ها نحن الآن، على أعتاب الانتخابات الرئاسية الأميركية للعام 2024، حيث لا تُمثل الخطابات سوى أكاذيب برّاقة ووعود فارغة. نتائج هذه الانتخابات، المنتظرة في الشهر المقبل، لا تعني شيئاً سوى عودة الوجوه نفسها، السياسات نفسها، لكن في ثوبٍ جديد من الدعاية. سواء فازت نائبة الرئيس الأميركي مرشحة الحزب الديمقراطي كامالا هاريس، أو المرشح الجمهوري دونالد ترامب، ستظل هذه مسرحية قديمة تُعاد، إذ ستواصل هاريس سياسات حزبها التي دعمت الإبادة في غزة، أو سيعود ترامب إلى البيت الأبيض ليواصل سياساته التدميرية التي بدأها في ولايته السابقة (2017-2021).
بين هذا وذاك، يتزاحم المرشحون على المنصات، يتحدثون عن الحرية والديمقراطية وكأنها عطورٌ غالية تُباع في متاجر فاخرة، بينما في أماكن أخرى من العالم، يُهدر الدم وتُزهق الأرواح تحت وطأة تلك الوعود. في نهاية المطاف، من سيتأثر بهذا السباق، سوى أولئك الذين يعيشون في الفقر والمآسي، بينما تُكتب فصول جديدة من التاريخ بالدم والدموع.
لقد عانت منطقة الشرق الأوسط لعقود من الزمن في مرمى السياسة الأميركية، كقطعة شطرنج في لعبة سلطة ليست حول الحرية أو الديمقراطية، بل حول الهيمنة والاستغلال، وقبل كل شيء، النفاق. إنه مسرح بشع من السخافة حيث من إدارة إلى أخرى، سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية، تبقى النغمة هي نفسها: دعم لا يتزعزع للأنظمة الاستبدادية، وتدخلات عسكرية متنكرة بالجهود الإنسانية، وولاء ثابت للاحتلال الإسرائيلي. بعدما شهدت هذا العرض المروع يتكّشف على مر السنين، توصلت إلى حقيقة واحدة لا مفر منها: أكره جميع الرؤساء الأميركيين.
دعوني أوضح؛ أنا لا أتحدث من موقع الكراهية العمياء أو معاداة أميركا المبسطة. إن هذه الكراهية متجذرة في عقود من الوعود المكسورة والأرواح المدمرة، وسفك الدماء الذي لا نهاية له، الذي ارتكبه قادة يدّعون دعم حقوق الإنسان لكنهم ينكرونها بشكل منهجي لملايين الأشخاص في الشرق الأوسط.
إقرأوا أيضاً:
اللعبة نفسها… لاعبون مختلفون
سواء كان الأمر يتعلق ببايدن أو ترامب أو هاريس أو أي اسم آخر شغل وسيشغل المكتب البيضاوي، فإن سياستهم الخارجية تجاه الشرق الأوسط تتبع السيناريو الساخر نفسه. يزيّن الديمقراطيون إمبراطوريتهم بلغة الدبلوماسية وحقوق الإنسان وتعدد الأطراف، يتظاهرون بـ”الأسف” على الضحايا المدنيين للضربات بالطائرات المسيرة، ويقدمون إشارات غامضة عن “القلق” عندما تدمر إسرائيل غزة. لكن خلف هذه الصورة المصممة بعناية تكمن آلة الحرب والاحتلال، التي تقدم الأسلحة والأموال والتغطية الأخلاقية للأنظمة القمعية.
من ناحية أخرى، الجمهوريون لا يتظاهرون بنواياهم. تحت شعار “أميركا أولاً”، إن نوعهم من militarism أكثر وضوحاً، حيث يتبادلون الدبلوماسية بالقوة الوحشية. كان قرار ترامب الشهير بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل والتوقيع على ضم الجولان هو الأحدث في سلسلة من خيانات الشعب الفلسطيني. بينما قد يصور الجمهوريون عدوانهم كضروري للأمن الأميركي، يعرف المتلقون لهذا العدوان — اليمنيون والعراقيون والفلسطينيون — أنه يتعلق بشيء واحد: الهيمنة.
لا توجد منطقة أكثر وضوحاً في هذا النفاق من السياسة الأميركية تجاه فلسطين. لقد كان الرؤساء الأميركيون المتعاقبون متواطئين في تمكين سياسات الفصل العنصري الإسرائيلية، من احتلال الضفة الغربية إلى المجازر المتكررة في غزة. عاماً بعد عام، إدارة بعد إدارة، تواصل الولايات المتحدة ضخ المليارات من المساعدات العسكرية لإسرائيل، في حين تغمض عينيها عن معاناة الفلسطينيين، سواء من خلال التواطؤ المباشر أو الصمت السلبي. فشل الرؤساء الأميركيون جميعاً في مواجهة الظلم الأساسي في صميم الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.
يتحدثون عن “حل الدولتين” مثل أسطوانة مشروخة، على رغم علمهم أنه مجرد خيال يخدم فقط استمرارية الوضع الراهن. كيف يمكن أن يكون هناك سلام عندما يكون أحد الجانبين مسلحاً من رأسه حتى أخمص قدميه ومدعوماً من القوة العظمى في العالم، بينما الآخر مُحتل ومُشرد ومُفكك؟
الشرق الأوسط ليس لوح شطرنج
أنظر إلى العراق، وأفغانستان، وليبيا، وسوريا، واليمن؛ إنها مقابر السياسة الخارجية الأميركية. كانت وعود التحرير ليست سوى ذريعة للفوضى، والحرب التي لا تنتهي، والربح المفرط. لقد ترك الرؤساء الأميركيون بخطبهم حول “الحرية” و”الديمقراطية” هذه الدول محطمة، مع ملايين من القتلى والمشردين يعيشون في حالة من انعدام الأمن المستمر. تمتد تداعيات التدخلات الأميركية بعيداً عن الدول التي تم قصفها أو غزوها، ما يغذّي الإرهاب والتشريد وعدم الاستقرار في جميع أنحاء المنطقة.
هل تتذكرون “أجندة الحرية” لجورج بوش؟ كان ذلك رمزاً للاحتلال والغزو، مشروع تغيير النظام متخفياً تحت الأيديولوجيات السامية. وقد وسع أوباما، الذي يُعتبر غالباً “رئيس السلام”، برنامج الطائرات المسيرة، محولاً الاغتيالات إلى سياسة خارجية. وحتى اليوم، تواصل الإدارة الحالية، بغض النظر عمن يجلس على الكرسي، ذلك الإرث البائس.
بالنسبة إلى هؤلاء الرؤساء، الشرق الأوسط ليس سوى لوح شطرنج جيوسياسي، يُنظر إلى الأشخاص الذين يعيشون فيه كبيادق يمكن التخلص منها، والتضحية بها بسهولة من أجل “مصالح” أميركية أكبر، سواء كان الأمر يتعلق بالنفط أو التموضع العسكري أو مكافحة الإرهاب، فقد تم تقليل قيمة حياة الناس في المنطقة بشكل مستمر. قد يُلقي القادة الأميركيون خطباً حول الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكن عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط، تتحدث أفعالهم بصوت أعلى: يكشف دعمهم للدكتاتوريين والملوك وتجار الحروب أولوياتهم الحقيقية.
حتى الربيع العربي، ذلك الومض القصير من الأمل حين نهض الناس ضد القمع، قوبل بتردد أميركي وانتهازية، وفي الكثير من الحالات، بالتواطؤ لاستعادة الوضع الراهن. تفضّل الولايات المتحدة الاستقرار على العدالة عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط، حتى لو كان هذا الاستقرار مبنياً على ظهور الطغاة والمضطهدين.
غالباً ما يُقال لنا إن الانتخابات في الولايات المتحدة مهمة، وإن للخيارات بين المرشحين عواقب على بقية العالم، لكن عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط، لا يتغير شيء على الإطلاق. فسواء كان الرئيس جمهورياً أو ديمقراطياً، يستمر الاستغلال والعنف. الرؤساء الأميركيون، بغض النظر عن خطابهم أو انتمائهم الحزبي، يخدمون في النهاية المصالح الإمبريالية.
قد يجادل البعض بأن الولايات المتحدة ارتكبت أخطاء ولكنها لا تزال قوة للخير، لكن أولئك الذين عاشوا تحت ظل السياسة الخارجية الأميركية يعرفون ما هو أبعد من ذلك، والحقيقة هي أنه بالنسبة الى شعوب الشرق الأوسط، لا يهم من يجلس في المكتب البيضاوي. فالقنابل لا تزال تتساقط، ولا يزال الدكتاتوريون مدعومين، والناس يعانون.
لذا، نعم، أكره الرؤساء الأميركيين جميعهم، لأنه بالنسبة لنا في الشرق الأوسط، يمثلون الشيء نفسه: القوة التي تمَارس من دون محاسبة، والعنف الذي يبرّر باسم التقدم، وعدم الاكتراث التام بحياة الأشخاص الذين يعتَبرون أقل قيمة. قد تتغير الوجوه في واشنطن كل أربع سنوات، ولكن بالنسبة إلى أولئك الذين يتحملون وطأة الإمبريالية الأميركية، يبقى الألم مستمراً وثابتاً.













