لا تبدأ الدول الجديدة بكتابة دساتيرها فقط، بل تكتب، منذ اللحظة الأولى، دستورا آخر دون نصّ، تصوغه عبر الأشخاص الذين تختارهم لتمثيلها، والخطاب الذي يصدر عن مسؤوليها، والمعايير التي تعتمدها في منح الثقة والمكانة العامّة. فالقوانين تخبر المواطنين بالطريقة التي يفترض أن تُحكم بها البلاد، أما التعيينات فتخبرهم، بصورة أكثر مباشرة أحياناً، بالقيم التي تريد السلطة منحها الشرعية.
التعيين في منصب عامّ يتجاوز كونه مجرّد قرار إداري، فمن تمنحه الدولة موقعاً رسمياً، تمنحه أيضاً اعترافاً رمزياً وسياسياً، هو جزء من صورة الدولة وخطابها. وفي الفترات الانتقالية كما في سوريا، يلعب “التعيين” دوراً في منح الشرعية، ورسم خطاب الدولة وأدوارها، واليوم بعد “كوارث” التعيينات في سوريا، تجد النساء أنفسهن أمام سؤال: ما نوع الدولة التي تتشكّل أمامنا؟
بعض التعيينات التي شهدتها الأشهر الماضية أثارت أسئلة تتجاوز أسماء أصحابها، نحو الخطاب الذي يحملونه، إذ جرى تعيين مسؤولين في مواقع إعلامية في الرقّة وحمص، رغم أن صفحاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي تضمّنت منشورات عُرفت بالتشهير بالنساء والإساءة إليهن بألفاظ مهينة. وقد يُقال إن تلك المنشورات قديمة، أو إنها تندرج ضمن الآراء الشخصية، لكنّ المشكلة لا تتعلّق بالماضي وحده، بل بقرار الدولة منح صاحب هذا الخطاب موقعاً رسمياً وتمثيلاً عامّاً، وهكذا لا تختار موظّفاً فقط. بل تقول، بصورة ضمنية، إن هذا السجلّ لا يشكّل عائقاً أمام تمثيلها.
وينطبق السؤال نفسه على عبيدة أرناؤوط، الذي سبق أن أثارت تصريحاته حول أهلية النساء للعمل السياسي جدلاً واسعاً. القضيّة هنا ليست منع أيّ شخص من امتلاك رأي محافظ أو تقليدي في أدوار الرجال والنساء، إنما في الفرق بين المواطن العادي والمسؤول العامّ. فحين يصبح صاحب هذه القناعات أحد وجوه السلطة، فإن رأيه لا يعود منفصلاً تماماً عن المؤسّسة التي يمثّلها.
أمّا حالة شادي الويسي، فقد أثارت مستوى آخر من القلق، بعدما أُعيد تعيينه في محكمة النقض العليا ونائباً لمحافظ الرقّة، فالويسي يظهر في مقاطع مسجّلة منذ سنوات نراه فيها يشرف على إعدام امرأتين في إدلب خلال فترة تولّيه منصباً قضائياً في ظلّ “هيئة تحرير الشام”، الشأن الذي لم تنكره حكومة دمشق. وبغضّ النظر عن المسار القضائي لهذه الاتّهامات، فإن تجاوز إرث كهذا من دون تفسير أو مساءلة، يطرح سؤالاً لا يتعلّق بشخص الويسي وحده: ما المعايير التي تعتمدها السلطة في منح الثقة والشرعية؟
عادة ما تؤدّي تغريدة قديمة أو عبارة مهينة أو سلوك يتعارض مع القيم العامّة إلى استقالة مسؤول أو استبعاده من المنصب، حتى حين لا يشكّل ذلك السلوك جريمة قانونية، لأن المنصب العامّ لا يمنح سلطة فقط، بل يفرض أيضاً معياراً أعلى من المسؤولية. وفي مرحلة انتقالية مثل المرحلة السورية، يصبح هذا المعيار أكثر أهمّية، لا أقلّ، لأن الثقة لم تترسّخ بعد، ولأن كل اختيار يساهم في رسم الحدود الأخلاقية للنظام الجديد. لكنّ الرسائل التي تصل إلى النساء لا تأتي من التعيينات وحدها.
ضد النسوية!
تكرّرت على ألسنة مسؤولين في السلطة، رجالاً ونساء، تصريحات ضد النسوية بوصفها منتجاً غربياً، ولا تناسب بلادنا وثقافتنا، آخرها في إحدى الندوات الحوارية ضمن مهرجان دمشق الدولي للشعر العربي، تحدّث وزير الثقافة محمّد ياسين الصالح عن تجربة الشاعرة سعاد الصباح، قائلاً إنها كانت تطالب بحقوق المرأة “بعيداً عن شعارات التغريب”، وإنها كانت تفعل ذلك وهي متمسّكة بـ“عباءتها الشرقية” وملامحها العربية وهويّتها.
لا تكمن أهمّية هذا الكلام في الاتّفاق أو الاختلاف معه. فمن حقّ وزير الثقافة، أن يفضّل نموذجاً ثقافياً على آخر، وأن ينتقد بعض تيّارات النسوية أو يميّز بينها وبين تصوّره الخاصّ لحقوق المرأة. والنسوية نفسها ليست مدرسة واحدة، بل تيّارات متباينة ومتناقضة أحياناً، لكنّ السؤال الذي يواجه الدولة ليس أيّ نسوية تؤيّد؟ السؤال هو كيف تُعامل النساء؟
المرأة السورية يمكن أن تكون محافظة أو ليبرالية، محجّبة أو غير محجّبة، وأن تؤيّد النسوية أو ترفضها تماماً، من دون أن يغيّر ذلك شيئاً في جوهر حقوقها كمواطنة، حقوق المرأة لا تبدأ من تعريف النسوية، ولا تنتهي عنده. تستطيع أيّ سلطة أن تتبنّى رؤية ثقافية محافظة، لكنّ ذلك لا يُعفيها من واجب حماية النساء وضمان مساواتهن أمام القانون وفتح المجال العامّ أمامهن على أساس الكفاءة والمواطنة، الدولة لا تُختبر بموقفها من النسوية بقدر ما تُختبر بموقفها من المواطنة.
ولهذا يصبح كلام وزير الثقافة مهمّاً في سياق أوسع. فالمشكلة ليست في أن يفضّل سعاد الصباح لأنها حافظت، بحسب وصفه، على “هويّتها الشرقية”، بل في أن حقوق النساء لا ينبغي أن تصبح مشروطة بنموذج ثقافي محدّد للمرأة “المقبولة”. حقّ المرأة في المشاركة والكرامة والحماية لا يتوقّف على لباسها، ولا على موقفها من الغرب أو الشرق ولا على مدى توافقها مع الصورة الثقافية التي يفضّلها مسؤول ما.
وعندما تجتمع هذه الخطابات مع التعيينات، ثم تترافق مع حوادث تمسّ النساء العاملات في المجال العامّ، تبدأ الرسائل المتفرّقة في تكوين صورة واحدة، حتى لو لم يكن ذلك مقصوداً من السلطة.
إقرأوا أيضاً:
فقد تعرّضت الصحافية آلاء لاعتداء داخل منزلها في منطقة الحجر الأسود، أعقبته، بحسب ما أعلنته وما تناولته وسائل إعلام، تهديدات مستمرّة. كما أثار احتجاز مذيعة في “تلفزيون سوريا”، مع زوجة شقيقها وأطفالها أثناء محاولتهم البحث عن قبر شقيقها الذي قُتل خلال سنوات الثورة، حالة من القلق، رغم الإفراج عنهم لاحقاً.
قد تكون لكل حادثة ملابساتها الخاصّة، وقد تظهر تحقيقات أو روايات إضافية، لكنّ الثقة العامّة لا تتكون من حادثة واحدة، بل من تراكم الوقائع. والمرأة التي تراقب هذه الأحداث لا تفصل بالضرورة بين تعيين مسؤول، وتصريح وزير، والاعتداء على صحافية، واحتجاز إعلامية. إنها تقرأ في النهاية صورة الدولة التي تتشكّل أمامها.
حقوق النساء واختبار الدولة
قضيّة النساء في السياق السابق، اختبار مبكر لطبيعة الدولة نفسها، فالسلطة التي تتسامح مع خطاب ينتقص من النساء اليوم، قد تتسامح غداً مع خطاب ينتقص من الصحافيين أو الأقلّيات أو المعارضين، وهي تفعل ذلك كل يوم.
المشكلة ليست في الفئة التي يقع عليها الانتقاص، بل في المعيار الذي تسمح الدولة بأن يصبح جزءاً من المجال العامّ، وربما يكون أخطر ما واجه قضايا النساء في سوريا خلال العقود الماضية هو الانتقائية. فقد جرى أحياناً التغاضي عن انتهاكات حين ارتكبها طرف سياسي نؤيّده، والتشديد عليها حين صدرت عن خصومه. حدث ذلك في عهد الأسد، وظهر بأشكال مختلفة في مناطق خضعت لسلطات أخرى، والخطر قائم اليوم من تكرار المنطق نفسه.
الاعتداء على امرأة لا يصبح أقلّ خطورة لأن المعتدي قريب من سلطة نؤيّدها، وخطاب الكراهية لا يصبح أكثر قبولاً لأن صاحبه يشغل منصباً رسمياً، والانتهاك لا يفقد صفته لأن مرتكبه ينتمي إلى مشروع سياسي نعتقد أنه أفضل من البدائل.
لا تحتاج السلطة السورية اليوم إلى مزيد من الشعارات حول تمكين النساء، بقدر حاجتها إلى بناء معيار واضح: أن تكون كرامة المرأة واحترام حقوقها جزءاً من شروط الخدمة العامّة ومن تعريف المواطنة نفسها، فالدولة لا تُعرف فقط بالقوانين التي تكتبها، إنما أيضاً بالأشخاص الذين تمنحهم حقّ التحدّث باسمها، وبالخطاب الذي تسمح له بأن يصبح ممثّلاً لها.
إقرأوا أيضاً:











