ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الترامبية ومشروع التحوّل الفاشي في الولايات المتّحدة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

هل الولايات المتّحدة في طور التحوّل الفعلي إلى دولة فاشية؟ وإلى أي مدى نجحت الترامبية حتى الآن، في ترسيخ أسس الفاشية الجديدة داخل النظام السياسي الأميركي؟

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لم يعد تجاوز الرئيس الأميركي دونالد ترامب حدود اللياقة العامّة، أو استخدامه اللغة التحريضية الحادّة واستهدافه الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة في خطابه السياسي، أمراً يستدعي الدهشة في السياق السياسي الأميركي الراهن، الذي يتصاعد فيه العنف بشكل صادم بالنسبة إلى الأميركيين وغير الأميركيين على حدّ سواء. 

لكنّ ما يتجاوز مجرّد التحريض، ليتبلور في إطار أيديولوجي مُحكَم، وسلوك روتيني منتظم ومنهجي، هو ما يدفع إلى طرح أسئلة جوهرية: هل الولايات المتّحدة في طور التحوّل الفعلي إلى دولة فاشية؟ وإلى أي مدى نجحت الترامبية حتى الآن، في ترسيخ أسس الفاشية الجديدة داخل النظام السياسي الأميركي؟ وما مدى قدرة المؤسّسات الدستورية والمجتمع الأميركي على وقف هذا التقدّم؟

الفاشية الأميركية: بين النظرية والواقع

لطالما استُخدِم مصطلح الفاشية بعشوائية، خاصّة من قِبل اليساريين، على سبيل تحقير الخصوم السياسيين، إلا أن الفاشية تتعلّق بخصائص محدّدة بدقّة لاتّجاه أيديولوجي يميني متطرّف، معادٍ لليسار الشيوعي من جهة، وللديمقراطية الليبرالية من جهة أخرى، سواء في حالة الحركات الفاشية الكلاسيكية التي برزت في القرن الماضي بعد الحرب العالمية الأولى في ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا واليابان، وجميعها يتمتّع بخصائص مشتركة أساسية رغم الاختلافات الجوهرية من حيث شكل الحكم ـ فالفاشية في ألمانيا كانت الأشد عنصرية وترتكز على تفوّق العرق الآري، وفي إسبانيا على الثيوقراطية الكاثوليكية والقيم المحافظة، وفي اليابان على الثيوقراطية الشنتوية وتقديس الإمبراطور، وفي إيطاليا على القومية السلطوية وتمجيد الدولة – أو الحركات الفاشية الجديدة التي تزدهر بشكل ملحوظ في ظلّ هيمنة ترامب على المشهد السياسي، بدءاً من فترة ولايته الأولى (2017-2021)، إلى ولايته الثانية الحالية والأكثر تشدّداً منذ بداية العام 2025. 

وتتميّز هذه الحركات أيضاً بخصائص مشتركة تتناسب والتغيّرات السياسية الكبرى التي شهدها العالم منذ الحرب الباردة، لعلّ أبرزها العداء للمهاجرين والعمّال الأجانب، واعتبار الميليشيات وعسكرة المجتمع واستخدام العنف غايةً قائمة بذاتها، بالإضافة إلى تقاطعات سياسية لكن غير أيديولوجية عديدة، تتشاركها مع عدد من التيّارات اليسارية غير الماركسية، كمعاداة العولمة، والدفاع عن السياسة الهويّاتية، والقومية الشعبوية، وتمجيد القادة الكاريزميين.

وعلى الرغم من أن المؤسّسات والدستور الأميركيين ليبراليين بالمعنى التقليدي للكلمة، يدفع ترامب الولايات المتّحدة، على مستوى القواعد الاجتماعية للحزب الجمهوري أوّلاً، والأجهزة الأمنية ثانياً، وفي السياسة الخارجية ثالثاً، نحو الفاشية بثبات، في تحدٍّ واضح لأسس الدولة والدستور. 

يتجلّى ذلك من خلال عدّة مؤشّرات، منها محاولاته المستمرّة لتهميش وسائل الإعلام ومنعها من أداء دورها، واستخدام خطاب التحريض الذي يدّعي تفوّق العرق الأبيض مقابل تحقير السود واتّهامهم مراراً بالقدوم من أماكن “قذرة”، والترويج لثقافة الولاء الشخصي للحاكم المطلق داخل أجهزة الدولة، إلى جانب التقويض الممنهج لثقة المجتمع الأميركي في النظامين الانتخابي والقضائي. 

بالإضافة إلى كلّ ذلك، تُظهِر سياسة ترامب الخارجية انجذاباً نحو القادة السلطويين حول العالم، وتبنّي منطق العنف والقوّة المفرطة في التعامل مع جميع القضايا الداخلية والخارجية، وتغليب “أخلاقياته الخاصّة” على القانون الدولي في ما يتعلّق بالقرارات الخارجية للولايات المتّحدة.

لعلّ أكثر ما يجعل خطر التحوّل الفاشي حاضراً، هو محاولات تنظيم الاقتصاد الأميركي خدمةً للسيطرة المطلقة لـ “القائد الأعلى”، وتلبيةً لجميع “أوامره”، بدءاً من خفض أسعار الفائدة، وذلك بهدف تفكيك المؤسّسات  المستقلّة أوّلاً، قبل الانقضاض على المؤسّسات الدستورية، وعلى وجه الخصوص الاحتياطي الفيدرالي، وهو بنك مركزي لا تخضع قراراته في السياسة النقدية لتوجيهات الرئاسة أو أيّ من الجهات التنفيذية والتشريعية، ولا يتلقّى أيّ تمويل من الكونغرس. 

فبعد أن رفض الاحتياطي الفيدرالي تلبية مطلب ترامب المتعلّق بخفض أسعار الفائدة بشكل “فوري وكبير”، وأعلن بعيد اجتماعه يوم الخميس في 29 كانون الثاني/يناير 2026 تثبيت أسعار الفائدة بين 3.5% و3.75%، ردّ ترامب في اليوم التالي أن إدارته ستعلن عن مدير جديد له، معرباً عن ثقته بأنه “سيبلي بلاءً حسناً ويخفض معدّلات الفائدة”، وبعد يومين قام بترشيح كيفن وارش، المتقارب أيديولوجياً معه والمقرّب منه اجتماعياً، لرئاسة مجلس الاحتياطي خلفاً لجيروم باول الذي ستنتهي فترة ولايته على أيّ حال في أيّار/ مايو المقبل. 

هذا السلوك الممنهج في مهاجمة الاحتياطي الفيدرالي، يُعيد إلى الأذهان قرار ترامب بإقالة محافظة الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك بتهمة “الاحتيال العقاري” في آب/ أغسطس 2025، ويدلّ على أن قرار الإقالة الذي لا يزال يتفاعل ولم يُنفّذ بعد لرفض كوك الاستقالة، إلى جانب تحفّظ المحكمة الأميركية العليا، ليس سوى جزء لا يتجزّأ من مشروع أوسع بكثير يستهدف التقويض التدريجي للمؤسّسات.

تشكّل هذه التطوّرات، بدءاً من التطبيع مع لغة التحريض العنيفة ضدّ الفئات الاجتماعية الهشّة والتيّارات اليسارية والليبرالية، واستخدام مصطلحات مستوحاة من “الرايخ الثالث” تهدف إلى تجريد خصوم اليمين المتطرّف من إنسانيتهم، وبشكل متكرّر، مثل وصف المعارضين بـ “الطفيليات”، والمهاجرين بـ “القمامة”، مروراً بالانتهاكات الدستورية المتكرّرة في السياسة الداخلية والخارجية على حدّ سواء، وصولاً إلى شنّ حروب دون تفويض من الكونغرس، كما في الحالة الفنزويلية، وتصعيد العداء تجاه العديد من الدول بشكل متزامن، وإثارة التوتّرات مع حلفاء تقليديين مثل الاتّحاد الأوروبي، مساراً تحويلياً خطيراً نحو سياسة فاشية واضحة المعالم. 

ورغم أنه لا يمكن الحكم على هذا المسار بعد بأنه تحوّل نهائي لا فكاك منه نحو الفاشية، كما أنه لا يمكن وصم الولايات المتّحدة كدولة، بالفاشية أيضاً، وذلك لأن الصراع بين هذا التوجّه الذي يمثّله ترامب وبين المؤسّسات الدستورية، بالإضافة إلى قوى مجتمعية واسعة رافضة للتحوّل الفاشي، لا يزال قائماً، تسير جميع المؤشّرات في هذا الاتّجاه، دون بروز أيّ مسار سياسي بديل يتّسم بالصلابة والقدرة على منع هذا التحوّل في الأفق المنظور.

إدارة الهجرة والجمارك: أداة من أدوات مشروع التحوّل الفاشي

وسط هذا التغيّر الدراماتيكي في المشهد السياسي الأميركي تحت حكم ترامب، تحوّلت إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE) إلى أداة فعّالة في مشروع التحوّل الفاشي، حيث رُفعت ميزانيتها إلى 29 مليار دولار سنوياً، وهو رقم يفوق الناتج المحلّي الإجمالي للعديد من الدول. 

احتجزت ICE حتى منتصف كانون الثاني/ يناير 2026، نحو 75,000 شخص، وقد ازداد عدد المحتجزين بشكل ملحوظ من قرابة 40,000 في بداية العام 2025، بنسبة 87.5%، في حين تسعى إدارة ترامب إلى توسيع نطاق مراكز الاحتجاز التابعة للإدارة، حيث وافق الكونغرس على تخصيص ما يقارب 45 مليار دولار على مدى أربع سنوات لتحقيق هذا الهدف، عبر مشروع قانونOne Big Beautiful Bill Act أو OBBBA الذي وقّعه ترامب، ليصبح نافذاً في الرابع من تمّوز/ يوليو 2025. 

ويهدف هذا التمويل إلى زيادة قدرة مراكز الاحتجاز لتتجاوز 100,000 سرير يومياً، دعماً لهدف ترحيل أكثر من مليون مهاجر سنوياً، كما ستحصل شركات السجون الخاصّة على جزء كبير من هذا التمويل، في حين يتركّز أكبر عدد من المحتجزين في مراكز ICE في ولاية تكساس، تليها لويزيانا وكاليفورنيا.

وعلى عكس ادّعاءات ICE باستهدافها “أخطر المجرمين”، إلا أن عدداً متزايداً من المحتجزين والمستهدفين، يتجاوز النصف، ليس لديهم سجلّ جنائي. وتزداد هذه التناقضات وضوحاً عند النظر إلى الأساليب العدوانية التي يعتمدها العملاء الفيدراليون التابعون لـ ICE، حيث أصبح يُنظر إليها من قِبل كثير من الأميركيين كقوّة تُدار بمنطق ميليشياوي بدلاً من كونها جهة رسمية هدفها إنفاذ القانون، خاصةً وأن جزءاً من عناصر ICE يتحرّكون بملابس مدنية وأقنعة وسيارات خاصّة، بهدف الترهيب وزرع الخوف بين السكّان، لا سيّما في المدن والأحياء ذات الغالبية المؤيّدة للحزب الديمقراطي، كما يعتبر أولئك العملاء أنفسهم مخوّلين باستخدام القوّة المفرطة من دون التعرّض لتهديد يتطلّب استخدام أيّ شكل من أشكال القوّة، خاصةً في حالات الاعتقال التعسّفي التي تطال المهاجرين والمواطنين الأميركيين على حدّ سواء.

تشير البيانات الرسمية إلى مقتل 273 شخصاً على الأقلّ في مراكز احتجاز ICE بين الأعوام 2004 و2025، بالإضافة إلى 6 آخرين في الأسبوعين الأوّلين من العام 2026. وسجّل العامان 2004 و2025 أعلى حصيلة (32 قتيلاً لكلّ منهما)، يليهما العامان 2005 و2020 (20 قتيلاً لكلّ منهما). هذه الأرقام التي تُظهر استمرار موت المحتجزين في مراكز ICE لأكثر من عقدين، لا تشمل تزايد عدد القتلى (والجرحى) في الشوارع بسبب العنف الممنهج والمتصاعد واستخدام العنف غير المبرّر أثناء عمليّات الاعتقال. 

وبحسب منظّمات حقوقية وإنسانية مستقلّة، فإن عدد الوفيات يمكن أن يكون أكبر بكثير، حيث لا يُدرَج العديد من الوفيات خارج المراكز أو تلك الناجمة عن الانتحار أو الإهمال الطبّي في المراكز في الإحصاءات الرسمية، وغالباً ما تُطلِق ICE سراح المحتجزين المصابين بأمراض خطيرة، لتجنّب تسجيل وفياتهم داخل مراكزها بعد تدهور حالتهم الصحّية بسبب الاحتجاز، ومن المتوقّع تزايد عدد الوفيات في مراكز الاحتجاز التابعة لـ ICE في العام الحالي مع تصاعد حملات التفتيش والاقتحام والاعتقال.

تأجيج العنف ردّاً على الأزمة الاقتصادية

يوسّع ترامب استعانته بمعجم الفاشية، بخاصّة في ما يتعلّق باستغلال الأزمات الاقتصادية التي يعاني منها المجتمع الأميركي، بما هي أزمات رأسمالية بنيوية ومتداخلة إلى حدّ بعيد، أدّت تداعيات جائحة كوفيد-19 إلى تعميقها وتضخيم الفجوة الطبقية التي بدأت بالنمو باطّراد بعد الأزمة المالية الكبرى في عام 2008. 

ومن المعلوم أن الفاشية تجد المناخ الملائم للنهوض في بيئات أزموية مماثلة، وفي ظلّ انهيار ثقة الطبقات الاجتماعية، وبالأخصّ الطبقة الوسطى وأصحاب المؤسّسات الصغيرة، بالنظام العامّ والنخب الحاكمة. إذ توظّف استياء تلك الطبقة معيدةً توجيهه نحو الطبقات الأفقر والفئات الأضعف، داعيةً إلى ممارسة العنف المنظّم بحقّها، استباقاً لأيّ اضطرابات طبقية واجتماعية يمكن أن تنتج عن تعفّن المؤسّسات وتحلّل الاقتصاد، أو عن توجّهات تغييرية يسارية يمكن أن تولد كما حدث إبّان ظهور حركة “احتلّوا وول ستريت” في عام 2011.

على قاعدة رفض هذه الأزمات، ظهر خطاب ترامب الشعبوي الناقد للعولمة من جهة، بما في ذلك حلف الناتو والاتّحاد الأوروبي بما يمثّلان من تكتّلات سياسية واقتصادية وعسكرية عابرة للحدود، وخطاب آخر يهاجم النخب السياسية الأميركية المتحالفة مع الشركات الكبرى، واعداً باسترجاع ملايين الوظائف عبر إعادة توطين الصناعات، مستهدفاً بخطابه “العمّال البيض” والطبقة الوسطى بشكل أساسي، واستعادة الهيمنة الأميركية الأحادية عبر العالم باستخدام سلاح الرسوم الجمركية. 

إلا أن إقامة التوازن بين إعادة المصانع إلى الولايات المتّحدة، وفرض الرسوم الجمركية بشكل عشوائي وغير مدروس، إلى جانب سياسات الهجرة العنصرية التي تطرد اليد العاملة المهاجرة الماهرة دون تمييز، وخفض الإنفاق على برامج الرعاية الطبّية والرعاية الاجتماعية مقابل زيادة الإنفاق العسكري، كلّ هذه التناقضات مجتمعة تجعل من وعود ترامب الشعبوية مجرّد خديعة.

ردّاً على هذه الأزمات التي لا حلول حقيقية لها في المدى المنظور، يُلهِب ترامب خطاب العنف، ويشجّع أنصاره على استخدامه في مواجهة خصومه السياسيين، ويبرّر الممارسات العنيفة والتعسّفية التي تقوم بها بعض الأجهزة الأمنية الفيدرالية، وخصوصاً إدارة الهجرة والجمارك. 

العنف الذي يدعو إليه ترامب ليس أيّ شكل من أشكال العنف، بل أداة موجّهة لتوحيد قواعد اليمين المتطرّف وترهيب الخصوم من الليبراليين واليساريين، وإشاعة الذعر الحقيقي بين صفوف المهاجرين والعمّال الأجانب، محوّلاً الصراعات من سياقها الاقتصادي والاجتماعي إلى صراعات هويّاتية تركّز على “الهويّة البيضاء” والتهديدات الخارجية من المهاجرين، فيترتّب على ذلك المزيد من تآكل الثقة بالمؤسّسات وغياب الشعور بالأمان وزيادة الفرز السياسي والأيديولوجي الحادّ.

تستخدم الفاشية العنف الجماهيري والإرهاب المنظّم لسحق قوى المعارضة من جذورها، وفي حالة ترامب، نشهد أمام أعيننا انتقالاً من خطاب التحريض غير المباشر على العنف، الذي تمخّض عنه اقتحام مبنى الكابيتول في 6 كانون الثاني/ يناير 2021، إلى تنفيذ العنف المنظّم والمباشر على نطاق المدن ذات الغالبية الديمقراطية، وليس مصادفة أن تبدأ هذه الحملة، التي ستنتهي بوصف جميع المعارضين كـ “أعداء للشعب”، باستهداف حركة “أنتيفا” وتصنيفها كمنظّمة “إرهابية”. 

لم يبلغ حكم ترامب مستوى تفكيك المؤسّسات الدستورية بعد، إلا أنه نجح، حتى الآن، في بناء ميليشيات نظامية وشبه عسكرية تخدم مشروع صعود الفاشية الأميركية.

دولة هجينة: لا فاشية ولا ليبرالية

تمثّل الولايات المتّحدة اليوم حالةً “هجينة” وفريدة من نوعها. فمن ناحية، لا تزال المؤسّسات والدستور، بالإضافة إلى الإعلام المعارض، والتركيب الفيدرالي للحكم الذي يضمن صلاحيات واسعة النطاق لحكّام الولايات، والحركات الشعبية المتصاعدة التي تتجذّر أكثر باتّجاه اليسار، عوامل تشكّل عقبات كبيرة أمام مشروع ترامب للتحوّل الفاشي. 

بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن قانون السلاح الأميركي الذي يسهّل بيع الأسلحة وحملها، والذي يسترضي به ترامب شريحة واسعة من قاعدة اليمين الأميركي المتطرّف، يشكّل بحدّ ذاته سلاحاً ذا حدّين، إذ يتيح لجميع الفئات الاجتماعية المستهدَفة، ومن ضمنها المجموعات اليسارية الراديكالية التي يحرّض عليها ترامب بشكل مباشر ويتّهمها بالإرهاب ويدعو إلى الاقتصاص منها، التوجّه نحو التسلّح دفاعاً عن النفس، انطلاقاً من الشعور بالخطر الذي يمثّله اليمين المتطرّف المسلّح وغياب الأمن بشكل عامّ، وهو ما يضاعف بدوره خطر اندلاع حرب أهلية، يبدو أن ترامب يسعى لخلق بيئة مناسبة لها.

ومن ناحية أخرى، يقود ترامب هجمة غير مسبوقة على ركائز الديمقراطية الليبرالية، في ظلّ اهتراء واضح المعالم للمؤسّسات، ليس بهدف تحويل الولايات المتّحدة إلى دولة شمولية بشكل مباشر، وهو أمر بالغ الصعوبة في السياق الأميركي للأسباب المذكورة آنفاً، بل لوضع أسس هذا التحوّل على المديين المتوسّط والبعيد، بعد تثبيت سلطة الجناح الترامبي في الحزب الجمهوري بالتزامن مع إضعاف ما تبقّى من مظاهر الدولة العميقة، خصوصاً على مستوى الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والقضائية، بالإضافة إلى تحويل الاقتصاد إلى اقتصاد حربي مع الزيادات الهائلة في ميزانية الدفاع، حيث يتطلّع ترامب إلى زيادة هذه الميزانية إلى 1.5 تريليون دولار في العام المقبل، أي بنسبة مرعبة تصل إلى 66%، بعد أن أقرّ الكونغرس ميزانية العام الحالي بقيمة 901 مليار دولار.

لا تجتمع جميع العناصر الكلاسيكية للفاشية في حالة حكم ترامب، لكن ما يحدث في السياق الراهن يتطلّب إعادة قراءة شاملة وعميقة للمشهد الأميركي، فالممارسات الممنهجة لتقويض المؤسّسات، وهدم القيم والأعراف الليبرالية، ورفض جميع مبادئ المساواة، وتمجيد العنف و”القائد القوي” مقابل التطبيع مع “ضرورة” استهداف الشرائح الاجتماعية الأضعف، وسياسة العقاب الجماعي كما يحدث منذ فترة في ولاية مينيسوتا، وتجاوز الصلاحيات الدستورية بشكل دوري، وإساءة استخدام السلطة، واحتقار القانون الدولي علناً، وعسكرة السياسة الخارجية الأميركية بما يفوق المستوى الذي كانت عليه في زمن الحرب الباردة، كلّ هذه المؤشرات تدلّ على أن وصف الفاشية لم يعد مجازياً، غير أنه ينطبق على ترامب والتيّار الذي يقوده، والذي يسعى إلى فرض النموذج الفاشي بشكل تدريجي، ولا ينطبق بعد على الولايات المتّحدة كدولة أو مجتمع.

بلدية القامشلي لوحة
شفان ابراهيم - صحافي سوري كردي | 10.07.2026

هدم مبنى بلدية القامشلي: الجرافات أسرع من “بيانات الإدانة”!

لم تتوقف "حرب البيانات" عند الأطراف الرسميّة، بل امتدت إلى ساحة المجتمع المدني، إذ أصدرت 21 منظمة مدنية محلية بياناً شجبت فيه عملية الهدم وطالبت بوقف أي إجراءات تؤدي إلى إزالة أو تغيير الطابع التاريخي لمبنى بلدية القامشلي القديم، معتبرةً أنه أحد أبرز المعالم المرتبطة بتاريخ المدينة وهويتها العمرانية. وأكدت أن الحفاظ على اللوحة التاريخية…
02.02.2026
زمن القراءة: 10 minutes

هل الولايات المتّحدة في طور التحوّل الفعلي إلى دولة فاشية؟ وإلى أي مدى نجحت الترامبية حتى الآن، في ترسيخ أسس الفاشية الجديدة داخل النظام السياسي الأميركي؟

لم يعد تجاوز الرئيس الأميركي دونالد ترامب حدود اللياقة العامّة، أو استخدامه اللغة التحريضية الحادّة واستهدافه الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة في خطابه السياسي، أمراً يستدعي الدهشة في السياق السياسي الأميركي الراهن، الذي يتصاعد فيه العنف بشكل صادم بالنسبة إلى الأميركيين وغير الأميركيين على حدّ سواء. 

لكنّ ما يتجاوز مجرّد التحريض، ليتبلور في إطار أيديولوجي مُحكَم، وسلوك روتيني منتظم ومنهجي، هو ما يدفع إلى طرح أسئلة جوهرية: هل الولايات المتّحدة في طور التحوّل الفعلي إلى دولة فاشية؟ وإلى أي مدى نجحت الترامبية حتى الآن، في ترسيخ أسس الفاشية الجديدة داخل النظام السياسي الأميركي؟ وما مدى قدرة المؤسّسات الدستورية والمجتمع الأميركي على وقف هذا التقدّم؟

الفاشية الأميركية: بين النظرية والواقع

لطالما استُخدِم مصطلح الفاشية بعشوائية، خاصّة من قِبل اليساريين، على سبيل تحقير الخصوم السياسيين، إلا أن الفاشية تتعلّق بخصائص محدّدة بدقّة لاتّجاه أيديولوجي يميني متطرّف، معادٍ لليسار الشيوعي من جهة، وللديمقراطية الليبرالية من جهة أخرى، سواء في حالة الحركات الفاشية الكلاسيكية التي برزت في القرن الماضي بعد الحرب العالمية الأولى في ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا واليابان، وجميعها يتمتّع بخصائص مشتركة أساسية رغم الاختلافات الجوهرية من حيث شكل الحكم ـ فالفاشية في ألمانيا كانت الأشد عنصرية وترتكز على تفوّق العرق الآري، وفي إسبانيا على الثيوقراطية الكاثوليكية والقيم المحافظة، وفي اليابان على الثيوقراطية الشنتوية وتقديس الإمبراطور، وفي إيطاليا على القومية السلطوية وتمجيد الدولة – أو الحركات الفاشية الجديدة التي تزدهر بشكل ملحوظ في ظلّ هيمنة ترامب على المشهد السياسي، بدءاً من فترة ولايته الأولى (2017-2021)، إلى ولايته الثانية الحالية والأكثر تشدّداً منذ بداية العام 2025. 

وتتميّز هذه الحركات أيضاً بخصائص مشتركة تتناسب والتغيّرات السياسية الكبرى التي شهدها العالم منذ الحرب الباردة، لعلّ أبرزها العداء للمهاجرين والعمّال الأجانب، واعتبار الميليشيات وعسكرة المجتمع واستخدام العنف غايةً قائمة بذاتها، بالإضافة إلى تقاطعات سياسية لكن غير أيديولوجية عديدة، تتشاركها مع عدد من التيّارات اليسارية غير الماركسية، كمعاداة العولمة، والدفاع عن السياسة الهويّاتية، والقومية الشعبوية، وتمجيد القادة الكاريزميين.

وعلى الرغم من أن المؤسّسات والدستور الأميركيين ليبراليين بالمعنى التقليدي للكلمة، يدفع ترامب الولايات المتّحدة، على مستوى القواعد الاجتماعية للحزب الجمهوري أوّلاً، والأجهزة الأمنية ثانياً، وفي السياسة الخارجية ثالثاً، نحو الفاشية بثبات، في تحدٍّ واضح لأسس الدولة والدستور. 

يتجلّى ذلك من خلال عدّة مؤشّرات، منها محاولاته المستمرّة لتهميش وسائل الإعلام ومنعها من أداء دورها، واستخدام خطاب التحريض الذي يدّعي تفوّق العرق الأبيض مقابل تحقير السود واتّهامهم مراراً بالقدوم من أماكن “قذرة”، والترويج لثقافة الولاء الشخصي للحاكم المطلق داخل أجهزة الدولة، إلى جانب التقويض الممنهج لثقة المجتمع الأميركي في النظامين الانتخابي والقضائي. 

بالإضافة إلى كلّ ذلك، تُظهِر سياسة ترامب الخارجية انجذاباً نحو القادة السلطويين حول العالم، وتبنّي منطق العنف والقوّة المفرطة في التعامل مع جميع القضايا الداخلية والخارجية، وتغليب “أخلاقياته الخاصّة” على القانون الدولي في ما يتعلّق بالقرارات الخارجية للولايات المتّحدة.

لعلّ أكثر ما يجعل خطر التحوّل الفاشي حاضراً، هو محاولات تنظيم الاقتصاد الأميركي خدمةً للسيطرة المطلقة لـ “القائد الأعلى”، وتلبيةً لجميع “أوامره”، بدءاً من خفض أسعار الفائدة، وذلك بهدف تفكيك المؤسّسات  المستقلّة أوّلاً، قبل الانقضاض على المؤسّسات الدستورية، وعلى وجه الخصوص الاحتياطي الفيدرالي، وهو بنك مركزي لا تخضع قراراته في السياسة النقدية لتوجيهات الرئاسة أو أيّ من الجهات التنفيذية والتشريعية، ولا يتلقّى أيّ تمويل من الكونغرس. 

فبعد أن رفض الاحتياطي الفيدرالي تلبية مطلب ترامب المتعلّق بخفض أسعار الفائدة بشكل “فوري وكبير”، وأعلن بعيد اجتماعه يوم الخميس في 29 كانون الثاني/يناير 2026 تثبيت أسعار الفائدة بين 3.5% و3.75%، ردّ ترامب في اليوم التالي أن إدارته ستعلن عن مدير جديد له، معرباً عن ثقته بأنه “سيبلي بلاءً حسناً ويخفض معدّلات الفائدة”، وبعد يومين قام بترشيح كيفن وارش، المتقارب أيديولوجياً معه والمقرّب منه اجتماعياً، لرئاسة مجلس الاحتياطي خلفاً لجيروم باول الذي ستنتهي فترة ولايته على أيّ حال في أيّار/ مايو المقبل. 

هذا السلوك الممنهج في مهاجمة الاحتياطي الفيدرالي، يُعيد إلى الأذهان قرار ترامب بإقالة محافظة الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك بتهمة “الاحتيال العقاري” في آب/ أغسطس 2025، ويدلّ على أن قرار الإقالة الذي لا يزال يتفاعل ولم يُنفّذ بعد لرفض كوك الاستقالة، إلى جانب تحفّظ المحكمة الأميركية العليا، ليس سوى جزء لا يتجزّأ من مشروع أوسع بكثير يستهدف التقويض التدريجي للمؤسّسات.

تشكّل هذه التطوّرات، بدءاً من التطبيع مع لغة التحريض العنيفة ضدّ الفئات الاجتماعية الهشّة والتيّارات اليسارية والليبرالية، واستخدام مصطلحات مستوحاة من “الرايخ الثالث” تهدف إلى تجريد خصوم اليمين المتطرّف من إنسانيتهم، وبشكل متكرّر، مثل وصف المعارضين بـ “الطفيليات”، والمهاجرين بـ “القمامة”، مروراً بالانتهاكات الدستورية المتكرّرة في السياسة الداخلية والخارجية على حدّ سواء، وصولاً إلى شنّ حروب دون تفويض من الكونغرس، كما في الحالة الفنزويلية، وتصعيد العداء تجاه العديد من الدول بشكل متزامن، وإثارة التوتّرات مع حلفاء تقليديين مثل الاتّحاد الأوروبي، مساراً تحويلياً خطيراً نحو سياسة فاشية واضحة المعالم. 

ورغم أنه لا يمكن الحكم على هذا المسار بعد بأنه تحوّل نهائي لا فكاك منه نحو الفاشية، كما أنه لا يمكن وصم الولايات المتّحدة كدولة، بالفاشية أيضاً، وذلك لأن الصراع بين هذا التوجّه الذي يمثّله ترامب وبين المؤسّسات الدستورية، بالإضافة إلى قوى مجتمعية واسعة رافضة للتحوّل الفاشي، لا يزال قائماً، تسير جميع المؤشّرات في هذا الاتّجاه، دون بروز أيّ مسار سياسي بديل يتّسم بالصلابة والقدرة على منع هذا التحوّل في الأفق المنظور.

إدارة الهجرة والجمارك: أداة من أدوات مشروع التحوّل الفاشي

وسط هذا التغيّر الدراماتيكي في المشهد السياسي الأميركي تحت حكم ترامب، تحوّلت إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (ICE) إلى أداة فعّالة في مشروع التحوّل الفاشي، حيث رُفعت ميزانيتها إلى 29 مليار دولار سنوياً، وهو رقم يفوق الناتج المحلّي الإجمالي للعديد من الدول. 

احتجزت ICE حتى منتصف كانون الثاني/ يناير 2026، نحو 75,000 شخص، وقد ازداد عدد المحتجزين بشكل ملحوظ من قرابة 40,000 في بداية العام 2025، بنسبة 87.5%، في حين تسعى إدارة ترامب إلى توسيع نطاق مراكز الاحتجاز التابعة للإدارة، حيث وافق الكونغرس على تخصيص ما يقارب 45 مليار دولار على مدى أربع سنوات لتحقيق هذا الهدف، عبر مشروع قانونOne Big Beautiful Bill Act أو OBBBA الذي وقّعه ترامب، ليصبح نافذاً في الرابع من تمّوز/ يوليو 2025. 

ويهدف هذا التمويل إلى زيادة قدرة مراكز الاحتجاز لتتجاوز 100,000 سرير يومياً، دعماً لهدف ترحيل أكثر من مليون مهاجر سنوياً، كما ستحصل شركات السجون الخاصّة على جزء كبير من هذا التمويل، في حين يتركّز أكبر عدد من المحتجزين في مراكز ICE في ولاية تكساس، تليها لويزيانا وكاليفورنيا.

وعلى عكس ادّعاءات ICE باستهدافها “أخطر المجرمين”، إلا أن عدداً متزايداً من المحتجزين والمستهدفين، يتجاوز النصف، ليس لديهم سجلّ جنائي. وتزداد هذه التناقضات وضوحاً عند النظر إلى الأساليب العدوانية التي يعتمدها العملاء الفيدراليون التابعون لـ ICE، حيث أصبح يُنظر إليها من قِبل كثير من الأميركيين كقوّة تُدار بمنطق ميليشياوي بدلاً من كونها جهة رسمية هدفها إنفاذ القانون، خاصةً وأن جزءاً من عناصر ICE يتحرّكون بملابس مدنية وأقنعة وسيارات خاصّة، بهدف الترهيب وزرع الخوف بين السكّان، لا سيّما في المدن والأحياء ذات الغالبية المؤيّدة للحزب الديمقراطي، كما يعتبر أولئك العملاء أنفسهم مخوّلين باستخدام القوّة المفرطة من دون التعرّض لتهديد يتطلّب استخدام أيّ شكل من أشكال القوّة، خاصةً في حالات الاعتقال التعسّفي التي تطال المهاجرين والمواطنين الأميركيين على حدّ سواء.

تشير البيانات الرسمية إلى مقتل 273 شخصاً على الأقلّ في مراكز احتجاز ICE بين الأعوام 2004 و2025، بالإضافة إلى 6 آخرين في الأسبوعين الأوّلين من العام 2026. وسجّل العامان 2004 و2025 أعلى حصيلة (32 قتيلاً لكلّ منهما)، يليهما العامان 2005 و2020 (20 قتيلاً لكلّ منهما). هذه الأرقام التي تُظهر استمرار موت المحتجزين في مراكز ICE لأكثر من عقدين، لا تشمل تزايد عدد القتلى (والجرحى) في الشوارع بسبب العنف الممنهج والمتصاعد واستخدام العنف غير المبرّر أثناء عمليّات الاعتقال. 

وبحسب منظّمات حقوقية وإنسانية مستقلّة، فإن عدد الوفيات يمكن أن يكون أكبر بكثير، حيث لا يُدرَج العديد من الوفيات خارج المراكز أو تلك الناجمة عن الانتحار أو الإهمال الطبّي في المراكز في الإحصاءات الرسمية، وغالباً ما تُطلِق ICE سراح المحتجزين المصابين بأمراض خطيرة، لتجنّب تسجيل وفياتهم داخل مراكزها بعد تدهور حالتهم الصحّية بسبب الاحتجاز، ومن المتوقّع تزايد عدد الوفيات في مراكز الاحتجاز التابعة لـ ICE في العام الحالي مع تصاعد حملات التفتيش والاقتحام والاعتقال.

تأجيج العنف ردّاً على الأزمة الاقتصادية

يوسّع ترامب استعانته بمعجم الفاشية، بخاصّة في ما يتعلّق باستغلال الأزمات الاقتصادية التي يعاني منها المجتمع الأميركي، بما هي أزمات رأسمالية بنيوية ومتداخلة إلى حدّ بعيد، أدّت تداعيات جائحة كوفيد-19 إلى تعميقها وتضخيم الفجوة الطبقية التي بدأت بالنمو باطّراد بعد الأزمة المالية الكبرى في عام 2008. 

ومن المعلوم أن الفاشية تجد المناخ الملائم للنهوض في بيئات أزموية مماثلة، وفي ظلّ انهيار ثقة الطبقات الاجتماعية، وبالأخصّ الطبقة الوسطى وأصحاب المؤسّسات الصغيرة، بالنظام العامّ والنخب الحاكمة. إذ توظّف استياء تلك الطبقة معيدةً توجيهه نحو الطبقات الأفقر والفئات الأضعف، داعيةً إلى ممارسة العنف المنظّم بحقّها، استباقاً لأيّ اضطرابات طبقية واجتماعية يمكن أن تنتج عن تعفّن المؤسّسات وتحلّل الاقتصاد، أو عن توجّهات تغييرية يسارية يمكن أن تولد كما حدث إبّان ظهور حركة “احتلّوا وول ستريت” في عام 2011.

على قاعدة رفض هذه الأزمات، ظهر خطاب ترامب الشعبوي الناقد للعولمة من جهة، بما في ذلك حلف الناتو والاتّحاد الأوروبي بما يمثّلان من تكتّلات سياسية واقتصادية وعسكرية عابرة للحدود، وخطاب آخر يهاجم النخب السياسية الأميركية المتحالفة مع الشركات الكبرى، واعداً باسترجاع ملايين الوظائف عبر إعادة توطين الصناعات، مستهدفاً بخطابه “العمّال البيض” والطبقة الوسطى بشكل أساسي، واستعادة الهيمنة الأميركية الأحادية عبر العالم باستخدام سلاح الرسوم الجمركية. 

إلا أن إقامة التوازن بين إعادة المصانع إلى الولايات المتّحدة، وفرض الرسوم الجمركية بشكل عشوائي وغير مدروس، إلى جانب سياسات الهجرة العنصرية التي تطرد اليد العاملة المهاجرة الماهرة دون تمييز، وخفض الإنفاق على برامج الرعاية الطبّية والرعاية الاجتماعية مقابل زيادة الإنفاق العسكري، كلّ هذه التناقضات مجتمعة تجعل من وعود ترامب الشعبوية مجرّد خديعة.

ردّاً على هذه الأزمات التي لا حلول حقيقية لها في المدى المنظور، يُلهِب ترامب خطاب العنف، ويشجّع أنصاره على استخدامه في مواجهة خصومه السياسيين، ويبرّر الممارسات العنيفة والتعسّفية التي تقوم بها بعض الأجهزة الأمنية الفيدرالية، وخصوصاً إدارة الهجرة والجمارك. 

العنف الذي يدعو إليه ترامب ليس أيّ شكل من أشكال العنف، بل أداة موجّهة لتوحيد قواعد اليمين المتطرّف وترهيب الخصوم من الليبراليين واليساريين، وإشاعة الذعر الحقيقي بين صفوف المهاجرين والعمّال الأجانب، محوّلاً الصراعات من سياقها الاقتصادي والاجتماعي إلى صراعات هويّاتية تركّز على “الهويّة البيضاء” والتهديدات الخارجية من المهاجرين، فيترتّب على ذلك المزيد من تآكل الثقة بالمؤسّسات وغياب الشعور بالأمان وزيادة الفرز السياسي والأيديولوجي الحادّ.

تستخدم الفاشية العنف الجماهيري والإرهاب المنظّم لسحق قوى المعارضة من جذورها، وفي حالة ترامب، نشهد أمام أعيننا انتقالاً من خطاب التحريض غير المباشر على العنف، الذي تمخّض عنه اقتحام مبنى الكابيتول في 6 كانون الثاني/ يناير 2021، إلى تنفيذ العنف المنظّم والمباشر على نطاق المدن ذات الغالبية الديمقراطية، وليس مصادفة أن تبدأ هذه الحملة، التي ستنتهي بوصف جميع المعارضين كـ “أعداء للشعب”، باستهداف حركة “أنتيفا” وتصنيفها كمنظّمة “إرهابية”. 

لم يبلغ حكم ترامب مستوى تفكيك المؤسّسات الدستورية بعد، إلا أنه نجح، حتى الآن، في بناء ميليشيات نظامية وشبه عسكرية تخدم مشروع صعود الفاشية الأميركية.

دولة هجينة: لا فاشية ولا ليبرالية

تمثّل الولايات المتّحدة اليوم حالةً “هجينة” وفريدة من نوعها. فمن ناحية، لا تزال المؤسّسات والدستور، بالإضافة إلى الإعلام المعارض، والتركيب الفيدرالي للحكم الذي يضمن صلاحيات واسعة النطاق لحكّام الولايات، والحركات الشعبية المتصاعدة التي تتجذّر أكثر باتّجاه اليسار، عوامل تشكّل عقبات كبيرة أمام مشروع ترامب للتحوّل الفاشي. 

بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن قانون السلاح الأميركي الذي يسهّل بيع الأسلحة وحملها، والذي يسترضي به ترامب شريحة واسعة من قاعدة اليمين الأميركي المتطرّف، يشكّل بحدّ ذاته سلاحاً ذا حدّين، إذ يتيح لجميع الفئات الاجتماعية المستهدَفة، ومن ضمنها المجموعات اليسارية الراديكالية التي يحرّض عليها ترامب بشكل مباشر ويتّهمها بالإرهاب ويدعو إلى الاقتصاص منها، التوجّه نحو التسلّح دفاعاً عن النفس، انطلاقاً من الشعور بالخطر الذي يمثّله اليمين المتطرّف المسلّح وغياب الأمن بشكل عامّ، وهو ما يضاعف بدوره خطر اندلاع حرب أهلية، يبدو أن ترامب يسعى لخلق بيئة مناسبة لها.

ومن ناحية أخرى، يقود ترامب هجمة غير مسبوقة على ركائز الديمقراطية الليبرالية، في ظلّ اهتراء واضح المعالم للمؤسّسات، ليس بهدف تحويل الولايات المتّحدة إلى دولة شمولية بشكل مباشر، وهو أمر بالغ الصعوبة في السياق الأميركي للأسباب المذكورة آنفاً، بل لوضع أسس هذا التحوّل على المديين المتوسّط والبعيد، بعد تثبيت سلطة الجناح الترامبي في الحزب الجمهوري بالتزامن مع إضعاف ما تبقّى من مظاهر الدولة العميقة، خصوصاً على مستوى الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والقضائية، بالإضافة إلى تحويل الاقتصاد إلى اقتصاد حربي مع الزيادات الهائلة في ميزانية الدفاع، حيث يتطلّع ترامب إلى زيادة هذه الميزانية إلى 1.5 تريليون دولار في العام المقبل، أي بنسبة مرعبة تصل إلى 66%، بعد أن أقرّ الكونغرس ميزانية العام الحالي بقيمة 901 مليار دولار.

لا تجتمع جميع العناصر الكلاسيكية للفاشية في حالة حكم ترامب، لكن ما يحدث في السياق الراهن يتطلّب إعادة قراءة شاملة وعميقة للمشهد الأميركي، فالممارسات الممنهجة لتقويض المؤسّسات، وهدم القيم والأعراف الليبرالية، ورفض جميع مبادئ المساواة، وتمجيد العنف و”القائد القوي” مقابل التطبيع مع “ضرورة” استهداف الشرائح الاجتماعية الأضعف، وسياسة العقاب الجماعي كما يحدث منذ فترة في ولاية مينيسوتا، وتجاوز الصلاحيات الدستورية بشكل دوري، وإساءة استخدام السلطة، واحتقار القانون الدولي علناً، وعسكرة السياسة الخارجية الأميركية بما يفوق المستوى الذي كانت عليه في زمن الحرب الباردة، كلّ هذه المؤشرات تدلّ على أن وصف الفاشية لم يعد مجازياً، غير أنه ينطبق على ترامب والتيّار الذي يقوده، والذي يسعى إلى فرض النموذج الفاشي بشكل تدريجي، ولا ينطبق بعد على الولايات المتّحدة كدولة أو مجتمع.

02.02.2026
زمن القراءة: 10 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية