ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الجامعة اللبنانية: بين الزمن الجميل والجمود السياسي  

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

خيمة صفراء وأخرى خضراء في باحة الملعب…  توجّهت سالي حرب من عكّار إلى بيروت لتقدّم طلب تسجيل في كليّة الفنون في الجامعة اللبنانية ـ الحدت، وها هي الآن في باحة الجامعة تقترب من الخيمة الصفراء، لا لسبب سوى أن طابور الانتظار أمامها أقصر، ولأنها تحبّ اللون الأصفر.  بعد بضعة أسابيع، سيسألها أحدهم: “مع مين سجّلتي؟ حزب أو حركة؟”، فتدرك أن الخيمة الصفراء تابعة لـ”حزب الله”، وأن اختيارها في ذلك اليوم حمل دلالة تتجاوز الحيثيات الجمالية البحتة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

وُلدت الجامعة اللبنانية تتويجاً لسعي الطلاب اللبنانيين وطموحاتهم إلى مؤسّسة تربوية تحتضن أبناء الوطن، فغدت تُعرَف بـ”جامعة الوطن”. قبلها، كان التعليم حكراً على أبناء النخب، أما نشأتها فتوّجت بمظاهرات طالبية أسفر عنها مقتل أول شهيد باسم الجامعة اللبنانية: فرج الله حنين. 

وإذا كان طريق الجامعة اللبنانية معبّداً بالدماء، فإن تاريخها حافل بالاجتهاد، غير أنها، بوصفها مؤسّسة عامّة كسائر الإدارات الرسمية، لم تكن يوماً بمنأى عن الفساد الإداري والمحاصصة السياسية والشبهات الملازمة لمؤسّسات الدولة.

منذ تأسيسها، رافقت الجامعةَ اللبنانية همسات حول شبهات فساد، وكلما ارتفعت هذه الهمسات إلى العلن، ووُجهت بتهم مضادّة تُصوّر كلّ معترض خصماً للجامعة، يسعى إلى التشهير بها ضمن سياقات سياسية، أو بدوافع كيدية، أو عبر تصنيفات معلّبة أخرى. هذا النفور السريع من أيّ حديث يمسّ بكرامة الجامعة مفهوم إلى حدّ كبير، إذ إنها؛ رغم كون إداراتها عامّة، لا تزال تقف اليوم بجهد القيّمين عليها، مولّدةً ولاء شبيهاً بالولاء القومي لدى العديد من الأساتذة والطلاب.

“كان فيها كتير أشياء مجنونة، بس كانت أجمل فترة قطعت بحياتي”، هكذا تختصر سالي أعوام دراستها في كليّة الفنون.

لطلّاب كثر، تشكّل باحة الجامعة النافذة الأولى المطلّة على الوطن الأوسع. فكانت الجامعة اللبنانية المساحة الأولى لسالي، وللكثيرين غيرها، للاختلاط بأبناء الوطن خارج البيئة الضيّقة، وتصف تلك الصداقات بأنها ركائز تستند إليها، لكنّها تعترف بأن الكليّة كانت تقوم على همّة أفراد أكثر مما تقوم على نظام إداري ييسّر العمل ويحدّد المهام. 

تروي: “أذكر في عام 2019 أنّه لم يكن معي مال للتسجيل”، كان يُمدَّد موعد الدفع شهراً بعد آخر، وسالي تأمل أن تتمكّن من المتابعة، وتفكّر ببساطة “إن شاء الله بس أخلّص برجع بدفع”، توجّهت مع إحدى زميلاتها إلى مبنى العمادة وقدّمتا طلب إعفاء، في وقت لم يكن معهما حتى ثمن أجرة وسيلة النقل، لكنّ الطلب رُفض، إثر ذلك، بادر بعض الأساتذة ورئيس القسم إلى جمع المال لهما، كي تتمكّنا من التسجيل في العام الدراسي.

كانت لسالي ثقة كبيرة بالقيّمين على الجامعة، وشعرت آنذاك أن باستطاعتها التوجّه إلى الإدارة بالشكاوى والطلبات. تذكر حادثة وقعت في حرم الجامعة، حيث كان أحد الأساتذة معروفاً بكثرة تحرّشه بالطالبات، وعلى الرغم من إدراك الطالبات صعوبة الإجراءات اللازمة لمحاسبة أستاذ في الجامعة اللبنانية وتعقيدها، بادرن إلى رفع شكوى لدى رئيس القسم.

استجاب المسؤولون بوضع علبة شكاوى تتيح للطالبات تسمية الأساتذة المتحرّشين بأسمائهم، كما أُذيع خبر هذه المبادرة وأُعلن أن الشكاوى ستُقرأ علناً في حرم الجامعة. تقول سالي إن ذلك  أثار رعباً في صفوف الأساتذة سيّئي السمعة، فتوقّفوا عن التعرّض للطالبات. لكنّها تدرك أن هذا الإجراء كان، في جوهره، مبادرة فردية نجحت لأن القيّمين على الجامعة أبدوا تعاوناً واستعداداً للاستماع إلى شكاوى الطلاب، وهي مبادرة قد لا تكون قابلة للتطبيق في حال كان رئيس القسم نفسه موضع شكاوى تحرّش.

طالبة أخرى في كليّة الإعلام في الفرع الأوّل ـ الأونيسكو، لم ينتابها شعور بالثقة تجاه الإدارة والمجلس الطالبي خلال سنوات دراستها بين العامين 2018 و2020. ففي الكليّة، كانت “حركة أمل” تُمسك بزمام الأمور بقبضة من حديد، عبر مجلس طالبي مُعيّن من قِبل “مكتب الشباب والرياضة” في الحركة. 

ولمن يلتبس عليه الأمر، تكفي نظرة سريعة إلى مكتب المطبوعات، أو بالأحرى مكتب المجلس، حيث تتصدّر الجدران صورتان: الأولى للإمام المغيّب موسى الصدر، وإلى جوارها صورة رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، في تذكير واضح بطبيعة النفوذ القائم.

في باحة الكليّة، تعرّضت هذه الطالبة لعنف من أحد الطلاب المحسوبين على الحركة، وسط غضّ نظر جماعي ممن كانوا حولها. تقول إنها لم تشعر بالراحة الكافية للتقدّم بشكوى أو لاتّخاذ أيّ خطوة حيال ما حدث، وإلى جانب هذه الحادثة، تتناقل الأقسام روايات عديدة عن تحرّش بعض الأساتذة بطالبات مقابل رفع العلامات أو محو الغيابات. 

تنتشر هذه القصص على نطاق واسع، وتكون أسماء الجناة معروفة إلى حدّ كبير بين الطلاب، في ظلّ شعور عامّ بعدم الأمان حيال تقديم الشكاوى، ناجم عن ولاء هؤلاء الأساتذة للحزب الحاكم داخل حرم الجامعة، وما يرافقه من اعتقاد بأنهم فوق المساءلة.

“تغيّرت الأمور”، تقول روان مهنا، واصفة سنواتها في الكليّة بين 2021 و2024، وتشير إلى أن مجلس الطلاب لم يعد أحادي اللون، وإن ظلّ محسوباً على الحركة. تقلّص حضور الأعلام الحزبية، واقتصر على مناسبات محدّدة، وتضيف أن شكاوى قُدّمت في قضايا تحرّش جرى التعامل معها، بينها فصل طالب من الجامعة بالكامل مع تعليق إعلان رسمي بالقرار.

تقول: “ربما صادف أن سنوات دراستي جاءت خلال مرحلة شهدت بعض الإصلاحات والتغييرات، فلم أختبر الممارسات السلبية المتداولة. هذا لا يهدف إلى تصوير أيّ فريق وكأنه دون أخطاء، بل للإشارة إلى أنهم، ضمن نظام هو في أساسه غير سليم، كانوا يقومون بما هو متاح لتسيير الأمور وخدمة الطلاب”.

بعيداً عن الطلاب، تعصف بالجامعة صراعات تطال الأساتذة، لا سيّما المستقلّين منهم. في كليّة العلوم – الفرع الثاني، تقول الدكتورة سمر أدهم إن عدم انتمائها الحزبي عرقل مسارها المهني. فحتى التفرّغ، بحسب اعتقادها، يتطلّب إمّا وجود واسطة وإمّا الانتماء إلى حزب.  

أُقرّ ملفّ التفرّغ في عام 2008، إلا أن مجلس الوزراء شطب 86 اسماً، من بينهم اسمها، بسبب غياب “الظهر” السياسي.

شهدت الجامعة سلسلة تحرّكات احتجاجية، إلى أن أعاد وزير التربية آنذاك إلياس بو صعب في عام 2014 فتح الملفّ، فتمكّنت أدهم بعد أحد عشر عاماً من مزاولة المهنة من الحصول على التفرّغ. وفي سياق السعي إلى ما سُمّي الحفاظ على التوازن الطائفي، اعتمد رئيس الجامعة اللبنانية حينها عدنان السيّد حسين معادلة 55% للمسلمين و45% للمسيحيين، في محاولة لفكّ الجمود المزمن الذي كان يحيط بالملفّ، إلا أن بعض الأسماء التي شُطبت في عام 2008 كانت قد بلغت سنّ التقاعد بحلول العام 2014، فلم يشملها قرار التفرّغ.

منذ العام 2014 وحتى اليوم، لم يُفتح ملفّ التفرّغ مجدّداً، نتيجة المحسوبيات والسعي المتعثّر إلى التوازن الطائفي المنشود، وصعوبة إرضاء جميع الأطراف والأحزاب، أضف إلى ذلك، ارتفاع أعداد الأساتذة المتقاعدين أو خروجهم من الخدمة جرّاء البحث عن فرص أفضل، مما اضطرّ الجامعة اللبنانية الى الاستعانة بالأساتذة المتعاقدين، حتى باتت نسبة المتعاقدين في الجامعة اليوم توازي 70 % من مجمل الأساتذة، رغم أن القانون ينصّ على ألا تتعدّى نسبة هؤلاء 20 %.

 تغرس السياسة أنيابها في كلّ مفاصل الجامعة اللبنانية، أيّ عميد أو مدير أو رئيس قسم كي يتسلّم موقعه، يحتاج إلى انتساب حزبي أو إلى غطاء سياسي، وغالباً ما يتمتّع أساتذة الفروع بميول أو انتماءات حزبية واضحة، وفي حال جرت انتخابات داخل الأقسام، يتمّ الاتّفاق مسبقاً على اسم معيّن، أو تُتجاوز الانتخابات أصلًا عبر التعيين المباشر، وإذا ترشّح شخص مستقلّ، يُطلب منه، بـ”المونة” الانسحاب مقابل وعود بالدورة التالية، وهي وعود نادراً ما تتحقّق تحت ضغط الأحزاب الساعية إلى تثبيت سيطرتها وهيمنتها.

في كواكب الجامعة اللبنانية الصغيرة، كلّ يغنّي على ليلاه، بينما ترزح أجور الأساتذة تحت وطأة الأزمات المتلاحقة… فقد أدّى انهيار قيمة الليرة اللبنانية إلى تآكل رواتب العاملين في القطاع العامّ، ثم جاءت جائحة كورونا لتُضاعف أثر الانهيار وتُعمّق الأزمة. 

توضح أدهم أن راتب الأستاذ الجامعي بعد الانهيار المالي بات يعادل نحو 120 دولاراً، ما دفع كثيرين إلى الإنفاق من مالهم الخاصّ كي لا يُحرم الطلاب من التعليم، لاحقاً، عُدّل بدل الإنتاجية ليضيف تقريباً 650 دولاراً، وفي عام 2023 أُقرّت مساعدة إضافية من صندوق التعاضد، في محاولة لدعم الأساتذة وإعادة الرواتب إلى حدّ مقبول.

الجامعة اللبنانية وشبهات الفساد

ملفّ الجامعة اللبنانية عاد ضجيجه إثر تقرير بثّته قناة “الجديد” تحت عنوان: “فساد في الجامعة اللبنانية”، يتحدّث عن سوق سوداء لبيع الشهادات وشرائها بأسعار “منافسة”، فردّت رئاسة الجامعة سريعاً، نافية صدور أيّ شهادة مزوّرة عنها، مؤكّدة أن التقرير نفسه أشار بوضوح إلى أن الشهادات المزوّرة تعود إلى جامعة خاصّة، وأن معادلتها جرت بمساعدة أحد الموظّفين في وزارة التربية. 

ورحّب رئيس الجامعة الدكتور بسّام بدران، بإحالة الملفّ إلى القضاء المختصّ لكشف الحقائق، ومواجهة ما وصفه بمحاولات التشهير وتزوير الوقائع التي تستهدف سمعة الجامعة، وأكثر من أربعمائة ألف من خرّيجيها المنتشرين في لبنان والخارج.

ردّاً على هذه التهم، تقول المسؤولة الإعلامية لوزيرة التربية في حديث مع موقع “درج”: “كل ملفّات الجامعة اللبنانية لدى المحقّقين، وقد قامت وزيرة التربية ريما كرامي بواجبها على الفور من خلال التأكّد من أن الملفّ بيد القضاء”.

انطلقت الشرارة الأولى لإجراء تدقيق روتيني بطلب قدّمته الملحقية الثقافية الكويتية، وهو إجراء معتمد لدى السفارات، وخلال مراجعة بعض الامتحانات، اكتشفت إدارة كليّة الحقوق وجود خلل في عدد من المسابقات، فرفعت الملفّ إلى إدارة الجامعة التي باشرت التحقيقات فوراً، قبل أن تنضمّ إليها مديرية أمن الدولة، واضعة بتصرّفها المستندات المطلوبة لكشف حقيقة ما جرى.

أظهرت النتائج الأوّلية أن الأرجح هو حصول تبديل في أوراق امتحانات بعض الطلاب الكويتيين خلال عمليّة التصحيح، وأن التلاعب طال نحو خمس مسابقات، رُفعت العلامات في إحداها من 15 إلى 65.

ظهر في سياق التحقيقات عمليّات تزوير متعدّدة، شملت تبديل أوراق المسابقات، وتزوير تواقيع الأساتذة، وتعديل العلامات إمّا مباشرة على الأوراق وإمّا عبر النظام الإلكتروني المخصّص لإدخال العلامات، وأسفرت هذه الوقائع عن توقيف مدير الفرع الأوّل في كليّة الحقوق والعلوم السياسية مجتبى بشير مرتضى، وأمين سرّ الفرع طارق بكري زكريا، كما أُحيل عدد من الطلاب إلى التحقيق. 

صدر الادّعاء الظنّي في 23/12/2025 عن قاضي التحقيق الأوّل في جبل لبنان القاضية ندى الأسمر في ملفّ التلاعب بنتائج الامتحانات في كليّة الحقوق في الجامعة اللبنانية، بتهمة تزوير مستندات رسمية واستعمال مزوّر، والإخلال بواجبات الوظيفة، والإهمال الوظيفي، وعرقلة التحقيق، وتمزيق وإخفاء مستندات رسمية، والشروع في طمس أدلّة.

اعتبرت أفعال المدّعى عليهم مجتبى بشير مرتضى وطارق بكري زكريا وموسى زهير حامية، من نوع الجنايات المنصوص عنها في مواد قانون العقوبات، وتمّ الظنّ بهم بجنح المواد التي  تعاقب الموظّف الذي يزوّر أو يستعمل مستنداً مزوّراً أو ينظّم سنداً مخالفاً للحقيقة أو يطلب/ يقبل رشوة، وتشدّد العقوبة بحسب خطورة المستند والغاية من التزوير، وبناء على هذه المواد، يعاقب المرتكب بالحبس الذي يتراوح بين شهر و3 سنوات (وقد يشدّد في حالة استغلال النفوذ) إضافة إلى غرامات مالية.

لم يقف الأمر عند كليّة الحقوق، إذ تلا ذلك تقارير صحافية عن تسجيلات صوتية مسرّبة بين مديرة كليّة الآداب الفرع الثالث في طرابلس وطالبة تدعى آية، تحثّ بها الطالبة على جمع الأموال من الطلاب لقاء إعطاء علاماتهم قبل صدورها رسمياً مقابل رسم قدره 65$. 

جامعتنا مرآة الوطن

بين الفساد الإداري وحنين الطلاب والأساتذة، تتهاوى أعمدة الجامعة تحت وطأة الإهمال البطيء والزبائنية والطائفية، وسائر العلل التي ما برحت تتفاقم حتى بلغت أسوأ حالاتها. اليوم، إذا أردنا حماية هذا الحلم الهشّ، فلا بدّ من مواجهة السوس المستشري في باحات الجامعة وخارج حرمها، وإلا تُركت أقدار الطلاب والأساتذة للعبث. 

إن السؤال لم يعد ما إذا كانت الجامعة اللبنانية قد انحرفت عن دورها، بل ما إذا كان بالإمكان استعادتها قبل أن تتحوّل الذاكرة وحدها إلى “الزمن الجميل”؟ أمامنا مؤسّسة تُدار بالاستثناء بدل القاعدة، وبالنيّات الحسنة بدل النظام، فإمّا أن تعامل كمؤسّسة عامّة تُدار بالقانون والشفافية والمحاسبة، وإمّا أن تُترك لتكون نسخة مصغّرة عن وطن عالق يكرّر أزماته داخل جدران القاعات. 

عند هذه المفترق، وحدها المواجهة الصريحة مع الخلل قد تفتح باباً لمستقبل لا يضطرّ فيه طالب لاختيار خيمته مصادفة، ولا أستاذ لانتظار عدالة مؤجّلة.

31.01.2026
زمن القراءة: 8 minutes

خيمة صفراء وأخرى خضراء في باحة الملعب…  توجّهت سالي حرب من عكّار إلى بيروت لتقدّم طلب تسجيل في كليّة الفنون في الجامعة اللبنانية ـ الحدت، وها هي الآن في باحة الجامعة تقترب من الخيمة الصفراء، لا لسبب سوى أن طابور الانتظار أمامها أقصر، ولأنها تحبّ اللون الأصفر.  بعد بضعة أسابيع، سيسألها أحدهم: “مع مين سجّلتي؟ حزب أو حركة؟”، فتدرك أن الخيمة الصفراء تابعة لـ”حزب الله”، وأن اختيارها في ذلك اليوم حمل دلالة تتجاوز الحيثيات الجمالية البحتة.

وُلدت الجامعة اللبنانية تتويجاً لسعي الطلاب اللبنانيين وطموحاتهم إلى مؤسّسة تربوية تحتضن أبناء الوطن، فغدت تُعرَف بـ”جامعة الوطن”. قبلها، كان التعليم حكراً على أبناء النخب، أما نشأتها فتوّجت بمظاهرات طالبية أسفر عنها مقتل أول شهيد باسم الجامعة اللبنانية: فرج الله حنين. 

وإذا كان طريق الجامعة اللبنانية معبّداً بالدماء، فإن تاريخها حافل بالاجتهاد، غير أنها، بوصفها مؤسّسة عامّة كسائر الإدارات الرسمية، لم تكن يوماً بمنأى عن الفساد الإداري والمحاصصة السياسية والشبهات الملازمة لمؤسّسات الدولة.

منذ تأسيسها، رافقت الجامعةَ اللبنانية همسات حول شبهات فساد، وكلما ارتفعت هذه الهمسات إلى العلن، ووُجهت بتهم مضادّة تُصوّر كلّ معترض خصماً للجامعة، يسعى إلى التشهير بها ضمن سياقات سياسية، أو بدوافع كيدية، أو عبر تصنيفات معلّبة أخرى. هذا النفور السريع من أيّ حديث يمسّ بكرامة الجامعة مفهوم إلى حدّ كبير، إذ إنها؛ رغم كون إداراتها عامّة، لا تزال تقف اليوم بجهد القيّمين عليها، مولّدةً ولاء شبيهاً بالولاء القومي لدى العديد من الأساتذة والطلاب.

“كان فيها كتير أشياء مجنونة، بس كانت أجمل فترة قطعت بحياتي”، هكذا تختصر سالي أعوام دراستها في كليّة الفنون.

لطلّاب كثر، تشكّل باحة الجامعة النافذة الأولى المطلّة على الوطن الأوسع. فكانت الجامعة اللبنانية المساحة الأولى لسالي، وللكثيرين غيرها، للاختلاط بأبناء الوطن خارج البيئة الضيّقة، وتصف تلك الصداقات بأنها ركائز تستند إليها، لكنّها تعترف بأن الكليّة كانت تقوم على همّة أفراد أكثر مما تقوم على نظام إداري ييسّر العمل ويحدّد المهام. 

تروي: “أذكر في عام 2019 أنّه لم يكن معي مال للتسجيل”، كان يُمدَّد موعد الدفع شهراً بعد آخر، وسالي تأمل أن تتمكّن من المتابعة، وتفكّر ببساطة “إن شاء الله بس أخلّص برجع بدفع”، توجّهت مع إحدى زميلاتها إلى مبنى العمادة وقدّمتا طلب إعفاء، في وقت لم يكن معهما حتى ثمن أجرة وسيلة النقل، لكنّ الطلب رُفض، إثر ذلك، بادر بعض الأساتذة ورئيس القسم إلى جمع المال لهما، كي تتمكّنا من التسجيل في العام الدراسي.

كانت لسالي ثقة كبيرة بالقيّمين على الجامعة، وشعرت آنذاك أن باستطاعتها التوجّه إلى الإدارة بالشكاوى والطلبات. تذكر حادثة وقعت في حرم الجامعة، حيث كان أحد الأساتذة معروفاً بكثرة تحرّشه بالطالبات، وعلى الرغم من إدراك الطالبات صعوبة الإجراءات اللازمة لمحاسبة أستاذ في الجامعة اللبنانية وتعقيدها، بادرن إلى رفع شكوى لدى رئيس القسم.

استجاب المسؤولون بوضع علبة شكاوى تتيح للطالبات تسمية الأساتذة المتحرّشين بأسمائهم، كما أُذيع خبر هذه المبادرة وأُعلن أن الشكاوى ستُقرأ علناً في حرم الجامعة. تقول سالي إن ذلك  أثار رعباً في صفوف الأساتذة سيّئي السمعة، فتوقّفوا عن التعرّض للطالبات. لكنّها تدرك أن هذا الإجراء كان، في جوهره، مبادرة فردية نجحت لأن القيّمين على الجامعة أبدوا تعاوناً واستعداداً للاستماع إلى شكاوى الطلاب، وهي مبادرة قد لا تكون قابلة للتطبيق في حال كان رئيس القسم نفسه موضع شكاوى تحرّش.

طالبة أخرى في كليّة الإعلام في الفرع الأوّل ـ الأونيسكو، لم ينتابها شعور بالثقة تجاه الإدارة والمجلس الطالبي خلال سنوات دراستها بين العامين 2018 و2020. ففي الكليّة، كانت “حركة أمل” تُمسك بزمام الأمور بقبضة من حديد، عبر مجلس طالبي مُعيّن من قِبل “مكتب الشباب والرياضة” في الحركة. 

ولمن يلتبس عليه الأمر، تكفي نظرة سريعة إلى مكتب المطبوعات، أو بالأحرى مكتب المجلس، حيث تتصدّر الجدران صورتان: الأولى للإمام المغيّب موسى الصدر، وإلى جوارها صورة رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، في تذكير واضح بطبيعة النفوذ القائم.

في باحة الكليّة، تعرّضت هذه الطالبة لعنف من أحد الطلاب المحسوبين على الحركة، وسط غضّ نظر جماعي ممن كانوا حولها. تقول إنها لم تشعر بالراحة الكافية للتقدّم بشكوى أو لاتّخاذ أيّ خطوة حيال ما حدث، وإلى جانب هذه الحادثة، تتناقل الأقسام روايات عديدة عن تحرّش بعض الأساتذة بطالبات مقابل رفع العلامات أو محو الغيابات. 

تنتشر هذه القصص على نطاق واسع، وتكون أسماء الجناة معروفة إلى حدّ كبير بين الطلاب، في ظلّ شعور عامّ بعدم الأمان حيال تقديم الشكاوى، ناجم عن ولاء هؤلاء الأساتذة للحزب الحاكم داخل حرم الجامعة، وما يرافقه من اعتقاد بأنهم فوق المساءلة.

“تغيّرت الأمور”، تقول روان مهنا، واصفة سنواتها في الكليّة بين 2021 و2024، وتشير إلى أن مجلس الطلاب لم يعد أحادي اللون، وإن ظلّ محسوباً على الحركة. تقلّص حضور الأعلام الحزبية، واقتصر على مناسبات محدّدة، وتضيف أن شكاوى قُدّمت في قضايا تحرّش جرى التعامل معها، بينها فصل طالب من الجامعة بالكامل مع تعليق إعلان رسمي بالقرار.

تقول: “ربما صادف أن سنوات دراستي جاءت خلال مرحلة شهدت بعض الإصلاحات والتغييرات، فلم أختبر الممارسات السلبية المتداولة. هذا لا يهدف إلى تصوير أيّ فريق وكأنه دون أخطاء، بل للإشارة إلى أنهم، ضمن نظام هو في أساسه غير سليم، كانوا يقومون بما هو متاح لتسيير الأمور وخدمة الطلاب”.

بعيداً عن الطلاب، تعصف بالجامعة صراعات تطال الأساتذة، لا سيّما المستقلّين منهم. في كليّة العلوم – الفرع الثاني، تقول الدكتورة سمر أدهم إن عدم انتمائها الحزبي عرقل مسارها المهني. فحتى التفرّغ، بحسب اعتقادها، يتطلّب إمّا وجود واسطة وإمّا الانتماء إلى حزب.  

أُقرّ ملفّ التفرّغ في عام 2008، إلا أن مجلس الوزراء شطب 86 اسماً، من بينهم اسمها، بسبب غياب “الظهر” السياسي.

شهدت الجامعة سلسلة تحرّكات احتجاجية، إلى أن أعاد وزير التربية آنذاك إلياس بو صعب في عام 2014 فتح الملفّ، فتمكّنت أدهم بعد أحد عشر عاماً من مزاولة المهنة من الحصول على التفرّغ. وفي سياق السعي إلى ما سُمّي الحفاظ على التوازن الطائفي، اعتمد رئيس الجامعة اللبنانية حينها عدنان السيّد حسين معادلة 55% للمسلمين و45% للمسيحيين، في محاولة لفكّ الجمود المزمن الذي كان يحيط بالملفّ، إلا أن بعض الأسماء التي شُطبت في عام 2008 كانت قد بلغت سنّ التقاعد بحلول العام 2014، فلم يشملها قرار التفرّغ.

منذ العام 2014 وحتى اليوم، لم يُفتح ملفّ التفرّغ مجدّداً، نتيجة المحسوبيات والسعي المتعثّر إلى التوازن الطائفي المنشود، وصعوبة إرضاء جميع الأطراف والأحزاب، أضف إلى ذلك، ارتفاع أعداد الأساتذة المتقاعدين أو خروجهم من الخدمة جرّاء البحث عن فرص أفضل، مما اضطرّ الجامعة اللبنانية الى الاستعانة بالأساتذة المتعاقدين، حتى باتت نسبة المتعاقدين في الجامعة اليوم توازي 70 % من مجمل الأساتذة، رغم أن القانون ينصّ على ألا تتعدّى نسبة هؤلاء 20 %.

 تغرس السياسة أنيابها في كلّ مفاصل الجامعة اللبنانية، أيّ عميد أو مدير أو رئيس قسم كي يتسلّم موقعه، يحتاج إلى انتساب حزبي أو إلى غطاء سياسي، وغالباً ما يتمتّع أساتذة الفروع بميول أو انتماءات حزبية واضحة، وفي حال جرت انتخابات داخل الأقسام، يتمّ الاتّفاق مسبقاً على اسم معيّن، أو تُتجاوز الانتخابات أصلًا عبر التعيين المباشر، وإذا ترشّح شخص مستقلّ، يُطلب منه، بـ”المونة” الانسحاب مقابل وعود بالدورة التالية، وهي وعود نادراً ما تتحقّق تحت ضغط الأحزاب الساعية إلى تثبيت سيطرتها وهيمنتها.

في كواكب الجامعة اللبنانية الصغيرة، كلّ يغنّي على ليلاه، بينما ترزح أجور الأساتذة تحت وطأة الأزمات المتلاحقة… فقد أدّى انهيار قيمة الليرة اللبنانية إلى تآكل رواتب العاملين في القطاع العامّ، ثم جاءت جائحة كورونا لتُضاعف أثر الانهيار وتُعمّق الأزمة. 

توضح أدهم أن راتب الأستاذ الجامعي بعد الانهيار المالي بات يعادل نحو 120 دولاراً، ما دفع كثيرين إلى الإنفاق من مالهم الخاصّ كي لا يُحرم الطلاب من التعليم، لاحقاً، عُدّل بدل الإنتاجية ليضيف تقريباً 650 دولاراً، وفي عام 2023 أُقرّت مساعدة إضافية من صندوق التعاضد، في محاولة لدعم الأساتذة وإعادة الرواتب إلى حدّ مقبول.

الجامعة اللبنانية وشبهات الفساد

ملفّ الجامعة اللبنانية عاد ضجيجه إثر تقرير بثّته قناة “الجديد” تحت عنوان: “فساد في الجامعة اللبنانية”، يتحدّث عن سوق سوداء لبيع الشهادات وشرائها بأسعار “منافسة”، فردّت رئاسة الجامعة سريعاً، نافية صدور أيّ شهادة مزوّرة عنها، مؤكّدة أن التقرير نفسه أشار بوضوح إلى أن الشهادات المزوّرة تعود إلى جامعة خاصّة، وأن معادلتها جرت بمساعدة أحد الموظّفين في وزارة التربية. 

ورحّب رئيس الجامعة الدكتور بسّام بدران، بإحالة الملفّ إلى القضاء المختصّ لكشف الحقائق، ومواجهة ما وصفه بمحاولات التشهير وتزوير الوقائع التي تستهدف سمعة الجامعة، وأكثر من أربعمائة ألف من خرّيجيها المنتشرين في لبنان والخارج.

ردّاً على هذه التهم، تقول المسؤولة الإعلامية لوزيرة التربية في حديث مع موقع “درج”: “كل ملفّات الجامعة اللبنانية لدى المحقّقين، وقد قامت وزيرة التربية ريما كرامي بواجبها على الفور من خلال التأكّد من أن الملفّ بيد القضاء”.

انطلقت الشرارة الأولى لإجراء تدقيق روتيني بطلب قدّمته الملحقية الثقافية الكويتية، وهو إجراء معتمد لدى السفارات، وخلال مراجعة بعض الامتحانات، اكتشفت إدارة كليّة الحقوق وجود خلل في عدد من المسابقات، فرفعت الملفّ إلى إدارة الجامعة التي باشرت التحقيقات فوراً، قبل أن تنضمّ إليها مديرية أمن الدولة، واضعة بتصرّفها المستندات المطلوبة لكشف حقيقة ما جرى.

أظهرت النتائج الأوّلية أن الأرجح هو حصول تبديل في أوراق امتحانات بعض الطلاب الكويتيين خلال عمليّة التصحيح، وأن التلاعب طال نحو خمس مسابقات، رُفعت العلامات في إحداها من 15 إلى 65.

ظهر في سياق التحقيقات عمليّات تزوير متعدّدة، شملت تبديل أوراق المسابقات، وتزوير تواقيع الأساتذة، وتعديل العلامات إمّا مباشرة على الأوراق وإمّا عبر النظام الإلكتروني المخصّص لإدخال العلامات، وأسفرت هذه الوقائع عن توقيف مدير الفرع الأوّل في كليّة الحقوق والعلوم السياسية مجتبى بشير مرتضى، وأمين سرّ الفرع طارق بكري زكريا، كما أُحيل عدد من الطلاب إلى التحقيق. 

صدر الادّعاء الظنّي في 23/12/2025 عن قاضي التحقيق الأوّل في جبل لبنان القاضية ندى الأسمر في ملفّ التلاعب بنتائج الامتحانات في كليّة الحقوق في الجامعة اللبنانية، بتهمة تزوير مستندات رسمية واستعمال مزوّر، والإخلال بواجبات الوظيفة، والإهمال الوظيفي، وعرقلة التحقيق، وتمزيق وإخفاء مستندات رسمية، والشروع في طمس أدلّة.

اعتبرت أفعال المدّعى عليهم مجتبى بشير مرتضى وطارق بكري زكريا وموسى زهير حامية، من نوع الجنايات المنصوص عنها في مواد قانون العقوبات، وتمّ الظنّ بهم بجنح المواد التي  تعاقب الموظّف الذي يزوّر أو يستعمل مستنداً مزوّراً أو ينظّم سنداً مخالفاً للحقيقة أو يطلب/ يقبل رشوة، وتشدّد العقوبة بحسب خطورة المستند والغاية من التزوير، وبناء على هذه المواد، يعاقب المرتكب بالحبس الذي يتراوح بين شهر و3 سنوات (وقد يشدّد في حالة استغلال النفوذ) إضافة إلى غرامات مالية.

لم يقف الأمر عند كليّة الحقوق، إذ تلا ذلك تقارير صحافية عن تسجيلات صوتية مسرّبة بين مديرة كليّة الآداب الفرع الثالث في طرابلس وطالبة تدعى آية، تحثّ بها الطالبة على جمع الأموال من الطلاب لقاء إعطاء علاماتهم قبل صدورها رسمياً مقابل رسم قدره 65$. 

جامعتنا مرآة الوطن

بين الفساد الإداري وحنين الطلاب والأساتذة، تتهاوى أعمدة الجامعة تحت وطأة الإهمال البطيء والزبائنية والطائفية، وسائر العلل التي ما برحت تتفاقم حتى بلغت أسوأ حالاتها. اليوم، إذا أردنا حماية هذا الحلم الهشّ، فلا بدّ من مواجهة السوس المستشري في باحات الجامعة وخارج حرمها، وإلا تُركت أقدار الطلاب والأساتذة للعبث. 

إن السؤال لم يعد ما إذا كانت الجامعة اللبنانية قد انحرفت عن دورها، بل ما إذا كان بالإمكان استعادتها قبل أن تتحوّل الذاكرة وحدها إلى “الزمن الجميل”؟ أمامنا مؤسّسة تُدار بالاستثناء بدل القاعدة، وبالنيّات الحسنة بدل النظام، فإمّا أن تعامل كمؤسّسة عامّة تُدار بالقانون والشفافية والمحاسبة، وإمّا أن تُترك لتكون نسخة مصغّرة عن وطن عالق يكرّر أزماته داخل جدران القاعات. 

عند هذه المفترق، وحدها المواجهة الصريحة مع الخلل قد تفتح باباً لمستقبل لا يضطرّ فيه طالب لاختيار خيمته مصادفة، ولا أستاذ لانتظار عدالة مؤجّلة.

31.01.2026
زمن القراءة: 8 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية