ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الجزائر والإمارات… تنافس النفوذ من السودان إلى تونس

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

التوتّر بين الجزائر والإمارات لم يعد مجرّد خلاف دبلوماسي عابر، بل أصبح يعكس شرخاً عميقاً في رؤية البلدين لطبيعة النفود الإقليمي، وحدود التأثير السياسي في العالم العربي وأفريقيا.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

 “أينما وضعت أقدامها سال الدم وانتشرت الفتنة”، بهذه الكلمات القويّة تحدّث الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عن دولة الإمارات، واصفا إيّاها “بدويلة الخليج التي قطعنا معها العلاقات”، خلال لقاء صحافي مصوّر دوري أجراه مع ممثّلي وسائل إعلام محلّية، وشدّد فيه على أنه “لا أعداء للجزائر لا من الأوروبيين أو غيرهم”، وأن بلده “تحافظ على علاقات جيّدة مع مصر والسعودية”.

 تصريحات تبون الأخيرة التي انتقد فيها ما وصفه بتدخّلات “دُويلة” عربية في عدد من الأزمات الإقليمية، أعاد الضوء نحو هذا التباعد الذي أخذ يتّسع خلال السنوات الماضية.

السودان نقطة التحوّل في الخلاف  

يبرز السودان باعتباره إحدى أبرز الساحات التي تعكس هذا التباين. فالجزائر تنظر إلى استقرار السودان باعتباره عاملاً مؤثّراً في أمن منطقة الساحل وشمال أفريقيا، في حين تنظر أبوظبي إلى السودان باعتباره دولة محورية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بما يوفّره من فرص اقتصادية وجيوسياسية. ومن هنا أصبح هذا الملفّ أحد أبرز مظاهر اختلاف أولويات البلدين، حتى وإن لم يكن السبب الوحيد في تدهور العلاقات. 

بسط نفوذ داخل السودان يمنح الامارات ثقلاً في واحد من أهمّ الممرّات البحرية والتجارية في العالم، حيث يمثّل السودان موقعاً استراتيجياً يربط القرن الأفريقي بالبحر الأحمر، كما يسيطر “الدعم السريع” على مناطق واسعة منتجة للذهب في دارفور وغيرها، علاوة على أن  الذهب السوداني يشكّل عنصراً مهمّاً في شبكات التجارة الإقليمية.

فبحسب تقديرات منظّمة SWISSAID فإن إنتاج السودان من الذهب بلغ نحو 80 طنّاً، بقيمة تتجاوز 6 مليارات دولار، ما يجعله أحد أكبر منتجي الذهب في أفريقيا، وتبرز أهمّية هذا المورد في الاقتصاد السوداني وفي حسابات الصراع الدائر حول السيطرة على الثروات المعدنية، وهو ما يُعدّ أحد التفسيرات المتداولة للاهتمام الإماراتي بالسودان. 

وبعيداً عن التجارة والاقتصاد لا يبدو خفيّاً على أحد أن السياسة الخارجية الإماراتية منذ العام 2013 تقوم على الحدّ من نفوذ الحركات الإسلامية في المنطقة، حيث أن بعض دوائر الحكم في أبوظبي تنظر إلى المؤسّسة العسكرية السودانية باعتبارها تضمّ شخصيّات مرتبطة بالنظام السابق والتيّار الإسلامي، بينما يُنظر إلى “قوّات الدعم السريع” بوصفها طرفاً يمكن التعامل معه بصورة مختلفة، وهو ما يفسّر إغراقه بالسلاح

كما يبدو الملفّ السوداني جزءاً مهمّاً من السياسة الإماراتية الأوسع في ليبيا واليمن والقرن الأفريقي، حيث تسعى أبوظبي إلى بناء شبكة من الشركاء المحلّيين بما يعزّز حضورها السياسي والاقتصادي والأمني في المنطقة.

وتتزايد الأدلّة التي تكشف عن تورّط الإمارات في تقديم دعم مباشر وغير مباشر لـ”قوّات الدعم السريع” المدعوم من “أبوظبي”، وهي جماعة مسلّحة متّهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية على نطاق واسع، شملت القتل الجماعي وأعمال عنف جنسي ممنهج، في سياق النزاع المدمّر الذي دفع السودان إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم

وأظهرت تحقيقات أجرتها “هيومن رايتس ووتش” و”فرانس 24″، أن “قوّات الدعم السريع” استخدمت ذخائر يُعتقد أنها حصلت عليها سابقاً من الجيش الإماراتي، ما يثير تساؤلات خطيرة حول مسارات توريد السلاح رغم القيود الدولية. 

وفي السياق نفسه، كشفت تقارير نشرتها “رويترز” و”نيويورك تايمز”، أن الإمارات استخدمت قاعدة جوّية في أم جرس شرقي تشاد، تحت غطاء عمليّات إنسانية، كنقطة عبور لتزويد “قوّات الدعم السريع” بالأسلحة والمعدّات العسكرية.

من جهته كشف وزير العدل السوداني عبد الله درف، في 16 تمّوز/ يوليو الماضي عن حزمة من المسارات القانونية “غير المسبوقة”، التي تعتزم السلطات اتّخاذها لمقاضاة دولة الإمارات و”قوّات الدعم السريع”، مؤكّدا أن لدى الخرطوم “أدلّة مادّية وبيانات قاطعة”، على ما قال إنه “تورّط أبوظبي في الحرب والانتهاكات المرتكبة ضد الشعب السوداني”. 

جاء ذلك في تصريحات لوسائل إعلام نقلتها الجزيرة، خلال تفقّد معرض الأسلحة والمعدّات العسكرية الحديثة التي ضبطتها القوّات المسلّحة السودانية، من “قوّات الدعم السريع” المدعومة إماراتياً، في جبهات القتال المختلفة.

وأوضح درف أن المعرض يضمّ ترسانة من الأسلحة المتطوّرة، من بينها طائرات مسيّرة انقضاضية وإستراتيجية حديثة الصنع، تحمل تواريخ إنتاج للأعوام 2023، و2024، و2025، كما أكّد أن الفحص الفنّي والجنائي لهذه الأسلحة “أثبت بالدليل القاطع أن المستخدم الأخير المسجّل رسمياً بها بحسب الاتّفاقيات الدولية لتجارة الأسلحة هي دولة الإمارات”، مشدّداً على أن “هذا الإثبات يقطع الشكّ باليقين، بشأن التورّط الإماراتي المباشر في إمداد قوّات الدعم السريع وتسليحها”.

وأشار إلى أن “الجرائم التي ارتُكبت في حقّ الشعب السوداني هي جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ارتكبتها الدعم السريع بإمداد وتسهيل مباشر من الإمارات”. وأوضح أن “البيّنات والأدلّة التي بين أيدينا اليوم كافية تماماً، وفوق مرحلة الشكّ المعقول لمقاضاتها”، وفق تعبيره.

لماذا يهمّ السودان الجزائر؟

منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني و”قوّات الدعم السريع” في نيسان/ أبريل 2023، دعت الجزائر إلى وقف القتال والحفاظ على وحدة الدولة السودانية، مؤكّدة رفضها لأيّ تدخّل خارجي من شأنه تعقيد الأزمة. فالجزائر لا تنظر إلى السودان باعتباره ساحة نزاع بعيدة عن حدودها، بل كحلقة أساسية في منظومة أمنها الإقليمي، لأنه يشكّل نقطة وصل بين شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، ويرتبط بحدود مع تشاد وليبيا، وهما دولتان تمثّلان جزءاً من العمق الأمني للجزائر.

وتخشى الجزائر أن يؤدّي استمرار الحرب إلى انتقال السلاح والمقاتلين وتصاعد نشاط الجماعات المسلّحة عبر هذه المناطق، بما يزيد من هشاشة الإقليم الذي يواجه أصلاً تحدّيات الإرهاب والجريمة المنظّمة والهجرة غير النظامية.

“أينما وضعت أقدامها سال الدم وانتشرت الفتنة”، ولربما هنا تتوضّح أكثر هذه العبارة لتبون، الذي يعتبر الإمارات مسؤولة عن تمزيق أوصال السودان.

 السودان أيضاً يمثّل بوابة إلى البحر الأحمر، الذي تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أهمّ ساحات التنافس الإقليمي والدولي، ما يمنح تطوّرات الأزمة السودانية أبعاداً تتجاوز حدودها الجغرافية، وهو ما يتجاوز مخاوف الجزائر تجاه البعد الأمني فقط.

وهنا ربما يمكن تفهّم حرصها على تبنّي موقف يقوم على دعم الحلّ السياسي ورفض تدويل الأزمة. حيث حاولت الدبلوماسية الجزائرية أداء دور محوري لرأب الصراع وإيقافه.

 خلال استقباله رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتّاح البرهان في كانون الثاني/ يناير 2024، أكّد تبون أن “الجزائر تقف إلى جانب السودان لتجاوز محنته”، مجدّداً دعمها لوحدة البلاد وسيادتها. 

كما شدّد وزير خارجيتها أحمد عطّاف في أكثر من مناسبة، على أن “تسوية الأزمة يجب أن تكون سودانية- سودانية”، بعيداً عن التدخّلات الخارجية.

وفي هذا السياق، تنظر الجزائر إلى أيّ تطوّر في السودان من زاوية تأثيره على توازنات الأمن في شمال أفريقيا والساحل، وهو ما يفسّر متابعتها الحثيثة لهذا الملفّ وحساسيتها تجاه أدوار القوى الإقليمية المنخرطة فيه، وعلى رأسها الإمارات العربية المتّحدة، التي نعتها تبون “بالدويلة” للدلالة ربما على أنها جغرافياً وسياسياً أصغر من الدور الذي تحاول أداءه في المنطقة، لا سيّما المحتكّ مع نفوذ الجزائر.

تونس… ساحة التنافس الصامت بين الجزائر والإمارات

شكّل انتقال التنافس بين الجزائر والإمارات من ملفّات الساحل الأفريقي إلى الفضاء المغاربي، وتحديداً تونس، إحدى أبرز نقاط التحوّل في العلاقة بين البلدين خلال السنوات الأخيرة. فقد عزّزت الجزائر علاقاتها السياسية والاقتصادية والأمنية مع تونس، واعتبرت استقرارها جزءاً من استقرار الجزائر الداخلي، وهو ما جعل أيّ حضور إقليمي مؤثّر في الساحة التونسية يحظى بمتابعة دقيقة من الجزائر.

وتنظر الجزائر إلى تونس باعتبارها جزءاً من أمنها القومي المباشر، نظراً إلى الحدود المشتركة الممتدّة لأكثر من ألف كيلومتر، وإلى التحدّيات الأمنية التي برزت منذ الأزمة الليبية. لذلك كثّفت منذ العام 2021، تحديداً بعد انقلاب قيس سعيّد على الشرعية، دعمها الاقتصادي والطاقي لتونس، عبر تسهيلات في إمدادات الغاز، وقروض وودائع مالية، وهو ما عزّز نفوذها لدى السلطات التونسية. 

وكانت الجزائر من أبرز الداعمين للرئيس قيس سعيّد عقب حلّه البرلمان والمؤسّسات الدستورية في البلاد، معتبرة أن استقرار تونس يمثّل أولوية لأمنها القومي. هذا الدعم منح الجزائر نفوذاً أكبر في المشهد التونسي، وأصبحت حتى بعض وسائل إعلام محلّية تونسية يتضمّن خطابها مضامين دعائية للرئيس تبون وللنظام الجزائري.

وفي هذا السياق، يمكن فهم تصريحات تبون الأخيرة، حين قال: “اللي يجيب لتونس الإرهاب نهدلوا الخيمة تاع والديه”، باعتبارها رسالة سياسية تؤكّد أن الجزائر لم تعد تنظر إلى بعض التحرّكات الإقليمية باعتبارها بعيدة عن مصالحها، بل تراها مرتبطة مباشرة بتوازنات الأمن في جوارها المباشر، سواء تعلّق الأمر بالسودان أو ليبيا أو الفضاء المغاربي.

وقد أثارت هذه التصريحات نقاشاً واسعاً في تونس، وأثارت أيضاً حفيظة عدد من القوى المعارضة. فبينما رأى أنصار السلطة التونسية وبعض المتابعين أنها لا تتجاوز كونها رسالة تضامن من رئيس دولة جارة، تجمعها بتونس حدود طويلة وتحدّيات أمنية مشتركة، تلقّاها قطاع واسع من المعارضة التونسية وعدد من الأصوات المستقلّة بصورة مختلفة، معتبرين أنها تجاوزت حدود المجاملة الدبلوماسية، وأنها تحدّثت عن تونس كما لو كانت مجالاً أمنياً تابعاً للجزائر، أو فضاءً يحتاج إلى حماية خارجية.

ولا يكمن الإشكال بالنسبة إلى هؤلاء، في حرص الجزائر على استقرار تونس، فمن الطبيعي أن يكون أمن بلدين متجاورين ومترابطين بهذا الحجم جزءاً من حساباتهما الاستراتيجية المشتركة. فالاضطراب في تونس لا يتوقّف عند المعابر الحدودية، كما أن التهديدات القادمة من ليبيا أو منطقة الساحل لا تعترف بحدود الدول. ومن هذه الزاوية، يصبح دفاع الجزائر عن أمن تونس دفاعاً غير مباشر عن أمنها الوطني أيضاً.

لكنّ المعضلة تبدأ حين تُصاغ هذه العلاقة بلغة الحماية أو الوصاية، أو عندما يُترك المقصود بالتهديد غامضاً. فمن هو الطرف الذي تحدّث عنه الرئيس الجزائري؟ هل يقصد تنظيماً إرهابياً محدّداً؟ أم دولة أجنبية؟ أم معارضين تونسيين؟ وهل تستند تصريحاته إلى معطيات أمنية لم تُعلن للرأي العامّ، أم أنها جاءت في إطار خطاب سياسي عامّ؟

ويزداد هذا الجدل في ظلّ غياب إجابات واضحة، إذ يفتح الباب أمام تأويلات متعدّدة، خصوصاً في سياق تونسي داخلي تصف فيه السلطة خصومها السياسيين، في مناسبات عديدة، بالخونة والمتآمرين والإرهابيين. وفي بلد يقبع فيه سياسيون ومحامون وصحافيون ونشطاء في السجون في قضايا مرتبطة بما يسمّى “التآمر على أمن الدولة”، يصبح من المشروع التساؤل عمّا إذا كانت تصريحات تبون موجّهة حصراً إلى تهديد إرهابي خارجي، أم أنها قد تُفهم أيضاً بوصفها دعماً للرواية الرسمية التونسية في مواجهة خصوم الرئيس قيس سعيّد.

ويستند جزء من هذا التحفّظ أيضاً إلى الذاكرة الأمنية في تونس خلال العقد الماضي. فمنذ العام 2013 وما بعده، ما تزال أصوات عديدة منها معارِضة اليوم، تعتبر أن التهديد الإرهابي الذي واجهته البلاد كان يتسلّل أساساً عبر الحدود الغربية مع الجزائر، لا سيّما في المناطق الجبلية المحاذية لسلسلة الشعانبي والسمامة، حيث تنشط جماعات مسلّحة اتّخذت من الشريط الحدودي ملاذاً لها.

 ورغم التعاون الأمني الوثيق بين تونس والجزائر في مكافحة الإرهاب، ظلّ هذا التصوّر حاضراً لدى بعض الأوساط السياسية، التي ترى أن الخطر لم يكن قادماً من الشرق أو من قوى إقليمية بعيدة، بل من الحدود الغربية. 

ومن هذا المنطلق، اعتبر بعض منتقدي تصريحات تبون أن الحديث عن حماية تونس من الإرهاب يثير مفارقة، بالنظر إلى أن جزءاً من التهديد الذي عاشته البلاد خلال تلك الفترة ارتبط، في نظرهم، بالجبهة الغربية

وتكتسب تونس أهمّية إضافية في الحسابات الجزائرية بالنظر إلى التوتّر المستمرّ مع المغرب، الذي جعل الجزائر أكثر حساسية تجاه أيّ إعادة تشكيل لموازين القوى في الفضاء المغاربي.

فمع تنامي العلاقات السياسية والاقتصادية بين الإمارات والمغرب خلال السنوات الأخيرة، تنظر الجزائر إلى الحفاظ على شراكتها الوثيقة مع تونس باعتبارها وسيلة لضمان توازن إقليمي يمنع اختلال موازين النفوذ في غرب شمال أفريقيا. ومن هذا المنظور، لا يقتصر الاهتمام الجزائري بتونس على حماية حدودها أو دعم استقرارها، بل يمتدّ إلى المحافظة على موقعها داخل معادلة إقليمية تتشابك فيها اعتبارات الأمن والجغرافيا والسياسة…

في المقابل، لا تزال تونس تحتفظ بأهمّية خاصّة بالنسبة إلى الإمارات، وإن تراجع حضورها مقارنة بالسنوات الأولى التي أعقبت “الربيع العربي”. وتعود هذه الأهمّية، أولاً، إلى موقعها الجغرافي، إذ تطلّ على وسط البحر المتوسّط وتقع بين الجزائر وليبيا، ما يجعلها نقطة ارتكاز في شمال أفريقيا. كما كانت تونس منذ العام 2011، إحدى ساحات التنافس الإقليمي بين دول الخليج، سواء عبر الدعم الاقتصادي أو العلاقات السياسية مع مختلف الفاعلين.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تحتفظ الإمارات بحضور استثماري في تونس، خاصّة في قطاعات العقارات والسياحة والتمويل، وتؤكّد أبوظبي في خطابها الرسمي استمرار اهتمامها بتطوير العلاقات الاقتصادية والتنموية مع البلاد. غير أن هذا الاهتمام لم يعد بالحجم نفسه الذي كان عليه في السنوات الأولى بعد “الربيع العربي”، بل بات يندرج ضمن سياسة أوسع تقوم على الحفاظ على الاستقرار والعلاقات الثنائية.

ورغم ذلك، لا توجد مؤشّرات علنية على مواجهة مباشرة بين الجزائر والإمارات داخل تونس، لكن كل المؤشّرات تفيد بأن البلدين ينطلقان من رؤيتين مختلفتين لترتيب التوازنات في شمال أفريقيا. فالجزائر تسعى إلى إبقاء تونس ضمن مجالها الأمني والاستراتيجي، في حين تحرص الإمارات على الحفاظ على حضورها السياسي والاقتصادي ضمن شبكة علاقاتها الإقليمية.

ويبقى هذا التنافس مرشّحاً للاستمرار ما دامت أولويات الطرفين لم تتقارب، خاصّة مع تزايد أهمّية شمال أفريقيا والبحر الأحمر والساحل الأفريقي في معادلات الأمن والطاقة والاستثمار. 

حيث انتقل الخلاف من مستوى التباين الدبلوماسي إلى تنافس على رسم موازين القوى الإقليمية. وفي هذا المشهد، تبدو تونس والسودان أكثر من مجرّد ملفّين دبلوماسيين؛ إنهما عنوانان لتحوّل أوسع في طبيعة العلاقات بين الجزائر والإمارات، حيث باتت الجغرافيا السياسية أكثر من أيّ وقت مضى، العامل الحاسم في رسم مسار هذه العلاقة.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 04.09.2026

لبنان: مليار دولار قد يستعيدها المودعون من مجالس إدارات المصارف 

محامو المصارف يستعينون بدفاعهم عن فعلة موكليهم بعبارة رهيبة، تتمثل بأن ما أقدم عليه موكلوهم عندما أنقذوا ودائعهم الشخصية من الفعلة التي ارتكبوها بحق زبائنهم هو "قانوني وإن كان غير أخلاقي"، ويبدو أنهم بصدد الاستعانة بهذه المعادلة في المرحلة التي تعقب اعترافهم بفعلتهم "القانونية وغير الأخلاقية".
06.08.2026
زمن القراءة: 9 minutes

التوتّر بين الجزائر والإمارات لم يعد مجرّد خلاف دبلوماسي عابر، بل أصبح يعكس شرخاً عميقاً في رؤية البلدين لطبيعة النفود الإقليمي، وحدود التأثير السياسي في العالم العربي وأفريقيا.

 “أينما وضعت أقدامها سال الدم وانتشرت الفتنة”، بهذه الكلمات القويّة تحدّث الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عن دولة الإمارات، واصفا إيّاها “بدويلة الخليج التي قطعنا معها العلاقات”، خلال لقاء صحافي مصوّر دوري أجراه مع ممثّلي وسائل إعلام محلّية، وشدّد فيه على أنه “لا أعداء للجزائر لا من الأوروبيين أو غيرهم”، وأن بلده “تحافظ على علاقات جيّدة مع مصر والسعودية”.

 تصريحات تبون الأخيرة التي انتقد فيها ما وصفه بتدخّلات “دُويلة” عربية في عدد من الأزمات الإقليمية، أعاد الضوء نحو هذا التباعد الذي أخذ يتّسع خلال السنوات الماضية.

السودان نقطة التحوّل في الخلاف  

يبرز السودان باعتباره إحدى أبرز الساحات التي تعكس هذا التباين. فالجزائر تنظر إلى استقرار السودان باعتباره عاملاً مؤثّراً في أمن منطقة الساحل وشمال أفريقيا، في حين تنظر أبوظبي إلى السودان باعتباره دولة محورية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بما يوفّره من فرص اقتصادية وجيوسياسية. ومن هنا أصبح هذا الملفّ أحد أبرز مظاهر اختلاف أولويات البلدين، حتى وإن لم يكن السبب الوحيد في تدهور العلاقات. 

بسط نفوذ داخل السودان يمنح الامارات ثقلاً في واحد من أهمّ الممرّات البحرية والتجارية في العالم، حيث يمثّل السودان موقعاً استراتيجياً يربط القرن الأفريقي بالبحر الأحمر، كما يسيطر “الدعم السريع” على مناطق واسعة منتجة للذهب في دارفور وغيرها، علاوة على أن  الذهب السوداني يشكّل عنصراً مهمّاً في شبكات التجارة الإقليمية.

فبحسب تقديرات منظّمة SWISSAID فإن إنتاج السودان من الذهب بلغ نحو 80 طنّاً، بقيمة تتجاوز 6 مليارات دولار، ما يجعله أحد أكبر منتجي الذهب في أفريقيا، وتبرز أهمّية هذا المورد في الاقتصاد السوداني وفي حسابات الصراع الدائر حول السيطرة على الثروات المعدنية، وهو ما يُعدّ أحد التفسيرات المتداولة للاهتمام الإماراتي بالسودان. 

وبعيداً عن التجارة والاقتصاد لا يبدو خفيّاً على أحد أن السياسة الخارجية الإماراتية منذ العام 2013 تقوم على الحدّ من نفوذ الحركات الإسلامية في المنطقة، حيث أن بعض دوائر الحكم في أبوظبي تنظر إلى المؤسّسة العسكرية السودانية باعتبارها تضمّ شخصيّات مرتبطة بالنظام السابق والتيّار الإسلامي، بينما يُنظر إلى “قوّات الدعم السريع” بوصفها طرفاً يمكن التعامل معه بصورة مختلفة، وهو ما يفسّر إغراقه بالسلاح

كما يبدو الملفّ السوداني جزءاً مهمّاً من السياسة الإماراتية الأوسع في ليبيا واليمن والقرن الأفريقي، حيث تسعى أبوظبي إلى بناء شبكة من الشركاء المحلّيين بما يعزّز حضورها السياسي والاقتصادي والأمني في المنطقة.

وتتزايد الأدلّة التي تكشف عن تورّط الإمارات في تقديم دعم مباشر وغير مباشر لـ”قوّات الدعم السريع” المدعوم من “أبوظبي”، وهي جماعة مسلّحة متّهمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية على نطاق واسع، شملت القتل الجماعي وأعمال عنف جنسي ممنهج، في سياق النزاع المدمّر الذي دفع السودان إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم

وأظهرت تحقيقات أجرتها “هيومن رايتس ووتش” و”فرانس 24″، أن “قوّات الدعم السريع” استخدمت ذخائر يُعتقد أنها حصلت عليها سابقاً من الجيش الإماراتي، ما يثير تساؤلات خطيرة حول مسارات توريد السلاح رغم القيود الدولية. 

وفي السياق نفسه، كشفت تقارير نشرتها “رويترز” و”نيويورك تايمز”، أن الإمارات استخدمت قاعدة جوّية في أم جرس شرقي تشاد، تحت غطاء عمليّات إنسانية، كنقطة عبور لتزويد “قوّات الدعم السريع” بالأسلحة والمعدّات العسكرية.

من جهته كشف وزير العدل السوداني عبد الله درف، في 16 تمّوز/ يوليو الماضي عن حزمة من المسارات القانونية “غير المسبوقة”، التي تعتزم السلطات اتّخاذها لمقاضاة دولة الإمارات و”قوّات الدعم السريع”، مؤكّدا أن لدى الخرطوم “أدلّة مادّية وبيانات قاطعة”، على ما قال إنه “تورّط أبوظبي في الحرب والانتهاكات المرتكبة ضد الشعب السوداني”. 

جاء ذلك في تصريحات لوسائل إعلام نقلتها الجزيرة، خلال تفقّد معرض الأسلحة والمعدّات العسكرية الحديثة التي ضبطتها القوّات المسلّحة السودانية، من “قوّات الدعم السريع” المدعومة إماراتياً، في جبهات القتال المختلفة.

وأوضح درف أن المعرض يضمّ ترسانة من الأسلحة المتطوّرة، من بينها طائرات مسيّرة انقضاضية وإستراتيجية حديثة الصنع، تحمل تواريخ إنتاج للأعوام 2023، و2024، و2025، كما أكّد أن الفحص الفنّي والجنائي لهذه الأسلحة “أثبت بالدليل القاطع أن المستخدم الأخير المسجّل رسمياً بها بحسب الاتّفاقيات الدولية لتجارة الأسلحة هي دولة الإمارات”، مشدّداً على أن “هذا الإثبات يقطع الشكّ باليقين، بشأن التورّط الإماراتي المباشر في إمداد قوّات الدعم السريع وتسليحها”.

وأشار إلى أن “الجرائم التي ارتُكبت في حقّ الشعب السوداني هي جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ارتكبتها الدعم السريع بإمداد وتسهيل مباشر من الإمارات”. وأوضح أن “البيّنات والأدلّة التي بين أيدينا اليوم كافية تماماً، وفوق مرحلة الشكّ المعقول لمقاضاتها”، وفق تعبيره.

لماذا يهمّ السودان الجزائر؟

منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني و”قوّات الدعم السريع” في نيسان/ أبريل 2023، دعت الجزائر إلى وقف القتال والحفاظ على وحدة الدولة السودانية، مؤكّدة رفضها لأيّ تدخّل خارجي من شأنه تعقيد الأزمة. فالجزائر لا تنظر إلى السودان باعتباره ساحة نزاع بعيدة عن حدودها، بل كحلقة أساسية في منظومة أمنها الإقليمي، لأنه يشكّل نقطة وصل بين شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، ويرتبط بحدود مع تشاد وليبيا، وهما دولتان تمثّلان جزءاً من العمق الأمني للجزائر.

وتخشى الجزائر أن يؤدّي استمرار الحرب إلى انتقال السلاح والمقاتلين وتصاعد نشاط الجماعات المسلّحة عبر هذه المناطق، بما يزيد من هشاشة الإقليم الذي يواجه أصلاً تحدّيات الإرهاب والجريمة المنظّمة والهجرة غير النظامية.

“أينما وضعت أقدامها سال الدم وانتشرت الفتنة”، ولربما هنا تتوضّح أكثر هذه العبارة لتبون، الذي يعتبر الإمارات مسؤولة عن تمزيق أوصال السودان.

 السودان أيضاً يمثّل بوابة إلى البحر الأحمر، الذي تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أهمّ ساحات التنافس الإقليمي والدولي، ما يمنح تطوّرات الأزمة السودانية أبعاداً تتجاوز حدودها الجغرافية، وهو ما يتجاوز مخاوف الجزائر تجاه البعد الأمني فقط.

وهنا ربما يمكن تفهّم حرصها على تبنّي موقف يقوم على دعم الحلّ السياسي ورفض تدويل الأزمة. حيث حاولت الدبلوماسية الجزائرية أداء دور محوري لرأب الصراع وإيقافه.

 خلال استقباله رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتّاح البرهان في كانون الثاني/ يناير 2024، أكّد تبون أن “الجزائر تقف إلى جانب السودان لتجاوز محنته”، مجدّداً دعمها لوحدة البلاد وسيادتها. 

كما شدّد وزير خارجيتها أحمد عطّاف في أكثر من مناسبة، على أن “تسوية الأزمة يجب أن تكون سودانية- سودانية”، بعيداً عن التدخّلات الخارجية.

وفي هذا السياق، تنظر الجزائر إلى أيّ تطوّر في السودان من زاوية تأثيره على توازنات الأمن في شمال أفريقيا والساحل، وهو ما يفسّر متابعتها الحثيثة لهذا الملفّ وحساسيتها تجاه أدوار القوى الإقليمية المنخرطة فيه، وعلى رأسها الإمارات العربية المتّحدة، التي نعتها تبون “بالدويلة” للدلالة ربما على أنها جغرافياً وسياسياً أصغر من الدور الذي تحاول أداءه في المنطقة، لا سيّما المحتكّ مع نفوذ الجزائر.

تونس… ساحة التنافس الصامت بين الجزائر والإمارات

شكّل انتقال التنافس بين الجزائر والإمارات من ملفّات الساحل الأفريقي إلى الفضاء المغاربي، وتحديداً تونس، إحدى أبرز نقاط التحوّل في العلاقة بين البلدين خلال السنوات الأخيرة. فقد عزّزت الجزائر علاقاتها السياسية والاقتصادية والأمنية مع تونس، واعتبرت استقرارها جزءاً من استقرار الجزائر الداخلي، وهو ما جعل أيّ حضور إقليمي مؤثّر في الساحة التونسية يحظى بمتابعة دقيقة من الجزائر.

وتنظر الجزائر إلى تونس باعتبارها جزءاً من أمنها القومي المباشر، نظراً إلى الحدود المشتركة الممتدّة لأكثر من ألف كيلومتر، وإلى التحدّيات الأمنية التي برزت منذ الأزمة الليبية. لذلك كثّفت منذ العام 2021، تحديداً بعد انقلاب قيس سعيّد على الشرعية، دعمها الاقتصادي والطاقي لتونس، عبر تسهيلات في إمدادات الغاز، وقروض وودائع مالية، وهو ما عزّز نفوذها لدى السلطات التونسية. 

وكانت الجزائر من أبرز الداعمين للرئيس قيس سعيّد عقب حلّه البرلمان والمؤسّسات الدستورية في البلاد، معتبرة أن استقرار تونس يمثّل أولوية لأمنها القومي. هذا الدعم منح الجزائر نفوذاً أكبر في المشهد التونسي، وأصبحت حتى بعض وسائل إعلام محلّية تونسية يتضمّن خطابها مضامين دعائية للرئيس تبون وللنظام الجزائري.

وفي هذا السياق، يمكن فهم تصريحات تبون الأخيرة، حين قال: “اللي يجيب لتونس الإرهاب نهدلوا الخيمة تاع والديه”، باعتبارها رسالة سياسية تؤكّد أن الجزائر لم تعد تنظر إلى بعض التحرّكات الإقليمية باعتبارها بعيدة عن مصالحها، بل تراها مرتبطة مباشرة بتوازنات الأمن في جوارها المباشر، سواء تعلّق الأمر بالسودان أو ليبيا أو الفضاء المغاربي.

وقد أثارت هذه التصريحات نقاشاً واسعاً في تونس، وأثارت أيضاً حفيظة عدد من القوى المعارضة. فبينما رأى أنصار السلطة التونسية وبعض المتابعين أنها لا تتجاوز كونها رسالة تضامن من رئيس دولة جارة، تجمعها بتونس حدود طويلة وتحدّيات أمنية مشتركة، تلقّاها قطاع واسع من المعارضة التونسية وعدد من الأصوات المستقلّة بصورة مختلفة، معتبرين أنها تجاوزت حدود المجاملة الدبلوماسية، وأنها تحدّثت عن تونس كما لو كانت مجالاً أمنياً تابعاً للجزائر، أو فضاءً يحتاج إلى حماية خارجية.

ولا يكمن الإشكال بالنسبة إلى هؤلاء، في حرص الجزائر على استقرار تونس، فمن الطبيعي أن يكون أمن بلدين متجاورين ومترابطين بهذا الحجم جزءاً من حساباتهما الاستراتيجية المشتركة. فالاضطراب في تونس لا يتوقّف عند المعابر الحدودية، كما أن التهديدات القادمة من ليبيا أو منطقة الساحل لا تعترف بحدود الدول. ومن هذه الزاوية، يصبح دفاع الجزائر عن أمن تونس دفاعاً غير مباشر عن أمنها الوطني أيضاً.

لكنّ المعضلة تبدأ حين تُصاغ هذه العلاقة بلغة الحماية أو الوصاية، أو عندما يُترك المقصود بالتهديد غامضاً. فمن هو الطرف الذي تحدّث عنه الرئيس الجزائري؟ هل يقصد تنظيماً إرهابياً محدّداً؟ أم دولة أجنبية؟ أم معارضين تونسيين؟ وهل تستند تصريحاته إلى معطيات أمنية لم تُعلن للرأي العامّ، أم أنها جاءت في إطار خطاب سياسي عامّ؟

ويزداد هذا الجدل في ظلّ غياب إجابات واضحة، إذ يفتح الباب أمام تأويلات متعدّدة، خصوصاً في سياق تونسي داخلي تصف فيه السلطة خصومها السياسيين، في مناسبات عديدة، بالخونة والمتآمرين والإرهابيين. وفي بلد يقبع فيه سياسيون ومحامون وصحافيون ونشطاء في السجون في قضايا مرتبطة بما يسمّى “التآمر على أمن الدولة”، يصبح من المشروع التساؤل عمّا إذا كانت تصريحات تبون موجّهة حصراً إلى تهديد إرهابي خارجي، أم أنها قد تُفهم أيضاً بوصفها دعماً للرواية الرسمية التونسية في مواجهة خصوم الرئيس قيس سعيّد.

ويستند جزء من هذا التحفّظ أيضاً إلى الذاكرة الأمنية في تونس خلال العقد الماضي. فمنذ العام 2013 وما بعده، ما تزال أصوات عديدة منها معارِضة اليوم، تعتبر أن التهديد الإرهابي الذي واجهته البلاد كان يتسلّل أساساً عبر الحدود الغربية مع الجزائر، لا سيّما في المناطق الجبلية المحاذية لسلسلة الشعانبي والسمامة، حيث تنشط جماعات مسلّحة اتّخذت من الشريط الحدودي ملاذاً لها.

 ورغم التعاون الأمني الوثيق بين تونس والجزائر في مكافحة الإرهاب، ظلّ هذا التصوّر حاضراً لدى بعض الأوساط السياسية، التي ترى أن الخطر لم يكن قادماً من الشرق أو من قوى إقليمية بعيدة، بل من الحدود الغربية. 

ومن هذا المنطلق، اعتبر بعض منتقدي تصريحات تبون أن الحديث عن حماية تونس من الإرهاب يثير مفارقة، بالنظر إلى أن جزءاً من التهديد الذي عاشته البلاد خلال تلك الفترة ارتبط، في نظرهم، بالجبهة الغربية

وتكتسب تونس أهمّية إضافية في الحسابات الجزائرية بالنظر إلى التوتّر المستمرّ مع المغرب، الذي جعل الجزائر أكثر حساسية تجاه أيّ إعادة تشكيل لموازين القوى في الفضاء المغاربي.

فمع تنامي العلاقات السياسية والاقتصادية بين الإمارات والمغرب خلال السنوات الأخيرة، تنظر الجزائر إلى الحفاظ على شراكتها الوثيقة مع تونس باعتبارها وسيلة لضمان توازن إقليمي يمنع اختلال موازين النفوذ في غرب شمال أفريقيا. ومن هذا المنظور، لا يقتصر الاهتمام الجزائري بتونس على حماية حدودها أو دعم استقرارها، بل يمتدّ إلى المحافظة على موقعها داخل معادلة إقليمية تتشابك فيها اعتبارات الأمن والجغرافيا والسياسة…

في المقابل، لا تزال تونس تحتفظ بأهمّية خاصّة بالنسبة إلى الإمارات، وإن تراجع حضورها مقارنة بالسنوات الأولى التي أعقبت “الربيع العربي”. وتعود هذه الأهمّية، أولاً، إلى موقعها الجغرافي، إذ تطلّ على وسط البحر المتوسّط وتقع بين الجزائر وليبيا، ما يجعلها نقطة ارتكاز في شمال أفريقيا. كما كانت تونس منذ العام 2011، إحدى ساحات التنافس الإقليمي بين دول الخليج، سواء عبر الدعم الاقتصادي أو العلاقات السياسية مع مختلف الفاعلين.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تحتفظ الإمارات بحضور استثماري في تونس، خاصّة في قطاعات العقارات والسياحة والتمويل، وتؤكّد أبوظبي في خطابها الرسمي استمرار اهتمامها بتطوير العلاقات الاقتصادية والتنموية مع البلاد. غير أن هذا الاهتمام لم يعد بالحجم نفسه الذي كان عليه في السنوات الأولى بعد “الربيع العربي”، بل بات يندرج ضمن سياسة أوسع تقوم على الحفاظ على الاستقرار والعلاقات الثنائية.

ورغم ذلك، لا توجد مؤشّرات علنية على مواجهة مباشرة بين الجزائر والإمارات داخل تونس، لكن كل المؤشّرات تفيد بأن البلدين ينطلقان من رؤيتين مختلفتين لترتيب التوازنات في شمال أفريقيا. فالجزائر تسعى إلى إبقاء تونس ضمن مجالها الأمني والاستراتيجي، في حين تحرص الإمارات على الحفاظ على حضورها السياسي والاقتصادي ضمن شبكة علاقاتها الإقليمية.

ويبقى هذا التنافس مرشّحاً للاستمرار ما دامت أولويات الطرفين لم تتقارب، خاصّة مع تزايد أهمّية شمال أفريقيا والبحر الأحمر والساحل الأفريقي في معادلات الأمن والطاقة والاستثمار. 

حيث انتقل الخلاف من مستوى التباين الدبلوماسي إلى تنافس على رسم موازين القوى الإقليمية. وفي هذا المشهد، تبدو تونس والسودان أكثر من مجرّد ملفّين دبلوماسيين؛ إنهما عنوانان لتحوّل أوسع في طبيعة العلاقات بين الجزائر والإمارات، حيث باتت الجغرافيا السياسية أكثر من أيّ وقت مضى، العامل الحاسم في رسم مسار هذه العلاقة.