بدا الخبر نافراً.
بينما كانت حسابات قناة “الجزيرة” على مواقع التواصل الاجتماعي تغرق في الأخبار التي تحمل، على عادتها، نفساً تحريرياً “مقاوماً”، والتقارير والفيديوهات التي تبدو في بعضها أقرب إلى إنتاجات “الإعلام الحربي”، بدا الخبر نافراً بشكل لافت…
في ذروة تبني القناة بشكل كامل دعم حركة “حماس” في غزة ولعبها دوراً هو أقرب الى الآلة الدعائية لها، مؤمنة تغطية مكثفة في قضية الطلاب المتظاهرين في الجامعات الأميركية، بدا الخبر الذي نشرته “الجزيرة” على جميع صفحاتها، يحمل تناقضات يصعب تجاوزها.
فالخبر لا يشبه في شيء المزاج العام للقناة، ويبدو كما لو أن المحرر يدلق سطل ماء بارد على القراء.
الخبر عبارة عن تعليمات رسمية صادرة عن السفارة القطرية في واشنطن إلى المواطنين القطريين القادمين إلى الولايات المتحدة، أو المقيمين فيها، تحذّرهم من الانخراط في أي نشاط سياسي أو تظاهري، وتدعوهم إلى التزام الحذر الكامل.
ليس هذا فقط، بل دعت السفارة المواطنين القطريين إلى عدم المشاركة في التجمّعات العامة أو الاحتجاجات، وتجنّب إعادة نشر أو التعليق على مواضيع سياسية على وسائل التواصل الاجتماعي، لا سيما تلك المتعلقة بالحرب في غزة. كما أوصتهم بالتعاون الكامل مع السلطات الأميركية، حتى إلى حد تسليم كلمات المرور لأجهزتهم الإلكترونية عند الطلب.
إقرأوا أيضاً:
ما الذي يحدث هنا؟
كيف يمكن لقناة “الجزيرة”، الذراع الإعلامية الأبرز لقطر، أن تظهر في دور المحرّض أو المشجّع على التظاهر للعرب في أميركا ضد اسرائيل وضد الانحياز الأميركي لها، بينما تحذّر سفارة الدولة نفسها مواطنيها من ذلك، وتنهيهم حتى عن التفاعل على مواقع التواصل؟
هذا التناقض يكشف عن نمط ثابت في السياسة القطرية يقوم على توظيف القضايا العادلة – كقضية فلسطين – في الخطاب الإعلامي والدعاية الدولية، مع الحرص على تفادي أي كلفة سياسية أو أمنية على المستوى الداخلي أو بين مواطنيها. فـ”الجزيرة” كانت ولا تزال رأس حربة في تسويق “ثورات الشعوب”، شرط ألا يكون الثائر قطرياً، وألا ينعكس أي من هذه القضايا على السياسة القطرية الداخلية.
وفي خلفية هذه الازدواجية، تقف قاعدة العيديد الجوية – أكبر قاعدة أميركية في الشرق الأوسط – كرمز للتحالف الاستراتيجي بين الدوحة وواشنطن. قطر لم تكتفِ بإيواء هذه القاعدة، التي تسيّر منها الولايات المتحدة عملياتها في الشرق الأوسط، بل ذهبت بعيداً حين أهدت الرئيس السابق دونالد ترامب طائرة خاصة، أثارت جدلاً واعتراضاً حتى من أقرب المقربين إلى ترامب، بسبب ما يعنيه قبول هدية تبلغ قيمتها 400 مليون دولار، وما تريده قطر في مقابلها.
فكيف تُسوّق قطر لنفسها كراعية لفلسطين، وهي شريكة واشنطن العسكرية والأمنية؟ كيف تدّعي الانحياز الى غزة، بينما لا تجرؤ على السماح بتظاهرة داخل أراضيها ضد إسرائيل أو دعماً للشعب الفلسطيني، بل وتمنع حتى المواطنين من المشاركة في تظاهرات خارج البلاد؟
هل سمعتم يوماً بتظاهرة داعمة لفلسطين أمام السفارة الأميركية في قطر؟ لا يمكن أن يحدث أمر مماثل طبعاً، لكن قطر عبر أذرعها الإعلامية تزايد على مصر لأنها لم تفتح الجبهة، وتفتح هواءها للمزايدين على لبنان لأن دولته استيقظت وتريد أن تجنّبه التورط في حروب ينتعش لها قلب “الجزيرة”، ويتسلى بها النظام القطري في لعبته الإقليمية.
في امتداد لهذا النهج، تُعدّ قطر الداعم الإقليمي الأكبر لجماعة الإخوان المسلمين، سواء من خلال التغطية الإعلامية المتعاطفة أو الدعم السياسي والمالي. ومن خلال “الجزيرة”، لطالما قدمت الجماعة بوصفها “حركة إصلاحية معتدلة”، متجاهلة ارتباطها بفروع عنيفة أو تورطها في نزاعات داخلية في بلدان عربية عدة.
هذا الميل يتّضح أكثر في التغطية القطرية لأحمد الشرع في سوريا – أحد وجوه التيار الإسلامي الذي أعيد تلميعه مؤخرًا. الشرع، الذي عاد الى الواجهة بعد سنوات، قُدّم بلهجة متسامحة في “الجزيرة”، وبعيداً عن أي انتقاد لمواقفه القديمة أو علاقاته بتنظيمات متطرفة، ولا لممارساته الحالية هو وجماعاته المسلحة في قمع الناس وتطبيق الشريعة وارتكاب المجازر بالأقليات، فيما كان بشار الأسد، عن حق، ينال ما يستحقه عبر “الجزيرة”، التي تتعامى عن التماهي بين الشرع وجلاده، وتبادلهما الأدوار.
هذا الانفصام يتكرّر منذ سنوات: من دعم حركات إسلامية في سوريا ومصر، إلى تقديم التسهيلات العسكرية للولايات المتحدة، إلى لعب دور الوسيط مع طالبان، وصولًا إلى الدعم المالي والسياسي لحماس من جهة، والتطبيع مع إسرائيل من جهة ثانية، في تناقضات يمكن أن تصيب من يحاول تتبّع خيوطها بالدوار.
ولا شكّ في أن قطر في هذا المجال متفوّقة في فن الديبلوماسية، وتمارسه، بخبث، كأداة لدفع كل خطر أو حتى كلام عن الداخل القطري، تطرد بالديبلوماسية كل القضايا التي يمكن أن تجرّها إلى الويلات بعيداً عنها، وتسوق لها في ملاعب الغير. وفي هذا ينطبق على قطر ما قاله يوماً ونستون تشرشل: “الدبلوماسية هي فن أن تطلب من الناس الذهاب إلى الجحيم بطريقة تجعلهم يطلبون منك الاتجاهات”!
إقرأوا أيضاً:












