ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

التربية على الوعي النقدي: كيف نحصّن الأجيال في مواجهة التضليل الإعلامي

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!
شام لطش

الفرضيّة الشائعة أن أبناء هذا الجيل “مولودون رقمياً”، ومن ثمّ لا يحتاجون إلى تعلّم مهارات التحقّق. لكنّ الأبحاث التربوية الحديثة أثبتت العكس؛ إذ أخفقت شرائح واسعة من طلّاب المدارس والجامعات في مهامّ أساسية كتمييز المحتوى المموَّل أو تقييم مصداقيّة مصادر الإنترنت، ما استدعى تطوير مناهج عملية تُدرِّب على “القراءة الجانبية” والتحقّق السريع، بدلاً من البقاء داخل الصفحة الأولى لنتائج البحث.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

هناك حاجة ملحّة تعليمياً، لفتح نقاش معمّق مع المعلّمين وواضعي المناهج، فهم من يحمل مسؤوليّة تشكيل وعي الأجيال المقبلة في زمن يوصف كثيراً بأنه “عصر ما بعد الحقيقة”، حيث لم يعد دور المدرسة هو نقل المعارف وتلقين الحقائق فحسب، بل بات صون مهارات التفكير النقدي والإعلامي شرطاً لحماية التلاميذ من سيل المعلومات الزائفة والمضلّلة.

لقد كشف دخول جيل “زد” إلى سوق العمل ثغرات واضحة في الإعداد؛ فكثيرون لم يكتسبوا مهارات كافية في استخدام الحواسيب المحمولة وبرمجيّات العمل، بعدما استُبدلت بها الهواتف والأجهزة اللوحية، مع ساعات طويلة يقضونها على المنصّات.

تكشف استطلاعات للرأي عن تصاعد نزعات “يمينية” متطرّفة محافظة، لدى شرائح شبابية من الذين يمضون أوقاتاً طويلة على منصّات مثل “تيك توك”، و”يوتيوب”، و”تويتش”، أو “ديسكورد”، حيث ينغمسون في فضاءات “المانوسفير” (أو عالم الرجال الافتراضي) ومحتوى “الإنسيل” (أو العازبين القسريين). 

تكشف هذه الظاهرة تراجعاً واضحاً في مهارات الثقافة الرقمية والإعلامية، ممّا يجعلنا نتساءل: كيف يمكن أن نتوقّع من هؤلاء الشباب التمييز بين المعلومات الصحيحة والمغلوطة، أو مواجهة التضليل، إذا كنّا لم نزوّدهم بأسس الفهم والتمييز في عالم الفضاء الرقمي؟

الفرضيّة الشائعة أن أبناء هذا الجيل “مولودون رقمياً”، ومن ثمّ لا يحتاجون إلى تعلّم مهارات التحقّق. لكنّ الأبحاث التربوية الحديثة أثبتت العكس؛ إذ أخفقت شرائح واسعة من طلّاب المدارس والجامعات في مهامّ أساسية كتمييز المحتوى المموَّل أو تقييم مصداقيّة مصادر الإنترنت، ما استدعى تطوير مناهج عملية تُدرِّب على “القراءة الجانبية” والتحقّق السريع، بدلاً من البقاء داخل الصفحة الأولى لنتائج البحث.

هذا ما حصل مثلاً مع فريق كليّة التاريخ في جامعة ستانفورد، الذي أنشأ موقعاً إلكترونياً يوفّر أدوات لتعليم الطلّاب مهارات الثقافة الإعلامية والتفكير النقدي والمنطق المدني. جاء هذا المشروع نتيجة اختبارات وتجارب ميدانية واسعة في المدارس والجامعات، حيث فوجئ الباحثون بمدى ضعف استعداد الطلّاب في مختلف المراحل الدراسية.

غالباً ما يتمّ إدراج دروس الثقافة الإعلامية في المراحل الثانوية أو الجامعية، في حين يبدأ الأطفال استهلاك المحتوى الرقمي في عمر أصغر بكثير. ويكفي أن نتأمّل الانتشار الواسع لمقاطع “استعدّوا معي” (Get ready with me) على “تيك توك” من قِبل الأطفال، أو مشاهد الأطفال الذين لا تتجاوز أعمار بعضهم العشر سنوات، يتنافسون في المتاجر على شراء مستحضرات التجميل والعناية بالبشرة، ويقلّدون ما يسمعونه من الكبار على مواقع التواصل الاجتماعي. وبحلول مرحلة الشباب، تكون أنماط استهلاكهم الإعلامي قد ترسّخت تماماً، كما يترسّخ أسلوبهم في حلّ مسائل الرياضيات أو اعتماد تقنيات البحث العلمي، وهي مهارات تُبنى تدريجياً منذ الصغر استعداداً للتعليم العالي.

فإذا كان الإعداد الأكاديمي يتطلّب سنوات طويلة من التعلّم والتدريب، تمهيداً للتعليم الجامعي باعتباره المدخل إلى سوق العمل أو عالم البحث العلمي، فلماذا لا نتّبع النهج نفسه في تعزيز قدرتهم على التفكير النقدي والتمييز تجاه المعلومات التي يتلقّونها يومياً عبر الإنترنت؟

إذا بدأنا بتعليم الأطفال مهارات الثقافة الرقمية والإعلامية منذ سنّ السادسة، فإن التحقّق من المعلومات سيصبح عند بلوغهم الخامسة والعشرين عادةً راسخة وتلقائية، لا مهمّة ثقيلة أو اختيارية. إن تعريف الطفل بأساسيات التحقّق من الأخبار والمعلومات بأسلوب تفاعلي ممتع، يجعله أكثر استعداداً لاحقاً. فالأطفال “يكتسبون المفاهيم الجوهرية من خلال تجارب تعليمية نشطة وحيّة” (Lind, 1998).

ولعلّ التجربة الفنلندية خير شاهد على ذلك. فمنذ سنّ السادسة، يتعلّم الأطفال في فنلندا كيفيّة قراءة المعلومات الرقمية، وفهم المحتوى الذي يواجهونه عبر الإنترنت. وبحلول سنّ العاشرة، يصبحون قادرين على تحليل المحتوى الإعلامي وكشف التضليل الإعلامي، بل يتعلّمون كيفيّة القيام بذلك بلغات متعدّدة. إدراج هذه المهارات والمعارف في صلب الموادّ الدراسية كافّة، يضمن أن يمارس التلميذ التفكير النقدي باستمرار، بحيث يصبح هذا التفكير جزءاً لا يتجزّأ من مساره التعليمي. وعندما يصلون إلى المرحلة الثانوية، يتدرّبون على استخدام أدوات متخصّصة، كالمواقع الإلكترونية للتحقّق، ويعملون على أمثلة حيّة من الإعلام الواقعي المعاصر. 

وبطبيعة الحال، فإن هذا النوع من البرامج، يحتاج إلى تحديث دائم لمواكبة التطوّر السريع للتكنولوجيا (Bjola & Papdakis, 2020). وليس مفاجئاً أن تتصدّر فنلندا مؤشّر الثقافة الإعلامية كلّ عام منذ 2017، في دليل ساطع على نجاح هذه المقاربة التربوية.

ومن هنا تبرز مسألتان إضافيتان لا تقلّان أهمّية: المعرفة المتعدّدة الثقافات، وفهم البُعد اللغوي في بناء الخطاب السردي. فإدراك التنوّع الثقافي وتقديره يفتحان الباب أمام التفكير النقدي في أوسع معانيه؛ إذ يمكّنان الفرد من التحرّر من انحيازاته الخاصّة، ومن النظر إلى تجارب الآخرين خارج عدسته الضيّقة، كما يزوّدانه بالقدرة على تقييم الأخبار الدولية أو الخطابات والتصريحات التي تتناول شعوباً وثقافات مختلفة بوعي أشمل (ِAslan & Aybek, 2020). وهنا تبرز أهمّية السياق – التاريخي والسياسي والاجتماعي – إلى جانب تحليل اللغة المستخدمة في نقل الحدث. 

على سبيل المثال، خلال الحرب في أوكرانيا، نشرت شبكة CNN مقالاً بعنوان: “بالصور: روسيا تغزو أوكرانيا”. أمّا في حالة الغزو الإسرائيلي الحالي لسوريا، جاء العنوان: بقلق وترقّب وفرح خفيّ، نتانياهو يأمر الجيش بالسيطرة على المنطقة العازلة في سوريا”. كما لجأت وسائل إعلام أخرى إلى استخدام لغة مخفّفة مثل: العبور إلى”، “السيطرة”، “الفرصة”، أوالتقدّم”. 

ورغم أن هذه الأمثلة لا ترقى إلى مستوى التضليل المباشر، يوحي اختيار مصطلحات أقلّ دقّة وأكثر ضبابية، بمحاولة لتوجيه الانفعال العاطفي للقارئ وصياغة فهمه للأحداث بطريقة غير مباشرة (Chuey et al., 2024; Wadi & Ahmed, 2015).

حين نعلّم أبناءنا منذ الصغر أن يجعلوا من التحقّق عادةً راسخة، فإنهم عند بلوغهم سنّ الرشد سيعاملون كلّ معلومة تواجههم بمعيار صارم، وسيطالبون الصحافيين بالالتزام بالمستوى نفسه. وهكذا تتكوّن ثقافة تقوم على المساءلة المتبادلة، تغذّي التفكير النقدي، والانفتاح الفكري، وتعمّق فهمنا للعالم من حولنا.

غير أن هذه المهمّة لا تكتمل من دون الصحافة، فهي شريك أساسي في هذا المسار. وأرى أن التعاون بين الميدان التربوي والوسط الإعلامي يمكن أن يشكّل مساحة للتعلّم والنمو للطرفين معاً؛ فالمربّون يمدّون الصحافيين بفهم أوضح لكيفيّة غرس مهارات التحقّق لدى الأجيال الصاعدة، فيما يستفيد المعلّمون من خبرة الصحافة في التعامل مع سيل الأخبار اليومي. إن مثل هذا التعاون يفتح أمام الصحافيين آفاقاً لفهم أفضل لكيفيّة إنتاج محتوى تحقّق مؤثّر، قادر على النفاذ وسط الطوفان العارم من المعلومات والعقول المنهكة بالتحفيز المستمرّ.

حين نُعوِّد أبناءنا منذ الصغر على سؤال: “مَن يقول؟ ولِمَ؟ وعلى أيّ دليل؟”، سيكبرون وهم يُحاكمون كلّ معلومة بمعيار صلب، ويُطالبون الصحافة بالمعيار نفسه. هكذا تتشكّل ثقافة مساءلة متبادلة تغذّي التفكير النقدي والانفتاح، وتُعمّق فهمنا للعالم. إن بناء جسر دائم بين المدرسة وغرفة الأخبار ليس ترفاً، بل حاجة مدنية ملحّة: المدرسة تمدّ الصحافة بجيل يُجيد القراءة النقدية، والصحافة تمدّ المدرسة بملعب واقعي تُدرّس فيه مهارات التحقّق على أحداث اليوم لا على أمثلة قديمة.

شام لطش
سوريا
02.10.2025
زمن القراءة: 5 minutes

الفرضيّة الشائعة أن أبناء هذا الجيل “مولودون رقمياً”، ومن ثمّ لا يحتاجون إلى تعلّم مهارات التحقّق. لكنّ الأبحاث التربوية الحديثة أثبتت العكس؛ إذ أخفقت شرائح واسعة من طلّاب المدارس والجامعات في مهامّ أساسية كتمييز المحتوى المموَّل أو تقييم مصداقيّة مصادر الإنترنت، ما استدعى تطوير مناهج عملية تُدرِّب على “القراءة الجانبية” والتحقّق السريع، بدلاً من البقاء داخل الصفحة الأولى لنتائج البحث.

هناك حاجة ملحّة تعليمياً، لفتح نقاش معمّق مع المعلّمين وواضعي المناهج، فهم من يحمل مسؤوليّة تشكيل وعي الأجيال المقبلة في زمن يوصف كثيراً بأنه “عصر ما بعد الحقيقة”، حيث لم يعد دور المدرسة هو نقل المعارف وتلقين الحقائق فحسب، بل بات صون مهارات التفكير النقدي والإعلامي شرطاً لحماية التلاميذ من سيل المعلومات الزائفة والمضلّلة.

لقد كشف دخول جيل “زد” إلى سوق العمل ثغرات واضحة في الإعداد؛ فكثيرون لم يكتسبوا مهارات كافية في استخدام الحواسيب المحمولة وبرمجيّات العمل، بعدما استُبدلت بها الهواتف والأجهزة اللوحية، مع ساعات طويلة يقضونها على المنصّات.

تكشف استطلاعات للرأي عن تصاعد نزعات “يمينية” متطرّفة محافظة، لدى شرائح شبابية من الذين يمضون أوقاتاً طويلة على منصّات مثل “تيك توك”، و”يوتيوب”، و”تويتش”، أو “ديسكورد”، حيث ينغمسون في فضاءات “المانوسفير” (أو عالم الرجال الافتراضي) ومحتوى “الإنسيل” (أو العازبين القسريين). 

تكشف هذه الظاهرة تراجعاً واضحاً في مهارات الثقافة الرقمية والإعلامية، ممّا يجعلنا نتساءل: كيف يمكن أن نتوقّع من هؤلاء الشباب التمييز بين المعلومات الصحيحة والمغلوطة، أو مواجهة التضليل، إذا كنّا لم نزوّدهم بأسس الفهم والتمييز في عالم الفضاء الرقمي؟

الفرضيّة الشائعة أن أبناء هذا الجيل “مولودون رقمياً”، ومن ثمّ لا يحتاجون إلى تعلّم مهارات التحقّق. لكنّ الأبحاث التربوية الحديثة أثبتت العكس؛ إذ أخفقت شرائح واسعة من طلّاب المدارس والجامعات في مهامّ أساسية كتمييز المحتوى المموَّل أو تقييم مصداقيّة مصادر الإنترنت، ما استدعى تطوير مناهج عملية تُدرِّب على “القراءة الجانبية” والتحقّق السريع، بدلاً من البقاء داخل الصفحة الأولى لنتائج البحث.

هذا ما حصل مثلاً مع فريق كليّة التاريخ في جامعة ستانفورد، الذي أنشأ موقعاً إلكترونياً يوفّر أدوات لتعليم الطلّاب مهارات الثقافة الإعلامية والتفكير النقدي والمنطق المدني. جاء هذا المشروع نتيجة اختبارات وتجارب ميدانية واسعة في المدارس والجامعات، حيث فوجئ الباحثون بمدى ضعف استعداد الطلّاب في مختلف المراحل الدراسية.

غالباً ما يتمّ إدراج دروس الثقافة الإعلامية في المراحل الثانوية أو الجامعية، في حين يبدأ الأطفال استهلاك المحتوى الرقمي في عمر أصغر بكثير. ويكفي أن نتأمّل الانتشار الواسع لمقاطع “استعدّوا معي” (Get ready with me) على “تيك توك” من قِبل الأطفال، أو مشاهد الأطفال الذين لا تتجاوز أعمار بعضهم العشر سنوات، يتنافسون في المتاجر على شراء مستحضرات التجميل والعناية بالبشرة، ويقلّدون ما يسمعونه من الكبار على مواقع التواصل الاجتماعي. وبحلول مرحلة الشباب، تكون أنماط استهلاكهم الإعلامي قد ترسّخت تماماً، كما يترسّخ أسلوبهم في حلّ مسائل الرياضيات أو اعتماد تقنيات البحث العلمي، وهي مهارات تُبنى تدريجياً منذ الصغر استعداداً للتعليم العالي.

فإذا كان الإعداد الأكاديمي يتطلّب سنوات طويلة من التعلّم والتدريب، تمهيداً للتعليم الجامعي باعتباره المدخل إلى سوق العمل أو عالم البحث العلمي، فلماذا لا نتّبع النهج نفسه في تعزيز قدرتهم على التفكير النقدي والتمييز تجاه المعلومات التي يتلقّونها يومياً عبر الإنترنت؟

إذا بدأنا بتعليم الأطفال مهارات الثقافة الرقمية والإعلامية منذ سنّ السادسة، فإن التحقّق من المعلومات سيصبح عند بلوغهم الخامسة والعشرين عادةً راسخة وتلقائية، لا مهمّة ثقيلة أو اختيارية. إن تعريف الطفل بأساسيات التحقّق من الأخبار والمعلومات بأسلوب تفاعلي ممتع، يجعله أكثر استعداداً لاحقاً. فالأطفال “يكتسبون المفاهيم الجوهرية من خلال تجارب تعليمية نشطة وحيّة” (Lind, 1998).

ولعلّ التجربة الفنلندية خير شاهد على ذلك. فمنذ سنّ السادسة، يتعلّم الأطفال في فنلندا كيفيّة قراءة المعلومات الرقمية، وفهم المحتوى الذي يواجهونه عبر الإنترنت. وبحلول سنّ العاشرة، يصبحون قادرين على تحليل المحتوى الإعلامي وكشف التضليل الإعلامي، بل يتعلّمون كيفيّة القيام بذلك بلغات متعدّدة. إدراج هذه المهارات والمعارف في صلب الموادّ الدراسية كافّة، يضمن أن يمارس التلميذ التفكير النقدي باستمرار، بحيث يصبح هذا التفكير جزءاً لا يتجزّأ من مساره التعليمي. وعندما يصلون إلى المرحلة الثانوية، يتدرّبون على استخدام أدوات متخصّصة، كالمواقع الإلكترونية للتحقّق، ويعملون على أمثلة حيّة من الإعلام الواقعي المعاصر. 

وبطبيعة الحال، فإن هذا النوع من البرامج، يحتاج إلى تحديث دائم لمواكبة التطوّر السريع للتكنولوجيا (Bjola & Papdakis, 2020). وليس مفاجئاً أن تتصدّر فنلندا مؤشّر الثقافة الإعلامية كلّ عام منذ 2017، في دليل ساطع على نجاح هذه المقاربة التربوية.

ومن هنا تبرز مسألتان إضافيتان لا تقلّان أهمّية: المعرفة المتعدّدة الثقافات، وفهم البُعد اللغوي في بناء الخطاب السردي. فإدراك التنوّع الثقافي وتقديره يفتحان الباب أمام التفكير النقدي في أوسع معانيه؛ إذ يمكّنان الفرد من التحرّر من انحيازاته الخاصّة، ومن النظر إلى تجارب الآخرين خارج عدسته الضيّقة، كما يزوّدانه بالقدرة على تقييم الأخبار الدولية أو الخطابات والتصريحات التي تتناول شعوباً وثقافات مختلفة بوعي أشمل (ِAslan & Aybek, 2020). وهنا تبرز أهمّية السياق – التاريخي والسياسي والاجتماعي – إلى جانب تحليل اللغة المستخدمة في نقل الحدث. 

على سبيل المثال، خلال الحرب في أوكرانيا، نشرت شبكة CNN مقالاً بعنوان: “بالصور: روسيا تغزو أوكرانيا”. أمّا في حالة الغزو الإسرائيلي الحالي لسوريا، جاء العنوان: بقلق وترقّب وفرح خفيّ، نتانياهو يأمر الجيش بالسيطرة على المنطقة العازلة في سوريا”. كما لجأت وسائل إعلام أخرى إلى استخدام لغة مخفّفة مثل: العبور إلى”، “السيطرة”، “الفرصة”، أوالتقدّم”. 

ورغم أن هذه الأمثلة لا ترقى إلى مستوى التضليل المباشر، يوحي اختيار مصطلحات أقلّ دقّة وأكثر ضبابية، بمحاولة لتوجيه الانفعال العاطفي للقارئ وصياغة فهمه للأحداث بطريقة غير مباشرة (Chuey et al., 2024; Wadi & Ahmed, 2015).

حين نعلّم أبناءنا منذ الصغر أن يجعلوا من التحقّق عادةً راسخة، فإنهم عند بلوغهم سنّ الرشد سيعاملون كلّ معلومة تواجههم بمعيار صارم، وسيطالبون الصحافيين بالالتزام بالمستوى نفسه. وهكذا تتكوّن ثقافة تقوم على المساءلة المتبادلة، تغذّي التفكير النقدي، والانفتاح الفكري، وتعمّق فهمنا للعالم من حولنا.

غير أن هذه المهمّة لا تكتمل من دون الصحافة، فهي شريك أساسي في هذا المسار. وأرى أن التعاون بين الميدان التربوي والوسط الإعلامي يمكن أن يشكّل مساحة للتعلّم والنمو للطرفين معاً؛ فالمربّون يمدّون الصحافيين بفهم أوضح لكيفيّة غرس مهارات التحقّق لدى الأجيال الصاعدة، فيما يستفيد المعلّمون من خبرة الصحافة في التعامل مع سيل الأخبار اليومي. إن مثل هذا التعاون يفتح أمام الصحافيين آفاقاً لفهم أفضل لكيفيّة إنتاج محتوى تحقّق مؤثّر، قادر على النفاذ وسط الطوفان العارم من المعلومات والعقول المنهكة بالتحفيز المستمرّ.

حين نُعوِّد أبناءنا منذ الصغر على سؤال: “مَن يقول؟ ولِمَ؟ وعلى أيّ دليل؟”، سيكبرون وهم يُحاكمون كلّ معلومة بمعيار صلب، ويُطالبون الصحافة بالمعيار نفسه. هكذا تتشكّل ثقافة مساءلة متبادلة تغذّي التفكير النقدي والانفتاح، وتُعمّق فهمنا للعالم. إن بناء جسر دائم بين المدرسة وغرفة الأخبار ليس ترفاً، بل حاجة مدنية ملحّة: المدرسة تمدّ الصحافة بجيل يُجيد القراءة النقدية، والصحافة تمدّ المدرسة بملعب واقعي تُدرّس فيه مهارات التحقّق على أحداث اليوم لا على أمثلة قديمة.

شام لطش
سوريا
02.10.2025
زمن القراءة: 5 minutes
|
آخر القصص
مناورات وزارة العدل السوريّة: نظام الأسد ليس فرداً واحداً فقط!
ياسر شالتي- محقّق مختصّ بجرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية | 27.02.2026
مسخ نائم في بادية الشام… فمن يحاول إيقاظه؟
حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 27.02.2026
كيف تحوّل حفظ القمح إلى جنازات يوميّة في مصر؟
إيمان عادل- صحافية مصرية | 26.02.2026

اشترك بنشرتنا البريدية