خلال الأيام السابقة، تابع المصريون تصعيداً غير مسبوق ضد النظام المصري، إذ انتشر فيديو يرصد شباباً مصريين يحملون أقفالاً أمام السفارات المصرية بالخارج، وفيديو آخر يزعم اقتحام شباب قسم شرطة المعصرة، وفيديو ثالث يظهر شباناً يعبئون حبوباً غذائية داخل قوارير بلاستيكية ويلقونها في مياه البحر المتوسط على أمل أن تصل الى أهالي غزة.
هذه اللقطات على رغم أنها حققت انتشاراً واسعاً، لكنها لا تمنع من السؤال حول إن كانت فعلاً وسيلة احتجاج وتنفيساً عن الغضب بسبب المجاعة في غزة، أم وسيلة لإحراج النظام المصري أو نتيجة صراعات من أطراف سياسية تأخذ أهالي غزة مجرد خيط لتمتد إلى أهداف أبعد.

الاقتحام المزعوم لقسم الشرطة واحتجاز الضباط
في ليلة الجمعة، 25 تموز/ يوليو 2025، انتشرت مقاطع فيديو على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تدّعي اقتحام شبان مصريين مقر جهاز الأمن الوطني داخل قسم شرطة المعصرة بحلوان، واحتجاز ضابط أمن وطني، ومساءلته لأكثر من خمس ساعات عن المتظاهرين المعتقلين لدعمهم غزة، وأيضاً عن “منع” المساعدات و”إغلاق” معبر رفح، وكأن الضابط المحتجز هو المسؤول عن إغلاق المعبر. هذا الضابط ليس إلا دمية يوصلون عبرها رسالة الغضب والتهديد الى السيسي.
وزارة الداخلية المصرية أكدت في بيان رسمي، أن الفيديو عارٍ تمامًا عن الصحة، وأن الهدف منه هو نشر الشائعات وإحداث حالة من عدم الاستقرار. الفيديو نُشر في البداية على مجموعة على تلغرام تسمَّى “طوفان الأمّة”، وصفتها وزارة الداخلية بأنها من جماعة الإخوان المسلمين.
سواء سلّمنا بمصداقية النفي المطلق للفيديو أم لا، إلا أن هذا لا ينفي البلبلة التي حدثت في الوزارة، التي استطاعت خلال أكثر من عشر سنوات أن تحمي حيزها من أي محاولات اقتحام كانت معهودة خلال ثورة يناير وما بعدها، وبخاصة أن آخر حادثة موثّقة لاقتحام قسم شرطة في مصر، حصلت في كرداسة في 13 آب/ أغسطس 2013، وتضمنت دخولًا عنيفًا وإلحاق أضرار جسيمة أو السيطرة المؤقتة على المبنى وسقوط الكثير من الضحايا بين أفراد الأمن.
مشاهد اقتحام أقسام الشرطة إبان ثورة 25 يناير 2011، سيطرت على المشهد آنذاك، إذ كانت مراكز الشرطة حينها رموزًا حية للقمع والانفصال بين الشعب ومؤسسات الدولة. حينها، لم تكن الفوضى مجرّد رد فعل عشوائي، بل كانت لغة سياسية بديلة يعبّر بها المواطنون عن يأسهم من نظام لا يسمع.
تصدير الفيديو”المفبرك” يبعث بإشارة تحريضية واضحة للمصريين أبعد من دعم غزة فقط.
لذلك جاء الإعلان السريع عن اجتماع بين الرئيس السيسي ووزير الداخلية مباشرة بعد حادثة بهذا الحجم من الحساسية والإحراج ، وعلى رغم النفي الرسمي، إلا أن الفيديو يشير إلى مدى خطورة الحدث في نظر النظام. حتى لو كان الفيديو مفبركاً، فإن تأثير انتشاره والأسئلة التي أثارها حول الكفاءة الأمنية، استدعيا استجابة رفيعة المستوى، وإعادة تشكيل أمني – في وقتها – ومراجعة داخلية فورية على الأقل والاستمرار في وضع التأهّب.
“من البحر للبحر”… قوارير البقوليات وزعم وصول المؤن
“سامحونا يا أخوتنا… ليس بمقدورنا أن نفعل شيئاً لكم… لعل هذه الزجاجة سبب في نجاتي يوم القيامة”. خلال الأسبوع الماضي، انتشرت فيديوهات تُظهر رجلًا مصريًّا يقف عند الشاطئ المصري لساحل البحر الأبيض المتوسط، ويملأ قوارير بلاستيكية بالبقوليات (مثل القمح، العدس، الأرز) – ثم يرميها في البحر، على أمل أن تصل عبر التيارات البحرية إلى شواطئ قطاع غزة.
سرعان ما أصبح الفيديو مبادرة يشارك فيها كثيرون أُطلِقت عليها أسماء مثل “من البحر للبحر” أو “زجاجة أمل لغزة”، بهدف إيصال مواد غذائية بشكل رمزي إلى سكان القطاع المحاصر.
هذه المبادرة على رغم سذاجتها وعبثيتها اللوجستية، تحوّل الفعل التضامني إلي ترند لا يتجاوز التعاطف الرقمي.
لم تلبث الزجاجة أن لامست البحر، حتى تحولت إلى “ترند”. حسابات تعيد نشر المشهد مع تعليق مؤثر، مؤثرون يبكون، صحف تكتب عنه. لكن خلف هذا الزخم العاطفي، تتسلّل سطوة اللقطة: الدعم لم يعد فعلًا حقيقاً، بل صورة تُستهلك وتُنسى.
منطقياً، البحر الأبيض المتوسط، الذي شهد آلاف الجثث الطافية في طريق الهجرة، ليس بريدًا فعّالًا لنقل الغذاء، من حيث الفيزياء والواقع الجغرافي، بالتالي هذه الزجاجات لن تصل إلى شواطئ غزة. التيارات البحرية في شرق المتوسط تتحرك من الشمال إلى الجنوب، عكس الاتجاه المطلوب، وعلى رغم أن المسافة قصيرة بين الضفتين المصرية والفلسطينية لكنها غير موجّهة. كل ما في البيئة البحرية يقف ضد هذه القوارير.
ماذا يعني إغلاق السفارات رمزياً؟
منذ اندلاع الحرب على غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، خرجت جموع من المتظاهرين في عواصم عالمية أمام السفارات المصرية، يحملون معهم أقفالًا حديدية، يعلقونها على أبواب البعثات الدبلوماسية أو يرمزون بها إلى “إغلاق” المعبر، في إشارة واضحة إلى تحميل مصر مسؤولية الحصار الخانق على القطاع. هؤلاء المتظاهرون، من جنسيات مختلفة، وفي مقدمهم عرب ومسلمون، يرفعون شعارات تطالب بفتح معبر رفح البري، وتتهم القاهرة بالتواطؤ أو الصمت أو التقصير.
لكن السؤال الأهم هنا لا يتعلق بمشروعية التظاهر، بل بفعاليته واتجاهه: هل إغلاق السفارات المصرية ولو رمزياً هو فعل صحيح في سياق دعم غزة؟
ما يعد ثابتاً هو أن العدو الحقيقي هو الاحتلال الإسرائيلي وسياساته، وأن توجيه الغضب نحو مصر يبدد الزخم، ويشوش البوصلة الأخلاقية للمجرم الحقيقي.
إغلاق السفارات المصرية في الخارج، سواء رمزيًا أو فعليًا، لن يفتح معبر رفح بحد ذاته. لكنه قد يُثير جدلًا ويخلق ضغطًا. لكنه لن يُغيّر السياسات ما لم يُرافقه حراك شامل سياسي وحقوقي وإعلامي ودبلوماسي يضع إسرائيل في الواجهة، ويدفع المجتمع الدولي الى تحمّل مسؤوليته، بدل الهروب نحو لوم مصر وحدها.
لا يمكن الجزم بأن الاحتجاجات، بما فيها تلك المقامة أمام السفارات، هي العامل المباشر لتوصيل المساعدات، لكنها شكلت عاملاً مُحرّكاً للضغط الإعلامي والدولي، فقد استجابت مصر جزئيًا أول أمس من خلال إرسال قوافل رسمية ومحددة وتفعيل معبر كرم أبو سالم.
المشهد في غزة اليوم لا يمكن تلخيصه بالأرقام فقط، وإن كانت الأرقام مرعبة: أكثر من 80 في المئة من سكان القطاع يعيشون من دون طعام كافٍ. الأطفال يفقدون الوزن بسرعة قياسية، الأمهات يغلين الأعشاب البرية ليطعمن أسرهن، والمساعدات تدخل بجرعات رمزية بعدما فُرض حظر كامل على دخول المساعدات الإنسانية والتجارية إلى غزة منذ 2 آذار/ مارس 2025، ما أدى إلى انهيار تام في الإمدادات الغذائية.
إقرأوا أيضاً:











