الآمن.

وقد بدأت هذه الأبحاث بالظهور في عام 2010، خلال سلسلة من الوفيات التي شملت شباباً ومرتبطة بمشروب “فور لوكو”، وتحرّكت إدارة الغذاء والدواء الأميركية بسرعة، فأمرت شركة “فور لوكو” وغيرها بالتوقّف عن بيع المشروبات الكحولية المحتوية على الكافيين.

وفي وقت وفاة ميتشل، كانت مشروبات الطاقة في كندا تحمل تحذيراً بعدم خلطها مع الكحول، إلا أن الطبيبة الشرعية التي حقّقت في وفاته انتقدت تلك التحذيرات، ووصفتها بأنها “غير كافية” و”مكتوبة بخطّ صغير”.

وقالت هيذر ميتشل إنها وابنها لم يكونا على دراية كاملة بمخاطر مشروبات الطاقة، وأضافت أنها لم تكن تعلم حقّاً ما إذا كان يستهلكها بانتظام، وافترضت أنه طالما كانت معروضة على الرفوف فهي آمنة.

دخول “ريد بُل” إلى عالم الأبحاث

في عام 2011، وبعد وقت قصير من تولّيه إدارة مركز أبحاث للوقاية من الإصابات في جامعة بوسطن، انضمّ جوناثان هاولاند إلى اثنين من مسؤولي “ريد بُل” على مائدة عشاء، وكان أحدهما نيدررايتر، المسؤول عن الشؤون العلمية في الشركة، كان جراد البحر ضمن قائمة الطعام، وفي الوقت نفسه كانت ملامح تعاون علمي تتشكّل.

كان هاولاند، الذي رأى أن إدارة الغذاء والدواء الأميركية تجاوزت الأدلّة عند حظر المشروبات الكحولية المحتوية على الكافيين، قد تابع الأبحاث التي يجريها فيرستر، الأستاذ الهولندي. وكان الاثنان ينتميان إلى دوائر أكاديمية متقاربة؛ فكلاهما عضو في مجموعة صغيرة من الباحثين الذين يدرسون آثار الثمالة، وكانت النتائج الأوّلية لفيرستر تشير إلى أن خلط الكحول بمشروبات الطاقة لا يؤدّي إلى زيادة الاستهلاك أو ارتفاع معدّلات الضرر.

وعندما قال فيرستر إنه يرغب في تكرار دراسته في الولايات المتّحدة، لم يتردّد هاولاند، وقال في مقابلة: “قفزت فوراً على الفرصة”، وقد أدّى ذلك إلى اتّفاق بين “ريد بُل” وجامعة بوسطن.

وأوضح فيرستر لـ”ذا إكزامينيشن” أن مفتاح منهجيته البحثية كان في أنه لم يبحث عن فروق بين الأشخاص الذين يشربون الكحول فقط، وأولئك الذين يستهلكون الكحول مع مشروبات الطاقة، بل صمّم دراساته حول أشخاص يفعلون الأمرين معاً، وقارن النتائج بينهم عندما يستهلكون الكحول وحده مقابل عندما يستهلكونه مع مشروبات الطاقة.

وقال إن هذا النهج أزال متغيّرات مثل نوع الشخصيّة ومكّنه من اختبار العلاقة السببية.

لكن بعد عدّة أشهر من بدء هاولاند وفريقه العمل على المشروع، اكتشفوا مشكلة في تصميم الدراسة، وقد وردت تفاصيل الخلاف في رسائل إلكترونية ووثائق دراسية ومقابلات مع هاولاند وتامارا كاليس، التي عملت مستشارة للفريق في بوسطن بصفتها خبيرة بحثية.

حقوق الصورة: رسم توضيحي من إعداد The Examination/Evident Media
اموّلت “ريد بُل” سلسلة من الدراسات، شارك في تأليف العديد منها فيرستر في جامعة أوتريخت، وخلصت إلى أن خلط الكحول بمشروبات الطاقة لا يزيد من الاستهلاك أو الأضرار. وقد شكّك باحثون آخرون في صحّة هذه الدراسات.

أُصيب باحثو بوسطن بالقلق لأن الاستبيان الذي قدّمه فريق فيرستر عرّف الكحول الممزوج بمشروبات الطاقة على أنه يشمل فقط المشروبات الكحولية التي تُستهلك خلال ساعتين من تناول مشروب طاقة، وخلص فريق هاولاند إلى أن ذلك قد يؤدّي إلى التقليل من تقدير حالات الإفراط في الشرب والأضرار المرتبطة بمشروبات الطاقة. في المقابل، لم يكن هناك أيّ تقييد على أنواع المشروبات التي تُحتسب عندما يستهلك المشاركون الكحول وحده.

وحثّ هاولاند وزملاؤه فيرستر على تغيير منهجيته، لكنّه رفض، وقال هاولاند إن الرسالة كانت واضحة: “إذا أردت التمويل، فعليك أن تفعل ذلك تماماً بالطريقة التي نطلبها”.

وفي نهاية المطاف، قرّر فريق هاولاند الانسحاب من الدراسة.

وكتب هاولاند إلى فيرستر في حزيران/ يونيو 2012: “قرّرنا أننا لا نستطيع استخدام مواقعنا الجامعية وسمعتنا المهنية، للتجنيد لدراسة نعتقد أنها لا تستطيع اختبار فرضيات مهمّة بطريقة غير متحيّزة”.

حقوق الصورة: صورة مقدّمة إلى The Examination
كان جوناثان هاولاند (يسار) وفيرستر (الثالث من اليمين) عضوين في مجموعة من الأكاديميين الذين يدرسون آثار الثمالة. وتُظهر الصورة هنا أعضاء تلك المجموعة وضيوفهم، ومن بينهم زوجة هاولاند إليزابيث (يمين)، وهم يتناولون جراد البحر في نوفا سكوشا خلال اجتماع عُقد في عام 2012.

ويبدو أن ذلك لم يؤثّر على دعم “ريد بُل” لأبحاث فيرستر. ففي وقت لاحق من ذلك العام، نشر هو وأربعة من زملائه دراسة على طلاب هولنديين بتمويل من الشركة، استخدمت المنهجية محلّ الخلاف وخلصت إلى نتيجة مفاجئة: كان المشاركون في وضع أفضل عندما خلطوا الكحول بمشروبات الطاقة مقارنةً بشرب الكحول وحده. ووفقاً للدراسة، فإنهم عند الجمع بين الاثنين شربوا كميّات أقلّ من الكحول وكانوا أقلّ عرضة لعواقب ضارّة.

وقال خمسة باحثين في مجال الكحول استشارتهم “ذا إكزامينيشن” إنهم يتّفقون مع فريق بوسطن في أن منهجية فريق فيرستر كانت معيبة، إذ إن العمر النصفي للكافيين يبلغ خمس إلى ستّ ساعات، ما يعني أن نصف الكافيين يظلّ في الجسم ويواصل تأثيره بعد مرور هذه المدّة، وهو زمن أطول بكثير من الإطار الزمني الذي اعتمده فيرستر.

وخلال الفترة من 2016 إلى 2021، نشر فيرستر وعلماء آخرون مموّلون من “ريد بُل” في المملكة المتّحدة وأستراليا، ما لا يقلّ عن خمس دراسات إضافية استخدمت التعريف نفسه لخلط الكحول بمشروبات الطاقة، وجميعها خلصت إلى أن هذا الخلط لا يؤدّي إلى زيادة الاستهلاك أو الأضرار.

ووصفت لورا شميدت، أستاذة في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو درست أبحاثاً مموّلة من صناعة الأغذية والمشروبات، تلك الدراسات بأنها “تسويق مُقنّع في هيئة علم”.

وقال ويليام كير، المدير العلمي للمركز الوطني لأبحاث الكحول المموّل اتّحادياً: “تبدو بعض جوانب هذه الدراسات منحازة لإنتاج نتائج غير بديهية تدعم وجهات نظر الصناعة”.

وفي رسالة إلكترونية إلى “ذا إكزامينيشن”، أقرّ فيرستر بأن باحثي بوسطن أثاروا تساؤلات حول منهجية الدراسة، لكنّه قال إنه لم يغيّرها لأنه أراد أن تكون الدراسة قابلة للمقارنة مع أبحاثه السابقة.

وفي ما يتعلّق بتعريفه لخلط الكحول بمشروبات الطاقة، كتب أن حدّ الساعتين كان يهدف إلى استبعاد مشروبات الطاقة التي تُستهلك في وقت أبكر بكثير من اليوم، وليس إلى تقييد عدد المشروبات الكحولية المحتسبة.

وكانت جامعة أوتريخت قد حقّقت في احتمال وجود تضارب مصالح في شراكة فيرستر مع “ريد بُل” قبل أكثر من عقد، وخلصت الجامعة إلى أن فيرستر لم يكن شفّافاً بما فيه الكفاية، لأنه كان يتلقّى أموالاً عبر شركته الخاصّة مقابل دراسات أشار فيها إلى انتمائه الجامعي. ومع ذلك، اعتبرت الجامعة أن ذلك لا يشكّل خرقاً للنزاهة.

وبعد استفسارات حديثة من وسيلة الإعلام الهولندية Investico حول دراسات فيرستر، قالت الجامعة إنه خالف سياساتها المتعلّقة بالأبحاث المموّلة من جهات خارجية، وأضافت أنها لم تكن على علم بحجم هذا العمل، وأن استمرار فيرستر في تلقّي مدفوعات بشكل خاصّ مع الإشارة إلى انتمائه الجامعي يمثّل إشكالية.

وقالت الجامعة إن هذه الاستفسارات “أثارت تساؤلات داخلية”، وإنها بصدد تشكيل لجنة للتحقيق في “الثقافة العلمية وسياسات جودة البحث العلمي” داخل مجموعة فيرستر البحثية.

نفى فيرستر، وهو الأكثر إنتاجاً بين الباحثين المدعومين من “ريد بُل”، أنه خالف الإرشادات الأخلاقية، وقال إنه متمسّك بأبحاثه، وعزا الانتقادات الموجّهة لعمله إلى خلافات علمية.

أما شون جونسون، الذي مُوّل برنامج الدكتوراه الخاصّ به من قِبل “ريد بُل”، ونشر عدّة دراسات مع فيرستر، فقد أعرب عن تحفّظات بشأن كيفية إجراء الأبحاث المموّلة من الشركة، وفقاً لما توصّلت إليه وسيلة الإعلام البريطانية Bristol Cable.

واستعاد جونسون تجربته البحثية المبكرة في تعليق قدّمه في عام 2023 ضمن أطروحته للدكتوراه، وكتب أن البحث حول خلط الكحول بمشروبات الطاقة بدا وكأنه أصبح مسيّساً، وأن المرور أحياناً بعملية مراجعة الأقران “كان أشبه بالمكوث في خنادق القتال”، لكنّه أشار إلى أن نظرته لتلك الفترة تغيّرت لاحقاً.

وكتب جونسون: “ربما طوّرتُ تحيّزاً غير واعٍ تجاه موقف مجموعتي الأكاديمية والجهات المموّلة من الصناعة”، وأضاف بين قوسين بعد كلمة “الجهات المموّلة”: “Red Bull GmbH”.

ولم يردّ جونسون على طلبات متكرّرة للتعليق.

“العلم هو العلم، بغضّ النظر عمّن يموّله”

حقوق الصورة: رسم توضيحي من إعداد The Examination/Evident Media
استندت الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية إلى أبحاث أجراها علماء لديهم روابط مالية مع “ريد بُل” في قرارها بأن خلط الكحول بمشروبات الطاقة لا يشكّل مصدر قلق صحّي كبير. وقد استندت وزارة الصحّة الكندية لاحقاً إلى تقرير الهيئة في قرارها إلغاء شرط وضع تحذير على علب مشروبات الطاقة: ينصح بعدم استهلاكها مع الكحول.

عدد الدراسات المرتبطة مالياً بـ”ريد بُل” حول مخاطر الكحول ومشروبات الطاقة محدود نسبياً، إلا أن هذا الجسم البحثي كان مؤثّراً رغم ذلك. فقد أظهرت “ذا إكزامينيشن” أن تقارير تتعلّق بسياسات مشروبات الطاقة صادرة عن جهات حكومية أو استشارية في المملكة المتّحدة، وكندا، وأستراليا، وإسبانيا، وإيرلندا قد استشهدت بهذه الدراسات.

وكان أبرزها تقرير صادر عن الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية، وبصفتها المستشار العلمي للاتّحاد الأوروبي في قضايا الغذاء، فإن آراءها لا تؤثّر فقط على السياسات في أوروبا، بل تحمل وزناً دولياً أيضاً.

في عام 2015، أصدرت الهيئة تقريراً شاملاً أيّد بشكل عامّ سلامة الكافيين ومشروبات الطاقة، وقد استشهدت ثلاثة أقسام تناولت الجمع بين مشروبات الطاقة والكحول بدراسات فيرستر.

وكانت المناقشة الأكثر تفصيلاً مستمدّة من دراسة العام 2014 أعدّها فيرستر وثلاثة من زملائه الذين سبق أن تلقّوا تمويلاً من “ريد بُل”، وقد راجعوا دراسات مخبرية لتحديد ما إذا كان خلط الكحول بالكافيين يجعل الأشخاص يسكرون دون أن يدركوا ذلك، وهي ظاهرة تُعرف باسم “الإخفاء” (masking)، وخلصوا إلى أن هذه الظاهرة لا تمثّل خطراً.

ورغم أن “الإخفاء” كان موضوعاً بحثياً في ذلك الوقت، قال عدد من باحثي الكحول لـ”ذا إكزامينيشن” إنه ليس القضيّة الأكثر خطورة عندما يتعلّق الأمر بمشروبات الطاقة والكحول. فالأكثر أهمّية، بحسب قولهم، هو أن مشروبات الطاقة قد تحفّز الأشخاص على شرب المزيد من الكحول، وأن الجمع بين الاثنين يخلق حالة من الإثارة وانخفاض الضبط الذاتي — “ثمل متيقّظ”.

وقد كرّر تقرير الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية استنتاج فيرستر وزملائه بأن “الإخفاء” — وبشكل أعم، خلط الكحول بمشروبات الطاقة — لا يشكّل مصدر قلق كبير، ولم يُشر التقرير إلى أن الدراسات أفصحت عن وجود روابط مالية بين الباحثين و”ريد بُل”.

ودافعت سيلفيا فالتوينيا مارتينيز، وهي عالمة في الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية ساهمت في تقرير 2015، عن نتائجه، وقالت إن المؤلّفين أخذوا في الاعتبار طيفاً واسعاً من الأبحاث، وإن الدراسات المدعومة من الصناعة، مثل تلك التي تموّلها “ريد بُل”، لا ينبغي استبعادها.

وقالت: “العلم هو العلم، بغضّ النظر عمّن يموّله”.

ورغم أن الهيئة أعلنت مؤخّراً أنها ستُعيد النظر في نتائجها بشأن الكافيين ومشروبات الطاقة، أفادت Malta Today بأنها لا تخطّط لمعالجة مخاطر خلط مشروبات الطاقة بالكحول.

وعلى مدى أكثر من عقد، ظلّ تقرير الهيئة مرجعاً أساسياً بشأن مشروبات الطاقة في أوروبا وخارجها؛ إذ استشهدت به جهات حكومية واستشارية في المملكة المتّحدة وكندا وألمانيا ودول أخرى.

وكذلك فعلت صناعة المشروبات، إذ استخدمت ذلك للتصدّي للأنظمة التنظيمية الخاصّة بمشروبات الطاقة. وكان من بين هذه الجهود ما جرى في كندا، بعد عدّة سنوات من وفاة ميتشل.

فالتحذير من الكحول الذي كان موجوداً على علب مشروبات الطاقة وقت وفاته جاء نتيجة إجراء مؤقّت. وفي عام 2021، اقترحت وزارة الصحّة الكندية، وهي وكالة الصحّة العامّة في البلاد، جعل هذا التحذير دائماً، مشيرة إلى أن خلط الكحول بمشروبات الطاقة “تمّ تحديده كمصدر قلق للصحّة العامّة”.

لكنّ صناعة المشروبات قالت إنه لا يوجد أساس علمي لملصق التحذير — وكان لديها أبحاث تدعم موقفها.

وقد أرسلت جمعيّة المشروبات الكندية رسالة إلى وزارة الصحّة استشهدت فيها بثلاث دراسات، جميعها حوت أسماء مؤلّفين تلقّوا تمويلاً من “ريد بُل”. كما انضمّ الاتحاد الأوروبي إلى هذا الموقف، محذّراً من فرض متطلّبات وضع الملصقات، ومشيراً إلى تقرير الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية.

وبعد عام، تراجعت وزارة الصحّة الكندية عن موقفها، فلم تكتفِ بالتخلّي عن مقترح جعل التحذير دائماً، بل ألغته بالكامل.

وفي بيان مكتوب، قالت وزارة الصحّة الكندية لـ”ذا إكزامينيشن” و”تورونتو ستار” إنها “اعتمدت بشكل كبير” على تقرير الهيئة الأوروبية للعام 2015، إضافة إلى تقييماتها الخاصّة للمخاطر، في اتّخاذ القرار، وأضافت أنها أخذت في الاعتبار “نطاقاً واسعاً من المعلومات”، بما في ذلك الدراسات المنشورة ومداخلات الأطراف المعنيّة.

ووصفت هيذر ميتشل قرار وزارة الصحّة الكندية بأنه “إخلال واضح بالواجب”.

وبعد ما يقرب من عقد على فقدانها ابنها، أصبحت علب مشروبات الطاقة في كندا توفّر معلومات أقلّ عن مخاطر الكحول مقارنةً بما كانت عليه ليلة وفاته.


ساهمت أيسفاريا تشاندراسيكار، الصحافية المتخصصة في الصحافة الحاسوبية في مركز “تاو” للصحافة الرقمية بجامعة كولومبيا، في تحليل البيانات. كما ساهم في إعداد التقرير ليوبولد سالزنشتاين، صحافي البيانات في “ذا إكزامينيشن”، وراشيل أوسلاندر، صحافية مستقلّة.

30.07.2026
زمن القراءة: 16 minutes

دفعت شركة “ريد بُل” أموالاً لعلماء خلصت دراساتهم في معظمها إلى أن خلط مشروبات الطاقة بالكحول ليس ضارّاً، خلافاً لمعظم الأبحاث.

تُنشر هذه القصّة بشكل مشترك مع STAT، وهي جزء من مشروع Behind the Buzz، وهو تعاون استقصائي يضمّ The Examination، وThe Bristol Cable، وDaraj، وInvestico، وPaper Trail Media، وDer Spiegel، وDer Standard، وToronto Star

في صباح شتوي في بلدة بجزيرة لونغ آيلاند، التي تبعد نحو ساعتين شرق ناطحات السحاب في مدينة نيويورك، أخبر باحث هولندي مسؤولين محلّيين أن مخاوفهم بشأن خلط مشروبات الطاقة الغنيّة بالكافيين مع الكحول، كانت مبالغاً فيها.

قبل بضعة أشهر، كانت إدارة الغذاء والدواء الأميركية قد حظرت فعلياً مشروب “فور لوكو”، وهو مشروب كحولي ممزوج بالكافيين، وصفه طلاب الجامعات بأنه “فقدان للوعي في علبة”. وكانت مقاطعة سوفولك، إحدى ضواحي المدينة، تدرس حينها إجراءً أكثر شمولاً: حظر بيع مشروبات الطاقة للقاصرين.

قال يوريس فيرستر، وهو أكاديمي من جامعة أوتريخت، إنه لا يوجد أساس علمي لهذا القانون. ورغم أن الكحول ومشروبات الطاقة غالباً ما يتمّ استهلاكهما معاً، جادل فيرستر بأن مشروبات مثل “ريد بُل” ليست مسؤولة عن الأمور السيّئة التي تحدث عندما يسكر الناس.

وطرح تشبيهاً قد يلقى صدى لدى السكّان المحلّيين، إذ تضمّ مقاطعة سوفولك بلدات ساحلية ألهمت فيلم الإثارة “الفكّ المفترس” (Jaws)، وقال إن تحميل مشروبات الطاقة مسؤولية الإفراط في شرب الكحول والإصابات المرتبطة به، يشبه إلقاء اللوم على مبيعات المثلّجات الصيفية في وقوع هجمات أسماك القرش.

وقال فيرستر خلال جلسة استماع في شباط/ فبراير 2011: “هجمات أسماك القرش لا تسبّبها مبيعات المثلّجات”.

وكان واحداً من ثلاثة علماء عبروا المحيط الأطلسي لحثّ المسؤولين على التخلّي عن المقترح، وكان الآخران أستاذاً بريطانياً، ومدير الشؤون العلمية في شركة “ريد بُل”، وقد جمع الثلاثة أكثر من مجرّد اهتمام بحثي مشترك، إذ حصلوا جميعاً، إما عبر رواتب وإما عبر منح بحثية، على أموال من “ريد بُل”، أكبر شركة لمشروبات الطاقة في العالم.

وقد انتصر هذا الطرح في نهاية المطاف، حيث تخلّى المشرّعون عن تحديد السنّ، في ما شكّل انتصاراً مبكراً للشركة النمساوية، في حملة عالمية ستستخدم فيها العلم لمواجهة القيود على منتجاتها.

وكشف تحقيق مشترك شاركت فيه مؤسّسات “ذا إكزامينيشن”، و”ذا بريستول كابل”، و”درج”، و”إنفستيکو”، و”بايبر تريل ميديا”، و”دير شبيغل”، و”دير شتاندرد”، و”STAT”، و”تورونتو ستار”، أن شركة “ريد بُل” دفعت على مدى أكثر من عقد، مئات الآلاف من الدولارات لأساتذة جامعيين لإجراء أبحاث جاءت نتائجها في صالح صناعة مشروبات الطاقة. كما قامت الشركة بنقل أكاديميين جوّاً إلى مدن أميركية، وقدّمت لهم نقاط حديث لاستخدامها في اجتماعات مع مسؤولين حكوميين كانوا يدرسون فرض قيود على هذه المشروبات، وموّلت أيضاً درجة دكتوراه لباحث في المملكة المتّحدة وأخرى لباحث في هولندا.

في الولايات المتّحدة وكندا، استُخدمت أبحاث مدعومة من شركة “ريد بُل”، أو أُجريت من قِبل أكاديميين لديهم روابط مالية مع الشركة، لإسقاط إجراءات مثل فرض قيود عمرية ووضع ملصقات تحذيرية.

وقد استند تقرير محوري صادر عن وكالة أوروبية للأغذية في عام 2015، إلى هذه الدراسات وخلص إلى عدم وجود دليل واضح على أن خلط مشروبات الطاقة بالكحول مضرّ. ولا يزال هذا التقرير يُعدّ المرجعية الأخيرة في أوروبا، وقد استُخدم بنجاح لمنع اتّخاذ إجراءات مماثلة في أماكن أخرى.

كانت الدراسات المدعومة من “ريد بُل” شبه مجمعة في رسالتها: إن استهلاك مشروبات الطاقة مع الكحول ليس أكثر ضرراً من شرب الكحول وحده.

وهذا يتناقض بشكل صارخ مع الغالبية العظمى من الدراسات المستقلّة حول هذا الموضوع.

جمع تحقيق “ذا إكزامينيشن” أكثر من 100 دراسة حول المخاطر الصحّية أو السلوكية لخلط مشروبات الطاقة بالكحول. ومن بين الدراسات التي تلقّت تمويلاً من “ريد بُل” أو أُجريت من قِبل باحثين أفصحوا عن تضارب مصالح مالية مع الشركة، خلصت نسبة 95% إلى أن خلط الكحول بمشروبات الطاقة لا يزيد من تلك المخاطر. في المقابل، توصّل نحو 80% من الدراسات المستقلّة إلى النتيجة المعاكسة، وفقاً لتحقيق “ذا إكزامينيشن”.

95%
من الدراسات المموّلة من “ريد بُل”، أو التي شارك فيها باحثون أفصحوا عن علاقات مالية مع الشركة، خلصت إلى عدم وجود زيادة في المخاطر الناتجة عن خلط الكحول بمشروبات الطاقة.

80%
من الدراسات المستقلّة توصّلت إلى النتيجة المعاكسة.

غالباً ما تموّل الشركات أبحاثاً تتعلّق بمنتجات مثيرة للجدل، وهي ممارسة ينتقدها المدافعون عن الصحّة العامّة. لكنّ باحثين بارزين في مجال الكحول، راجعوا بعض الدراسات المرتبطة مالياً بـ”ريد بُل”، قالوا إن هناك مشكلات أعمق.

وأشاروا إلى أن عدداً من هذه الدراسات يعاني من عيوب منهجية، ما يثير تساؤلات حول استنتاجاتها. وفي بوسطن، انسحب فريق من العلماء من دراسة مموّلة من “ريد بُل” بعد أن رفض فيرستر، الباحث الهولندي، معالجة مشكلات اعتقدوا أنها قد تؤدّي إلى تحيّز في النتائج.

وفي بيان مقتضب لـ”ذا إكزامينيشن” وشركائها، كتب كارلهاينز نيدررايتر، الرئيس العالمي لشؤون العلوم والتنظيم والعلاقات الحكومية في “ريد بُل”: “خلصت السلطات الصحّية في جميع أنحاء العالم إلى أن مشروب ريد بُل للطاقة آمن للاستهلاك”، وأضاف أن هذا هو السبب في بيع ما يقارب 14 مليار علبة حول العالم خلال العام الماضي.

لم يردّ نيدررايتر وغيره من كبار مسؤولي “ريد بُل” على أسئلة وسائل الإعلام بشأن نتائج التحقيق، بما في ذلك تلك المتعلّقة بسلامة استهلاك مشروبات الطاقة مع الكحول.

وتنصّ إرشادات طوعية نشرتها جمعيّات صناعية أميركية وأوروبية على أن الشركات الأعضاء فيها، ومن بينها “ريد بُل” و”مونستر بيفريدج كورب”، لا تروّج لخلط مشروبات الطاقة مع الكحول، ولا تدّعي أن مشروبات الطاقة تعاكس تأثيرات الكحول. وقالت المجموعة الأوروبية إن الأبحاث الأكاديمية وجدت أن خلط الاثنين لا يشكّل مخاطر إضافية.

وقال بيتر ميلر، أستاذ في جامعة ديكين في أستراليا، إن نتائج التحقيق لم تكن مفاجئة. ففي عام 2013، بالتزامن مع نشر جزء كبير من هذه الأبحاث، كتب مقالاً في مجلّة طبّية انتقد فيه موجة الدراسات المموّلة من الصناعة حول خلط مشروبات الطاقة بالكحول.

وقال ميلر لـ”ذا إكزامينيشن” إن تلك المنح البحثية تمثّل “استثماراً يستخدم سمعة الجامعات للتأثير على السياسات”، وأضاف: “هذه حملة لحماية أرباحهم وتجنّب التدخّل التشريعي”.

وتابع أن ذلك نجح بالفعل، وقال إن الباحثين المموّلين من “ريد بُل” قد “قوّضوا بشكل كامل قاعدة الأدلّة”، مضيفاً: “هذا يخلق حالة من الشكّ تجعل السياسيين لا يتحرّكون”.

وقد أُجري جزء كبير من هذه الأبحاث في وقت كان يشهد تصاعداً في النقاش العام حول سلامة مشروبات الطاقة، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب، وخصوصاً عند استهلاكها مع الكحول.

ثمل متيقّظ

في إحدى ليالي آب/  أغسطس الحارّة من العام 2016، انضم زاكاري ميتشل إلى بعض أصدقائه لقضاء عطلة نهاية أسبوع في كوخ على ضفاف بحيرة في كيبيك، وكان الشابّ البالغ من العمر 21 عاماً يزور ذلك الكوخ تقريباً في كل عطلة نهاية أسبوع صيفية، بحسب والدته.

وبحسب تقرير الطبيب الشرعي، شرب ميتشل عدّة علب من “ريد بُل”، ونحو ستّة أكواب من الجعة خلال ما يقارب ساعتين قبل أن يقرّر هو وأصدقاؤه السباحة.

وكان ميتشل قد وُلد بالقرب من بحيرة وتعلّم السباحة في سنّ مبكرة، وقالت والدته، هيذر ميتشل: “كان كالسمكة”.

حقوق الصورة: رسم توضيحي من إعداد The Examination/Evident Media
: مع تصاعد المخاوف، سجّلت إدارة الغذاء والدواء الأميركية تقارير عن مشكلات قلبية وأحداث سلبية أخرى يُشتبه بارتباطها بمشروبات الطاقة. وفي كيبيك، كندا، خلصت طبيبة شرعية إلى أن زاكاري ميتشل، البالغ من العمر 21 عاماً، توفي غرقاص بعد اضطراب محتمل في نظم القلب مرتبط بممارسة الرياضة واستهلاك مشروبات الطاقة.

لكن قبيل منتصف الليل بقليل، ارتطم ميتشل بالماء بشكل غير متوازن عندما قفز من منصّة يبلغ ارتفاعها 15 قدماً، وطفا على السطح لفترة وجيزة، وتحدّث ببضع كلمات، ثم غاص مجدّداً، وكانت تلك آخر مرّة يراه فيها أصدقاؤه، وفقاً لتقرير الطبيب الشرعي.

وكتبت الطبيبة الشرعية أن ميتشل توفي غرقاً، على الأرجح نتيجة اضطراب في نظم القلب ناتج عن الجمع بين مشروبات الطاقة والمجهود البدني، وأشارت إلى أن نسبة الكحول في دمه بلغت نحو 0.1%، أي أعلى بقليل من الحدّ القانوني للقيادة.

وفي تقريرها، دعت إلى “حملة توعية إعلانية واسعة تستهدف فئة الشباب”، بشأن مخاطر مشروبات الطاقة، بما في ذلك مخاطر الجمع بينها وبين الكحول.

حقوق الصورة: صورة مقدّمة من هيذر ميتشل
زاكاري ميتشل كما يظهر في حفل تخرّجه في المدرسة الثانوية عام 2012

في الأوساط البحثية، هناك مصطلح يختصر القلق من خلط الكحول بمشروبات الطاقة: “ثمل متيقّظ”.

وقال تيم ستوكويل، الذي ترأّس المعهد الكندي لأبحاث تعاطي الموادّ بين عامي 2004 و2020، إن إضافة تأثير التنبيه الذي توفّره مشروبات الطاقة إلى ضعف الحكم الناتج عن الكحول، تشكّل وصفة لسلوكيات محفوفة بالمخاطر.

تتراوح كميّة الكافيين في مشروبات الطاقة بين 80 ملغ في “ريد بُل”، أي أقلّ بقليل من فنجان قهوة عادي، و300 ملغ في علامات تجارية أخرى. لكنّ هذه المشروبات تحتوي أيضاً على مكوّنات مثل التورين والغوارانا التي قد تعزّز تأثيرها على الجسم.

وقال ستوكويل: “إنه مزيج قد يكون خطيراً، إذ يمنحك الطاقة للقيام بأشياء متهوّرة وغبيّة، وفي الوقت نفسه يسلبك الخوف من العواقب”.

حقوق الصورة: صور مقدّمة من هيذر ميتشل
يظهر ميتشل في الصورة وهو يقفز في بحيرة سان بيير في كيبيك في مناسبة أخرى. وقد نشأ بالقرب من الماء وكان سبّاحاً ماهراً، على ما تتذكّر والدته هيذر ميتشل، وقالت: “كان كالسمكة”.

وأفادت تقارير إخبارية بأن أشخاصاً تعرّضوا لإصابات أو لقوا حتفهم حول العالم، بعد استهلاك الكحول مع مشروبات الطاقة. ففي إنجلترا، تعرّضت شابّة تبلغ 18 عاماً لثلاث نوبات قلبية بعد أن شربت 10 كؤوس من “ياغربومب”، وهو مشروب يمزج بين مشروب طاقة ومشروب “ياغرمايستر” الكحولي. وفي ولاية واشنطن، توفي فتى يبلغ 17 عاماً بسبب تسمّم كحولي حادّ بعد خلط مشروبات كحولية قويّة بمشروبات طاقة أثناء لعبه ألعاب الفيديو مع أصدقائه. وفي كيبيك، عُثر على فتاة تبلغ 14 عاماً متوفاة خلف مدرستها بعد تناول مشروب كحولي يحتوي على الكافيين يُدعى FCKD UP.

تشير مجموعة كبيرة من الأبحاث إلى أن حوادث كهذه ليست مجرّد مصادفة أو ظروف عرضية. فقد ارتبط خلط الكحول بمشروبات الطاقة بارتفاع معدّلات الإفراط في الشرب والاعتداءات الجنسية والقيادة تحت تأثير الكحول، وفقاً لدراسة أُجريت على طلاب جامعات في الولايات المتّحدة. كما وجدت دراسة أخرى شملت مرضى في مستشفيات كندا أن هذا المزيج يرتبط بمستويات أعلى من الإصابات؛ ولدى النساء، تضاعف خطر الإصابة ثلاث مرّات.

وتبنّت السلطات الصحّية هذه المخاوف. إذ تحذّر مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتّحدة، من أن خلط الكحول بمشروبات الطاقة قد يؤدّي إلى زيادة الاستهلاك وارتفاع خطر الإصابات والقيادة تحت تأثير الكحول وممارسة الجنس غير المرغوب فيه أو غير الآمن.

وقد بدأت هذه الأبحاث بالظهور في عام 2010، خلال سلسلة من الوفيات التي شملت شباباً ومرتبطة بمشروب “فور لوكو”، وتحرّكت إدارة الغذاء والدواء الأميركية بسرعة، فأمرت شركة “فور لوكو” وغيرها بالتوقّف عن بيع المشروبات الكحولية المحتوية على الكافيين.

وفي وقت وفاة ميتشل، كانت مشروبات الطاقة في كندا تحمل تحذيراً بعدم خلطها مع الكحول، إلا أن الطبيبة الشرعية التي حقّقت في وفاته انتقدت تلك التحذيرات، ووصفتها بأنها “غير كافية” و”مكتوبة بخطّ صغير”.

وقالت هيذر ميتشل إنها وابنها لم يكونا على دراية كاملة بمخاطر مشروبات الطاقة، وأضافت أنها لم تكن تعلم حقّاً ما إذا كان يستهلكها بانتظام، وافترضت أنه طالما كانت معروضة على الرفوف فهي آمنة.

دخول “ريد بُل” إلى عالم الأبحاث

في عام 2011، وبعد وقت قصير من تولّيه إدارة مركز أبحاث للوقاية من الإصابات في جامعة بوسطن، انضمّ جوناثان هاولاند إلى اثنين من مسؤولي “ريد بُل” على مائدة عشاء، وكان أحدهما نيدررايتر، المسؤول عن الشؤون العلمية في الشركة، كان جراد البحر ضمن قائمة الطعام، وفي الوقت نفسه كانت ملامح تعاون علمي تتشكّل.

كان هاولاند، الذي رأى أن إدارة الغذاء والدواء الأميركية تجاوزت الأدلّة عند حظر المشروبات الكحولية المحتوية على الكافيين، قد تابع الأبحاث التي يجريها فيرستر، الأستاذ الهولندي. وكان الاثنان ينتميان إلى دوائر أكاديمية متقاربة؛ فكلاهما عضو في مجموعة صغيرة من الباحثين الذين يدرسون آثار الثمالة، وكانت النتائج الأوّلية لفيرستر تشير إلى أن خلط الكحول بمشروبات الطاقة لا يؤدّي إلى زيادة الاستهلاك أو ارتفاع معدّلات الضرر.

وعندما قال فيرستر إنه يرغب في تكرار دراسته في الولايات المتّحدة، لم يتردّد هاولاند، وقال في مقابلة: “قفزت فوراً على الفرصة”، وقد أدّى ذلك إلى اتّفاق بين “ريد بُل” وجامعة بوسطن.

وأوضح فيرستر لـ”ذا إكزامينيشن” أن مفتاح منهجيته البحثية كان في أنه لم يبحث عن فروق بين الأشخاص الذين يشربون الكحول فقط، وأولئك الذين يستهلكون الكحول مع مشروبات الطاقة، بل صمّم دراساته حول أشخاص يفعلون الأمرين معاً، وقارن النتائج بينهم عندما يستهلكون الكحول وحده مقابل عندما يستهلكونه مع مشروبات الطاقة.

وقال إن هذا النهج أزال متغيّرات مثل نوع الشخصيّة ومكّنه من اختبار العلاقة السببية.

لكن بعد عدّة أشهر من بدء هاولاند وفريقه العمل على المشروع، اكتشفوا مشكلة في تصميم الدراسة، وقد وردت تفاصيل الخلاف في رسائل إلكترونية ووثائق دراسية ومقابلات مع هاولاند وتامارا كاليس، التي عملت مستشارة للفريق في بوسطن بصفتها خبيرة بحثية.

حقوق الصورة: رسم توضيحي من إعداد The Examination/Evident Media
اموّلت “ريد بُل” سلسلة من الدراسات، شارك في تأليف العديد منها فيرستر في جامعة أوتريخت، وخلصت إلى أن خلط الكحول بمشروبات الطاقة لا يزيد من الاستهلاك أو الأضرار. وقد شكّك باحثون آخرون في صحّة هذه الدراسات.

أُصيب باحثو بوسطن بالقلق لأن الاستبيان الذي قدّمه فريق فيرستر عرّف الكحول الممزوج بمشروبات الطاقة على أنه يشمل فقط المشروبات الكحولية التي تُستهلك خلال ساعتين من تناول مشروب طاقة، وخلص فريق هاولاند إلى أن ذلك قد يؤدّي إلى التقليل من تقدير حالات الإفراط في الشرب والأضرار المرتبطة بمشروبات الطاقة. في المقابل، لم يكن هناك أيّ تقييد على أنواع المشروبات التي تُحتسب عندما يستهلك المشاركون الكحول وحده.

وحثّ هاولاند وزملاؤه فيرستر على تغيير منهجيته، لكنّه رفض، وقال هاولاند إن الرسالة كانت واضحة: “إذا أردت التمويل، فعليك أن تفعل ذلك تماماً بالطريقة التي نطلبها”.

وفي نهاية المطاف، قرّر فريق هاولاند الانسحاب من الدراسة.

وكتب هاولاند إلى فيرستر في حزيران/ يونيو 2012: “قرّرنا أننا لا نستطيع استخدام مواقعنا الجامعية وسمعتنا المهنية، للتجنيد لدراسة نعتقد أنها لا تستطيع اختبار فرضيات مهمّة بطريقة غير متحيّزة”.

حقوق الصورة: صورة مقدّمة إلى The Examination
كان جوناثان هاولاند (يسار) وفيرستر (الثالث من اليمين) عضوين في مجموعة من الأكاديميين الذين يدرسون آثار الثمالة. وتُظهر الصورة هنا أعضاء تلك المجموعة وضيوفهم، ومن بينهم زوجة هاولاند إليزابيث (يمين)، وهم يتناولون جراد البحر في نوفا سكوشا خلال اجتماع عُقد في عام 2012.

ويبدو أن ذلك لم يؤثّر على دعم “ريد بُل” لأبحاث فيرستر. ففي وقت لاحق من ذلك العام، نشر هو وأربعة من زملائه دراسة على طلاب هولنديين بتمويل من الشركة، استخدمت المنهجية محلّ الخلاف وخلصت إلى نتيجة مفاجئة: كان المشاركون في وضع أفضل عندما خلطوا الكحول بمشروبات الطاقة مقارنةً بشرب الكحول وحده. ووفقاً للدراسة، فإنهم عند الجمع بين الاثنين شربوا كميّات أقلّ من الكحول وكانوا أقلّ عرضة لعواقب ضارّة.

وقال خمسة باحثين في مجال الكحول استشارتهم “ذا إكزامينيشن” إنهم يتّفقون مع فريق بوسطن في أن منهجية فريق فيرستر كانت معيبة، إذ إن العمر النصفي للكافيين يبلغ خمس إلى ستّ ساعات، ما يعني أن نصف الكافيين يظلّ في الجسم ويواصل تأثيره بعد مرور هذه المدّة، وهو زمن أطول بكثير من الإطار الزمني الذي اعتمده فيرستر.

وخلال الفترة من 2016 إلى 2021، نشر فيرستر وعلماء آخرون مموّلون من “ريد بُل” في المملكة المتّحدة وأستراليا، ما لا يقلّ عن خمس دراسات إضافية استخدمت التعريف نفسه لخلط الكحول بمشروبات الطاقة، وجميعها خلصت إلى أن هذا الخلط لا يؤدّي إلى زيادة الاستهلاك أو الأضرار.

ووصفت لورا شميدت، أستاذة في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو درست أبحاثاً مموّلة من صناعة الأغذية والمشروبات، تلك الدراسات بأنها “تسويق مُقنّع في هيئة علم”.

وقال ويليام كير، المدير العلمي للمركز الوطني لأبحاث الكحول المموّل اتّحادياً: “تبدو بعض جوانب هذه الدراسات منحازة لإنتاج نتائج غير بديهية تدعم وجهات نظر الصناعة”.

وفي رسالة إلكترونية إلى “ذا إكزامينيشن”، أقرّ فيرستر بأن باحثي بوسطن أثاروا تساؤلات حول منهجية الدراسة، لكنّه قال إنه لم يغيّرها لأنه أراد أن تكون الدراسة قابلة للمقارنة مع أبحاثه السابقة.

وفي ما يتعلّق بتعريفه لخلط الكحول بمشروبات الطاقة، كتب أن حدّ الساعتين كان يهدف إلى استبعاد مشروبات الطاقة التي تُستهلك في وقت أبكر بكثير من اليوم، وليس إلى تقييد عدد المشروبات الكحولية المحتسبة.

وكانت جامعة أوتريخت قد حقّقت في احتمال وجود تضارب مصالح في شراكة فيرستر مع “ريد بُل” قبل أكثر من عقد، وخلصت الجامعة إلى أن فيرستر لم يكن شفّافاً بما فيه الكفاية، لأنه كان يتلقّى أموالاً عبر شركته الخاصّة مقابل دراسات أشار فيها إلى انتمائه الجامعي. ومع ذلك، اعتبرت الجامعة أن ذلك لا يشكّل خرقاً للنزاهة.

وبعد استفسارات حديثة من وسيلة الإعلام الهولندية Investico حول دراسات فيرستر، قالت الجامعة إنه خالف سياساتها المتعلّقة بالأبحاث المموّلة من جهات خارجية، وأضافت أنها لم تكن على علم بحجم هذا العمل، وأن استمرار فيرستر في تلقّي مدفوعات بشكل خاصّ مع الإشارة إلى انتمائه الجامعي يمثّل إشكالية.

وقالت الجامعة إن هذه الاستفسارات “أثارت تساؤلات داخلية”، وإنها بصدد تشكيل لجنة للتحقيق في “الثقافة العلمية وسياسات جودة البحث العلمي” داخل مجموعة فيرستر البحثية.

نفى فيرستر، وهو الأكثر إنتاجاً بين الباحثين المدعومين من “ريد بُل”، أنه خالف الإرشادات الأخلاقية، وقال إنه متمسّك بأبحاثه، وعزا الانتقادات الموجّهة لعمله إلى خلافات علمية.

أما شون جونسون، الذي مُوّل برنامج الدكتوراه الخاصّ به من قِبل “ريد بُل”، ونشر عدّة دراسات مع فيرستر، فقد أعرب عن تحفّظات بشأن كيفية إجراء الأبحاث المموّلة من الشركة، وفقاً لما توصّلت إليه وسيلة الإعلام البريطانية Bristol Cable.

واستعاد جونسون تجربته البحثية المبكرة في تعليق قدّمه في عام 2023 ضمن أطروحته للدكتوراه، وكتب أن البحث حول خلط الكحول بمشروبات الطاقة بدا وكأنه أصبح مسيّساً، وأن المرور أحياناً بعملية مراجعة الأقران “كان أشبه بالمكوث في خنادق القتال”، لكنّه أشار إلى أن نظرته لتلك الفترة تغيّرت لاحقاً.

وكتب جونسون: “ربما طوّرتُ تحيّزاً غير واعٍ تجاه موقف مجموعتي الأكاديمية والجهات المموّلة من الصناعة”، وأضاف بين قوسين بعد كلمة “الجهات المموّلة”: “Red Bull GmbH”.

ولم يردّ جونسون على طلبات متكرّرة للتعليق.

“العلم هو العلم، بغضّ النظر عمّن يموّله”

حقوق الصورة: رسم توضيحي من إعداد The Examination/Evident Media
استندت الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية إلى أبحاث أجراها علماء لديهم روابط مالية مع “ريد بُل” في قرارها بأن خلط الكحول بمشروبات الطاقة لا يشكّل مصدر قلق صحّي كبير. وقد استندت وزارة الصحّة الكندية لاحقاً إلى تقرير الهيئة في قرارها إلغاء شرط وضع تحذير على علب مشروبات الطاقة: ينصح بعدم استهلاكها مع الكحول.

عدد الدراسات المرتبطة مالياً بـ”ريد بُل” حول مخاطر الكحول ومشروبات الطاقة محدود نسبياً، إلا أن هذا الجسم البحثي كان مؤثّراً رغم ذلك. فقد أظهرت “ذا إكزامينيشن” أن تقارير تتعلّق بسياسات مشروبات الطاقة صادرة عن جهات حكومية أو استشارية في المملكة المتّحدة، وكندا، وأستراليا، وإسبانيا، وإيرلندا قد استشهدت بهذه الدراسات.

وكان أبرزها تقرير صادر عن الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية، وبصفتها المستشار العلمي للاتّحاد الأوروبي في قضايا الغذاء، فإن آراءها لا تؤثّر فقط على السياسات في أوروبا، بل تحمل وزناً دولياً أيضاً.

في عام 2015، أصدرت الهيئة تقريراً شاملاً أيّد بشكل عامّ سلامة الكافيين ومشروبات الطاقة، وقد استشهدت ثلاثة أقسام تناولت الجمع بين مشروبات الطاقة والكحول بدراسات فيرستر.

وكانت المناقشة الأكثر تفصيلاً مستمدّة من دراسة العام 2014 أعدّها فيرستر وثلاثة من زملائه الذين سبق أن تلقّوا تمويلاً من “ريد بُل”، وقد راجعوا دراسات مخبرية لتحديد ما إذا كان خلط الكحول بالكافيين يجعل الأشخاص يسكرون دون أن يدركوا ذلك، وهي ظاهرة تُعرف باسم “الإخفاء” (masking)، وخلصوا إلى أن هذه الظاهرة لا تمثّل خطراً.

ورغم أن “الإخفاء” كان موضوعاً بحثياً في ذلك الوقت، قال عدد من باحثي الكحول لـ”ذا إكزامينيشن” إنه ليس القضيّة الأكثر خطورة عندما يتعلّق الأمر بمشروبات الطاقة والكحول. فالأكثر أهمّية، بحسب قولهم، هو أن مشروبات الطاقة قد تحفّز الأشخاص على شرب المزيد من الكحول، وأن الجمع بين الاثنين يخلق حالة من الإثارة وانخفاض الضبط الذاتي — “ثمل متيقّظ”.

وقد كرّر تقرير الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية استنتاج فيرستر وزملائه بأن “الإخفاء” — وبشكل أعم، خلط الكحول بمشروبات الطاقة — لا يشكّل مصدر قلق كبير، ولم يُشر التقرير إلى أن الدراسات أفصحت عن وجود روابط مالية بين الباحثين و”ريد بُل”.

ودافعت سيلفيا فالتوينيا مارتينيز، وهي عالمة في الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية ساهمت في تقرير 2015، عن نتائجه، وقالت إن المؤلّفين أخذوا في الاعتبار طيفاً واسعاً من الأبحاث، وإن الدراسات المدعومة من الصناعة، مثل تلك التي تموّلها “ريد بُل”، لا ينبغي استبعادها.

وقالت: “العلم هو العلم، بغضّ النظر عمّن يموّله”.

ورغم أن الهيئة أعلنت مؤخّراً أنها ستُعيد النظر في نتائجها بشأن الكافيين ومشروبات الطاقة، أفادت Malta Today بأنها لا تخطّط لمعالجة مخاطر خلط مشروبات الطاقة بالكحول.

وعلى مدى أكثر من عقد، ظلّ تقرير الهيئة مرجعاً أساسياً بشأن مشروبات الطاقة في أوروبا وخارجها؛ إذ استشهدت به جهات حكومية واستشارية في المملكة المتّحدة وكندا وألمانيا ودول أخرى.

وكذلك فعلت صناعة المشروبات، إذ استخدمت ذلك للتصدّي للأنظمة التنظيمية الخاصّة بمشروبات الطاقة. وكان من بين هذه الجهود ما جرى في كندا، بعد عدّة سنوات من وفاة ميتشل.

فالتحذير من الكحول الذي كان موجوداً على علب مشروبات الطاقة وقت وفاته جاء نتيجة إجراء مؤقّت. وفي عام 2021، اقترحت وزارة الصحّة الكندية، وهي وكالة الصحّة العامّة في البلاد، جعل هذا التحذير دائماً، مشيرة إلى أن خلط الكحول بمشروبات الطاقة “تمّ تحديده كمصدر قلق للصحّة العامّة”.

لكنّ صناعة المشروبات قالت إنه لا يوجد أساس علمي لملصق التحذير — وكان لديها أبحاث تدعم موقفها.

وقد أرسلت جمعيّة المشروبات الكندية رسالة إلى وزارة الصحّة استشهدت فيها بثلاث دراسات، جميعها حوت أسماء مؤلّفين تلقّوا تمويلاً من “ريد بُل”. كما انضمّ الاتحاد الأوروبي إلى هذا الموقف، محذّراً من فرض متطلّبات وضع الملصقات، ومشيراً إلى تقرير الهيئة الأوروبية لسلامة الأغذية.

وبعد عام، تراجعت وزارة الصحّة الكندية عن موقفها، فلم تكتفِ بالتخلّي عن مقترح جعل التحذير دائماً، بل ألغته بالكامل.

وفي بيان مكتوب، قالت وزارة الصحّة الكندية لـ”ذا إكزامينيشن” و”تورونتو ستار” إنها “اعتمدت بشكل كبير” على تقرير الهيئة الأوروبية للعام 2015، إضافة إلى تقييماتها الخاصّة للمخاطر، في اتّخاذ القرار، وأضافت أنها أخذت في الاعتبار “نطاقاً واسعاً من المعلومات”، بما في ذلك الدراسات المنشورة ومداخلات الأطراف المعنيّة.

ووصفت هيذر ميتشل قرار وزارة الصحّة الكندية بأنه “إخلال واضح بالواجب”.

وبعد ما يقرب من عقد على فقدانها ابنها، أصبحت علب مشروبات الطاقة في كندا توفّر معلومات أقلّ عن مخاطر الكحول مقارنةً بما كانت عليه ليلة وفاته.


ساهمت أيسفاريا تشاندراسيكار، الصحافية المتخصصة في الصحافة الحاسوبية في مركز “تاو” للصحافة الرقمية بجامعة كولومبيا، في تحليل البيانات. كما ساهم في إعداد التقرير ليوبولد سالزنشتاين، صحافي البيانات في “ذا إكزامينيشن”، وراشيل أوسلاندر، صحافية مستقلّة.