في ضوء الحروب الإسرائيلية المفتوحة بداية في غزة والآن في لبنان، بدا أن السعودية تتبنّى موقفاً مزدوجاً حول مسألة التطبيع مع إسرائيل وحل الدولتين، وهو ما ظهر جلياً في التباين بين التصريحات الرسمية التي يُدلي بها وزير الخارجية فيصل بن فرحان، والتسريبات التي تشير إلى مواقف ولي العهد محمد بن سلمان، مما أثار اهتمام المراقبين وزاد التساؤلات حول طبيعة التوجهات السعودية.
في مناسبات رسمية كمنتدى “مبادرة الاستثمار المستقبلي” وجلسات “التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين” التي انعقدت في الرياض، أعرب وزير الخارجية السعودي عن دعم بلاده لمبدأ حل الدولتين، في موقف يتماشى مع مواقف المملكة التقليدية من القضية الفلسطينية، ويشير إلى ضرورة وجود مكوّن فلسطيني ضمن أي اتفاق تطبيعي مع إسرائيل. هذا التصريح ينسجم مع ما تراه السعودية كعنصر مهم في كسب التأييد الشعبي الداخلي والعربي الأوسع، حيث يعبّر عن تأييد ظاهري للقضية الفلسطينية.
في المقابل، تستمر تقارير غربية بالكشف؛ نقلاً عن مصادر أميركية، أن ولي العهد محمد بن سلمان كان قد أعرب عن موقف مختلف في أحاديث خاصة، حيث أشار إلى “عدم اهتمامه الشخصي” بالقضية الفلسطينية، على خلاف من سبقوه في الحكم. ويبدو أن هذه التصريحات نُقلت خلال مناقشاته الخاصة مع وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، برغم أن المباحثات الرسمية بين الدول تُجرى عادة بين وزيري الخارجية وليس بين ولي العهد ووزير الخارجية الأميركي.
هذا التباين بين ما يصرّح به وزير الخارجية في المنصات الرسمية وما يُنسب إلى ولي العهد في الكواليس، يعكس تبايناً متعمداً في الخطاب، حيث يوظف بن سلمان موقف وزير الخارجية كوسيلة لتجنب إثارة الجدل الشعبي والإقليمي.
أهداف التطبيع في السياسة السعودية بعد 7 أكتوبر
تُظهر سياسات السعودية منذ السابع من أكتوبر توجهين رئيسيين، الأول، يدور حول استراتيجية التطبيع كمصلحة استراتيجية مع الولايات المتحدة، إذ تسعى السعودية إلى توظيف ملف التطبيع لتعزيز علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والحفاظ على الدعم الأميركي لمشاريعها المستقبلية، خصوصاً رؤية 2030 التي تتطلب حليفاً قوياً كأميركا لدعم استقرار المنطقة. وبرغم أن أحداث السابع من أكتوبر قد أعاقت هذه الخطوات، فإن السعودية لم تتراجع عن خططها، بل أصبحت أكثر تشدداً في طلب مكوّن فلسطيني ضمن أي صفقة، وهو شرط يصعب تحقيقه في ظل الأوضاع الراهنة.
والثاني، حول التعقيدات الناتجة عن تصاعد الأحداث، إذ زادت التطورات الأخيرة تعقيداً فيما يتعلق بمسألة التطبيع بالنسبة إلى السعودية، وزادت من ضرورة تحقيق توازن دقيق بين الطموحات الخارجية والمخاوف الداخلية.
وتشير تقارير إلى أن بن سلمان قد عبّر في حديثه مع بلينكن عن ضرورة النظر إلى الجيل الجديد في السعودية، الذي يتعرض لتأثيرات متزايدة من السياسة الرسمية التي باتت تتخذ موقفاً أقل حماسة تجاه القضية الفلسطينية، خاصة في ظل تنامي العنف الإسرائيلي في المنطقة.
إقرأوا أيضاً:
وسائل الإعلام السعودية: إعداد الرأي العام السعودي
أظهرت وسائل الإعلام السعودية، التي تخضع لسيطرة الدولة مثل “العربية” و”MBC”، توجهاً واضحاً في تهيئة الرأي العام السعودي لموقف أقل ارتباطاً بالقضية الفلسطينية. إلا أن تزايد انتقادات مساحة واسعة من الرأي العام العربي لتغطيات هذه القنوات، التي تتبنّى الرواية الإسرائيلية لجهة وصف حركة “حماس” و”حزب الله” بـ”الإرهابيين” يعرقل عمليات السيطرة على الرأي العام المحلي، ويزيد المخاوف من ردود الفعل العربية والإسلامية تجاه السعودية. فضلاً عن أن استضافة هذه القنوات السعودية شخصيات مستفزّة، قد أثارت جدلاً واسعاً، مثل محمد علي الحسيني، وهو شخصية شيعية معارضة ل”حزب الله” لكن ليس لها وزن أو حيثية لدى المعارضة الشيعية والطائفة بأسرها والداخل اللبناني، ولا تقوم مواقفه وتصريحاته على رأي سديد أو فكر عميق، إنما بدافع الانتقام الشخصي من “حزب الله” الذي اتهمه بالتعامل مع إسرائيل ظلماً، لكنه في الوقت نفسه، يُظهر موالاة صريحة للنظام السعودي وله صور ومدائح في ولي العهد.
كل هذا وذاك يعكس رغبة السعودية في الانفتاح على الأصوات المؤيدة للتطبيع وإعداد الجمهور لقبولها كسياسة مستقبلية، ويعكس موقف السياسة السعودية بشكل خاص تجاه القضية الفلسطينية.
إذ إن الإعلام الرسمي يمثّل واجهة لموقف ولي العهد، حيث تعمل هذه القنوات على تهيئة الشارع السعودي وتبرير أي خطوات مستقبلية، تتعلق بالتطبيع أو بناء علاقات جديدة مع إسرائيل، في خطوة تُفهم على أنها تمهيد لموقف رسمي قد يتخذ شكلاً جديداً، فيما يتجنّب ولي العهد الاصطدام بالرأي العام الإسلامي والعربي، خاصة أن موقفه الداخلي قوي، في ظل التحكم في الأصوات الناقدة وتكميم الأفواه.
المعادلة الصعبة: السعي إلى هدنة كمرحلة مؤقتة
في ظل التباينات الظاهرة بين المواقف الرسمية والخطابات المسرّبة، قد يكون الحل السعودي الحالي هو الدفع نحو هدنة مؤقتة في غزة، كمحاولة لتهدئة الأوضاع وإعادة ترتيب الأولويات، مما يمنح المملكة فرصة للمناورة الدبلوماسية ويتيح لها الاستمرار في خطوات التطبيع بشكل غير علني، ضمن إطار يُبرزها كدولة تدعم الاستقرار والسلام.
إقرأوا أيضاً:














