ترافقت الحادثة مع تحليق طائرات مسيّرة في محيط المدرسة، ما أدخلها في حالة من التوتّر والاستنفار، ودفع الإدارة إلى إصدار بيان شديد اللهجة، يلوّح باتّخاذ إجراءات قانونية وتأديبية صارمة بحقّ أيّ طالب يثبت تورّطه، كما أشارت المعلومات إلى أن إحدى زميلات التلميذة أبلغت الإدارة بما حدث.
لا يمكن اختزال هذه الحادثة في سلوك فردي معزول أو “مزحة متهوّرة”، بل هي مؤشّر إلى تحوّل أعمق في طبيعة المخاطر التي يواجهها الشبّان والشابّات في العصر الرقمي، حيث تتقاطع الهشاشة العمرية مع فضاءات مفتوحة من دون أيّ حماية كافية. فالوصول غير المقيّد إلى وسائل التواصل الاجتماعي يضع اليافعين واليافعات، في تماس مباشر مع تعقيدات قد تتجاوز قدرتهم على التمييز وتقدير الخيط الرفيع الفاصل بين مزحة شبابية وبين قضيّة أمنية بالغة الخطورة.
وما إن انتشرت قصّة التلميذة حتى عاد الحديث عن ضرورة فرض قيود عمرية على الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا يستدعي تبعات خطيرة يتحوّل فيها الشبّان والشابّات من ضحايا للتواصل الاجتماعي إلى مخالفين للقانون، بينما المشكلة الأساسية تكمن في الحالة من اللامعنى التي تقيّد حياة فئة عمرية بكاملها، في ظلّ حرب مستمرّة وتوتّرات داخلية تجعل من المدرسة مرآة فاضحة لعالم يشهد على القتل المجاني، وتهديم البيوت، والنزوح، وانعدام الاستقرار الاقتصادي. عالم يتحوّل فيه العلم قصاصاً إضافياً يستدعي تدخل أدرعي… “كبيرة المزحة هي” ولكنّها متّسقة مع عبث الحرب الدائرة.
بين منطق الحماية ومنطق الحقوق، تفتح هذه الحادثة باباً على نقاش أوسع حول كيفية مرافقة الشبّان والشابّات في الفضاء الرقمي، ليس فقط عبر الضبط والمنع، بل من خلال بناء قدراتهم النقدية، وتعزيز وعيهم بالمخاطر، وتطوير أطر وقائية متعدّدة المستويات تستجيب لتعقيدات هذا العصر.
على المستوى الدولي، تتصاعد الدعوات إلى فرض قيود، أو حتى حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سنّ الثامنة عشرة، باعتبارها إجراءات وقائية تهدف إلى الحدّ من التعرّض للمخاطر الرقمية، بما في ذلك التضليل، والاستغلال، والتورّط غير المقصود في قضايا أمنية أو سياسية.
غير أن هذه الدعوات تطرح بدورها أسئلة جوهرية: هل الحظر هو الحلّ، أم أن المسألة تتطلّب مقاربة أكثر شمولاً تأخذ في الاعتبار التربية الرقمية، والمسؤولية المؤسّسية، وأدوار المنصّات نفسها في حماية المستخدمين، لا سيّما لمن هم دون الثامنة عشرة؟
وهكذا لا تبدو الدعوات المحلّية لتقييد الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي معزولة، بل تندرج ضمن توجّه عالمي آخذ في التبلور، وإن كان غير متجانس في مقارباته وأدواته.
فقد أصبحت أستراليا أوّل دولة تطبّق حظراً شاملاً على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون السادسة عشرة، في خطوة تعكس تحوّلاً من منطق التنظيم إلى منطق المنع المباشر. وفي آسيا، تتّجه دول مثل ماليزيا وإندونيسيا نحو اعتماد قيود صارمة قد تصل إلى الحظر، مدفوعةً بمخاوف تتعلّق بحماية من هم دون الثامنة عشرة من الاستغلال الرقمي والتضليل. أما في أوروبا، فقد أقرّت فرنسا تشريعاً لحظر الاستخدام لمن هم دون سنّ الخامسة عشرة، مع ربطه بآليّات موافقة أولياء الأمور والتحقّق من العمر. بينما أعلنت إسبانيا نيّتها فرض حظر على من هم دون السادسة عشرة، وتناقش دول أخرى مثل النرويج والدنمارك والمملكة المتّحدة إجراءات مماثلة تتراوح بين الحظر الجزئي، وتقييد بعض الخصائص، وتشديد أنظمة التحقّق الرقمي.
ويعكس هذا التوجّه إدراكاً متزايداً لدى صانعي السياسات، بأن المخاطر المرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد تقتصر على المحتوى الضارّ أو الإدمان، بل تمتدّ إلى أبعاد أكثر تعقيداً، تشمل التعرّض للتلاعب المعلوماتي، والاستقطاب، والتواصل غير المنضبط مع جهات سياسية أو أمنية، فضلاً عن إمكانية توريط الشبّان والشابّات، عن قصد أو عن غير قصد، في أمور ذات تداعيات خطيرة على المستويين الفردي والجماعي.
ومع ذلك، يظلّ هذا المسار محلّ جدل واسع، إذ يطرح الحظر الشامل إشكاليات تتعلّق بإمكانية تطبيقه فعلياً في بيئة رقمية عابرة للحدود، وبمخاطر دفع الاستخدام إلى فضاءات أقلّ خضوعاً للرقابة، فضلاً عن تأثيره المحتمل على حقوق الشبّان والشابّات في الوصول إلى المعلومات والمشاركة الرقمية.
من هنا، تتّجه بعض الأصوات إلى التأكيد أن الحظر، وإن كان يعكس قلقاً مشروعاً، لا يمكن أن يشكّل حلاً قائماً بذاته، بل ينبغي أن يُدرج ضمن مقاربة متعدّدة المستويات تجمع بين التربية على الثقافة الرقمية، وتعزيز التفكير النقدي، وتطوير آليّات حماية داخل المنصّات نفسها، إضافة إلى دور الأسرة والمؤسّسات التربوية في المواكبة.
في لبنان، لم تكن هذه النقاشات بعيدة عن الاهتمام العامّ، إذ شهدت البلاد في وقت سابق من هذا العام، دعوات رسمية لتنظيم الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي، بخاصّة لدى الفئات العمرية الأصغر.
فقد دعا وزير الإعلام اللبناني إلى إطلاق ورشة وطنية تهدف إلى مراجعة الأطر القانونية القائمة وتحديثها بما يواكب التحوّلات الرقمية المتسارعة، ويضع ضوابط أكثر وضوحاً لاستخدام القاصرين لهذه المنصّات، وقد طُرحت هذه الدعوة في ظلّ تزايد القلق من المخاطر المرتبطة بالاستخدام غير المنظّم، وتفتح هذه المبادرة الباب أمام نقاش أوسع حول دور الدولة في التنظيم، وحدود التدخّل التشريعي، والحاجة إلى مقاربة تشاركية تجمع بين الجهات الحكومية، والمؤسّسات التربوية، وخبراء التكنولوجيا، لضمان حماية فعّالة من دون المساس بالحقوق والحرّيات الرقمية.
شكّلت فضيحة “تيك توك” التي تفجّرت في أيّار/ مايو 2024، محطّة مفصلية في النقاش حول مخاطر الفضاء الرقمي على الأطفال، بعدما كشفت التحقيقات عن شبكة إجرامية استدرجت أطفالاً عبر التطبيق تحت ذرائع مختلفة، من بينها فرص عمل أو إنتاج محتوى مربح، قبل أن يتمّ استغلالهم في أعمال عنف واعتداءات موثّقة بالصوت والصورة.
إقرأوا أيضاً:
وقد أظهرت المعطيات أن الشبكة ضمّت عشرات الأفراد، بعضهم داخل لبنان وآخرون خارجه، وأنها استخدمت حسابات وهمية وتقنيات إغراء ممنهجة لاستدراج الضحايا، فيما تورّط أيضاً بعض الأقران في استقطاب غيرهم ضمن حلقة متصاعدة من الاستغلال. وعلى رغم توقيف عدد من المتورّطين وإصدار مذكّرات توقيف، بقي كثر من المسؤولين الأساسيين فارّين أو خارج نطاق المحاسبة، ما كشف عن الطبيعة العابرة للحدود لهذه الشبكات.
الأكثر إثارة للقلق لم يكن فقط حجم العنف، بل أيضاً كيفية التعامل مع الضحايا، إذ تعرّض بعضهم لكشف هويّاتهم إعلامياً أو لضغوط خلال التحقيق، ما أعاد إنتاج الأذى بدل الحدّ منه.
هذه القضية لم تكتفِ بفضح استغلال المنصّات الرقمية، بل سلّطت الضوء على اختلال عميق في منظومات الحماية والمساءلة، إذ يُزجّ بالأكثر هشاشة في الواجهة، بينما تستمرّ الشبكات الأكثر تنظيماً في إعادة إنتاج نفسها واستهداف شباب جدد داخل لبنان وخارجه.
تشير أبحاث إلى أن سياسات حظر وسائل التواصل الاجتماعي على القاصرين تؤدّي إلى نتائج متباينة، ولا تشكّل حلاً حاسماً بحدّ ذاتها. فبينما تُظهر دراسات انخفاضاً محدوداً في التعرّض لبعض أشكال المحتوى الضارّ، تؤكّد أبحاث أخرى أن الحظر يدفع غالباً الاستخدام إلى فضاءات أقلّ خضوعاً للرقابة، أو إلى حسابات مخفيّة، ما يزيد من صعوبة الحماية والتتبّع.
كما يحذّر عدد من الباحثين من أن سياسات الحظر قد تُفاقم هشاشة الفئات الأكثر عرضة أصلاً، عبر عزلها عن مصادر الدعم والمعلومات، أو دفعها إلى مسارات أكثر خطورة وغير مرئية.
في المقابل، يتزايد التأكيد أن المسؤولية لا يمكن أن تُلقى على عاتق المستخدمين القاصرين وحدهم، بل يجب أن تتحمّل المنصّات الرقمية نفسها قدراً أكبر من المساءلة، من خلال تصميمات أكثر أماناً، وآليّات فعّالة لرصد الاستغلال والتدخّل المبكر. من هذا المنظور، فإن أيّ نقاش حول الحظر ينبغي أن يُعيد توجيه البوصلة نحو الفاعلين الذين يستغلّون الأطفال والشباب، عبر تشديد الملاحقة القانونية للشبكات المسيئة، بدل الاكتفاء بسياسات ضبط الوصول، التي قد تنتهي إلى تعميق أوجه اللامساواة والمخاطر التي يُفترض أن تعالجها.
وبين منطق الحماية ومنطق التمكين، يبقى التحدّي الأساسي في كيفية بناء بيئة رقمية أكثر أماناً، من دون اختزال الحلول في أدوات المنع وحدها، أو تحميل الفئة الأكثر هشاشة تبعات منظومة رقمية معقّدة تفوق قدرة الأطفال على فهمها والإحاطة بمخاطرها.
وتعزّز هذه الخلاصات ما برز في جلسات نقاش أجريتها مع شبّان وشابّات في كندا، حيث عبّر المشاركون بوضوح عن أن سياسات الحظر لن تمنعهم من الفضاء الرقمي، بل ستدفعهم إلى البحث عن بدائل ومسارات التفافية قد تكون أكثر خطورة وأقلّ أماناً، وشدّدوا على أن المشكلة لا تكمن في مجرّد الوصول، بل في طبيعة البيئات الرقمية وما تتيحه أو تغفله من حماية، كما انتقدوا توجّه بعض السياسات نحو تجريم استخدامهم بدل حمايتهم، داعين إلى إعادة توجيه الموارد بعيداً عن سنّ قوانين تضعهم في موقع “المخالف”، نحو الاستثمار في بناء بيئات داعمة تُمكّنهم من النموّ والازدهار، وتعزّز فرصهم في المشاركة الآمنة والمعنوية في الفضاء الرقمي والمجتمع الأوسع.
في العودة إلى الحادثة التي شهدتها المدرسة في لبنان، وما رافقها من توتّر وتداعيات إعلامية وأمنية، يصبح من الضروري التذكير بأن حادثة مثل حادثة التلميذة، مهما كانت حساسيتها، لا ينبغي أن تتحوّل إلى مدخل لإعادة إنتاج منطق الإدانة العلنية وانتهاك خصوصية التلميذة، خصوصاً أنها ما دون 18 عاماً.
في ظلّ الظروف السياسية والأمنية والاجتماعية المضطربة التي يمرّ بها لبنان، تتداخل العوامل بشكل يجعل من الصعب فصل الفعل عن بيئته الأوسع، وما قد يبدو كتصرّف فردي قد يكون أيضاً نتيجة هشاشة رقمية، أو سوء تقدير، أو انكشاف مبكر على فضاءات لا توفّر الحماية الكافية.
من هنا، تبقى الحاجة ملحّة إلى قدر كافٍ من الحكمة في التعاطي مع هذه القضايا، بما يضمن احترام خصوصية التلميذة، وحمايتها من تداعيات قد تكون غير متكافئة أو غير عادلة، ويؤكّد في الوقت نفسه أن المقاربة الأكثر مسؤولية لا تقوم على إعادة لوم الأكثر هشاشة، بل على فهم السياقات، وتعزيز آليّات الحماية، وبناء بيئات أكثر أماناً.
إقرأوا أيضاً:














