ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الجامعة اللبنانية تحت مقصلة الهوموفوبيا

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تجاوز رئيس الجامعة اللبنانيّة حدود السلطة القانونية الممنوحة له، وأصبح وصياً على القيم والموضوعات التي يجب أن تتناولها الأبحاث الأكاديمية،هذا القرار حول الجامعة إلى ساحة للصراع بين القوى المحافظة والبحث العلمي الحر.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في ٦ أيار/ مايو ١٩٣٣، اقتحمت ميليشيا تابعة للحزب النازي الألماني معهد العلوم الجنسية في برلين، وهو معهد كان رائداً عالمياً في دراسة الجنسانية والعبور الجندري، كما اقتحموا مقر الرابطة العالمية للإصلاح الجنسي، حيث جمعوا ما يقارب ١٠ آلاف كتاب وبحث علمي وقاموا بحرقها علناً.

 هذا الحدث كان جزءاً من حملة أوسع شنّها النظام النازي ضد المثليين، وكل ما يمت بثقافتهم. لم يكن الهدف مجرد حرق الكتب، بل كان تدمير المعرفة التي تتحدى القيم الرجعية المتطرفة التي فرضتها الأيديولوجية النازية. فحرق الكتب وتقييد البحث العلمي ووضع قيود صارمة على الأكاديميا هي أدوات شائعة لدى كل نظام قمعي متطرف يسعى إلى السيطرة على المعرفة، وبالتالي على المجتمع.

تهديد الحريات الأكاديمية في لبنان

على بعد آلاف الكيلومترات من برلين، وبعد ما يقرب من قرن من الزمان، شهدت الجامعة اللبنانية حدثاً يعكس بشكل صارخ مدى الهجوم على الحريات الأكاديمية، ففي ١٦ أيار/ مايو ٢٠٢٤، نهار عطلة رسمية، تدخل رئيس الجامعة اللبنانية بسام بدران، بشكل عاجل لمنع مناقشة رسالة تخرّج لإحدى الطالبات في الدراسات العليا في علم النفس، التي كانت تتناول موضوع “تعزيز المرونة النفسية لدى المثليين”، وقد حصلت الطالبة على موافقة من عميدة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالتكليف سهى الصمد، وكذلك من مشرفتها بيلا عون رئيسة قسم علم النفس في الجامعة، بالإضافة إلى لجنة القبول.

على رغم ذلك، قرر رئيس الجامعة منع المناقشة، مستنداً إلى مفهوم غامض وغير واضح ومطاط، وهو “القيم الاجتماعية السائدة في المجتمع اللبناني بكافة مكوناته”؛ وكأن المثليين ليسوا من مكوناته. 

بهذا القرار تجاوز رئيس الجامعة حدود السلطة القانونية الممنوحة له، وأصبح وصياً على القيم والموضوعات التي يجب أن تتناولها الأبحاث الأكاديمية، في بلد يعاني من أزمات متعددة، أهمها أزمة إدارة التعددية، وكان من المتوقع أن تكون الجامعات حصناً للحرية الفكرية والتعددية، ولكن هذا القرار قوّض كل تلك التوقعات، محوّلاً الجامعة إلى ساحة للصراع بين القوى المحافظة والبحث العلمي الحر.

الحملة على الحريات الأكاديمية ليست مجرد حدث معزول

ما حدث في الجامعة اللبنانية ليس حادثة فردية، بل هو جزء من نمط متزايد من الهجوم على الحريات الأكاديمية في المنطقة، وهو انعكاس لسياسة أكبر تمتد إلى جوانب الحياة المختلفة، فمنذ فترة، تتزايد الهجمات على مجتمع الميم عين في لبنان، تحت ذرائع مختلفة تتعلق بالقيم والتقاليد. 

وزير الداخلية بسام المولوي، أصدر قرارات تمنع التجمعات الخاصة بمجموعات مجتمع الميم عين، كما تم إغلاق مركز “مرسى” للصحة الجنسية والإنجابية في طرابلس، إلى جانب هجمات متكررة على مقاهٍ وأماكن تجمع للأشخاص الذين يدعمون الحريات الفردية.

اليوم، تصل هذه الهموفوبيا إلى الأكاديميا حيث يتم تقييد البحث العلمي ومنع مناقشة موضوعات تتعلق بالجندر والجنسانية تحت ستار “القيم الاجتماعية”، فالجامعة، التي من المفترض أن تكون منارة للفكر الحر والنقاش العلمي، تتحول إلى مؤسسة يسيطر عليها التعصب والقمع الفكري.

منع مناقشة الأطروحات الأكاديمية التي تتناول قضايا مجتمع الميم عين يشير إلى أن الحريات الأكاديمية باتت مهددة بشكل خطير في لبنان والمنطقة. فالنظام، الذي يجد في هذه الأبحاث تهديداً للقيم التقليدية التي يسعى لترسيخها، يعمل على قمعها بشتى الطرق. الجامعات، التي من المفترض أن تكون مساحة لحرية التفكير والنقاش، تصبح الآن أدوات لقمع المعرفة.

إن ما يحدث في الجامعة اللبنانية اليوم يعكس انهياراً أوسع في النظام التعليمي والحريات. الجامعة اللبنانية، التي كانت في يوم من الأيام صرحاً علمياً يُشهد له ومرجعاً في أحيان كثيرة، تعاني اليوم من سياسات فاشلة وإدارة غير فعالة، مما أدى إلى تراجعها الأكاديمي والمالي. فمنذ سنوات، تشهد الجامعة تقليصاً في ميزانيتها، واحتجاجات مستمرة من الأساتذة والطلاب على تدهور الأوضاع داخل الحرم الجامعي، وللمفارقة تزامن بيان الرئيس مع صدور بيان للجنة الأساتذة المتعاقدين في الجامعة اللبنانية يعلنون فيه الإضراب الشامل في جميع كليات الجامعة ومعاهدها، ابتداءً من أول يوم تدريس في العام الجامعي. 

لكن ما هو أكثر خطورة من تدهور البنية التحتية هو القمع المتزايد للحريات الأكاديمية. فبدلاً من أن تكون الجامعة اللبنانية مساحة للتنوع الفكري والتعبير الحر، أصبحت ساحة للرقابة الفكرية والقمع السياسي وترويج التطرف. 

القرار الذي اتخذه رئيس الجامعة بمنع مناقشة أطروحة حول المثلية لا يعكس فقط التراجع الأكاديمي، بل يشير إلى سيطرة قيم رجعية مناوئة للعلم على المؤسسة الأكاديمية التي يُفترض أن تكون مفتوحة للتنوع والاختلاف. 

يتضح ما سبق باحتضان الجامعة أساتذة ومحاضرين برروا وحللوا وباركوا عملية طعن الكاتب سلمان رشدي، عدا اعتداءات حصلت في الأعوام الماضية كمنع الأغاني والاحتفالات.

اليوم، الجامعة اللبنانية تعيش في ظل سيفين مسلطين على رقبتها، من جهة، هناك الأزمة الاقتصادية والسياسات الإدارية التي تدمر بنيتها الأكاديمية، ومن جهة أخرى، هناك القمع الفكري الذي يحاول طمس كل فكر أو بحث يتحدى القيم التقليدية. في النهاية، تصبح الجامعة ضحية لنظام يتطلع إلى السيطرة على الأفكار والمعرفة، مما يُهدد ليس فقط مستقبل الأبحاث العلمية، بل مستقبل الشباب اللبناني نفسه.

التعليم وأفراد مجتمع الميم عين

في خضم الضجيج المثار حول الحداثة لا يجوز نسيان من هم وسط هذه العاصفة، أفراد الميم عين، وتحديداً أولئك الذين ينتمون إلى الطبقات الشعبية الذين واللواتي لا يستطيعون تأمين أقساط الجامعات الخاصة للحصول على تعليم عالي الجودة، ولا يتم يتعامل معهم بشكل مساوٍ لباقي الطلبة، قرار رئيس الجامعة اللبنانية هو رسالة لهؤلاء مفادها أن الجامعة اللبنانية ليست مساحة آمنة لكم.  

في هذا السياق، أشار تقرير لمنظمة “حلم” التي تُعنى بحقوق مجتمع الميم في لبنان، إلى أن التحديات التعليمية التي تواجه أفراد هذا المجتمع لا تقل أهمية عن التحديات الاجتماعية والسياسية. وفقاً للتقرير، فإن ٣٣٪ من أفراد مجتمع الميم يحملون درجة الإجازة الجامعية، بينما لم يكمل ٢٦٪ دراستهم الثانوية. 

يواجه أفراد مجتمع الميم تحديات كبيرة داخل المؤسسات التعليمية، تبدأ من رفض بعض المدارس استقبالهم بسبب تعبيرهم الجندري المختلف، وصولاً إلى تعرضهم للتنمر والعنف بسبب ميولهم الجنسية.

كما أشار التقرير إلى أن المناهج الدراسية اللبنانية تتجاهل بشكل كامل قضايا مجتمع الميم عين، مما يزيد من الصعوبات التي يواجهها هؤلاء الطلاب في الحصول على تعليم شامل ومنصف. بالإضافة إلى ذلك، فإن غياب السياسات الحمائية لهؤلاء الطلاب يزيد من احتمال تركهم مقاعد الدراسة باكراً.

الحريات في المنطقة

لا يشهد لبنان وحده تراجعاً في حقوق مجتمع الميم عين، بل يتكرر هذا المشهد في العديد من دول المنطقة. فتُغلق المنظمات غير الحكومية التي تدافع عن حقوق هذه الفئات، وتُصدر قوانين جديدة تُشدد العقوبات على المثلية أو حتى لما اسموه الترويج لها. بالإضافة إلى ذلك، يتم فرض رقابة صارمة على وسائل الإعلام والمحتوى الأكاديمي الذي يتناول قضايا الجندر والجنسانية. وفي بعض الحالات، يتم حظر استخدام المصطلحات المرتبطة بالجندر في الأبحاث والنقاشات العامة.

هذه الحملة لا تقتصر على الجانب القانوني فحسب، بل تمتد إلى ساحة التعليم والفكر، حيث يتم تقييد الأبحاث والمناقشات التي تتناول قضايا الجنسانية في الجامعات والمدارس، مما يؤدي إلى قمع حرية الفكر والتعبير في أماكن يفترض أن تكون فضاءات مفتوحة للنقاشات الحرة.

 في النهاية ما بات واضحاً للجميع أن الجامعة اللبنانية أصبحت اليوم ضحية لهجمة مزدوجة، من جهة، هناك الأزمة الاقتصادية والسياسات الفاشلة التي تقوض بنيتها الأكاديمية، ومن جهة أخرى، هناك الهيمنة القيمية التي تُفرض عليها من قِبل السلطات السياسية والاجتماعية والدينية. في خضم كل هذا، تتراجع الحريات الأكاديمية، ويصبح البحث العلمي مقيّداً، والمفكرون مكممي الأفواه.

الجامعة التي كانت يوماً صرحاً علمياً وثقافياً منفتحاً، تتعرض اليوم للتآكل، ليس فقط بسبب تدهور بنيتها التحتية، بل أيضاً بسبب الهجمات المستمرة على حرياتها الأساسية. في زمن أصبحت فيه المعرفة سلاحاً للتغيير والتقدم، تتحول الجامعة اللبنانية إلى ساحة معركة بين الحرية والقمع. يا للمصادفة المريرة، أن تتحول الجامعة التي دُفع من أجل تأسيسها الدماء والتضحيات إلى مقصلة لذبح الأفكار وقمع البحث العلمي والتمييز ضد فئة من المهمشين التي نشأت من أجلهم هذه الجامعة. 

في نهاية المطاف، الجامعة اللبنانية ليست الضحية الوحيدة لتلك المقصلة التي تلوح في الأفق، بل محطة على طريق هيمنة الرجعية على مساحاتنا الخاصة والعامة، فالمقصلة التي تجرأت اليوم على مجتمع الميم عين لن تتوقف حتى يتدحرج آخر رأس من  الحريات. 

الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية - Siraj | 08.05.2026

“ماما، لماذا لست سورياً؟”: أبناء السوريات من “أجانب”… بلا قيد ولا شهادة ميلاد

 في معظم الأحيان، يقدم موضوع زواج سوريات من أجانب باعتباره مقتصراً على من تزوجن بمقاتلي تنظيم "داعش" خلال فترة صعوده. إلا أن هذه المعضلة وتبعاتها، لا سيما الثمن الذي تدفعه الزوجات السوريات وأولادهن اليوم، تمتد لتشمل زيجات من غير مقاتلي التنظيم، ناهيك بأن حرمان الأم السورية من منح الجنسية لأبنائها مشكلة قانونية ونسوية بدأت قبل…
21.09.2024
زمن القراءة: 6 minutes

تجاوز رئيس الجامعة اللبنانيّة حدود السلطة القانونية الممنوحة له، وأصبح وصياً على القيم والموضوعات التي يجب أن تتناولها الأبحاث الأكاديمية،هذا القرار حول الجامعة إلى ساحة للصراع بين القوى المحافظة والبحث العلمي الحر.

في ٦ أيار/ مايو ١٩٣٣، اقتحمت ميليشيا تابعة للحزب النازي الألماني معهد العلوم الجنسية في برلين، وهو معهد كان رائداً عالمياً في دراسة الجنسانية والعبور الجندري، كما اقتحموا مقر الرابطة العالمية للإصلاح الجنسي، حيث جمعوا ما يقارب ١٠ آلاف كتاب وبحث علمي وقاموا بحرقها علناً.

 هذا الحدث كان جزءاً من حملة أوسع شنّها النظام النازي ضد المثليين، وكل ما يمت بثقافتهم. لم يكن الهدف مجرد حرق الكتب، بل كان تدمير المعرفة التي تتحدى القيم الرجعية المتطرفة التي فرضتها الأيديولوجية النازية. فحرق الكتب وتقييد البحث العلمي ووضع قيود صارمة على الأكاديميا هي أدوات شائعة لدى كل نظام قمعي متطرف يسعى إلى السيطرة على المعرفة، وبالتالي على المجتمع.

تهديد الحريات الأكاديمية في لبنان

على بعد آلاف الكيلومترات من برلين، وبعد ما يقرب من قرن من الزمان، شهدت الجامعة اللبنانية حدثاً يعكس بشكل صارخ مدى الهجوم على الحريات الأكاديمية، ففي ١٦ أيار/ مايو ٢٠٢٤، نهار عطلة رسمية، تدخل رئيس الجامعة اللبنانية بسام بدران، بشكل عاجل لمنع مناقشة رسالة تخرّج لإحدى الطالبات في الدراسات العليا في علم النفس، التي كانت تتناول موضوع “تعزيز المرونة النفسية لدى المثليين”، وقد حصلت الطالبة على موافقة من عميدة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالتكليف سهى الصمد، وكذلك من مشرفتها بيلا عون رئيسة قسم علم النفس في الجامعة، بالإضافة إلى لجنة القبول.

على رغم ذلك، قرر رئيس الجامعة منع المناقشة، مستنداً إلى مفهوم غامض وغير واضح ومطاط، وهو “القيم الاجتماعية السائدة في المجتمع اللبناني بكافة مكوناته”؛ وكأن المثليين ليسوا من مكوناته. 

بهذا القرار تجاوز رئيس الجامعة حدود السلطة القانونية الممنوحة له، وأصبح وصياً على القيم والموضوعات التي يجب أن تتناولها الأبحاث الأكاديمية، في بلد يعاني من أزمات متعددة، أهمها أزمة إدارة التعددية، وكان من المتوقع أن تكون الجامعات حصناً للحرية الفكرية والتعددية، ولكن هذا القرار قوّض كل تلك التوقعات، محوّلاً الجامعة إلى ساحة للصراع بين القوى المحافظة والبحث العلمي الحر.

الحملة على الحريات الأكاديمية ليست مجرد حدث معزول

ما حدث في الجامعة اللبنانية ليس حادثة فردية، بل هو جزء من نمط متزايد من الهجوم على الحريات الأكاديمية في المنطقة، وهو انعكاس لسياسة أكبر تمتد إلى جوانب الحياة المختلفة، فمنذ فترة، تتزايد الهجمات على مجتمع الميم عين في لبنان، تحت ذرائع مختلفة تتعلق بالقيم والتقاليد. 

وزير الداخلية بسام المولوي، أصدر قرارات تمنع التجمعات الخاصة بمجموعات مجتمع الميم عين، كما تم إغلاق مركز “مرسى” للصحة الجنسية والإنجابية في طرابلس، إلى جانب هجمات متكررة على مقاهٍ وأماكن تجمع للأشخاص الذين يدعمون الحريات الفردية.

اليوم، تصل هذه الهموفوبيا إلى الأكاديميا حيث يتم تقييد البحث العلمي ومنع مناقشة موضوعات تتعلق بالجندر والجنسانية تحت ستار “القيم الاجتماعية”، فالجامعة، التي من المفترض أن تكون منارة للفكر الحر والنقاش العلمي، تتحول إلى مؤسسة يسيطر عليها التعصب والقمع الفكري.

منع مناقشة الأطروحات الأكاديمية التي تتناول قضايا مجتمع الميم عين يشير إلى أن الحريات الأكاديمية باتت مهددة بشكل خطير في لبنان والمنطقة. فالنظام، الذي يجد في هذه الأبحاث تهديداً للقيم التقليدية التي يسعى لترسيخها، يعمل على قمعها بشتى الطرق. الجامعات، التي من المفترض أن تكون مساحة لحرية التفكير والنقاش، تصبح الآن أدوات لقمع المعرفة.

إن ما يحدث في الجامعة اللبنانية اليوم يعكس انهياراً أوسع في النظام التعليمي والحريات. الجامعة اللبنانية، التي كانت في يوم من الأيام صرحاً علمياً يُشهد له ومرجعاً في أحيان كثيرة، تعاني اليوم من سياسات فاشلة وإدارة غير فعالة، مما أدى إلى تراجعها الأكاديمي والمالي. فمنذ سنوات، تشهد الجامعة تقليصاً في ميزانيتها، واحتجاجات مستمرة من الأساتذة والطلاب على تدهور الأوضاع داخل الحرم الجامعي، وللمفارقة تزامن بيان الرئيس مع صدور بيان للجنة الأساتذة المتعاقدين في الجامعة اللبنانية يعلنون فيه الإضراب الشامل في جميع كليات الجامعة ومعاهدها، ابتداءً من أول يوم تدريس في العام الجامعي. 

لكن ما هو أكثر خطورة من تدهور البنية التحتية هو القمع المتزايد للحريات الأكاديمية. فبدلاً من أن تكون الجامعة اللبنانية مساحة للتنوع الفكري والتعبير الحر، أصبحت ساحة للرقابة الفكرية والقمع السياسي وترويج التطرف. 

القرار الذي اتخذه رئيس الجامعة بمنع مناقشة أطروحة حول المثلية لا يعكس فقط التراجع الأكاديمي، بل يشير إلى سيطرة قيم رجعية مناوئة للعلم على المؤسسة الأكاديمية التي يُفترض أن تكون مفتوحة للتنوع والاختلاف. 

يتضح ما سبق باحتضان الجامعة أساتذة ومحاضرين برروا وحللوا وباركوا عملية طعن الكاتب سلمان رشدي، عدا اعتداءات حصلت في الأعوام الماضية كمنع الأغاني والاحتفالات.

اليوم، الجامعة اللبنانية تعيش في ظل سيفين مسلطين على رقبتها، من جهة، هناك الأزمة الاقتصادية والسياسات الإدارية التي تدمر بنيتها الأكاديمية، ومن جهة أخرى، هناك القمع الفكري الذي يحاول طمس كل فكر أو بحث يتحدى القيم التقليدية. في النهاية، تصبح الجامعة ضحية لنظام يتطلع إلى السيطرة على الأفكار والمعرفة، مما يُهدد ليس فقط مستقبل الأبحاث العلمية، بل مستقبل الشباب اللبناني نفسه.

التعليم وأفراد مجتمع الميم عين

في خضم الضجيج المثار حول الحداثة لا يجوز نسيان من هم وسط هذه العاصفة، أفراد الميم عين، وتحديداً أولئك الذين ينتمون إلى الطبقات الشعبية الذين واللواتي لا يستطيعون تأمين أقساط الجامعات الخاصة للحصول على تعليم عالي الجودة، ولا يتم يتعامل معهم بشكل مساوٍ لباقي الطلبة، قرار رئيس الجامعة اللبنانية هو رسالة لهؤلاء مفادها أن الجامعة اللبنانية ليست مساحة آمنة لكم.  

في هذا السياق، أشار تقرير لمنظمة “حلم” التي تُعنى بحقوق مجتمع الميم في لبنان، إلى أن التحديات التعليمية التي تواجه أفراد هذا المجتمع لا تقل أهمية عن التحديات الاجتماعية والسياسية. وفقاً للتقرير، فإن ٣٣٪ من أفراد مجتمع الميم يحملون درجة الإجازة الجامعية، بينما لم يكمل ٢٦٪ دراستهم الثانوية. 

يواجه أفراد مجتمع الميم تحديات كبيرة داخل المؤسسات التعليمية، تبدأ من رفض بعض المدارس استقبالهم بسبب تعبيرهم الجندري المختلف، وصولاً إلى تعرضهم للتنمر والعنف بسبب ميولهم الجنسية.

كما أشار التقرير إلى أن المناهج الدراسية اللبنانية تتجاهل بشكل كامل قضايا مجتمع الميم عين، مما يزيد من الصعوبات التي يواجهها هؤلاء الطلاب في الحصول على تعليم شامل ومنصف. بالإضافة إلى ذلك، فإن غياب السياسات الحمائية لهؤلاء الطلاب يزيد من احتمال تركهم مقاعد الدراسة باكراً.

الحريات في المنطقة

لا يشهد لبنان وحده تراجعاً في حقوق مجتمع الميم عين، بل يتكرر هذا المشهد في العديد من دول المنطقة. فتُغلق المنظمات غير الحكومية التي تدافع عن حقوق هذه الفئات، وتُصدر قوانين جديدة تُشدد العقوبات على المثلية أو حتى لما اسموه الترويج لها. بالإضافة إلى ذلك، يتم فرض رقابة صارمة على وسائل الإعلام والمحتوى الأكاديمي الذي يتناول قضايا الجندر والجنسانية. وفي بعض الحالات، يتم حظر استخدام المصطلحات المرتبطة بالجندر في الأبحاث والنقاشات العامة.

هذه الحملة لا تقتصر على الجانب القانوني فحسب، بل تمتد إلى ساحة التعليم والفكر، حيث يتم تقييد الأبحاث والمناقشات التي تتناول قضايا الجنسانية في الجامعات والمدارس، مما يؤدي إلى قمع حرية الفكر والتعبير في أماكن يفترض أن تكون فضاءات مفتوحة للنقاشات الحرة.

 في النهاية ما بات واضحاً للجميع أن الجامعة اللبنانية أصبحت اليوم ضحية لهجمة مزدوجة، من جهة، هناك الأزمة الاقتصادية والسياسات الفاشلة التي تقوض بنيتها الأكاديمية، ومن جهة أخرى، هناك الهيمنة القيمية التي تُفرض عليها من قِبل السلطات السياسية والاجتماعية والدينية. في خضم كل هذا، تتراجع الحريات الأكاديمية، ويصبح البحث العلمي مقيّداً، والمفكرون مكممي الأفواه.

الجامعة التي كانت يوماً صرحاً علمياً وثقافياً منفتحاً، تتعرض اليوم للتآكل، ليس فقط بسبب تدهور بنيتها التحتية، بل أيضاً بسبب الهجمات المستمرة على حرياتها الأساسية. في زمن أصبحت فيه المعرفة سلاحاً للتغيير والتقدم، تتحول الجامعة اللبنانية إلى ساحة معركة بين الحرية والقمع. يا للمصادفة المريرة، أن تتحول الجامعة التي دُفع من أجل تأسيسها الدماء والتضحيات إلى مقصلة لذبح الأفكار وقمع البحث العلمي والتمييز ضد فئة من المهمشين التي نشأت من أجلهم هذه الجامعة. 

في نهاية المطاف، الجامعة اللبنانية ليست الضحية الوحيدة لتلك المقصلة التي تلوح في الأفق، بل محطة على طريق هيمنة الرجعية على مساحاتنا الخاصة والعامة، فالمقصلة التي تجرأت اليوم على مجتمع الميم عين لن تتوقف حتى يتدحرج آخر رأس من  الحريات.