“من الصعب تفكيك صحافة التشهير في المغرب، لقد تسلّلت إلى الدولة والمجتمع، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من النظام”، الكاتب والصحافي سليمان الريسوني.
لم تعد أدوات القمع تنحصر بالقضبان والقرارات الإدارية التعسّفية. لقد طوّرت السلطة أدواتها بما يناسب العصر الرقمي، فخرجت من الجدران المغلقة إلى الشاشات، من مكاتب التحقيق إلى الصفحات الأولى للجرائد والمواقع الإلكترونية، من المحاكم إلى مانشيتات التشهير. هكذا نشأت صحافة لا تخبر، بل تذبح؛ لا تنقل الوقائع، بل تصنعها حسب الطلب.
إنها آلة للاغتيال المعنوي والقتل الرمزي، آلة لا تترك أثراً مادّياً لكنّها تمحو السمعة وتُصيب الوعي، وتحيل الخصوم إلى أشباح تمشي في العلن بجراح معنوية، لا تُرى، ولكنّها تظلّ تنزف إلى الأبد.
من صحافة التلميح إلى إعلام الفتك
في زمن الحسن الثاني، كانت الصحف الصفراء تهمس بما لا يُقال، تلمّح إلى الشخص دون تسميته، وتترك للقارئ الذكيّ أن “يفهم من السياق”.
كانت هناك مسافة – مهما كانت ضئيلة – بين التواطؤ والوضوح، حتى في زمن إدريس البصري، الإمبراطور غير المتوَّج لوزارة الداخلية، كان ثمّة حياء سياسي نسبي، أو على الأقلّ شيفرة أخلاقية لا تُخرق علناً… “أخلاق الفرسان”.
أما اليوم، فقد تمّ إسقاط كلّ الأقنعة، لا تلميح، بل تصريح، لا تخمين، بل استهداف مباشر، وقد بدأ هذا التحوّل الجذري مع صعود عبد اللطيف الحموشي، العقل الأمني المتشبّع بثقافة المراقبة، الآتي من حرم جامعة “ظهر المهراز” في فاس، حيث كان التشهير أداة طالبية لتصفية “الخصوم والرفاق”.
حمل الرجل معه هذا الإرث العدائي إلى صلب أجهزة الدولة، فحوّله إلى سياسة ممنهجة، تقودها أقلام مستأجرة، ومنابر لا ترى في الصحافة سوى أداة تحكّم وتحطيم.
الضحايا… أسماء نُحرت في العلن
التشهير في المغرب لا يختار ضحاياه عبثاً؛ إنه سلاح سلطوي دقيق، يوجَّه حين تعجز وسائل الترهيب التقليدية؛ والأسماء التالية ليست سوى نماذج.
ففي لحظة لا تشبه إلا لحظات التفتيش في زمن المحاكم التفتيشية، تمّ اعتقال الصحافية هاجر الريسوني، بتهمة “الإجهاض غير القانوني”، و”ممارسة الجنس خارج الزواج”.
لم يكن الهدف حماية القانون، بل معاقبتها على القلم والموقف، تمّ اقتحام حياتها الحميمة، وكشف تقاريرها الطبّية، والتشهير بعلاقتها وخياراتها الجسدية المزعومة.
لم ينجُ أحد؛ لا هي، لا خطيبها، ولا الطبيب، ولا أسرتها، كانت رسالتهم واضحة: من يتكلّم، ندخل إلى أحشائه.
قد يكون أشهر مثال على التشهير السلطوي المعاصر في المغرب، ما تعرّض له المحامي والوزير السابق لحقوق الإنسان محمد زيّان. فبعد أن خرج عن صمته ووجّه انتقادات لاذعة لجهاز المخابرات ومديريه، واجه حملة تشهير عبر بثّ فيديو مزعوم في شريط مصوّر، ظهر فيه بمعيّة امرأة في موقف صريح داخل غرفة فندق، تكلّف موقع “شوف تي في”، ذراع تشهيري مقرّب من جهاز المخابرات.
وثّق زيّان لاحقاً أن المشهد مفبرك، غير أن الضرر كان قد وقع بالفعل، بل وبلغ ذروته حين تقدّمت ضدّه وزارة الداخلية بشكاوى، واتُّهم بإحدى عشرة جناية، من ضمنها “إهانة المؤسّسات”، و”التحرّش الجنسي”، و”الخيانة الزوجية”، و”نشر ادّعاءات كاذبة”، وصولاً إلى “الدعوة لخرق حالة الطوارئ الصحّية”، لينتهي به الأمر بالإدانة وليقبع في سجون مملكة الرعب، في عمر ثلاث وثمانين سنة.
الصحافي عمر الراضي، الذي اشتهر بتحقيقاته الجريئة حول الفساد ونهب الأراضي، وجد نفسه في قلب عاصفة تشهير ممنهجة. قبل توجيه التهم، كانت صحف الأمن قد رسمت له صورة مذنب برّاقة: “جاسوس”، “عميل”، “خائن” و”مغتصب”.
أُسقطت عليه تهمة الاغتصاب، في سيناريو لا يُقنع سوى من كتبه، فتقرير “أمنستي” أكّد أن هاتفه كان مخترقاً ببرنامج “بيغاسوس”، مما يفضح كيف تمّ تتبّعه قبل تجهيزه للذبح القانوني والمعنوي.
سليمان الريسوني، وقبل اعتقاله، نُشرت على المواقع الموالية للسلطة تهماً أخلاقية موجّهة ضدّه، في الوقت الذي كان يترأس تحرير جريدة “أخبار اليوم”، المزعجة والموؤودة؛ لقد تمّت التهيئة الإعلامية قبل التصفية القضائية.
لم يُحاكم على جريمة، بل على افتتاحياته التي كانت تكشف نفاق السلطة، وتوقظ القارئ من سُبات الطاعة، وخلال محاكمته، تعرّض لقتل رمزي ممنهج، وحُرم من العلاج. تمّ اغتياله ببطء، تحت ضوء الكاميرات، والكلّ صمت!
هشام منصوري الصحافي الجادّ، اتُّهم بالدعارة، لا لشيء إلا لأنه كان يعمل على مشروع إعلامي مستقلّ، وسيق إلى السجن كما يُساق اللصوص والمجرمون.
والد ناصر الزفزافي، أحمد الزفزافي، لم يُستثنَ من حملات التشهير، رغم براءته من أيّ نشاط سياسي مباشر، فقط لأنه يحمل اسماً يخيف المخزن (النخبة الحاكمة) ويدافع عن حرّية ابنه ورفاقه من المعتقلين السياسيين إثر “حراك الريف”.
في عام 2020، تعرّض عبد المومني لحملة تشهير آثمة، حين تمّ نشر فيديوهات حميمة له ولشريكته، من دون علمهما، على نطاق محدود عبر “واتساب”، قبل أن تكشف قناة “شوف تي في” الإلكترونية؛ وأحد أذرع التشهير في المغرب؛ عن هوّية شريكته، مُسهمة بذلك في تعريض حياتها الخاصّة لمحاولات الوصم والفضيحة علناً.
المعطي منجب، وهو مؤرّخ وناشط سياسي معروف بدعمه لحرّية الرأي والتعدّدية السياسية، لم يسلم هو الآخر؛ ففي عام 2015، واجه تهماً ترتبط بـ”تهديد أمن الدولة”، وتمّ منعه من السفر، في قضيّة لا تفسير لها سوى أنها ذات دوافع سياسية.
تفاقمت المأساة في كانون الأوّل/ ديسمبر 2020، حين تمّ اعتقاله بتهم متعلّقة بـ”غسيل الأموال والاحتيال”، رغم أن المنظّمات الدولية المانحة لم تبدِ أيّ شكوك في استخدام الأموال.
لاحقاً؛ ومن خلال إضراب عن الطعام؛ تمّ الإفراج عنه مؤقّتاً في آذار/ مارس 2021، ولكنّ أصداء الحملة ضدّه لم تكن وطنية فقط، بل لاقت نقداً وتحذيراً من منظّمات حقوقية دولية، مثل لجنة حماية الصحافيين ومنظمة العفو الدولية والبرلمان الأوروبي.
وفي كلتا القضيّتين، فإن التشهير والتهم الموجّهة إلى المومني ومنجب لا ينفصلان عن السياق السياسي، والضغوط التي يواجهها نشطاء حقوقيون ومثقّفون في المملكة المغربية.
وقد أثارت هذه الممارسات ردود فعل واسعة، داخل المغرب وخارجه، دافعة إلى تكرار الدعوات إلى احترام الحقّ في الخصوصية، والحرّية في التعبير والنشاط السياسي.
أيّ حرّية في حضرة القمع؟
الكتاب الجماعي “الصحافة بين الإخبار والتشهير”، الصادر في 2017، بقيادة المؤرّخ المعطي منجب، يكشف هذه المأساة البنيوية، ويرصد كيف تحوّلت الصحافة إلى جهاز أمني رديف، ويحلّل القوانين التي تعيق مقاضاة المُشهّرين، ويعرض شهادات لصحافيين تمّ سحقهم ليس فقط بالمحاكم، بل بوسائل الإعلام التي كانت يوماً ما تنطق باسم الناس، فأصبحت تنطق باسم الأجهزة.
يقدّم كتاب “الصحافة بين الإخبار والتشهير”، تحليلاً عميقاً لإشكالية التشهير الإعلامي في المغرب، حيث يكشف كيف تتحوّل بعض المنابر الصحافية إلى أدوات للهجوم الممنهج على المعارضين والنشطاء. يضمّ هذا العمل، الذي حرّره المعطي منجب، نصوصاً من ندوة دولية عُقدت في الرباط في عام 2017 بمشاركة أكاديميين وحقوقيين وصحافيين، بهدف تشريح آليات التشهير وتأثيراتها المجتمعية.
ينقسم الكتاب إلى أربعة محاور رئيسية، تبدأ باستعراض المعايير الأخلاقية للصحافة والحدود بين حرّية التعبير والتشهير، ثم ينتقل إلى تحليل توظيف الصحافة كأداة قمع عبر تهم زائفة، تتراوح بين “الخيانة الوطنية” و”الانتماء إلى جماعات معادية”. كما يقدّم الكتاب تقييماً دقيقاً للإطار القانوني والقضائي المغربي، مشيراً إلى ثغرات قوانين الصحافة وصعوبة إثبات “القذف” في المحاكم.
إقرأوا أيضاً:
يعتمد المؤلّفون في تحليلهم على شهادات حيّة لضحايا التشهير، مثل الصحافي هشام منصوري الذي اتهم زوراً بـ”الدعارة”، بالإضافة إلى تحليل نصوص إعلامية من صحف مثل “كواليس” و”تليكسبريس”، تُظهر كيف تتحوّل الأجندات السياسية إلى هجمات شخصية. كما يقدّم الكتاب مقارنات دولية مثرية، مستخدماً تجربة فيكتور سيرج في روسيا الستالينية، لإثبات عالمية ظاهرة التشهير كأداة قمع.
رغم جرأة الطرح وعمق التحليل، يلامس الكتاب إشكالية أعمق تتعلّق بغياب البيئة الديمقراطية الحقيقية التي تسمح بصحافة حرّة. يبقى هذا العمل مرجعاً أساسياً لفهم آليات “الاغتيال المعنوي”، الذي تمارسه بعض الأجهزة عبر التشهير الإعلامي، كما يمثّل صيحة إنذار ضدّ تحوّل الصحافة إلى سلاح في يد السلطة.
يتميّز الكتاب بتوثيقه الدقيق وتحليله الشامل، وإن كان يحتاج إلى مزيد من المقترحات العملية لمواجهة التشهير. ويعتبر هذا العمل ضرورياً للباحثين والصحافيين والنشطاء وكلّ مهتمّ بالحرّيات العامّة، حيث يطرح سؤالاً محورياً: هل يمكن بناء ديمقراطية حقيقية دون صحافة تقدّم الحقيقة بدلاً من التشهير؟
تمرّد العفريت… حرب لا أخلاق فيها
من أخطر انعكاسات صحافة التشهير أنها تُطبّع المجتمع على انتهاك الحياة الشخصية للأفراد، حتى صار اختراق الخصوصية مشهداً عادياً لا يثير استنكاراً، امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بصور وفيديوهات وحكايات تقتحم البيوت كأنها شيء مشاع، وتعرض تفاصيل حميمية للعموم كأنها ميزانية البلاد، وأفرز هذا التطبيع معها؛ صفحات مجهولة الهوّية، لا هي صحف إخبارية، ولا هي صفحات تثقيفية، بل هي مكرَّسة حصرياً للتشهير، مثل صفحة “الفرشة” وغيرها.
لكنّ التشهير سلاح ذو حدّين؛ فمنذ أن استدعت الأجهزة الأمنية هذا العفريت، ليخرج من قمقمه، حتى انقلب عليها. لقد سنَّت السلطة سنّة سيّئة، فتلقّفها آخرون وجعلوها طريقاً سيّاراً دون إشارات سير، حتى صار عدد من اليوتيوبرز خارج البلاد مثل هشام جيراندو، ودنيا الفيلالي، وزكرياء المومني وغيرهم، يستعملون السلاح نفسه ضدّها، بلا سقوف ولا قواعد اشتباك… وهكذا دخلنا في زمن “التشهير” و”التشهير المضادّ”؛ حرب مفتوحة للقتل الرمزي لا هوادة فيها، تُدار من تحت الحزام، بلا أخلاق ولا حدود.
زمن التشهير… الحرّية تُدان والسمعة تُحاكم
في تشرين الأوّل/ أكتوبر سنة 2019، وخلال ندوة ناقشت “التشهير في الصحافة المغربية”، قال الصحافي المغربي رشيد البلغيتي يومها في مداخلته: “التشهير أكبر قنبلة قادرة على نسف المحيط العائلي والمهني، وجريمة قادرة على محو كلّ ماض شريف، وتدمير مستقبل ضحاياه… التشهير جارح للكرامة الآدمية، لأنه اختلاق لوقائع غير موجودة، وإظهار لمساوئ لا توجد إلا في مخيّلة المشهّر”.
واليوم، يمكن القول، الصحافة في المغرب لم تعد “صاحبة جلالة” بعدما غلبت عليها أعمال التشهير، وهو مفهوم تبلور مؤخّراً في المغرب، مشكّلاً تحوّلاً تاريخياً في مسار الصحافة المغربية؛ فالتشهير ليس عرضاً جانبياً في المشهد المغربي، بل جزء لا يتجزأ من منظومة القمع… إنه الوجه الجديد للردع، القائم على الإذلال بدل السجن، على الإغراق في الوحل بدل المواجهة النزيهة. ولأنه أقلّ كلفة، وأكثر فتكاً، فقد أصبح السلاح المفضّل لدى السلطة.
في بيئة كهذه، حيث الكلمة تُجرّم، والجسد يُفتّش، والنيّة تُدان، لا يمكن الحديث عن ديمقراطية ولا عن انتقال سياسي، لأن التشهير ليس فقط إهانة للفرد، بل اغتيال للفكرة، وتشويه للحقّ في الاختلاف.
فهل نريد بلداً تُحاكم فيه الكلمة؟ أم بلداً تُحمى فيه الكرامة؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يُطرح، لا في قاعات الندوات، بل في عمق الضمير الوطني!
إقرأوا أيضاً:











