“هسة أحجيلك شصار بيّه”
سنان أنطون- وحدَها شجرة الرُمَّان
غادرتُ سوريا منذ نحو ثلاثة عشر عاماً، من دون أن أودِّع أَبِي. ورحل أَبِي أيضاً منذ ثلاث سنوات، من دون أن أتمكن من حضور جنازته أو زيارة قبره. وكان ما يمنعني من العودة هو نظام الأسد المجرم، لكوني واضحةَ الموقف والكلمة في معارضتي ذاك النظام الذي حكم سوريا نحو خمسين عاماً، بالطغيان، وبالجبروت، وبالقتل.
كوابيسي قبل سقوط النظام، كانت تأتي بناءً على رؤى متكررة، كان يُنادى على اسمي الثلاثي مرة، أو يُنادى عليه مرات عدة، ثم أُعتقل وأُقتاد في كل مرة إلى فرع أمني جديد. وغالباً، كنت أستيقظ بطريقة قصديّة لا واعية، فأرمي نفسي من شرفة المنزل الداخلية عندما يدخل الأمن، في مرَّة، أو أطير فوق وسط دِمَشْق، في مرَّةٍ أخرى، إن اكتشفوا من أنا، في حال وجود حاجز عسكري. أطير من شارع بغداد، وصولاً إلى أن أزور كل شارع أعرفه، ثم أستيقظ إن أحسست بأنَّ الهاوية تحْتِي.
بعد سقوط نظام الأسد لم أرَ عودتي إلى دِمَشْق، إلا في كابوسَيْنِ.
أمّا في الواقع، فكان لديَّ حلم واحد: أن أعود إلى سوريا، وأزور قبر أَبِي، وأقوم بطقوس وداعه المتأخِّرة، عبر عودة شخصيَّة يكتمل فيها خطُّ رحلتي في النَّفْي، كما هو خطُّ الرحلة لدى أيِّ لاجئٍ سياسيٍّ أو مشرَّدٍ عن أرضه، وتتلخَّص هذه الرحلة عادةً في ثلاث أو أربع مراحل: قرار الخروج من البلاد، تليه رحلة النَّفْي، فسنوات النَّفْي، ثم رحلة العودة. لم تكتمل رحلتي، وما ينقص منها… ينقص منِّي، حتى ولو تحوَّلت العودة إلى شكلٍ من الاغتراب لاحقاً.
دِمَشْق، أيار/ مايو من العام 2026:
“إمي يا إمي… حبيبي وينو، سكر البحر بيني وبينو”. (من التراث الغنائي الفلسطيني، اللبناني، السوري).
أستيقظ من كابوس، لقد تجرَّأتُ وزرتُ سوريا أثناء نومي. كيفَ فعَّلتُ ذلك؟ أستيقظ لاهثةً، وألمس عظام صدري عند جهة القلب، ليس هناك ثقبٌ دائريٌّ!
في الكابوس، أدرك أنَّ لديَّ ثقباً في جسدي، ثقباً يمنعني من دخول سوريا، وأنَّ شيئاً يحجب عني تذكُّر سبب هذا الثقب، فأضع يدي على الفراغ، قرب جهة القلب، كي أُخْفِيه. أَخْتنقُ، أفكر ملياً: لِمَ حدث ذلك؟ لِمَ أنا لست كاملة؟ تَأْتِينِي صورة وثيقة سفري الفرنسية، كلاجئة سياسية، مكتوبٌ بوضوح عليها: ممنوعٌ دخول سوريا، الثقب ذاته ليس ثقباً عادياً، بل كأنه مهمَّةٌ يحبُّ تنفيذها، عليَّ ملء الثقب. وهذا يحيلني إلى أن أَسْأَل نفسي: لماذا حدث هذا كلّه؟ لماذا أنا في دِمَشْق، ولست في فرنسا؟ أمسك بيدي ثمرة رُمَّانٍ، مستديرة صلبة القشرة، أحاول أن أخفي الثقب خلفها، فتصير الثمرة سائلة كالدم، ثمَّ تختفي.
أحاول البحث في الحلم الكابوس عن تفسير؛ مظفَّر يقود السيارة هذه المرَّة، في طريق عودتنا من رحلتنا إلى دِمَشْق عبر الطريق الدولي المؤدِّي إلى بيروت، أخشى أن يتمَّ الإيقاع بنا، هل هذا فخّ؟ أنظر إلى مظفَّر، وهو يقود السيارة بسرعة، وهذا ما يجعلني أتعجَّب أكثر: “متى تعلَّمتَ القيادة؟ ولماذا نحن هنا؟ ألم نتَّفق على ألاَّ نقود سيارات، لِمَ تفعل هذا؟”.
أستيقظ، أفكِّر في أَبِي الذي (…) لن يتَّسع نصُّ قصير لكلِّ سيرته، التي سأكتبها لاحقاً.
الرهاب من الحوادث، يعود إلى تاريخ عائليٍّ شخصيٍّ، إلى سيرة أَبِي، الذي سافر شابّاً يافعاً للعمل في قطر، في شركة نفطٍ عالميَّة أميركيَّة، كان ينفِّذ مشاريع صعبة، إذ يغوص في البَحْر تحت الماء، ويلْحِمُ أنابيب النفط التي تُنشَأ حديثاً، كان عمله شاقاً جداً، ويحتاج إلى قوة جسديَّة، وذهنيَّة، كان أَبِي باتفاق الجميع: “أنيقاً، ذكيّاً، مسؤولاً”. تعرَّض أَبِي إلى حادث شبه مميت، جعله يدخل في غيبوبة كاملة، مدَّة شهرين، ظلَّ خلالهما وحيداً، في قطر. لم تعلم جدَّتي فوزيَّة البرغوثي، ما حدث له، إذ طال غيابه مدَّة سنتين ونصف السنة، عن دِمَشْق، بعد ذلك الحادث.
لم يقع الحادث أثناء مهمَّات الغطس أو العمل، بل أثناء قيادته درَّاجة ناريَّة، درَّاجته التي يحبُّها كثيراً. إذ توقَّفت الشاحنة الكبيرة التي كانت أمامه فجأةً، فاصطدم بها بعدما قطع إشارة المرور بسرعةٍ هائلةٍ. كسورٌ في الرأس، وفي الجسد، وبقعةٌ في الدماغ، ثم غيبوبة؛ نتج هذا كله من الحادث. زُرع له مسمار نُخاعيٌّ (بلاتين) في الفخذ، وتطلَّب الكسر في اليد والكوع عمليَّةً صعبةً جداً، تركت كلُّ العمليَّات الجراحيَّة الدقيقة، والطويلة أثرها على رأسه، وجسده المُهشَّم.
إقرأوا أيضاً:
كان يرينا اعْوِجاج ساعده، عندما كنَّا صغاراً، ليفهمنا لماذا كان هكذا… غير متقنٍ، في بعض تفاصيله كأب؟ قائلاً: “لم أكن هكذا قبل الحادث، قبل الخطوبة والزواج، قبل أن أرزق بكم”. عندما خرج من “سجن تدمر” العسكريِّ وهو حليق الرأس، عرفنا أن حرف c المحفور باللاتينيَّة، في رأسه هو الدليل الأكثر قوَّةً على الحادث، أو الدليلُ على الشَّتات، الدليلُ على السَّفر. حصل ذلك بعد أعوام من قراره السفر مجدَّداً إلى الخليج، وبناءً على عقد تدريس وقَّعته أمِّي، بعدما طلبتْ استيداعاً من عملها الحكوميِّ في سوريا. من دون تخطيط، عاد أَبِي إلى دِمَشْق وحده في أحد الأعوام، من منتصف الثمانينات، فيما كانت أمِّي تخطِّط أن تعود بنا متأخِّرةً، في الصيف.
لقد سُجن فور وصوله، بسبب عدم إتمامه الخدمة العسكرية. دائماً ما كانت قصة خدمته العسكرية وتملُّصه منها، لغزاً كبيراً، سأتذكَّر من ذلك فقط، أنَّه كان يُسجن في كلِّ مرةٍ، كعقاب، وسنظلُّ نحاول الفهم: هل كان فعلاً متهرِّباً من الخدمة العسكرية، أم أنَّه طُلب احتياطيّاً لخدمة الجيش، بعد عودته الثانية من الخليج؟ أم الاثنان معاً؟ حرف c في رأسه دليلٌ على الاغتراب المستمر، وعلى كونه لاجئاً فلسطينيّاً، منذ عمر السنتين. إذ غادر مع عائلته قريته “الظاهريَّة التحتا” ماشياً، تجاور هذه القرية مدينة صفد في الجليل الأعلى، وقد أبادها الاحتلال الإسرائيلي، في عام 1948، خلال النكبة الفلسطينية.
ما كان أَبِي ليتوقَّع أنَّ الحادث سيؤثِّر عليه بتلك الطريقة؛ ففي البداية، خرج ملهوفاً على الحياة. لم يعد إلى دِمَشْق، بل غادر قطر متوجِّهاً إلى مصر، وعاش هناك مدَّة عامين، كانت حياته غامضةً بعد الحادث، بما في ذلك فترة وجوده في مصر. “رُحِّل إلى دِمَشْق، بعد سجنه لأسبابٍ سياسيَّة، في فترة حكم السادات”، كما قالت جدَّتي، وَأكْمَلتْ: “عاد إلى دِمَشْق قادماً من المطار، خرجتُ فوجدته في التاكسي، فيما السائق هو من دقَّ باب المنزل”. أمضى ما تبقَّى من حياته يعاني، كل خمس سنوات أو أكثر، من عودة بقعةٍ في الدماغ كانت تؤثِّر عصبيّاً في ذاكرته، وتتركه في حالةٍ من التشوُّش لأشهر، كلَّما عاود تأثيرها الظهور.
ربما أصبح لديَّ أنا الأخرى حرف c باللاتينيَّة في رأسي، ربما ورثتُ كل هذا عن أبٍ متهور يحب قيادة الدرَّاجات الناريَّة السريعة بعيداً عن بلاده؛ أب متهوِّرٍ وعنيدٍ، لكنِّي أسامحه فقط، لأنَّه فعل ذلك قبل أن نلتقي؛ أراد أن يُعيل عائلةً كاملةً تنتظره في دِمَشْق، بعد رحيل والده الأبكم باكراً. لم يكن جدي الذي غادر فلسطين شابّاً، قادراً على العمل في متجر أَبِيه أمين في دِمَشْق، بسبب إصابته بمرض السحايا وما سبَّبه له من فقدان القدرة على الكلام. عندما أتى الجدُّ الأكبر إلى دِمَشْق اشترى منزلاً ودكَّاناً، وكان جدِّي قد أُصيب بمرض السحايا في بيروت، بعد خروجه من فلسطين في عام النكبة، وتجواله بين المخيَّمات والمدن، وصولاً إلى مدينة طرابلس اللبنانيَّة أولاً. لم يحبَّ الجدُّ الأكبر أمين شحادة زيد الكيلاني (أصل الكنية: زيد الكيلاني، مع صلةٍ بآل زيد الكيلاني في قرية يعبد) بيروت، لأنَّها لم تُذكِّره بمدينته وتلالها وقراها؛ هناك حيث كان يمتلك متجراً للمؤونة في المدينة القديمة في صفد، وأرضاً وبساتين في قرية “الظاهريَّة التحتا”. وصل إلى دِمَشْق، مرتدياً بدلةً وحطّةً وعقالاً، وعمل في التجارة، فوراً. لاحقاً كان للجدِّ الأكبر في دِمَشْق قطٌّ يدعى “شيبوب”، ويُقال إنَّه بكى يوم وفاة الجدِّ.
اتَّصلت بعمَّتي، بعد موت أَبِي في أيار/ مايو من العام 2023، التي شرحت لي أشياء كثيرة عن أَبِي، عن العائلة، عن الثقب الدائري في قلبي، عن حرف C باللاتينيَّة، من دون أن تدري. كنتُ لا أسأل؛ كانت فقط تحكي… وتحكي، وكأنَّها، وهي تتكلَّم من دِمَشْق، عبر اتصالاتي المتكررة، تلئم الثقب… تُعيده حكايةً، تستحقُّ الاستماع، تُعيده صوتاً، مُنعتُ عن الاستماع إليه سنينَ طويلةً، بسبب الخلافات العائليَّة، والتجاذب حول شخصيَّة هذا الأب المؤثِّر والابن البكر البديل لأَبِيه، من جميع أطراف العائلة. كان النزاع في عائلتنا، مقتصراً في البداية على أَبِي، وعلى ما يدور حول أَبِي، وهو كان هو غارقاً، بعد الشتات في الشتات، وبعد الضياع في الضياع، وبعد النَّفْي في النَّفْي.
تُسمِّي عمَّتي نفسها “أمّ اللؤلؤ”، وأنا أقول لها إنَّها “أمُّ اللؤلؤ والمرجان”. حكايات عمَّتي هي اللؤلؤ، هي فلسطين الحقيقيَّة، بلكنَةٍ شاميَّةٍ دِمَشْقيَّةٍ. بذكرياتها طفلةً في حيِّ “الأمين”، متحرِّكةً في حارة اليهود، راكضةً بسرعة أمام الكنيسة المريميَّة، بين مدرستها، وبقالية قزويني قرب منزلها، ودكَّان جدِّها أمين في حيِّ العمارة، تأخذ “الخرجيَّة”، وتعود لتشتري ما تريد.
عندما عاد أَبِي من الخليج في المرَّة الثانية، لم يشترِ سيارةً، ولا درَّاجةً ناريَّةً، بل درَّاجة هوائيَّةً، يتنقَّل عليها في دِمَشْق. وحينما كان يفقد مفتاح قفلها، بسبب نسيانه، أو تشوُّشه، وضياع محفظته المتكرِّر، وداخلها هويَّته الشخصية (لدرجة أنه بقي سنينَ طويلةً يتحرَّك من دون هويَّةٍ شخصيَّة)؛ كان يترك درَّاجته، ويمشي، كان يمشي، ويمشي، ولا يركب أيَّ وسيلة نقل. وحينما كان يستقلُّ “تاكسي” للضرورة، كان بسبب ابتعاده عن استخدام وسائل النقل العامَّة أو الخاصَّة سنينَ طويلةً، يجلس في المقعد الخلفي لسيارة التاكسي. وفي كلِّ مرَّة كنتُ أستغرب، وأضحك، وأقول له: “بابا… الرجل عادةً يجلس، أمام السائق”، كان يهزُّ رأسه موافقاً، الآن أفهم، أنَّها عادةٌ تخصُّ دِمَشْق فقط، وأنَّ المدن الأخرى العالقة في ذاكرته، كانت تدفعه إلى الجلوس في الخلف.
دائماً، كان هناك غموضٌ وألغازٌ في حياة أَبِي، غموض في صورته التي قيل لي إنَّها التُقطت في الملعب مع ياسر عرفات وقت حصار بيروت، وصور أخرى له بالزيِّ العسكري الأبيض. سألتُ أَبِي كثيراً، لكنه رفض التحدّث عن الأمر، إلى أن اتَّصل فجأة أثناء إصابته بفيروس كورونا، وقال: “عليكِ أن تعرفي بعض الأشياء”، وحدثني عن مرحلة من حياته ارتبط فيها بالحركة الفلسطينيَّة، لكنِّي لم أُلِحَّ كثيراً في الأسئلة، كان الاستماع بالنسبة إلي أهمّ ما يمكن فعله. لكن ما هو موثَّق عبر الصور، أنَّه كان في الملعب مع مئات المقاتلين لحظة خروج ياسر عرفات مع رجاله من بيروت، في صيف العام 1982. خرج برّاً، عائداً، كما في كلِّ مرَّة إلى دِمَشْق، بينما كنتُ أنا الطفلة التي بالكاد تمشي، أنتظر عودته.
باريس، أيار/ مايو من العام 2025:
أنا في باريس. تنهمر دموي وأنا أستمع إلى أغنية سليمة مراد العراقيَّة:
“هذا مو إنصاف منك/ غيبتك هَلْكَد تطول/ الناس لو تسألني عنك / شرد أجاوبهم شكول؟ / گلبي خليته يتحوّى بنار هجرانك تلوّى/ هذي مو منك مروة/ لا، ولا منك أصول/ الناس لو تسألني عنك/ شرد أجاوبُهُم شَكَول؟ ألف حيف وألف وَسْفَة مثلك يخون وِلفَه/ لا تظن گليبي يشفى والألم عنّه يزول/ والناس لو تسألني عنك شرد أجاوبهم شكول؟”.
بماذا كانت جدَّتي فوزيَّة البرغوثي تفكِّر، حينما غاب أَبِي كلَّ تلك المدة، من دون أن يرسل إليها نقوداً؟ من دون أن يبعث رسالة تشرح، ما حدث؟ وأنَّه قرَّر أن يتوجَّه إلى مصر بدلاً من دِمَشْق، بعد الحادث، وأنَّه حينما وصل إلى دِمَشْق، مفلساً، كان واعياً إلى أنَّه اختار نفسه ومقاومته الداخليَّة الثابتة، على أن يختار هزائمه القدريَّة، بعدما كاد يفقد حياته. لا بدَّ أنَّها شكت في خيانته العائلة التي تنتظره، تنتظر الفرج معه. وربما شكَّت جدَّتي فيه خائناً للعائلة قبل البلاد، التي كانت فوق كتفيه اليافعين. ألم تكن هي نفسها تقول إنَّني أنا حفيدتها البكر، غادرتُ دِمَشْق من دون أن أودِّعها، من دون أن أشرح شيئاً؟ نعم يا جدَّتي، كنتُ متكتِّمةً، خائفةً، مرتعبةً، كنتُ أجبن من وداع أَبِي حتَّى. دخلتُ إلى البيت، سلَّمتُ… جلستُ قليلاً، مع من كان، تحدَّثتُ مع أَبِي، واختفيتُ في صباح اليوم التالي، في الضباب. مررتُ لحظة مغادرتي دِمَشْق من أمام قصر الشعب، كانت هناك غربان تنعق حوله. ظننتُ أنني أوشكت على الانتصار، حين تخيَّلتُ نفسي أقوى من الظلم والطغيان، وأنا أتجرَّأ وأمرُّ في المرَّة الأخيرة، من أمام قصر الأسد، حيث قرَّر سائق التاكسي، تغيير الطريق الممتلئ بالحواجز العسكريَّة التابعة لجيش نظام الأسد.
“ألف حيف وألف وَسْفَة مثلك يخون وِلفَه/ لا تظن گليبي يشفى والألم عنّه يزول/ والناس لو تسألني عنك شرد أجاوبهم شكول؟”، يعلو الصوت مجددَّاً، تعيدني الأغنية إلى رأسي بين يدَيَّ، إلى الثقب في صدري، إلى أنَّني هشَّة. يأتيني فجأة اتصالٌ من صديق. كان هذا الصديق في باريس عندما كنتُ، أُحدِّثه من دِمَشْق. وها أنا الآن في باريس، وها هو في دِمَشْق. أشعر أنَّني أختنق، صار الشوق إلى دِمَشْق، سُمّاً بدلاً من الحَنين. أغار من صديقي، الذي كنتُ أقول له دائماً:”إنت بتغار عليّ، ولا بتغار منِّي؟”. وأعلم أنَّنا نغار من بعضنا، في كلِّ شيء، وأنَّنا كأصدقاء نشبه أصدقاء النَّفْي: نغار ونحتار، ونحتار ونغار.
أقطع الاتصال وأبكي، ثم أُلملم أحزاني التي تبعثرت أمام صديقتي الدِمَشْقيَّة التي تستضيفني في باريس، لن تفهم، ما الذي يجعلني أبكي هكذا، وكأنَّ حدثاً سيِّئاً قد وقع وأحزنني. أقول لها إنَّ عليَّ التحضير لمادّة “الأدب الأندلسي”، فأنا خائفة من امتحان الغد. فعلى الرغم من أنَّ الأدب الكلاسيكي هو أقلُّ ما أخافه، في هذه الحياة، إلا أنَّ اللقاء مع أستاذي، المترجم والشاعر العراقي كاظم جهاد، غداً، سيكون مناسبة مهمةً أيضاً، بأهميَّة امتحان المادَّة التي يدرِّسنا إياها، في معهد “الإنالكو” للغات والحضارات الشرقيَّة، في باريس. إذ يُعدُّ أستاذنا الأكاديمي، من أهمِّ المترجمين بين اللغتين: العربيَّة والفرنسيَّة، أقول لها: “خلِّيني حضِّر للامتحان، بشرحلك بعدين. لو كان محمود درويش نفسو، معي بالامتحان بكرا، كان رح يتلبك”.
منذ مدَّة صرتُ لا أشرح شيئاً لأحد، إلا إذ كان الشرح متبادلاً. في تلك المرَّة شرحت لها لاحقاً أن تحضيري لموادِّ ماجستير “الدراساتِ العربيَّةِ” مهمٌّ لي حاليّاً، أكثر من الأخبار الآتية من دِمَشْق، لا سيَّما بعد حدوث مجازر الساحل، وبعدما خاب ظنِّي من البلاد.
كان العمُّ صبري في رواية “وحدَها شجرة الرُمَّان” للكاتب العراقي سنان أنطون، يُغنِّي هذه الأغنية الشجيَّة: “هذا مو إنصاف منك” لنفسه، عندما قاطعه جواد، ابن أخيه وبطل الرواية، يَقُول الرَّاوي: “قلت له إننا نحن الذين يجب أن نغنّي هذه الأغنية ونعاتبه بها بعد هذه الغيبة. فقال: “شنّو، يعني آني خاين؟”، فقلت له: “لا، بذات”. فضحك وقال: الله يسامحك يا جودي. هسة أحجيلك شصار بيّه”. (الاقتباس من رواية “وحدَها شجرة الرُمَّان”).
تحيل شخصيَّة العمِّ صبري إلى الكاتب أنطون ذاته، وإلى زيارته التي كتب عنها في نصِّه “إِطلالُ المشتاقِ على أَطلالِ العراق”، والمنشور في موقع جدليَّة. روايةٌ كابوسيَّةٌ، أعادتني إلى الكابوس الذي جعلني أستيقظ لاهثةً ومبلَّلةً بالعرق، بعد مجازر الساحل في آذار/ مارس، من العام 2025، وإلى ذاكرتي وذكرياتي في مدينتي دِمَشْق؛ مدينتي التي لم أرها منذ زمنٍ طويل، منذ بداية كانون الأوَّل/ ديسمبر من العام 2012.
– تحطُّ أمام المقهى الذي أنا فيه الآن حمامةٌ. أنظر إليها لبرهة؛ لا تتحرَّك، ولا تطير. تثقل صورتها ذهني، ما بها؟ لِمَ لا تطير على رغم تحرُّك الناس حولها؟ أخاف، من ألاّ تتحرَّك مجدَّداً. وحينما أدرك أنَّه القلق، تطير الحمامة بسرعة.
في الكابوس لم أرَ جدَّتي توبِّخني، على مَا فعلته يَدَايَ، على أخذي حقائبي الصغيرة، وعلى عدم وداعها، وعلى هروبي من البلاد بعدما طُلب زوجي، المصوِّر مظفَّر سلمان، الى الخدمة العسكريَّة الاحتياطيَّة، (رفضت وقتها والدة مظفَّر استلام ورقة التبليغ)، ما أعطانا نحن الاثنين أسبوعاً للتحرَّك، قبل تعميم اسمه على الحواجز الأمنيَّة، لكنَّنا غادرنا خلال يومين فقط. ذهب مظفَّر إلى مدينة حلب المُحرَّرة، بعد وصولنا إلى بيروت، لتصوير حرب نظام الأسد على الشعب، لصالح وكالة “رويترز”. لم تظهر الجدَّة الصارمة والحكيمة، في الكابوس كي تلومني على عدم وداعي لأَبِي ولدِمَشْق، ولا على عدم عودتي لزيارة قبر أَبِي بعد سقوط النظام.
في الكابوس أرى نفسي في دِمَشْق. أشعر بالجوع، فأنزل كي أشتري طعاماً، من أمام البيت. أتفاجأ بأنَّه ما من متاجر مفتوحة. أعلم أنَّنا في حصارٍ شديد. أدخل إلى بستانٍ يظهر أمامي فجأةً، وكأنَّه أحد بساتين العدو، ليس بعيداً عن بيتنا. لكنَّ البستان يبدو في منطقةٍ لا تحيط بها أبنية، أتطلَّع ورائي فلا أرى أحداً؛ تختفي المدينة.
أبحث في جيبي عن بطاقتي البنكيَّة، فلا أجدها. أتذكَّر أنَّني ما زلتُ لاجئةً سياسيَّةً في فرنسا، وأستغرب من عودتي إلى هنا، إذ ليس لديَّ حتَّى أوراق ثبوتيَّة سوريَّة، أظهرها إن سُئلت. أتجمَّد، ثم أعاود التذكُّر: لقد سقط نظام الأسد. لِمَ أنا خائفة إذاً؟
أحمل دلواً خاوياً في يدي، أطلب من صاحب البستان أن ألتقط حبَّات تِين من شجر التِّين، أو رُمَّاناً من شجرة الرُمَّان، وأقول إنَّني جائعة وأريد شراء الفاكهة. يرفض الرجل، ويعترض، قائلاً: “ما في تِين، ولا رُمَّان”، ثم يطردني، وأنا مندهشة: كيفَ يمكنه أن يتركني هكذا جائعة، وأنا معه في الحصار، وفي معارضة الأسد؟ أفهم أنَّ الأمر متعلِّق بنهج الحكومة السوريَّة المؤقَّتة، خصوصاً بعد حدوث مجازر الساحل، وأنَّني مُعاقَبة بسبب شيءٍ ما، وأنَّ لزوجي عقاباً مشابهاً بسبب شيءٍ آخر. لا أفهم إلى ماذا يُلمِّح؟!
أخرج وأقرِّر أنَّني سأمتنع عن أكل ثمار شجرة الرُمَّان، على رغم جوعي الشديد، وأيضاً سأرفض أكل ثمار شجرة التِّين، في حال لحق بي واعتذر. سأبحث عن شرفة منزل أطير منها، إلى اللامكان، أنا قادرة على ذلك، على الاستيقاظ، طالما أنَّني أعرف الحقيقة: أنَّ هذا كابوسٌ لعينٌ مؤقَّت.
جواد في رواية “وحدَها شجرة الرُمَّان”، يرفض أن يأكل من ثمار شجرة الرُمَّان، الواقعة قرب دكَّة مرَّر، تلك التي تُغسَل عليها أجساد الراحلين. يرفض لأنَّها تشرب من ماء غسل أجساد الموتى، التي يُحَضِّرُها أَبِيه للدَّفن على الدكَّة، إذ يعمل كـ”مْغَسِّلْجِي”. كانت أزهار الرُمَّان ذات الحُمرة القانية تتفتَّح بعد موت أَبِيه، وتُذكِّر جواداً بأنَّه، في صغره، كان يأكل ثمار الشجرة بنهم، عندما كان والده يقطفها له، لكنَّه توقف عندما أدرك أنَّها تشرب من مياه الموت، منذ عقود.
هل هي الأبيات الأندلسيَّة الصوفيَّة، التي كنتُ أُردِّدها على مسمع صاحب الحقل، هي التي جعلت الرجل في البستان متجهِّماً من رؤيتي؟ أستيقظ مذعورةً لاهثةً. لِمَ عليَّ أن أُعاقَب مرَّتين: مرَّةً من نظام الأسد، ومرَّةً الآن في هذا الكابوس (الذي يسمُّونه مؤقَّتاً)؟ لم أفعل شيئاً سوى إلقاء قصائد من مجموعة “ترجمان الأشواق” لابن عربي (1165 – 1240)، وفيها يتغنى الشاعر بحسن فتاة لمحها في الحج إلى الكعبة، قائلاً:
أَلا يا حَماماتِ الأَراكةِ والبانِ/ ترفَّقنَ لا تُضعِفنَ بالشجوِ أَشجاني
تَرفَّقنَ لا تُظهِرنَ بِالنوحِ والبُكا/ خَفِيَّ صَباباتي وَمَكنونَ أَحزاني
أُطارِحُها عِندَ الأَصيلِ وبِالضُحى/ بِحَنَّة مُشتاقٍ وَأنَّةِ هَيمانِ
تَناوَحَتِ الأرواحُ في غَيضَةِ الغَضا/ فَمالَتْ بِأَفنانٍ عَلَيَّ فَأَفناني
أرى دِمَشْق في تلك المرأة، وحنيني إليها مثل حنين ابن عربي لحبيبته التي سمَّاها “نظام”، نافذته إلى أهمِّ مشاغل الروح الصوفيَّة والشاعرة. إنَّ حنيني إلى دِمَشْق لن تمنعه مجازر، ولن يوقفه قتلة، وإنَّ الطغاة، حتَّى لو أطالوا المكوث في دِمَشْق أو في سهولها ووديانها، وفي بقيَّة المدن السوريَّة الملاصقة لها، لن يُطيلوا المكوث، أكثر ممَّا أطال نظام الأسد، وهو في كامل ظلمه وجبروته.
أمَّا عن ثمار التِّين والرُمَّان، فقد تلوَّثت بالدم، مثلما شربت شجرة الرُمَّان، في رواية سنان أنطون، عقوداً من مياه الموت. لذا توقف جواد عن أكل ثمار شجرة الرُمَّان، بعدَما فَهِم المعنى ومَجازَ العُنْفِ؛ إذ صارت هذه الشجرة، في ما بعد، تشرب من دماء القتلى المختلطة بمياه الموت، بعد تفاقم القتل والتفخيخ في العراق.
كيفَ لجواد أنْ يأكل ثمار الرُمَّان التي تشرب من ماء الموت والدم؟ وكيفَ لي أنْ أعودَ إلى البستان ذاته في دِمَشْق، فآكل تِيناً أو رُمَّاناً، تلوَّث بالدم، دم السوريِّين، بعد هذا الكابوس؟
إقرأوا أيضاً:












