ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الجائحة الترامبية… تفشّي القوميات كـ “علاج” للعولمة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ادّعاء دعاة القومية بأنهم وحدهم قادرون على إنقاذ بلدانهم وثقافاتهم لا أساس له. والحقيقة أنهم يريدون السلطة لأنفسهم فقط، وليس “للشعب” الذي يزعمون أنهم يمثلونه. والبديل الوحيد القابل للتطبيق حقاً هو الديمقراطية في دوائر متداخلة من الحيّ وحتى المؤسسات العالمية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في حزيران/ يونيو الفائت، أسرَ الزعيمان، الكوري الشمالي كيم يونغ أون والروسي فلاديمير بوتين، أنظار نظرائهما وكاميرات الصحافيين عندما أقدم الثاني على زيارة بيونج يانج لأول مرة منذ 24 عاماً، في مراسم استقبال أُقيمت على سجادة حمراء، وكَسَتها الزهور وكؤوس الشامبانيا، ووداع “رومانسي” عكس ابتسامة عريضة على وجه الرجلين، إذ لوَّحا لبعضهما بعضاً عندما ركب زعيم الكرملين طائرته مغادراً نحو فييتنام.

في الواقع، يشكلّ الزعيمان ثنائياً شديد الغرابة، إذ تتضح بينهما نقاط الاختلاف أكثر مما تجمعهما نقاط التشابه. فما زال كيم شاباً بعض الشيء (40 سنة) بينما تجاوز بوتين السبعين من عمره، وما زال يحب الظهور عاري الصدر على ظهور الخيل، كلما سنحت له الفرصة لاستعراض الجسده المُدرَّب لعقود على رياضة الجودو. 

كيم هو الحاكم الأُسَري لبلد صغير ومعزول ومتجانس، ما زال يحكمه نظام شيوعي بشكل رسمي. وعلى النقيض من ذلك، يرأس بوتين إمبراطورية متعددة الأعراق تمتد عبر 11 منطقة زمنية، وقد أدارت ظهرها رسمياً لماضيها الشيوعي وعادت تراودها أحلام القيصرية منذ عقدين. كيم يزدري الدين ولكنه يحافظ على تمجيد الرموز، كنفسه وأبيه وجده، في حين أن بوتين، الذي جعل من الدين قاعدة لتعزيز شعبيته، لم يُجبر المسؤولين الروس بعد على ارتداء دبابيس تحمل وجهه بخلاف الأول.

من المؤكد أن بوتين وكيم لديهما بعض الأصدقاء المشتركين (شي جين بينغ في الصين ودونالد ترامب في أميركا) وبعض الأعداء المشتركين (الغرب، ومعظم الديمقراطيات في آسيا) كما يجمعهما الشغف بإطلاق التهديدات الرنانة، حيث يستمر بوتين بتحريك ترسانته النووية باستمرار، ويذكّرنا كيم بين الحين والآخر بـ “زرّه الأحمر”. ولكن ما يربطهما حقاً هو عقيدة عتيقة يعود أصلها إلى أكثر من قرنين من الزمان. إذ إن كيم وبوتين كلاهما قومي حد النخاع.

يؤمن الزعيمان بتفوّق الدولة القومية، وبشكل خاص دولتيهما. كما يؤكدان تفوّق مجموعاتهما العرقية الخاصة، حيث يستخدم بوتين كلمة russky (الروس العرقيون) بدلاً من rosissky (مواطنو روسيا) بشكل متزايد في خطاباته، ويتبع كيم التقليد الكوري الشمالي الرسمي المتمثل في تطهير اللغة والثقافة من كل التأثيرات الخارجية.

ويتّحد الزعيمان في معارضتهما للغرباء أياً كانوا، سواءً الدول الأخرى أو المنظمات الدولية أو المنظمات غير الحكومية. وبعبارة أخرى، فإن بوتين وكيم هما المتحدثان باسم “دعاة السيادة“، وهي فئة من زعماء العالم الذين يصرّون على حقهم السيادي في أن يكونوا استثناءات للقواعد التي تحكم بقية الكوكب، وهم غالباً ما يكونون زعماء يتبنّون هذا الخطاب لتبرير السياسات الاستبدادية، كما في الحالة السورية والفنزويلية.

بات يسيطر القوميون المتطرفون مثل بوتين وكيم على جزء كبير من عالم اليوم، وصاروا يتّخذون أشكالاً وهيئات مختلفة. على سبيل المثال، أعاد شي جين بينغ إحياء القومية لإحياء حظوظ النظام الشيوعي، الذي لم تعد أيديولوجيته مقنعة بما فيه الكفاية للجماهير الصينية. وفي ألمانيا، بدأت سارة فاغنكنشت حزباً جديداً يحدّد هويته رسمياً على أنه يساري لكنه يتبنّى وجهات نظر قومية يمينية بشأن ضوابط الحدود والعولمة والسياسة الخضراء. في غضون ذلك، وعلى الطرف الآخر من الطيف السياسي، عمل ناريندرا مودي في الهند على تكييف القومية مع احتياجات الشوفينية الدينية لحزبه اليميني المكرّس لـ “جعل الهند الهندوسية عظيمة مرة أخرى”، على الطريقة الترامبية.

ولا يقتصر أثر هؤلاء القادة القوميين على أحزابهم ومراكزهم السياسية، بل يمتد إلى خصومهم. مثل جو بايدن، الذي حاول مواجهة شعبوية ترامب من خلال تعزيز قوميته بفرض قيود جديدة على الحدود الجنوبية لبلاده ورسوم جمركية جديدة باهظة على الصين. والواقع أن مثل هذه القومية كانت جزءاً من التيار الرئيسي منذ استولى الثوار على مملكة فرنسا في أواخر القرن الثامن عشر، وبدأ الرومنطيقيون الألمان في الدفاع عن فكرة الـ “Das Volk” (أي الشعب) في الوقت نفسه تقريباً. حتى أن بعض علماء السياسة زعموا أن القومية كانت العنصر الأساسي في تأسيس الديمقراطيات الحديثة، وأنه لم يكن بوسع الدولة أن تحشد ما يكفي من الإجماع للحكم دون إغرائها الأيديولوجي.

لكن في عالم اليوم، حيث بات من الصعب تحديد أكبر الكوارث التي تواجه العالم، حروب الإبادة والتطبيع معها، أم تغير المناخ، أم استنزاف الموارد، أم الذعر من الكارثة النووية المحتملة، ما الذي جعل هذه الفلسفة “البالية” الإيديولوجية العالمية السائدة مجدداً؟.

الاتحاد الأوروبي الذي لم يصمد أمام طوفان القومية

مثل الاستعمار، كان من المفترض أن تنقرض القومية بحلول الآن، وأن تصبح من بقايا قرنٍ آخر، وأيديولوجية ينبغي أن يُقرأ عنها في كتب التاريخ ومكاتب الجامعات. في نهاية المطاف، على مدى المائة عام الماضية، تآكلت امتيازات الدول القومية تدريجياً بسبب معاهدات الأمم المتحدة، ونمو الشركات العابرة للحدود الوطنية، وانتشار المجتمع المدني العالمي.

وفي وقت يبدو فيه العالم “قرية صغيرة” – حتى وقتٍ قريب على الأقل –  بغض النظر عن المكان الجغرافي، ويمكن لمشارك في دولة الإمارات حضور مؤتمر في سان فرانسيسكو في لحظته الآنية، بشكلٍ يجعل الحدود تبدو وكأنها من القرن التاسع عشر، في مثل هذا العالم “المسطّح“، الذي تسود فيه تطبيقات “تيك توك” و”فيسبوك” و”زووم”، ألا ينبغي أن تكون القومية فلسفة الأجداد “المُملّين العالقين في الماضي؟”.

خلال الحرب الباردة، كان لدى كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي حلم ما بعد القومية. مع الأممية البروليتارية، كان من المفترض أن تندثر الشيوعية القومية، كما كان حال الرأسمالية مع شركاتها متعددة الجنسيات وعالم الأعمال بلا حدود. ونقلت الجماعة الاقتصادية الأوروبية – التي أصبحت فيما بعد الاتحاد الأوروبي – الأمر إلى مستوى أعلى، حيث بدأت الدول الأوروبية في إزالة الحواجز أمام التجارة، ثم أمام حركة رأس المال، وفي نهاية المطاف أمام حركة الناس.

في أحد السيناريوهات، كان من المفترض أن يعمل الاتحاد الأوروبي كحجر أساس لنظام عالمي أكثر سلمية وأقل قومية. وكما كتب ريتشارد كابلان وجون فيفر في مقدمة كتاب صدر عام 1996 عن القومية الأوروبية الجديدة “من المفترض أن تستمر الاختلافات القومية ــ التنورات الاسكتلندية، وتقبيل الأيدي البولندية، والحياد السويسري ــ ومع ذلك، فإن الاختلافات القومية، التي جعلت من القارة (الأوروبية) أرضاً للاقتتال لقرون، سوف تتلاشى تدريجياً في كتب التاريخ”، وكان من المفترض أن يحذو بقية العالم حذوه مع ملاحظة نتائج الرخاء للتكامل الأوروبي.

لسوء الحظ، لم يحدث ذلك. فبعد انهيار جدار برلين في عام 1989، عادت القومية بقوة، وخاصة في أوروبا، وارتفعت حدة الحماسة المناهضة للهجرة في ألمانيا الشرقية، واكتسبت حركات الاستقلال الجديدة أرضيةً في اسكتلندا وكتالونيا، والأمر الأكثر رعباً هو أن دولة يوغوسلافيا السابقة، تحولت إلى حمام دم بفعل الجماعات العرقية التي انقلبت على بعضها بعضاً.

في تلك الحقبة التي أعقبت الحرب الباردة مباشرة، أثبتت القومية أنها أداة فعّالة تستخدمها الأطراف ضد المركز المهيمن. فقد أنتجت عقوداً من التوافق الرسمي داخل يوغوسلافيا بين الألبان والبوسنيين والكروات والصرب والسلوفينيين، الكثير من الزيجات المختلطة إلى جانب الكثير من الاستياء المكبوت بين الأعراق، فضلاً عن الغضب من بلغراد لإملاء سياساتها على الجمهوريات اليوغوسلافية الأخرى. كما تصاعدت أعمال القتل بين الأخوة في الاتحاد السوفييتي السابق بين الأرمن والأذربيجانيين، وبين الجماعات العرقية في جورجيا، ومؤخراً بالطبع بين الروس والأوكرانيين. وعندما لم توجّه هذه الصراعات ما بعد السوفييتية عداءً صريحاً نحو الكرملين، كما حدث في أوكرانيا، فقد نقلت غضبها إلى مراكز القوة الإقليمية مثل تبليسي وباكو.

وفشل الاتحاد الأوروبي ما بعد القومي، المفترض أنه محصَّن ضد مثل هذه التطورات، أنه حصينٌ منها. فما عليك إلا استبدال موسكو أو بلغراد بـ “التجاوزات” التنظيمية لعاصمة الاتحاد الأوروبي، بروكسل، وستصبح التطورات السياسية التي شهدتها السنوات الثمانية الماضية أكثر اتساقاً مع الأمثلة السابقة، وأوضح مثال هو تصويت بريطانيا العظمى لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي في عام 2016. فقد امتزج الاشمئزاز من البيروقراطية الأوروبية المتدخلة في الشؤون الداخلية مع نزعة قومية لإرسال البلد الكوزموبوليتاني إلى زاوية حرجة.

ومنذ التصويت البريطاني، بدا أن خروج عدة دول أخرى، أبرزها فرنسا وهولندا واليونان، يلوحان في الأفق حتى قرر الساسة القوميون أنه من المفيد “اختطاف” مؤسسات الاتحاد الأوروبي بدلاً من التخلي عنها تماماً، ولم يكتفِ اليمين المتطرف بالاستيلاء على الحكومات الوطنية في المجر وإيطاليا وهولندا وفرنسا تقريباً، بل تحدى الأوروبيين أيضاً على أرضهم في الانتخابات البرلمانية الأوروبية. والواقع أن اليمين المتطرف سجل في حزيران/ يونيو أفضل نتائج له على الإطلاق وشكّل ثالث ورابع أكبر كتلة تصويتية في ذلك البرلمان.

لماذا القومية الآن؟

كانت القومية في البداية سلاحاً استُخدِم ضد المراكز الإمبريالية، مع انتفاضة الفرنسيين ضد ملكهم، وثورة اليونانيين ضد العثمانيين، وانفصال كل أميركا اللاتينية تقريباً عن المستعمرين الإسبان أو البرتغاليين. وبرغم أنها لا تزال قادرة على أداء هذه الوظيفة اليوم (كما هو الحال في أوكرانيا) فإنها تُستَخدَم الآن في كثير من الأحيان كردّة فعلٍ لنوع مختلف من القوة: العولمة وأشكالها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

إن نمو النسخة الاقتصادية من العولمة، التي بدأت بالسفن البخارية والتلغراف، والتي تسارعت في عصرنا إلى سفن الحاويات والإنترنت، أدى بشكلٍ ليس من المستغرب إلى ردود فعل عكسية خطيرة. والآن يندد القوميون بالطريقة التي أثخن بها مهندسو الاقتصاد العالمي جيوب الأثرياء، في حين حرموا الدول القومية من الأدوات اللازمة لتوجيه اقتصاداتها. في نسخة كلاسيكية من الإغراء والتبديل، برر مهندسو اقتصاد العالم إزالة جدران التعريفات الجمركية وبناء خط تجميع عالمي بالإشارة ليس إلى الثروة المتزايدة لطبقة المليارديرات، بل إلى ملايين الناس الذين انتُشلوا من براثن الفقر.

وحتى وقت قريب، جرى إهمال الأعداد الغفيرة من الناس من الطبقة المتوسطة والطبقة العاملة الذين فقدوا وظائفهم ومدخراتهم وحتى كرامتهم في بعض الأحيان بسبب تسونامي العولمة. وبرغم أن بعض الساخطين وجّهوا غضبهم إلى “العولميين”، إلا أنهم ركزوا غضبهم أيضاً على نتيجة أخرى للعولمة؛ العدد المتزايد من عابري الحدود اليائسين بحثاً عن وظائف وحياة أفضل. وبهذه الطريقة، امتزج الغضب من التخلّف عن الركب بكراهية الأجانب القوية، مما أدى إلى تغذية الرفض الشعبوي للأحزاب التقليدية من يسار الوسط ويمين الوسط التي دعمت التحولات الاقتصادية والاجتماعية للعولمة.

دونالد ترامب هو بالطبع التجلي الأكبر للقوميين ومثلهم الأعلى، وبدرجة الامتياز. إذ يعارض جميع المعاهدات الدولية التي تقيّد القوة الأميركية، حتى تلك التي تخدم في نهاية المطاف المصالح الوطنية لبلاده مثل الاتفاق النووي مع إيران، واتفاقية باريس للمناخ، ومعاهدة ضبط الأسلحة في الأجواء المفتوحة. ويصف نفسه بأنه “مناهض للعولمة”، على الرغم من أن أعماله التجارية الدولية ليست كذلك على الإطلاق. إن ترامب، مثله كمثل شي جين بينغ في الصين، ماهر في تبنّي وتكييف أيديولوجية غريبة جوهرياً عن رؤيته للعالم من أجل تعزيز الجاذبية الجماهيرية واستباق أي انتقاد لنرجسيته التي تمتد إلى العالم. من المؤكد أن أعمال ترامب حققت ملايين الدولارات في الخارج، حتى عندما كان رئيساً، وقد وظفت الكثير من العمال غير المسجلين في الداخل الأميركي. ولكن لا مشكلة، لأنه يلف نفسه بالعلم الأميركي، حرفياً ومجازياً، ويعد بفرض الرسوم الجمركية على جميع السلع الأجنبية وترحيل جميع المهاجرين غير المسجلين.

ما الخيارات؟

إن العولمة تستقطب المجتمعات، وتُثري أصحاب الثروات، وتدمر الشركات المحلية. إنها “ماكدونالدز” و”مايكروسوفت” و”كراود سترايك” التي عطّلت العالم قبل ثلاثة أشهر، ولكن الاستجابة لمثل هذا التهديد الواقع على المحلي والخاص لا ينبغي أن تكون نداءً للقومية أو لغة الدم.

وبرغم أنها قد تبدو متخلفة، فإن القومية قابلة للتكيُّف بشكل يفوق معظم التيارات النظيرة، إذ يمكنك العثور على مقاطع فيديو و”رييلز” قومية على “تيك توك” و”إنستاغرام”، و”بودكاست” قومي، ونهج قومي في التعامل مع تغير المناخ. وفي حالة السلطوي اليميني الشاب في السلفادور، نجيب بوكيلة، تقدّم القومية نفسها على أنها شبابية ومثيرة.

ولكن الحلول التي طرحها القوميون عبر الطيف السياسي تفشل في معالجة التهديدات المشتركة التي يفرضها استنزاف الموارد، والتفاوت الاقتصادي، وانتشار الأسلحة النووية، وارتفاع درجة حرارة هذا الكوكب. سواء كنت تقسّم العالم وفقاً للدول القومية أو المجتمعات العرقية “البحتة”، فإن مثل هذه الانقسامات لا يمكنها التعامل مع مضاعفات القوة مثل الأوبئة وارتفاع مستوى المحيطات.

اليوم، الخيارات قليلة، ولكن هناك خيار ثالث. فربما تحاول النخبة العالمية التكنوقراطية فرض التغييرات الضرورية على الجميع، بمن فيهم القوميون. أو ربما تنجح الأحزاب ذات التوجهات الليبرالية في يوم من الأيام في استعادة المكاسب الانتخابية التي حققها القوميون. ولكن الخيار الأول من المرجح أن تولد مقاومة لا يمكن التغلب عليها، في حين قد لا يحدث الخيار الثاني بالسرعة الكافية، هذا إن حدث أساساً.

هناك بالطبع خيار آخر، ما زال يكافح من أجل تثبيت مكانه. إذ يحاول تيار جديد استخراج ما هو جيّد من العولمة، بما في ذلك معاهدات حقوق الإنسان وسياسات الهجرة الأكثر سخاء، في حين يقدّم نموذجاً اقتصادياً مستداماً ليحلّ محلّ الخيال النيوليبرالي لعالم مسطّح تسوده اجتماعات “زووم”، يفعلون ذلك في المؤسسات، وفي المجتمع المدني، وحتى، من حين لآخر، في الحكومات.

وهنا، يمكن أن تلعب التبعية دورا رئيسياً، ويعني ذلك أساساً أن المشاكل يجب حلّها على أدنى مستوى ممكن، أي في حيّك، إذا كان ذلك ممكناً، وإذا لم يكن كذلك، ففي مدينتك أو ولايتك أو بلدك أو منطقتك. إن المشاكل العالمية الحقيقية فقط هي التي ينبغي حلّها على المستوى العالمي.

ادّعاء دعاة القومية بأنهم وحدهم قادرون على إنقاذ بلدانهم وثقافاتهم لا أساس له. والحقيقة أنهم يريدون السلطة لأنفسهم فقط، وليس “للشعب” الذي يزعمون أنهم يمثلونه. والبديل الوحيد القابل للتطبيق حقاً هو الديمقراطية في دوائر متداخلة من الحيّ وحتى المؤسسات العالمية.

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 16.01.2026

“الإبادة البيئيّة” في سلطنة عمان: من يحمي الحوت الأحدب والنمر العربي من شركات النفط والغاز؟

سلطنة عُمان تحتل المركز الثاني بين أكثر الدول التي تتضمن تراخيص نفط وغاز داخل مناطق محمية معترف بها دوليًا بمساحة تداخل تبلغ نحو 56 ألف كم²، حيث تتقاطع 20 ترخيصًا للنفط والغاز مع 35 منطقة محمية.
04.11.2024
زمن القراءة: 9 minutes

ادّعاء دعاة القومية بأنهم وحدهم قادرون على إنقاذ بلدانهم وثقافاتهم لا أساس له. والحقيقة أنهم يريدون السلطة لأنفسهم فقط، وليس “للشعب” الذي يزعمون أنهم يمثلونه. والبديل الوحيد القابل للتطبيق حقاً هو الديمقراطية في دوائر متداخلة من الحيّ وحتى المؤسسات العالمية.

في حزيران/ يونيو الفائت، أسرَ الزعيمان، الكوري الشمالي كيم يونغ أون والروسي فلاديمير بوتين، أنظار نظرائهما وكاميرات الصحافيين عندما أقدم الثاني على زيارة بيونج يانج لأول مرة منذ 24 عاماً، في مراسم استقبال أُقيمت على سجادة حمراء، وكَسَتها الزهور وكؤوس الشامبانيا، ووداع “رومانسي” عكس ابتسامة عريضة على وجه الرجلين، إذ لوَّحا لبعضهما بعضاً عندما ركب زعيم الكرملين طائرته مغادراً نحو فييتنام.

في الواقع، يشكلّ الزعيمان ثنائياً شديد الغرابة، إذ تتضح بينهما نقاط الاختلاف أكثر مما تجمعهما نقاط التشابه. فما زال كيم شاباً بعض الشيء (40 سنة) بينما تجاوز بوتين السبعين من عمره، وما زال يحب الظهور عاري الصدر على ظهور الخيل، كلما سنحت له الفرصة لاستعراض الجسده المُدرَّب لعقود على رياضة الجودو. 

كيم هو الحاكم الأُسَري لبلد صغير ومعزول ومتجانس، ما زال يحكمه نظام شيوعي بشكل رسمي. وعلى النقيض من ذلك، يرأس بوتين إمبراطورية متعددة الأعراق تمتد عبر 11 منطقة زمنية، وقد أدارت ظهرها رسمياً لماضيها الشيوعي وعادت تراودها أحلام القيصرية منذ عقدين. كيم يزدري الدين ولكنه يحافظ على تمجيد الرموز، كنفسه وأبيه وجده، في حين أن بوتين، الذي جعل من الدين قاعدة لتعزيز شعبيته، لم يُجبر المسؤولين الروس بعد على ارتداء دبابيس تحمل وجهه بخلاف الأول.

من المؤكد أن بوتين وكيم لديهما بعض الأصدقاء المشتركين (شي جين بينغ في الصين ودونالد ترامب في أميركا) وبعض الأعداء المشتركين (الغرب، ومعظم الديمقراطيات في آسيا) كما يجمعهما الشغف بإطلاق التهديدات الرنانة، حيث يستمر بوتين بتحريك ترسانته النووية باستمرار، ويذكّرنا كيم بين الحين والآخر بـ “زرّه الأحمر”. ولكن ما يربطهما حقاً هو عقيدة عتيقة يعود أصلها إلى أكثر من قرنين من الزمان. إذ إن كيم وبوتين كلاهما قومي حد النخاع.

يؤمن الزعيمان بتفوّق الدولة القومية، وبشكل خاص دولتيهما. كما يؤكدان تفوّق مجموعاتهما العرقية الخاصة، حيث يستخدم بوتين كلمة russky (الروس العرقيون) بدلاً من rosissky (مواطنو روسيا) بشكل متزايد في خطاباته، ويتبع كيم التقليد الكوري الشمالي الرسمي المتمثل في تطهير اللغة والثقافة من كل التأثيرات الخارجية.

ويتّحد الزعيمان في معارضتهما للغرباء أياً كانوا، سواءً الدول الأخرى أو المنظمات الدولية أو المنظمات غير الحكومية. وبعبارة أخرى، فإن بوتين وكيم هما المتحدثان باسم “دعاة السيادة“، وهي فئة من زعماء العالم الذين يصرّون على حقهم السيادي في أن يكونوا استثناءات للقواعد التي تحكم بقية الكوكب، وهم غالباً ما يكونون زعماء يتبنّون هذا الخطاب لتبرير السياسات الاستبدادية، كما في الحالة السورية والفنزويلية.

بات يسيطر القوميون المتطرفون مثل بوتين وكيم على جزء كبير من عالم اليوم، وصاروا يتّخذون أشكالاً وهيئات مختلفة. على سبيل المثال، أعاد شي جين بينغ إحياء القومية لإحياء حظوظ النظام الشيوعي، الذي لم تعد أيديولوجيته مقنعة بما فيه الكفاية للجماهير الصينية. وفي ألمانيا، بدأت سارة فاغنكنشت حزباً جديداً يحدّد هويته رسمياً على أنه يساري لكنه يتبنّى وجهات نظر قومية يمينية بشأن ضوابط الحدود والعولمة والسياسة الخضراء. في غضون ذلك، وعلى الطرف الآخر من الطيف السياسي، عمل ناريندرا مودي في الهند على تكييف القومية مع احتياجات الشوفينية الدينية لحزبه اليميني المكرّس لـ “جعل الهند الهندوسية عظيمة مرة أخرى”، على الطريقة الترامبية.

ولا يقتصر أثر هؤلاء القادة القوميين على أحزابهم ومراكزهم السياسية، بل يمتد إلى خصومهم. مثل جو بايدن، الذي حاول مواجهة شعبوية ترامب من خلال تعزيز قوميته بفرض قيود جديدة على الحدود الجنوبية لبلاده ورسوم جمركية جديدة باهظة على الصين. والواقع أن مثل هذه القومية كانت جزءاً من التيار الرئيسي منذ استولى الثوار على مملكة فرنسا في أواخر القرن الثامن عشر، وبدأ الرومنطيقيون الألمان في الدفاع عن فكرة الـ “Das Volk” (أي الشعب) في الوقت نفسه تقريباً. حتى أن بعض علماء السياسة زعموا أن القومية كانت العنصر الأساسي في تأسيس الديمقراطيات الحديثة، وأنه لم يكن بوسع الدولة أن تحشد ما يكفي من الإجماع للحكم دون إغرائها الأيديولوجي.

لكن في عالم اليوم، حيث بات من الصعب تحديد أكبر الكوارث التي تواجه العالم، حروب الإبادة والتطبيع معها، أم تغير المناخ، أم استنزاف الموارد، أم الذعر من الكارثة النووية المحتملة، ما الذي جعل هذه الفلسفة “البالية” الإيديولوجية العالمية السائدة مجدداً؟.

الاتحاد الأوروبي الذي لم يصمد أمام طوفان القومية

مثل الاستعمار، كان من المفترض أن تنقرض القومية بحلول الآن، وأن تصبح من بقايا قرنٍ آخر، وأيديولوجية ينبغي أن يُقرأ عنها في كتب التاريخ ومكاتب الجامعات. في نهاية المطاف، على مدى المائة عام الماضية، تآكلت امتيازات الدول القومية تدريجياً بسبب معاهدات الأمم المتحدة، ونمو الشركات العابرة للحدود الوطنية، وانتشار المجتمع المدني العالمي.

وفي وقت يبدو فيه العالم “قرية صغيرة” – حتى وقتٍ قريب على الأقل –  بغض النظر عن المكان الجغرافي، ويمكن لمشارك في دولة الإمارات حضور مؤتمر في سان فرانسيسكو في لحظته الآنية، بشكلٍ يجعل الحدود تبدو وكأنها من القرن التاسع عشر، في مثل هذا العالم “المسطّح“، الذي تسود فيه تطبيقات “تيك توك” و”فيسبوك” و”زووم”، ألا ينبغي أن تكون القومية فلسفة الأجداد “المُملّين العالقين في الماضي؟”.

خلال الحرب الباردة، كان لدى كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي حلم ما بعد القومية. مع الأممية البروليتارية، كان من المفترض أن تندثر الشيوعية القومية، كما كان حال الرأسمالية مع شركاتها متعددة الجنسيات وعالم الأعمال بلا حدود. ونقلت الجماعة الاقتصادية الأوروبية – التي أصبحت فيما بعد الاتحاد الأوروبي – الأمر إلى مستوى أعلى، حيث بدأت الدول الأوروبية في إزالة الحواجز أمام التجارة، ثم أمام حركة رأس المال، وفي نهاية المطاف أمام حركة الناس.

في أحد السيناريوهات، كان من المفترض أن يعمل الاتحاد الأوروبي كحجر أساس لنظام عالمي أكثر سلمية وأقل قومية. وكما كتب ريتشارد كابلان وجون فيفر في مقدمة كتاب صدر عام 1996 عن القومية الأوروبية الجديدة “من المفترض أن تستمر الاختلافات القومية ــ التنورات الاسكتلندية، وتقبيل الأيدي البولندية، والحياد السويسري ــ ومع ذلك، فإن الاختلافات القومية، التي جعلت من القارة (الأوروبية) أرضاً للاقتتال لقرون، سوف تتلاشى تدريجياً في كتب التاريخ”، وكان من المفترض أن يحذو بقية العالم حذوه مع ملاحظة نتائج الرخاء للتكامل الأوروبي.

لسوء الحظ، لم يحدث ذلك. فبعد انهيار جدار برلين في عام 1989، عادت القومية بقوة، وخاصة في أوروبا، وارتفعت حدة الحماسة المناهضة للهجرة في ألمانيا الشرقية، واكتسبت حركات الاستقلال الجديدة أرضيةً في اسكتلندا وكتالونيا، والأمر الأكثر رعباً هو أن دولة يوغوسلافيا السابقة، تحولت إلى حمام دم بفعل الجماعات العرقية التي انقلبت على بعضها بعضاً.

في تلك الحقبة التي أعقبت الحرب الباردة مباشرة، أثبتت القومية أنها أداة فعّالة تستخدمها الأطراف ضد المركز المهيمن. فقد أنتجت عقوداً من التوافق الرسمي داخل يوغوسلافيا بين الألبان والبوسنيين والكروات والصرب والسلوفينيين، الكثير من الزيجات المختلطة إلى جانب الكثير من الاستياء المكبوت بين الأعراق، فضلاً عن الغضب من بلغراد لإملاء سياساتها على الجمهوريات اليوغوسلافية الأخرى. كما تصاعدت أعمال القتل بين الأخوة في الاتحاد السوفييتي السابق بين الأرمن والأذربيجانيين، وبين الجماعات العرقية في جورجيا، ومؤخراً بالطبع بين الروس والأوكرانيين. وعندما لم توجّه هذه الصراعات ما بعد السوفييتية عداءً صريحاً نحو الكرملين، كما حدث في أوكرانيا، فقد نقلت غضبها إلى مراكز القوة الإقليمية مثل تبليسي وباكو.

وفشل الاتحاد الأوروبي ما بعد القومي، المفترض أنه محصَّن ضد مثل هذه التطورات، أنه حصينٌ منها. فما عليك إلا استبدال موسكو أو بلغراد بـ “التجاوزات” التنظيمية لعاصمة الاتحاد الأوروبي، بروكسل، وستصبح التطورات السياسية التي شهدتها السنوات الثمانية الماضية أكثر اتساقاً مع الأمثلة السابقة، وأوضح مثال هو تصويت بريطانيا العظمى لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي في عام 2016. فقد امتزج الاشمئزاز من البيروقراطية الأوروبية المتدخلة في الشؤون الداخلية مع نزعة قومية لإرسال البلد الكوزموبوليتاني إلى زاوية حرجة.

ومنذ التصويت البريطاني، بدا أن خروج عدة دول أخرى، أبرزها فرنسا وهولندا واليونان، يلوحان في الأفق حتى قرر الساسة القوميون أنه من المفيد “اختطاف” مؤسسات الاتحاد الأوروبي بدلاً من التخلي عنها تماماً، ولم يكتفِ اليمين المتطرف بالاستيلاء على الحكومات الوطنية في المجر وإيطاليا وهولندا وفرنسا تقريباً، بل تحدى الأوروبيين أيضاً على أرضهم في الانتخابات البرلمانية الأوروبية. والواقع أن اليمين المتطرف سجل في حزيران/ يونيو أفضل نتائج له على الإطلاق وشكّل ثالث ورابع أكبر كتلة تصويتية في ذلك البرلمان.

لماذا القومية الآن؟

كانت القومية في البداية سلاحاً استُخدِم ضد المراكز الإمبريالية، مع انتفاضة الفرنسيين ضد ملكهم، وثورة اليونانيين ضد العثمانيين، وانفصال كل أميركا اللاتينية تقريباً عن المستعمرين الإسبان أو البرتغاليين. وبرغم أنها لا تزال قادرة على أداء هذه الوظيفة اليوم (كما هو الحال في أوكرانيا) فإنها تُستَخدَم الآن في كثير من الأحيان كردّة فعلٍ لنوع مختلف من القوة: العولمة وأشكالها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

إن نمو النسخة الاقتصادية من العولمة، التي بدأت بالسفن البخارية والتلغراف، والتي تسارعت في عصرنا إلى سفن الحاويات والإنترنت، أدى بشكلٍ ليس من المستغرب إلى ردود فعل عكسية خطيرة. والآن يندد القوميون بالطريقة التي أثخن بها مهندسو الاقتصاد العالمي جيوب الأثرياء، في حين حرموا الدول القومية من الأدوات اللازمة لتوجيه اقتصاداتها. في نسخة كلاسيكية من الإغراء والتبديل، برر مهندسو اقتصاد العالم إزالة جدران التعريفات الجمركية وبناء خط تجميع عالمي بالإشارة ليس إلى الثروة المتزايدة لطبقة المليارديرات، بل إلى ملايين الناس الذين انتُشلوا من براثن الفقر.

وحتى وقت قريب، جرى إهمال الأعداد الغفيرة من الناس من الطبقة المتوسطة والطبقة العاملة الذين فقدوا وظائفهم ومدخراتهم وحتى كرامتهم في بعض الأحيان بسبب تسونامي العولمة. وبرغم أن بعض الساخطين وجّهوا غضبهم إلى “العولميين”، إلا أنهم ركزوا غضبهم أيضاً على نتيجة أخرى للعولمة؛ العدد المتزايد من عابري الحدود اليائسين بحثاً عن وظائف وحياة أفضل. وبهذه الطريقة، امتزج الغضب من التخلّف عن الركب بكراهية الأجانب القوية، مما أدى إلى تغذية الرفض الشعبوي للأحزاب التقليدية من يسار الوسط ويمين الوسط التي دعمت التحولات الاقتصادية والاجتماعية للعولمة.

دونالد ترامب هو بالطبع التجلي الأكبر للقوميين ومثلهم الأعلى، وبدرجة الامتياز. إذ يعارض جميع المعاهدات الدولية التي تقيّد القوة الأميركية، حتى تلك التي تخدم في نهاية المطاف المصالح الوطنية لبلاده مثل الاتفاق النووي مع إيران، واتفاقية باريس للمناخ، ومعاهدة ضبط الأسلحة في الأجواء المفتوحة. ويصف نفسه بأنه “مناهض للعولمة”، على الرغم من أن أعماله التجارية الدولية ليست كذلك على الإطلاق. إن ترامب، مثله كمثل شي جين بينغ في الصين، ماهر في تبنّي وتكييف أيديولوجية غريبة جوهرياً عن رؤيته للعالم من أجل تعزيز الجاذبية الجماهيرية واستباق أي انتقاد لنرجسيته التي تمتد إلى العالم. من المؤكد أن أعمال ترامب حققت ملايين الدولارات في الخارج، حتى عندما كان رئيساً، وقد وظفت الكثير من العمال غير المسجلين في الداخل الأميركي. ولكن لا مشكلة، لأنه يلف نفسه بالعلم الأميركي، حرفياً ومجازياً، ويعد بفرض الرسوم الجمركية على جميع السلع الأجنبية وترحيل جميع المهاجرين غير المسجلين.

ما الخيارات؟

إن العولمة تستقطب المجتمعات، وتُثري أصحاب الثروات، وتدمر الشركات المحلية. إنها “ماكدونالدز” و”مايكروسوفت” و”كراود سترايك” التي عطّلت العالم قبل ثلاثة أشهر، ولكن الاستجابة لمثل هذا التهديد الواقع على المحلي والخاص لا ينبغي أن تكون نداءً للقومية أو لغة الدم.

وبرغم أنها قد تبدو متخلفة، فإن القومية قابلة للتكيُّف بشكل يفوق معظم التيارات النظيرة، إذ يمكنك العثور على مقاطع فيديو و”رييلز” قومية على “تيك توك” و”إنستاغرام”، و”بودكاست” قومي، ونهج قومي في التعامل مع تغير المناخ. وفي حالة السلطوي اليميني الشاب في السلفادور، نجيب بوكيلة، تقدّم القومية نفسها على أنها شبابية ومثيرة.

ولكن الحلول التي طرحها القوميون عبر الطيف السياسي تفشل في معالجة التهديدات المشتركة التي يفرضها استنزاف الموارد، والتفاوت الاقتصادي، وانتشار الأسلحة النووية، وارتفاع درجة حرارة هذا الكوكب. سواء كنت تقسّم العالم وفقاً للدول القومية أو المجتمعات العرقية “البحتة”، فإن مثل هذه الانقسامات لا يمكنها التعامل مع مضاعفات القوة مثل الأوبئة وارتفاع مستوى المحيطات.

اليوم، الخيارات قليلة، ولكن هناك خيار ثالث. فربما تحاول النخبة العالمية التكنوقراطية فرض التغييرات الضرورية على الجميع، بمن فيهم القوميون. أو ربما تنجح الأحزاب ذات التوجهات الليبرالية في يوم من الأيام في استعادة المكاسب الانتخابية التي حققها القوميون. ولكن الخيار الأول من المرجح أن تولد مقاومة لا يمكن التغلب عليها، في حين قد لا يحدث الخيار الثاني بالسرعة الكافية، هذا إن حدث أساساً.

هناك بالطبع خيار آخر، ما زال يكافح من أجل تثبيت مكانه. إذ يحاول تيار جديد استخراج ما هو جيّد من العولمة، بما في ذلك معاهدات حقوق الإنسان وسياسات الهجرة الأكثر سخاء، في حين يقدّم نموذجاً اقتصادياً مستداماً ليحلّ محلّ الخيال النيوليبرالي لعالم مسطّح تسوده اجتماعات “زووم”، يفعلون ذلك في المؤسسات، وفي المجتمع المدني، وحتى، من حين لآخر، في الحكومات.

وهنا، يمكن أن تلعب التبعية دورا رئيسياً، ويعني ذلك أساساً أن المشاكل يجب حلّها على أدنى مستوى ممكن، أي في حيّك، إذا كان ذلك ممكناً، وإذا لم يكن كذلك، ففي مدينتك أو ولايتك أو بلدك أو منطقتك. إن المشاكل العالمية الحقيقية فقط هي التي ينبغي حلّها على المستوى العالمي.

ادّعاء دعاة القومية بأنهم وحدهم قادرون على إنقاذ بلدانهم وثقافاتهم لا أساس له. والحقيقة أنهم يريدون السلطة لأنفسهم فقط، وليس “للشعب” الذي يزعمون أنهم يمثلونه. والبديل الوحيد القابل للتطبيق حقاً هو الديمقراطية في دوائر متداخلة من الحيّ وحتى المؤسسات العالمية.