ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

التعليم في زمن الحرب… أجيال تُدفع خارج الصفوف

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في منزل واحد، ثلاثة عشر طفلاً. أطفال في صفوف مختلفة، من التأسيسي إلى الشهادة الرسمية، يجلسون في مساحة ضيقة، يتناوبون على هاتف واحد. الإنترنت ضعيف، الكهرباء غير مستقرة، والخوف حاضر في كل لحظة. هنا، يُفترض أن يستمر التعليم. في منزل واحد، ثلاثة عشر طفلاً. أطفال في صفوف مختلفة، من التأسيسي إلى الشهادة الرسمية، يجلسون في مساحة ضيقة، يتناوبون على هاتف واحد. الإنترنت ضعيف، الكهرباء غير مستقرة، والخوف حاضر في كل لحظة. هنا، يُفترض أن يستمر التعليم.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في مقابلات لـ”درج” مع عدد من الأمهات والمعلمات والطلاب، تتكشف صورة مختلفة تماماً عن تلك التي تُرسم في القرارات الرسمية. هذه ليست أرقاماً أو خططاً، بل قصص يومية عن تعليم يُحاول أن يصمد وسط الحرب.

“عندي ثلاث أولاد على تلفون واحد… في 13 ولد بالبيت… قلت لي أونلاين؟ كيف الولد بده يستوعب؟”، تقول شيرين، التي نزحت من منزلها في الضاحية الجنوبية. في هذا البيت، لا يوجد فقط نقص في الوسائل، بل غياب كامل للبيئة التعليمية. الأطفال لا يجدون مساحة للتركيز، والأم نفسها تعجز عن مواكبتهم. “أنا مش معلمة… مع مين بدي ركّز؟ ولا هني مع مين بدّن يركّزوا؟”، تضيف، قبل أن تحسم موقفها: “ما رح علّمهم أونلاين… بس تخلص الأزمة، بعيدهم صفوفهم”.

في مكان آخر، لا تبدو الصورة مختلفة كثيراً. فاطمة، التي لا تزال في منزلها في الصرفند، تعيش تحت القصف، لكنها لا تفكر في المدرسة أصلاً. “نحنا هلأ عم نفكر كيف بدنا نخلّي هالولد عايش…  مش كيف بدنا ندرس”، تقول. ثم تضيف: “كيف بدي قول لولدي قعود ودرس، والطيران فوقنا؟”، بالنسبة إليها، التعليم ليس أولوية مؤجلة فقط، بل فكرة غير واقعية في ظل الخوف المستمر. “نحنا مكركبين نفسياً”، تقول، وكأنها تختصر حال آلاف العائلات.

حتى داخل الصفوف الافتراضية، لا يبدو أن الأمور أفضل. جومانة، معلمة لغة عربية نازحة، تحاول أن تشرح لطلابها، لكنها هي نفسها نازحة، بلا كتب، بلا استقرار، وبلا قدرة على التركيز.

“الأهالي قاعدين أربع عائلات بغرفة… ما في إنترنت… كيف بدّن يدرسوا؟”، تقول. وتضيف أن المشكلة لا تتوقف عند الطلاب: “يعني تصوري أنو أنا عم أشرح لهن درس على التيمز وسمعت خبر إنو والله منطقتي انضربت ضرب أجا قريب كتير من بيتي، أي أعصاب بدك تتحمل؟ أكيد رح أترك الدرس واتطمن على بيتي بهالحالة، بعدين يعني ما في أعصاب بطل عنا أعصاب نتحمل”.

أما زهراء، فهي في مكان مختلف، لكنها تحمل عبئاً من نوع آخر. تلميذة في صف الشهادة الرسمية، تحاول أن تلتزم بالدراسة على رغم كل شيء، لكنها تجد نفسها عالقة بين حرب لا تتوقف وامتحان لا يُؤجَّل. “عم ندرس تحت ضغط… بتحسي في شي لاحقك، متل في عدّاد”، تقول. تحاول أن تتجاهل الحرب لتتمكن من الدراسة، لكن ذلك يبدو مستحيلاً: “مرات بدي أنسى إنو أنا بحرب… بس ما فيني”. تضيف أن المشكلة ليست فقط نفسية، بل أيضاً عملية: “في عالم قاعدة بمدارس وما معن كتبن، ما في واي فاي… كيف بدنا ندرس طبيعي؟”. في النهاية، لم يعد التعليم بالنسبة إليها طموحاً: “صرنا عم ندرس بس لنخلص… مش لأنو بدنا”.

فرضت الحرب الممتدة منذ ثلاثة أسابيع وسببت نزوح نحو مليون لبناني، تحديات غير مسبوقة. التعليم في لبنان لم يعد يتأثر بأزمة واحدة يمكن احتواؤها، بل أصبح رهينة سلسلة متراكمة من الأزمات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تداخلت منذ عام 2019، وبلغت ذروتها مع الحرب الأخيرة بين عامي 2024 و2026. في هذا السياق، لم يعد الحديث عن “تعطّل مؤقت” للعملية التعليمية دقيقاً، بل عن انهيار تدريجي لنظام تعليمي كامل، يهدد جيلاً كاملاً بفقدان حقه الأساسي في التعلم.

أزمة تتراكم: التعليم تحت وطأة الانهيار

لا يمكن فهم واقع التعليم في لبنان اليوم بمعزل عن المسار التراكمي للأزمات. منذ حرب تموز/ يوليو 2006، مروراً بتداعيات النزوح السوري بعد 2011، وصولاً إلى الانهيار الاقتصادي في 2019، ثم جائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت في 2020، كان النظام التعليمي يتعرّض لضربات متتالية، من دون أن تتوافر له فرصة حقيقية للتعافي.

يعكس هذا الخط الزمني لمسار تعطّل التعليم في لبنان بين عامي 2000 و2026 كيف تحوّلت الأزمات المتفرقة إلى حالة مستمرة من الاضطراب البنيوي. فمنذ حرب تموز 2006 التي أدّت إلى تدمير واسع ونزوح جماعي أثّر مباشرة على انتظام التعليم، مروراً بتداعيات النزوح السوري بعد 2011 الذي فرض ضغطاً غير مسبوق على المدارس الرسمية، وصولاً إلى اعتماد نظام الدوام الثاني عام 2014 لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب، بدا النظام التعليمي في حالة تكيّف دائم مع الأزمات. إلا أن الانهيار الاقتصادي في 2019 شكّل نقطة تحوّل حادة، إذ تراجعت قدرة الدولة على تمويل التعليم، وتزايدت الأعباء على المدارس الرسمية. ثم جاءت جائحة كوفيد-19 وانفجار مرفأ بيروت في 2020 ليعمّقا التعطيل ويؤدّيا إلى إغلاق المدارس لفترات طويلة. لاحقاً، استمرت الاضرابات والتوترات الأمنية بين 2022 و2023، قبل أن تتفاقم الأزمة مع التصعيد العسكري في 2024، إذ تحوّلت المدارس إلى مراكز إيواء وتعرّضت البنية التحتية التعليمية لأضرار كبيرة. ومع استمرار التحديات في 2025 وتجدد النزوح والاضطرابات في 2026، يتبيّن أن التعليم في لبنان لم يعد يواجه أزمة ظرفية، بل يعيش حالة تعطّل مزمنة نتيجة تداخل الحرب، الاقتصاد، والنزوح، ما يهدد استمرارية النظام التعليمي ككل.

الانهيار الاقتصادي: التعليم كترف غير متاح

منذ بداية الانهيار الاقتصادي، تراجعت قدرة الأسر على تحمّل تكاليف التعليم بشكل حاد. تشير تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إلى أن أكثر من 52% من الأسر خفّضت إنفاقها على التعليم لتأمين الاحتياجات الأساسية، فيما اضطرت 15% منها إلى إيقاف تعليم أطفالها بالكامل. هذا التحول يعكس انتقال التعليم من كونه حقاً أساسياً إلى كونه عبئاً مالياً، في ظل تضخم غير مسبوق وانهيار القدرة الشرائية.

التسرّب المدرسي وعمالة الأطفال

مع تفاقم الأزمة، برز التسرّب المدرسي كأحد أبرز مظاهر الانهيار. يُقدَّر أن 31% من الشباب في لبنان هم خارج التعليم أو العمل أو التدريب، فيما انخفضت نسبة الالتحاق بالتعليم من 60% إلى نحو 43%. وفي موازاة ذلك، اضطر أكثر من 13% من الأسر إلى إرسال أطفالها إلى العمل، بما في ذلك أطفال دون سن السادسة في بعض الحالات، ما يعكس تحوّل التعليم إلى خيار ثانوي أمام متطلبات البقاء.

الحرب: ضربة إضافية لنظام هشّ

لم تأتِ الحرب الأخيرة إلا لتضاعف الأزمة. منذ تصاعد العمليات العسكرية في 2024، تعطّل التعليم لمئات آلاف الأطفال نتيجة النزوح والدمار. تشير تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إلى أن نحو 350,000 طفل تأثروا مباشرة بالنزوح، فيما تحوّلت مدارس عدة إلى مراكز إيواء. وفي هذا السياق، أعلنت وزارة التربية والتعليم العالي في لبنان وضع 1,156 مدرسة وثانوية رسمية و75 معهداً مهنياً بتصرّف غرفة إدارة الكوارث، من بينها 334 مدرسة رسمية و40 معهداً مهنياً و17 مركزاً تابعاً للجامعة اللبنانية، لاستخدامها كمراكز لإيواء النازحين. هذا التحوّل حوّل المدارس من فضاءات للتعلّم إلى بنى للاستجابة الطارئة، ما أدى عملياً إلى تعليق الدراسة في عدد كبير منها أو تقليصها بشكل كبير. كما أن الأطفال الذين استمروا في التعلم واجهوا تراجعاً واضحاً في المستوى التعليمي، إذ أصبحت المناهج المقدمة أقل من المستوى العمري للطلاب، في ظل نقص الموارد وتقطع العملية التعليمية.

في حديث لـ”درج” قالت وزيرة التربية د. ريما كرامي، إن قرار التعليم عن بعد لا يرتبط بتقدير سياسي لطول الحرب، بل بطبيعة النظام التعليمي نفسه، الذي “لا يمكن أن يتوقف”، على حد تعبيرها.
وتوضح أن الوزارة تتعامل مع “أزمة متراكمة”، ما يفرض الانتقال من منطق انتظار الاستقرار إلى محاولة ضمان “استمرارية التعلم مهما كانت الظروف”.

بنية تعليمية متضررة ونظام غير مستقر

تُظهر بيانات وزارة التربية والتعليم العالي في لبنان والمركز التربوي للبحوث والإنماء حجم التدهور في البنية التحتية التعليمية، إذ تضررت مئات المدارس، بعضها بشكل جزئي أو كلي، فيما استُخدمت أخرى كملاجئ. وتشير التقديرات إلى أن نحو 500,000 طفل في سن الدراسة خارج المدرسة حالياً، نتيجة عوامل تشمل الفقر، والنزوح، ومشكلات الوصول. في المقابل، يعاني الكادر التعليمي من إضرابات متكررة وهجرة واسعة بسبب تدهور الأجور، ما أدى إلى تقليص أيام التدريس وتراجع جودة التعليم بشكل عام. يشير الصحافي وليد حسين في حديث مع “درج”، إلى أن الأزمة لا تقتصر على الأدوات، بل تمتد الى بنية النظام نفسه، حيث “يوجد تفاوت كبير بين التعليم الرسمي والخاص، وحتى داخل القطاع الخاص نفسه”، ما يجعل أي خطة موحّدة غير قابلة للتطبيق. ويرى أن جزءاً من المدارس الخاصة يواصل التعليم “ليس بالضرورة لضمان جودة التعلّم، بل في بعض الحالات لضمان تحصيل الأقساط”، ما يعمّق الفجوة بين الطلاب.

تعليم متقطّع وحلول مؤقتة

في محاولة لاحتواء الأزمة، اعتُمدت نماذج بديلة مثل التعليم عن بُعد والتعليم المدمج، إضافة إلى برامج التعليم غير الرسمي. إلا أن هذه الحلول تبقى محدودة الفعالية، بخاصة في ظل ضعف البنية التحتية الرقمية وعدم تكافؤ الوصول إلى الإنترنت والكهرباء. كما تشير البيانات إلى أن عدداً من المدارس لا يزال يعتمد ساعات تدريس مخفّضة، أو يعمل بنظام دوام جزئي، ما يعمّق الفجوة التعليمية بين الطلاب. في هذا السياق، يضيف  الصحافي وليد حسين أن النقاش حول التعليم عن بعد في لبنان “يُطرح بشكل نظري أكثر منه واقعي”. ويقول إن هذا النموذج “فاشل أساساً في التعليم الأساسي، ويصبح أكثر هشاشة في بلد يعاني من نزوح جماعي وانهيار اقتصادي”. ويلفت الى أن ما يُطبّق اليوم “لا يُعدّ تعليماً عن بعد فعلياً، بل محاولات جزئية عبر وسائل مثل واتسآب أو إرسال مواد غير تفاعلية، وهي مقاربة أثبتت فشلها سابقاً”.

فيما تقرّ الوزيرة بأن التعليم عن بعد ليس مثالياً، لكنه “الخيار الأفضل المتاح حالياً”، مشيرة إلى أن الخطة تقوم على التمييز بين المناطق، بحيث يُعتمد التعليم الحضوري حيث أمكن، والتعليم عن بعد في المناطق غير الآمنة. وتضيف أن الوزارة تعمل على تقييم أوضاع الطلاب عبر المدارس مباشرة، ومحاولة تأمين أجهزة أو دعم تقني للفئات الأكثر هشاشة، معتبرة أن الوصول حتى إلى “50% من الطلاب” يُعدّ خطوة لتقليص حجم الخسارة.

الامتحانات الرسمية: بين سيناريوهات الوزارة وقلق الطلاب

في ما يتعلق بالامتحانات الرسمية، لا تزال الصورة ضبابية، على رغم تأكيد وزارة التربية أنها تعمل على إعداد سيناريوهات متعددة، مع إعطاء الأولوية لطلاب الشهادات، ومحاولة إيجاد صيغ مرنة تضمن عدم خسارة العام الدراسي. إلا أن هذا الخطاب الرسمي يصطدم بواقع مختلف تماماً لدى الطلاب. تقول زهراء، تلميذة في صف الشهادة الرسمية، إن هذه السنة “ليست كأي سنة”، ليس فقط بسبب الحرب، بل بسبب الضغط المتراكم: “لدينا امتحان رسمي، ولا شيء واضح… لا خطة، ولا ضمانات، ولا حتى شعور بأننا نسير في الاتجاه الصحيح”.  وتضيف أن الطلاب يعيشون حالة استنزاف مستمر: “ندرس تحت ضغط، كأن هناك عدّاداً يلاحقنا… نحاول أن ندرس وننسى أننا في حرب، لكن لا يمكن فصل الأمرين”.  هذا الضغط لا يرتبط فقط بالمناهج، بل أيضاً بغياب الحد الأدنى من الظروف التعليمية، من انقطاع الإنترنت إلى فقدان الكتب لدى طلاب كثر، فضلاً عن النزوح وانعدام الاستقرار. وتشير زهراء إلى أن حتى فكرة “المناطق الآمنة” لم تعد واقعية، في ظل امتداد القصف إلى مناطق مختلفة، ما يجعل الالتزام ببرنامج دراسي ثابت أمراً شبه مستحيل. بين حديث رسمي عن “سيناريوهات قيد الدرس”، وتجربة طلاب يعيشون القلق اليومي من دون وضوح في المصير، تبدو الامتحانات الرسمية معلّقة بين ما يمكن التخطيط له نظرياً، وما يمكن تحمّله فعلياً على الأرض.

الأثر النفسي والاجتماعي: أزمة غير مرئية

لا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب التعليمي، بل تمتد إلى الصحة النفسية للأطفال. إذ تشير تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إلى أن نحو 70% من الأطفال يعانون من القلق والتوتر، فيما يعاني نصفهم تقريباً من الحزن أو الاكتئاب بشكل متكرر. ويعكس ذلك بيئة غير مستقرة تتداخل فيها الحرب مع الفقر وانعدام الأمان.

جيل مهدد ومستقبل غامض

في المحصلة، يعكس واقع التعليم في لبنان خلال زمن الحرب أزمة بنيوية عميقة، تتجاوز حدود القطاع التربوي لتطاول مستقبل المجتمع ككل. فاستمرار هذا المسار يعني توسيع الفجوات التعليمية، وتعميق عدم المساواة، وإضعاف فرص التعافي الاقتصادي والاجتماعي. في ظل غياب حلول مستدامة، لا يبدو أن الأزمة تتجه نحو الانفراج قريباً، ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة النظام التعليمي على الصمود، وإمكانية إنقاذ جيل كامل قبل أن تتحوّل خسارته إلى واقع دائم.

في المحصلة، يعتبر حسين أن ما يحصل اليوم يؤدي عملياً إلى “انقسام تعليمي واضح”، إذ تتمكّن فئة محدودة من متابعة تعليمها، بينما تُترك فئات واسعة خارج النظام بالكامل. ويضيف أن غياب التخطيط المسبق واعتماد المقاربات نفسها في كل أزمة “يعيدان إنتاج النتائج نفسها”، محذّراً من أن استمرار هذا المسار قد يكرّس فقدان عام دراسي كامل، وربما أكثر.

بالنسبة الى الوزارة، لا يتعلق الأمر فقط بالتعليم، بل أيضاً بالحفاظ على حد أدنى من الاستقرار النفسي للأطفال. تقول الوزيرة كرامي إن إبقاء الطلاب في مسار تعليمي، ولو جزئي، “يساعدهم على التمسك بشيء من الحياة الطبيعية في ظل واقع غير طبيعي”، مشددةً على ضرورة عدم الاستسلام، ومختصرة موقفها بعبارة: “لا تستسلموا أبداً”. وتدعو الأهالي إلى عدم التسليم بفكرة خسارة العام الدراسي، معتبرة أن حتى ساعات محدودة من التعلّم يومياً “قد تُحدث فرقاً”، وأن الهدف في هذه المرحلة هو “إنقاذ ما يمكن إنقاذه”.

بين النجاة والتعليم… أيهما أولوية اليوم؟

في نهاية هذا المشهد، تتقاطع الأصوات لكنها لا تلتقي.  بين المقاربة الرسمية، وتجارب يومية يطغى عليها الخوف والارتباك وانعدام القدرة، لا يبدو أن الأزمة التعليمية في لبنان مجرد خلل ظرفي، بل هي تحوّل عميق في معنى التعليم نفسه. فإذا كان جزء من الطلاب لا يزال قادراً على التعلّم، فيما يُترك جزء آخر خارج النظام بالكامل، فالسؤال لم يعد فقط عن مصير العام الدراسي، بل عن مستقبل التعليم في بلد تتكرر فيه الأزمات بلا نهاية: أي نموذج تعليمي يمكن أن يصمد في لبنان، إذا كان الطلاب أنفسهم يحاولون أولاً النجاة قبل أن يتعلّموا؟

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 10.04.2026

ما تبقى من أهل الليطاني ومن ثقافته

ورثة البساتين سيواصلون غيابهم، وسيولد جيل جديد في المغتربات من أصحاب الأملاك ممن لا يعرفون شيئاً عن ثقافة الليطاني، سيهجرون بساتين أجدادهم. وربما سنستعيد حكايات النهر في مسرحية يعرض علينا فيها يحيى جابر قصته مع النهر، في مسرح مونو في بيروت، ثم نغادر إلى منازلنا وننام.

في منزل واحد، ثلاثة عشر طفلاً. أطفال في صفوف مختلفة، من التأسيسي إلى الشهادة الرسمية، يجلسون في مساحة ضيقة، يتناوبون على هاتف واحد. الإنترنت ضعيف، الكهرباء غير مستقرة، والخوف حاضر في كل لحظة. هنا، يُفترض أن يستمر التعليم. في منزل واحد، ثلاثة عشر طفلاً. أطفال في صفوف مختلفة، من التأسيسي إلى الشهادة الرسمية، يجلسون في مساحة ضيقة، يتناوبون على هاتف واحد. الإنترنت ضعيف، الكهرباء غير مستقرة، والخوف حاضر في كل لحظة. هنا، يُفترض أن يستمر التعليم.

في مقابلات لـ”درج” مع عدد من الأمهات والمعلمات والطلاب، تتكشف صورة مختلفة تماماً عن تلك التي تُرسم في القرارات الرسمية. هذه ليست أرقاماً أو خططاً، بل قصص يومية عن تعليم يُحاول أن يصمد وسط الحرب.

“عندي ثلاث أولاد على تلفون واحد… في 13 ولد بالبيت… قلت لي أونلاين؟ كيف الولد بده يستوعب؟”، تقول شيرين، التي نزحت من منزلها في الضاحية الجنوبية. في هذا البيت، لا يوجد فقط نقص في الوسائل، بل غياب كامل للبيئة التعليمية. الأطفال لا يجدون مساحة للتركيز، والأم نفسها تعجز عن مواكبتهم. “أنا مش معلمة… مع مين بدي ركّز؟ ولا هني مع مين بدّن يركّزوا؟”، تضيف، قبل أن تحسم موقفها: “ما رح علّمهم أونلاين… بس تخلص الأزمة، بعيدهم صفوفهم”.

في مكان آخر، لا تبدو الصورة مختلفة كثيراً. فاطمة، التي لا تزال في منزلها في الصرفند، تعيش تحت القصف، لكنها لا تفكر في المدرسة أصلاً. “نحنا هلأ عم نفكر كيف بدنا نخلّي هالولد عايش…  مش كيف بدنا ندرس”، تقول. ثم تضيف: “كيف بدي قول لولدي قعود ودرس، والطيران فوقنا؟”، بالنسبة إليها، التعليم ليس أولوية مؤجلة فقط، بل فكرة غير واقعية في ظل الخوف المستمر. “نحنا مكركبين نفسياً”، تقول، وكأنها تختصر حال آلاف العائلات.

حتى داخل الصفوف الافتراضية، لا يبدو أن الأمور أفضل. جومانة، معلمة لغة عربية نازحة، تحاول أن تشرح لطلابها، لكنها هي نفسها نازحة، بلا كتب، بلا استقرار، وبلا قدرة على التركيز.

“الأهالي قاعدين أربع عائلات بغرفة… ما في إنترنت… كيف بدّن يدرسوا؟”، تقول. وتضيف أن المشكلة لا تتوقف عند الطلاب: “يعني تصوري أنو أنا عم أشرح لهن درس على التيمز وسمعت خبر إنو والله منطقتي انضربت ضرب أجا قريب كتير من بيتي، أي أعصاب بدك تتحمل؟ أكيد رح أترك الدرس واتطمن على بيتي بهالحالة، بعدين يعني ما في أعصاب بطل عنا أعصاب نتحمل”.

أما زهراء، فهي في مكان مختلف، لكنها تحمل عبئاً من نوع آخر. تلميذة في صف الشهادة الرسمية، تحاول أن تلتزم بالدراسة على رغم كل شيء، لكنها تجد نفسها عالقة بين حرب لا تتوقف وامتحان لا يُؤجَّل. “عم ندرس تحت ضغط… بتحسي في شي لاحقك، متل في عدّاد”، تقول. تحاول أن تتجاهل الحرب لتتمكن من الدراسة، لكن ذلك يبدو مستحيلاً: “مرات بدي أنسى إنو أنا بحرب… بس ما فيني”. تضيف أن المشكلة ليست فقط نفسية، بل أيضاً عملية: “في عالم قاعدة بمدارس وما معن كتبن، ما في واي فاي… كيف بدنا ندرس طبيعي؟”. في النهاية، لم يعد التعليم بالنسبة إليها طموحاً: “صرنا عم ندرس بس لنخلص… مش لأنو بدنا”.

فرضت الحرب الممتدة منذ ثلاثة أسابيع وسببت نزوح نحو مليون لبناني، تحديات غير مسبوقة. التعليم في لبنان لم يعد يتأثر بأزمة واحدة يمكن احتواؤها، بل أصبح رهينة سلسلة متراكمة من الأزمات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تداخلت منذ عام 2019، وبلغت ذروتها مع الحرب الأخيرة بين عامي 2024 و2026. في هذا السياق، لم يعد الحديث عن “تعطّل مؤقت” للعملية التعليمية دقيقاً، بل عن انهيار تدريجي لنظام تعليمي كامل، يهدد جيلاً كاملاً بفقدان حقه الأساسي في التعلم.

أزمة تتراكم: التعليم تحت وطأة الانهيار

لا يمكن فهم واقع التعليم في لبنان اليوم بمعزل عن المسار التراكمي للأزمات. منذ حرب تموز/ يوليو 2006، مروراً بتداعيات النزوح السوري بعد 2011، وصولاً إلى الانهيار الاقتصادي في 2019، ثم جائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت في 2020، كان النظام التعليمي يتعرّض لضربات متتالية، من دون أن تتوافر له فرصة حقيقية للتعافي.

يعكس هذا الخط الزمني لمسار تعطّل التعليم في لبنان بين عامي 2000 و2026 كيف تحوّلت الأزمات المتفرقة إلى حالة مستمرة من الاضطراب البنيوي. فمنذ حرب تموز 2006 التي أدّت إلى تدمير واسع ونزوح جماعي أثّر مباشرة على انتظام التعليم، مروراً بتداعيات النزوح السوري بعد 2011 الذي فرض ضغطاً غير مسبوق على المدارس الرسمية، وصولاً إلى اعتماد نظام الدوام الثاني عام 2014 لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب، بدا النظام التعليمي في حالة تكيّف دائم مع الأزمات. إلا أن الانهيار الاقتصادي في 2019 شكّل نقطة تحوّل حادة، إذ تراجعت قدرة الدولة على تمويل التعليم، وتزايدت الأعباء على المدارس الرسمية. ثم جاءت جائحة كوفيد-19 وانفجار مرفأ بيروت في 2020 ليعمّقا التعطيل ويؤدّيا إلى إغلاق المدارس لفترات طويلة. لاحقاً، استمرت الاضرابات والتوترات الأمنية بين 2022 و2023، قبل أن تتفاقم الأزمة مع التصعيد العسكري في 2024، إذ تحوّلت المدارس إلى مراكز إيواء وتعرّضت البنية التحتية التعليمية لأضرار كبيرة. ومع استمرار التحديات في 2025 وتجدد النزوح والاضطرابات في 2026، يتبيّن أن التعليم في لبنان لم يعد يواجه أزمة ظرفية، بل يعيش حالة تعطّل مزمنة نتيجة تداخل الحرب، الاقتصاد، والنزوح، ما يهدد استمرارية النظام التعليمي ككل.

الانهيار الاقتصادي: التعليم كترف غير متاح

منذ بداية الانهيار الاقتصادي، تراجعت قدرة الأسر على تحمّل تكاليف التعليم بشكل حاد. تشير تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إلى أن أكثر من 52% من الأسر خفّضت إنفاقها على التعليم لتأمين الاحتياجات الأساسية، فيما اضطرت 15% منها إلى إيقاف تعليم أطفالها بالكامل. هذا التحول يعكس انتقال التعليم من كونه حقاً أساسياً إلى كونه عبئاً مالياً، في ظل تضخم غير مسبوق وانهيار القدرة الشرائية.

التسرّب المدرسي وعمالة الأطفال

مع تفاقم الأزمة، برز التسرّب المدرسي كأحد أبرز مظاهر الانهيار. يُقدَّر أن 31% من الشباب في لبنان هم خارج التعليم أو العمل أو التدريب، فيما انخفضت نسبة الالتحاق بالتعليم من 60% إلى نحو 43%. وفي موازاة ذلك، اضطر أكثر من 13% من الأسر إلى إرسال أطفالها إلى العمل، بما في ذلك أطفال دون سن السادسة في بعض الحالات، ما يعكس تحوّل التعليم إلى خيار ثانوي أمام متطلبات البقاء.

الحرب: ضربة إضافية لنظام هشّ

لم تأتِ الحرب الأخيرة إلا لتضاعف الأزمة. منذ تصاعد العمليات العسكرية في 2024، تعطّل التعليم لمئات آلاف الأطفال نتيجة النزوح والدمار. تشير تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إلى أن نحو 350,000 طفل تأثروا مباشرة بالنزوح، فيما تحوّلت مدارس عدة إلى مراكز إيواء. وفي هذا السياق، أعلنت وزارة التربية والتعليم العالي في لبنان وضع 1,156 مدرسة وثانوية رسمية و75 معهداً مهنياً بتصرّف غرفة إدارة الكوارث، من بينها 334 مدرسة رسمية و40 معهداً مهنياً و17 مركزاً تابعاً للجامعة اللبنانية، لاستخدامها كمراكز لإيواء النازحين. هذا التحوّل حوّل المدارس من فضاءات للتعلّم إلى بنى للاستجابة الطارئة، ما أدى عملياً إلى تعليق الدراسة في عدد كبير منها أو تقليصها بشكل كبير. كما أن الأطفال الذين استمروا في التعلم واجهوا تراجعاً واضحاً في المستوى التعليمي، إذ أصبحت المناهج المقدمة أقل من المستوى العمري للطلاب، في ظل نقص الموارد وتقطع العملية التعليمية.

في حديث لـ”درج” قالت وزيرة التربية د. ريما كرامي، إن قرار التعليم عن بعد لا يرتبط بتقدير سياسي لطول الحرب، بل بطبيعة النظام التعليمي نفسه، الذي “لا يمكن أن يتوقف”، على حد تعبيرها.
وتوضح أن الوزارة تتعامل مع “أزمة متراكمة”، ما يفرض الانتقال من منطق انتظار الاستقرار إلى محاولة ضمان “استمرارية التعلم مهما كانت الظروف”.

بنية تعليمية متضررة ونظام غير مستقر

تُظهر بيانات وزارة التربية والتعليم العالي في لبنان والمركز التربوي للبحوث والإنماء حجم التدهور في البنية التحتية التعليمية، إذ تضررت مئات المدارس، بعضها بشكل جزئي أو كلي، فيما استُخدمت أخرى كملاجئ. وتشير التقديرات إلى أن نحو 500,000 طفل في سن الدراسة خارج المدرسة حالياً، نتيجة عوامل تشمل الفقر، والنزوح، ومشكلات الوصول. في المقابل، يعاني الكادر التعليمي من إضرابات متكررة وهجرة واسعة بسبب تدهور الأجور، ما أدى إلى تقليص أيام التدريس وتراجع جودة التعليم بشكل عام. يشير الصحافي وليد حسين في حديث مع “درج”، إلى أن الأزمة لا تقتصر على الأدوات، بل تمتد الى بنية النظام نفسه، حيث “يوجد تفاوت كبير بين التعليم الرسمي والخاص، وحتى داخل القطاع الخاص نفسه”، ما يجعل أي خطة موحّدة غير قابلة للتطبيق. ويرى أن جزءاً من المدارس الخاصة يواصل التعليم “ليس بالضرورة لضمان جودة التعلّم، بل في بعض الحالات لضمان تحصيل الأقساط”، ما يعمّق الفجوة بين الطلاب.

تعليم متقطّع وحلول مؤقتة

في محاولة لاحتواء الأزمة، اعتُمدت نماذج بديلة مثل التعليم عن بُعد والتعليم المدمج، إضافة إلى برامج التعليم غير الرسمي. إلا أن هذه الحلول تبقى محدودة الفعالية، بخاصة في ظل ضعف البنية التحتية الرقمية وعدم تكافؤ الوصول إلى الإنترنت والكهرباء. كما تشير البيانات إلى أن عدداً من المدارس لا يزال يعتمد ساعات تدريس مخفّضة، أو يعمل بنظام دوام جزئي، ما يعمّق الفجوة التعليمية بين الطلاب. في هذا السياق، يضيف  الصحافي وليد حسين أن النقاش حول التعليم عن بعد في لبنان “يُطرح بشكل نظري أكثر منه واقعي”. ويقول إن هذا النموذج “فاشل أساساً في التعليم الأساسي، ويصبح أكثر هشاشة في بلد يعاني من نزوح جماعي وانهيار اقتصادي”. ويلفت الى أن ما يُطبّق اليوم “لا يُعدّ تعليماً عن بعد فعلياً، بل محاولات جزئية عبر وسائل مثل واتسآب أو إرسال مواد غير تفاعلية، وهي مقاربة أثبتت فشلها سابقاً”.

فيما تقرّ الوزيرة بأن التعليم عن بعد ليس مثالياً، لكنه “الخيار الأفضل المتاح حالياً”، مشيرة إلى أن الخطة تقوم على التمييز بين المناطق، بحيث يُعتمد التعليم الحضوري حيث أمكن، والتعليم عن بعد في المناطق غير الآمنة. وتضيف أن الوزارة تعمل على تقييم أوضاع الطلاب عبر المدارس مباشرة، ومحاولة تأمين أجهزة أو دعم تقني للفئات الأكثر هشاشة، معتبرة أن الوصول حتى إلى “50% من الطلاب” يُعدّ خطوة لتقليص حجم الخسارة.

الامتحانات الرسمية: بين سيناريوهات الوزارة وقلق الطلاب

في ما يتعلق بالامتحانات الرسمية، لا تزال الصورة ضبابية، على رغم تأكيد وزارة التربية أنها تعمل على إعداد سيناريوهات متعددة، مع إعطاء الأولوية لطلاب الشهادات، ومحاولة إيجاد صيغ مرنة تضمن عدم خسارة العام الدراسي. إلا أن هذا الخطاب الرسمي يصطدم بواقع مختلف تماماً لدى الطلاب. تقول زهراء، تلميذة في صف الشهادة الرسمية، إن هذه السنة “ليست كأي سنة”، ليس فقط بسبب الحرب، بل بسبب الضغط المتراكم: “لدينا امتحان رسمي، ولا شيء واضح… لا خطة، ولا ضمانات، ولا حتى شعور بأننا نسير في الاتجاه الصحيح”.  وتضيف أن الطلاب يعيشون حالة استنزاف مستمر: “ندرس تحت ضغط، كأن هناك عدّاداً يلاحقنا… نحاول أن ندرس وننسى أننا في حرب، لكن لا يمكن فصل الأمرين”.  هذا الضغط لا يرتبط فقط بالمناهج، بل أيضاً بغياب الحد الأدنى من الظروف التعليمية، من انقطاع الإنترنت إلى فقدان الكتب لدى طلاب كثر، فضلاً عن النزوح وانعدام الاستقرار. وتشير زهراء إلى أن حتى فكرة “المناطق الآمنة” لم تعد واقعية، في ظل امتداد القصف إلى مناطق مختلفة، ما يجعل الالتزام ببرنامج دراسي ثابت أمراً شبه مستحيل. بين حديث رسمي عن “سيناريوهات قيد الدرس”، وتجربة طلاب يعيشون القلق اليومي من دون وضوح في المصير، تبدو الامتحانات الرسمية معلّقة بين ما يمكن التخطيط له نظرياً، وما يمكن تحمّله فعلياً على الأرض.

الأثر النفسي والاجتماعي: أزمة غير مرئية

لا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب التعليمي، بل تمتد إلى الصحة النفسية للأطفال. إذ تشير تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إلى أن نحو 70% من الأطفال يعانون من القلق والتوتر، فيما يعاني نصفهم تقريباً من الحزن أو الاكتئاب بشكل متكرر. ويعكس ذلك بيئة غير مستقرة تتداخل فيها الحرب مع الفقر وانعدام الأمان.

جيل مهدد ومستقبل غامض

في المحصلة، يعكس واقع التعليم في لبنان خلال زمن الحرب أزمة بنيوية عميقة، تتجاوز حدود القطاع التربوي لتطاول مستقبل المجتمع ككل. فاستمرار هذا المسار يعني توسيع الفجوات التعليمية، وتعميق عدم المساواة، وإضعاف فرص التعافي الاقتصادي والاجتماعي. في ظل غياب حلول مستدامة، لا يبدو أن الأزمة تتجه نحو الانفراج قريباً، ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة النظام التعليمي على الصمود، وإمكانية إنقاذ جيل كامل قبل أن تتحوّل خسارته إلى واقع دائم.

في المحصلة، يعتبر حسين أن ما يحصل اليوم يؤدي عملياً إلى “انقسام تعليمي واضح”، إذ تتمكّن فئة محدودة من متابعة تعليمها، بينما تُترك فئات واسعة خارج النظام بالكامل. ويضيف أن غياب التخطيط المسبق واعتماد المقاربات نفسها في كل أزمة “يعيدان إنتاج النتائج نفسها”، محذّراً من أن استمرار هذا المسار قد يكرّس فقدان عام دراسي كامل، وربما أكثر.

بالنسبة الى الوزارة، لا يتعلق الأمر فقط بالتعليم، بل أيضاً بالحفاظ على حد أدنى من الاستقرار النفسي للأطفال. تقول الوزيرة كرامي إن إبقاء الطلاب في مسار تعليمي، ولو جزئي، “يساعدهم على التمسك بشيء من الحياة الطبيعية في ظل واقع غير طبيعي”، مشددةً على ضرورة عدم الاستسلام، ومختصرة موقفها بعبارة: “لا تستسلموا أبداً”. وتدعو الأهالي إلى عدم التسليم بفكرة خسارة العام الدراسي، معتبرة أن حتى ساعات محدودة من التعلّم يومياً “قد تُحدث فرقاً”، وأن الهدف في هذه المرحلة هو “إنقاذ ما يمكن إنقاذه”.

بين النجاة والتعليم… أيهما أولوية اليوم؟

في نهاية هذا المشهد، تتقاطع الأصوات لكنها لا تلتقي.  بين المقاربة الرسمية، وتجارب يومية يطغى عليها الخوف والارتباك وانعدام القدرة، لا يبدو أن الأزمة التعليمية في لبنان مجرد خلل ظرفي، بل هي تحوّل عميق في معنى التعليم نفسه. فإذا كان جزء من الطلاب لا يزال قادراً على التعلّم، فيما يُترك جزء آخر خارج النظام بالكامل، فالسؤال لم يعد فقط عن مصير العام الدراسي، بل عن مستقبل التعليم في بلد تتكرر فيه الأزمات بلا نهاية: أي نموذج تعليمي يمكن أن يصمد في لبنان، إذا كان الطلاب أنفسهم يحاولون أولاً النجاة قبل أن يتعلّموا؟

|
آخر القصص
بين كارثتين: لبنان الذي نستحقّه ولبنان الذي نملكه
عليا ابراهيم - صحافية وكاتبة لبنانية | 10.04.2026
قصّة نوّاف مع “البيئة”: “أريد حياته ويريد قتلي”
طارق اسماعيل - كاتب لبناني | 10.04.2026
ما تبقى من أهل الليطاني ومن ثقافته
حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 10.04.2026
الأربعاء الأسود… إسرائيل تقصف لبنان بلا أي قيود
ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 09.04.2026

اشترك بنشرتنا البريدية