fbpx

التغريبة السورية… هل سنعيش في خيمة إلى الأبد؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

فقد الكثير من السوريين علاقتهم مع فكرة المنزل، أي العيش في مكان آمن، لا تقتلعه الرياح ولا تحطمه الحرب أو الزلازل، ولا تلتهمه النار في رفّة عين. شب آلاف الأطفال الذين ولدوا في الخيم، من دون أن يعرفوا معنى امتلاك منزلٍ حقيقيّ، وجدران صلبة ترد الريح والنار والعنصرية والأمطار والثلوج.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أجيال بدون ذاكرة المنزل

تنتشر مخيمات لجوء السوريين في لبنان والأردن، وهي دوماً عرضة لكوارث متعددة، كان آخرها حريقٌ اندلع في أحد مخيمات عرسال في البقاع اللبناني على الحدود مع سوريا، قضت ضحيته سيدة وطفلها، اختناقاً. 

تنسف الخيم حياة كاملة حين تحترق أو تجرفها المياه، فالمنزل هو الفضاء الحميميّ للأسرة، المساحة الخاصة التي تشكل حياة أجيال بأكملها، تحميها من “الخارج” وتبث فيها الإحساس بالأمان، لكن الخيمة، شديدة الهشاشة، لا صلابة لاحتواء الأسرة مجازياً ومادياً.
بعد 12 عاماً على الحرب ولد عشرات الآلاف من الأطفال السوريين في هذه المخيمات، أكثر من 70 في المئة وضعهم غير قانوني في لبنان، ما يجعلهم بلا مأوى أو جنسية، كما أنهم يحرمون الرعاية الطبية والتعليم في أحيان كثيرة. يضاف إلى ذلك حرمانهم من الاستقرار ومن رؤية أفراد من العائلة الكبيرة بسبب الحرب وظروف اللجوء التي أدت إلى تشتت العائلات بين المجتمعات والبلاد المضيفة.

توزّع المخيمات

مخيمات شمال غربي سوريا تعتبر الأكبر، ويُقدر عدد النازحين داخلياً هناك بـ2.8 مليون شخص. ويتوزع حوالى 1.7 مليون من النازحين في أكثر من 1400 موقع، 80 في المئة منهم نساء وأطفال، 46000 شخص تقريباً لديهم احتياجات خاصة. ومع كارثة زلزال 6 شباط/ فبراير زادت مأساة السوريين، لأن المدن التركية التي تعرضت للزلزال تستضيف أكبر عدد من اللاجئين السوريين في العالم، أكثر من 1.7 مليون شخص من أصل 15 مليوناً من سكان هذه المحافظات العشر المتضررة هم من اللاجئين السوريين، وفي بعض هذه المحافظات مثل كيليس يشكل اللاجئون واحداً من أصل اثنين من السكان. وفي غازي عنتاب، وشانلي أورفا، وهاتاي، هناك واحد من كل أربعة أو خمسة أشخاص، من اللاجئين أيضاً. 

المشكلة الأساسية في المخيمات أن بعضها ينشأ في مناطق منخفضة أو على عجل بسبب التصعيد العسكري الذي يجبر الناس على الهرب، ما يسمح بتجمع الأمطار في الشتاء وإغراق الخيم كما حصل في مخيم في مدينة رأس العين شمال غربي محافظة الحسكة. 

أما الأردن فيحتضن مخيمي الزعتري والأزرق للاجئين السوريين، الأول هو الأكبر ويضم حوالى 80 ألف شخص، أما مخيم الأزرق فيعيش فيه 38 ألف لاجئ، ويقع شمال شرقي المملكة. وتشير التقديرات إلى أن من بين مليون نازح يعيشون في المخيمات هناك 55‌ في المئة منهم بحاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية خلال عام 2022، وهذه الاحتياجات تزابدت بطبيعة الحال خلال العام 2023 وبخاصة بعد الزلزال.

حياة كاملة داخل خيمة

الكثير من خيم اللاجئين لا تمتلك فلسفة المنزل، فالديكور وتوزع النباتات والإضاءة الطبيعية والاعتناء بالمساحة الداخلية وتوزع الأثاث ضمنها، يبدو هراء أمام خيمة عليها أن تكون كل شيء، المطبخ والصالة وغرفة النوم والحمام كلها في مكان واحد.

نحن إذاً أمام فضاء الخيمة بوصفها مساحة مائعة، يحدث فيها “كل شيء”، هي تحتوي الأجساد بهدف تكديسه، وعزلها عن الخارج بهشاشة، لا التأسيس لمساحة استقرار دائمة، ناهيك بأن لخيم اللجوء أنواعاً كخيمة القوس، التي يفضلها اللاجئون بسبب تصميمها الذي يشبه نصف الدائرة، ما يجعل من الجدران والسقف قطعة وحدة مائلة، لا تتجمع المياه والثلوج على سقفها، ولا جدران منتصبة تتعرض لضربات الرياح وتتمزق. 

النوع الثاني هو خيمة الجملون، ويطلق عليها أسماء محلية أخرى بعضها تنسب للمنظمات التي أدخلتها إلى الشمال السوري كخيمة الآفاد نسبة إلى منظمة آفاد التركية، وهي جيدة إلى حد ما، لكن انتصابها على الأرض، تهدده الرياح والعواصف.

النوع الثالث هو خيمة السفينة، المعروفة عالمياً باسم “خيمة المفوضية” نسبة إلى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وهي من أسوأ الأنواع، ففترة صمودها لا تتجاوز العام الواحد، فهي مصممة للإنقاذ السريع والاحتواء الموقت، لا للاستقرار.

تتحول خيم السوريين أحياناً إلى مراكز للتعذيب، إذ عثرت قوى الأمن الداخلي (أسايش) في شمال شرقي سوريا على خيم مخصصة للتعذيب في القطاع الخامس، الذي يقطنه نازحون سوريون في مخيم “الهول”. وهكذا تتحول الخيم من مأوى موقت إلى مساحة للألم والتجارب القاسية، إذ عُثر على ثلاث نساء مكبلات من القطاع السابع في المخيم، عُذبن بطريقة وحشية، من دون تحديد هويتهن أو الفترة التي أمضينها تحت التعذيب!

هل نسي المهجرون شعور “وكأنك في بيتك”، فكل ما يملكونه هو خيم هشة،  لا باب يقفل عليهم ولا غرف خاصة… وإذ كان “المنزل هو حيث يوجد قلبك” بحسب حكمة قديمة، فأين قلب المهجرين السوريين اليوم؟

فداء زياد - كاتبة فلسطينية من غزة | 14.06.2024

عن تخمة الشعور واختبارات النجاة في غزة

ليلة اقتحام رفح، كانت حيلتي أن أستعير أقدام الطبيبة أميرة العسولي، المرأة الطبيبة التي جازفت بحياتها لتنقذ حياة مصاب، فترة حصار الجيش الإسرائيلي مستشفى ناصر في خانيونس، كي أحاول إنقاذ أخي وعائلته وأختي وأبنائها المقيمين في الجهة المقابلة لنا، لأنهم كانوا أكثر قرباً من الخطر.
03.03.2023
زمن القراءة: 3 minutes

فقد الكثير من السوريين علاقتهم مع فكرة المنزل، أي العيش في مكان آمن، لا تقتلعه الرياح ولا تحطمه الحرب أو الزلازل، ولا تلتهمه النار في رفّة عين. شب آلاف الأطفال الذين ولدوا في الخيم، من دون أن يعرفوا معنى امتلاك منزلٍ حقيقيّ، وجدران صلبة ترد الريح والنار والعنصرية والأمطار والثلوج.

أجيال بدون ذاكرة المنزل

تنتشر مخيمات لجوء السوريين في لبنان والأردن، وهي دوماً عرضة لكوارث متعددة، كان آخرها حريقٌ اندلع في أحد مخيمات عرسال في البقاع اللبناني على الحدود مع سوريا، قضت ضحيته سيدة وطفلها، اختناقاً. 

تنسف الخيم حياة كاملة حين تحترق أو تجرفها المياه، فالمنزل هو الفضاء الحميميّ للأسرة، المساحة الخاصة التي تشكل حياة أجيال بأكملها، تحميها من “الخارج” وتبث فيها الإحساس بالأمان، لكن الخيمة، شديدة الهشاشة، لا صلابة لاحتواء الأسرة مجازياً ومادياً.
بعد 12 عاماً على الحرب ولد عشرات الآلاف من الأطفال السوريين في هذه المخيمات، أكثر من 70 في المئة وضعهم غير قانوني في لبنان، ما يجعلهم بلا مأوى أو جنسية، كما أنهم يحرمون الرعاية الطبية والتعليم في أحيان كثيرة. يضاف إلى ذلك حرمانهم من الاستقرار ومن رؤية أفراد من العائلة الكبيرة بسبب الحرب وظروف اللجوء التي أدت إلى تشتت العائلات بين المجتمعات والبلاد المضيفة.

توزّع المخيمات

مخيمات شمال غربي سوريا تعتبر الأكبر، ويُقدر عدد النازحين داخلياً هناك بـ2.8 مليون شخص. ويتوزع حوالى 1.7 مليون من النازحين في أكثر من 1400 موقع، 80 في المئة منهم نساء وأطفال، 46000 شخص تقريباً لديهم احتياجات خاصة. ومع كارثة زلزال 6 شباط/ فبراير زادت مأساة السوريين، لأن المدن التركية التي تعرضت للزلزال تستضيف أكبر عدد من اللاجئين السوريين في العالم، أكثر من 1.7 مليون شخص من أصل 15 مليوناً من سكان هذه المحافظات العشر المتضررة هم من اللاجئين السوريين، وفي بعض هذه المحافظات مثل كيليس يشكل اللاجئون واحداً من أصل اثنين من السكان. وفي غازي عنتاب، وشانلي أورفا، وهاتاي، هناك واحد من كل أربعة أو خمسة أشخاص، من اللاجئين أيضاً. 

المشكلة الأساسية في المخيمات أن بعضها ينشأ في مناطق منخفضة أو على عجل بسبب التصعيد العسكري الذي يجبر الناس على الهرب، ما يسمح بتجمع الأمطار في الشتاء وإغراق الخيم كما حصل في مخيم في مدينة رأس العين شمال غربي محافظة الحسكة. 

أما الأردن فيحتضن مخيمي الزعتري والأزرق للاجئين السوريين، الأول هو الأكبر ويضم حوالى 80 ألف شخص، أما مخيم الأزرق فيعيش فيه 38 ألف لاجئ، ويقع شمال شرقي المملكة. وتشير التقديرات إلى أن من بين مليون نازح يعيشون في المخيمات هناك 55‌ في المئة منهم بحاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية خلال عام 2022، وهذه الاحتياجات تزابدت بطبيعة الحال خلال العام 2023 وبخاصة بعد الزلزال.

حياة كاملة داخل خيمة

الكثير من خيم اللاجئين لا تمتلك فلسفة المنزل، فالديكور وتوزع النباتات والإضاءة الطبيعية والاعتناء بالمساحة الداخلية وتوزع الأثاث ضمنها، يبدو هراء أمام خيمة عليها أن تكون كل شيء، المطبخ والصالة وغرفة النوم والحمام كلها في مكان واحد.

نحن إذاً أمام فضاء الخيمة بوصفها مساحة مائعة، يحدث فيها “كل شيء”، هي تحتوي الأجساد بهدف تكديسه، وعزلها عن الخارج بهشاشة، لا التأسيس لمساحة استقرار دائمة، ناهيك بأن لخيم اللجوء أنواعاً كخيمة القوس، التي يفضلها اللاجئون بسبب تصميمها الذي يشبه نصف الدائرة، ما يجعل من الجدران والسقف قطعة وحدة مائلة، لا تتجمع المياه والثلوج على سقفها، ولا جدران منتصبة تتعرض لضربات الرياح وتتمزق. 

النوع الثاني هو خيمة الجملون، ويطلق عليها أسماء محلية أخرى بعضها تنسب للمنظمات التي أدخلتها إلى الشمال السوري كخيمة الآفاد نسبة إلى منظمة آفاد التركية، وهي جيدة إلى حد ما، لكن انتصابها على الأرض، تهدده الرياح والعواصف.

النوع الثالث هو خيمة السفينة، المعروفة عالمياً باسم “خيمة المفوضية” نسبة إلى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، وهي من أسوأ الأنواع، ففترة صمودها لا تتجاوز العام الواحد، فهي مصممة للإنقاذ السريع والاحتواء الموقت، لا للاستقرار.

تتحول خيم السوريين أحياناً إلى مراكز للتعذيب، إذ عثرت قوى الأمن الداخلي (أسايش) في شمال شرقي سوريا على خيم مخصصة للتعذيب في القطاع الخامس، الذي يقطنه نازحون سوريون في مخيم “الهول”. وهكذا تتحول الخيم من مأوى موقت إلى مساحة للألم والتجارب القاسية، إذ عُثر على ثلاث نساء مكبلات من القطاع السابع في المخيم، عُذبن بطريقة وحشية، من دون تحديد هويتهن أو الفترة التي أمضينها تحت التعذيب!

هل نسي المهجرون شعور “وكأنك في بيتك”، فكل ما يملكونه هو خيم هشة،  لا باب يقفل عليهم ولا غرف خاصة… وإذ كان “المنزل هو حيث يوجد قلبك” بحسب حكمة قديمة، فأين قلب المهجرين السوريين اليوم؟

03.03.2023
زمن القراءة: 3 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية