ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الجسد العاري: المحظورات الأخلاقيّة في الفن السوري الانتقالي

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

تدور إجراءات منع “الموديل العاري” حول المظهر، فيما لا يزال الجسد السوري مهدّدًا في أماكن أخرى: مقتولًا أو معتقلًا أو محاصَرًا. الأجدر أن تُوجَّه القرارات لحمايته وهو حيّ، لا لمعاملته كعيب بصري.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“في اللحظة التي انتظرنا فيها انفتاحًا على الفن بعد سقوط نظام الأسد، جاء القرار أشبه بفتوى”.
هكذا علّقت لجين (اسم مستعار)، طالبة في قسم التصوير بكلية الفنون في جامعة دمشق، بعدما أصدرت عمادة الكلية قرارًا يمنع استخدام “الموديل العاري” في مشاريع التخرّج لأقسام النحت والتصوير والحفر. وينص القرار على معاقبة المخالف بعلامة “الصفر”، بذريعة “الثوابت الأخلاقية”.

يندرج هذا التوجّه ضمن سلسلة تعاميم أثارت استنكارًا واسعًا في الأوساط الفنية والأكاديمية أخيرًا، وسط مخاوف من أن تتحوّل أولويات السلطة الانتقالية إلى امتدادٍ لمزاجية تُضيّق فضاءات التعبير الحر.

وقد خلّف القرار ارتباكًا واسعًا عبّرت عنه لجين وعدد من الطلاب والفنانين؛ فهذا التسلل إلى قاعات الرسم يُشعر الطالب بأنه مراقَب من ثقبٍ خفي، ويجعل عمله محكومًا بما ترغب السلطة في عرضه للمجتمع.

الجسد العاري قيد الاتهام

أصدر الحراك الطلابي السوري بيانًا أعرب فيه عن استيائه من القرار، وطالب بالتراجع الفوري عنه وتقديم اعتذار علني باسم وزارة التعليم العالي وعمادة الكلية، تأكيدًا على استقلال الجامعة، وعلى أن العلاقة بين الطالب والأستاذ تقوم على الشراكة لا التهديد. كما أعلن تضامنه مع الوقفة الاحتجاجية السلمية التي دعا إليها طلاب الكلية رفضًا لأي مساس بالحرية الأكاديمية بوصفها مبدأً مؤسِّسًا في التعليم.

منذ تأسيس كلية الفنون الجميلة في دمشق عام 1960، كان التشريح الفني جزءًا ثابتًا من المنهاج، وتقليدًا عالميًا يرى في دراسة الجسد مدخلًا أساسيًا لفهم التكوين، إضافة إلى دراسة الضوء والظلال والانعكاسات الهندسية لجسم الإنسان.

مرّت أجيال من التشكيليين السوريين بتجربة “الموديل” في قاعات الدراسة، بوصفها أداةً لتدريب العين واليد على إدراك النِّسَب والحركة والكتلة؛ ممارسة لم تكن مجرد تقليد منقول، بل خبرة صنعت هويتها داخل الكلية، أشبه بتشريح بصري للجسد الحي، تمامًا كما يُستخدم الجسد في الطب لفهم البنية العضوية.

يقول أحد خريجي قسم التصميم الغرافيكي، عمل مُعيدًا في الكلية: “لم يُعامَل الجسد داخل القاعات بوصفه تعريًا بالمعنى الحرفي، بل كتحليل للكتلة والأبعاد. العمل الإبداعي لا ينبغي تقييده بشرطٍ أخلاقي مسبق، وإلا فقد معناه”.

تنص رسالة الكلية على “تنمية قدرة الطالب على التفكير والإبداع”، و”تطوير أدوات البحث الفني والعلمي”، و”التفاعل مع منتجات الثقافات الأخرى”، ما يجعل حرية الفن والتجريب ركنًا أساسيًا في العملية التعليمية. لكن القرار الأخير يفتح ثغرة في هذا الالتزام، إذ يحوّل الجسد العاري من مادة علمية وفنية قابلة للدراسة إلى “تهديد أخلاقي”، ويختزل المنتج الفني في معتقدات ذاتية، فيما تؤكد الكلية نفسها توسيع المدارك.

يؤكّد التشكيلي السوري أنس البريحي أن دراسة الجسد ركيزة لا غنى عنها في الفن التشكيلي: “الجسد ليس شكلاً بصريًا فحسب، بل حامل للروح والمعنى والتعبير. تحييد التشخيص والعُري أشبه ببتر أداة أساسية يحتاجها كل فنان”. والمفارقة تبدو أوضح حين يُنسب إلى عميد كلية الفنون الذي أصدر القرار، فؤاد دحدوح، توظيفٌ رمزي للجسد العاري في بعض أعماله الفنية؛ ما يجعل الحظر انقلابًا على ذاكرة أكاديمية شكّلت جزءًا من سجل الفن السوري.

وصايا الاحتشام وخطاب المنع

لطالما أثار تمثيل الجسد إشكالات في الرأي العام، تتباين باختلاف البيئات والخلفيات. ومع أن القرار اتخذ ما وصفه بـ”الثوابت الأخلاقية” معيارًا، فإنه تجاهل نسبيتها وتحوّلها داخل المجتمع السوري، ولا سيما في مجال حرّ كالفن؛ إذ لا يكفي المنطلق العقائدي لتشريع قرار يقيّد أداة تعلّم أساسية.

قد لا يكون واضحًا إن جاء الإجراء استجابةً لضغوط تيارات محافظة تُشكّل مكوّنًا رئيسيًا في الحكم الجديد لسوريا، لكن الواضح هو سعي السلطة، في المراحل الانتقالية، إلى إعادة هندسة المجتمع عبر التحكّم في جسده باعتباره صلة حسّاسة بين الفرد والمؤسسة. وقد سبقت القرار مضايقات متفرّقة لضبط حضور الجسد في المشهد العام: من منع ارتداء الشورت في أماكن عامة، إلى فرض “البوركيني” في منتجعات، والدعوة إلى الفصل بين الجنسين، وصولًا إلى لصاقات مجهولة المصدر تملي على النساء “شروط اللباس الشرعي”.

في مجال الفن وحرّية الإبداع، تتجسّد الرقابة بوصفها أداة سياسية قبل أي شيء آخر؛ فالسلطة، أيًا كان شكلها، تضيق بالفكر الحر لأنه يكشف هشاشة السيطرة ويكسر إيقاع الامتثال. قبل أن يكون الجسد موضوعًا فنيًا، هو مساحة مقاومة. وكل محاولة لتقييده هي بالضرورة تقييدٌ للوحة، وللفنان، وللمتلقي أيضًا. يقول طالب في قسم التصوير: “على العنصر الفني أن يمثّل الفكرة مهما بدت جريئة، لا أن يختبئ خلف القماش. من شروط الإبداع في الجامعة أن نشعر بالحرية”.

تدور إجراءات منع “الموديل العاري” حول المظهر، فيما لا يزال الجسد السوري مهدّدًا في أماكن أخرى: مقتولًا أو معتقلًا أو محاصَرًا. الأجدر أن تُوجَّه القرارات لحمايته وهو حيّ، لا لمعاملته كعيب بصري.

العري في السياق التاريخي

لم يكن الجسد في الثقافة السورية موضوعًا أخلاقيًا محضًا. فقد أرّخت آثار البلاد لتمثيلات جسدية وافرة، بلغت حدّ تجسيد الآلهة عُراة. وحتى في الحضارة الإسلامية، حضر الجسد رمزياً في الزخارف والتجريد.

يقول البريحي: “لم يكن الموديل العاري موجودًا سابقًا، وكان الطلاب يعتمدون قوالب الجبصين لفهم التشريح، لكن التشخيص ظلّ ركنًا أساسيًا. تراث سوريا من تدمر إلى أفاميا مليء بالمنحوتات والجداريات التي تجسّد الجسد. فهل ستُصبح هذه الآثار مهدَّدة أيضًا باسم الاحتشام؟ المطلوب تثقيف الطالب والمجتمع تجاه الجسد، وفصل الجمال الفني عن الفكر الإباحي، وفتح أقسام تُعنى بتراث فنوننا الإسلامية والمشرقية إلى جانب دراسة التشريح والفنون الكلاسيكية، لتوسيع الأفق لا تضييقه”.

تكشف “أولويات الجسد السوري” أن العُري في معناه الفني لا يُختزل في انكشاف الجلد، بل يتجسّد بوصفه سعيًا الى تجريد الذات والمجتمع ولمس ما نخشاه مواجهةً. وحين يُفرَّغ الفن من جسده، يفقد إحساسه بذاته ويغدو خطوطًا مطيعة، عاجزة عن مساءلة الواقع.

كيف نرسم الجسد السوري اليوم؟

لاحقت الرقابة—بوصفها إجراءً مؤسساتيًا—الوعي الجمعي وأعادته إلى حدود “المسموح” و”الممنوع”. في عهد الأسدين، كانت الرقابة الأمنية تفخّخ المكان وتُجبر الأفراد على السير في مسارات وهمية اتقاءً لغرف التحقيق. واليوم، تغيّرت وجهتها لتستقر على الجسد باعتباره “منطقة اشتباه”، والجسد نفسه دليل على ما لا تريد السياسة أن يُكشف.

لا يمكن فصل محاولة ضبط الأخلاق في فضاء الفن – عبر منع تجسيد الجسد العاري – عن هذا الإرث الذي يربط التعبير بالتهديد، ويتغذى من تقاليد ترى في الجسد محظوراتٍ أخلاقية.

وإذا كان توثيق انتهاكات الجسد السوري ضروريًا اليوم في ظل التوترات الأمنية المتنقلة، فهل ستُتاح تمثيلات تعترف علنًا بهذه المرحلة الانتقالية؟ هنا يُخشى أن تكون الرقابة الأخلاقية قناعًا سياسيًا يُغطي الدليل على ما قد يُكشف لاحقًا، ويسعى إلى “تطهير” المشاعر من أي شبهة شهوة قد تثيرها تفاصيل جسدٍ في لوحة أو منحوتة.

ابراهيم زرقه - طبيب وصحفي سوري | 07.03.2026

قرية “الصنوبر” في الساحل السوري: بعد عام من المجزرة  لا “شهداء” في المقبرة الجماعية!

لم يحصل فعلياً تأبين أو عزاء، نُشرت فقط صور على صفحات التواصل الاجتماعي للقبور. فبعدما تمّت تهيئة المقبرة ووضع الشواهد الرخامية، تبيّن أن بعضها يشير إلى أسماء عوائل كاملة وبعضها يحتوي على قسم من العوائل والقسم الآخر في حفرة أخرى، إضافة إلى وجود عدد من الجثث مجهولة الهويّة ولم يتعرّف عليها أحد حتى اللحظة.
25.08.2025
زمن القراءة: 5 minutes

تدور إجراءات منع “الموديل العاري” حول المظهر، فيما لا يزال الجسد السوري مهدّدًا في أماكن أخرى: مقتولًا أو معتقلًا أو محاصَرًا. الأجدر أن تُوجَّه القرارات لحمايته وهو حيّ، لا لمعاملته كعيب بصري.

“في اللحظة التي انتظرنا فيها انفتاحًا على الفن بعد سقوط نظام الأسد، جاء القرار أشبه بفتوى”.
هكذا علّقت لجين (اسم مستعار)، طالبة في قسم التصوير بكلية الفنون في جامعة دمشق، بعدما أصدرت عمادة الكلية قرارًا يمنع استخدام “الموديل العاري” في مشاريع التخرّج لأقسام النحت والتصوير والحفر. وينص القرار على معاقبة المخالف بعلامة “الصفر”، بذريعة “الثوابت الأخلاقية”.

يندرج هذا التوجّه ضمن سلسلة تعاميم أثارت استنكارًا واسعًا في الأوساط الفنية والأكاديمية أخيرًا، وسط مخاوف من أن تتحوّل أولويات السلطة الانتقالية إلى امتدادٍ لمزاجية تُضيّق فضاءات التعبير الحر.

وقد خلّف القرار ارتباكًا واسعًا عبّرت عنه لجين وعدد من الطلاب والفنانين؛ فهذا التسلل إلى قاعات الرسم يُشعر الطالب بأنه مراقَب من ثقبٍ خفي، ويجعل عمله محكومًا بما ترغب السلطة في عرضه للمجتمع.

الجسد العاري قيد الاتهام

أصدر الحراك الطلابي السوري بيانًا أعرب فيه عن استيائه من القرار، وطالب بالتراجع الفوري عنه وتقديم اعتذار علني باسم وزارة التعليم العالي وعمادة الكلية، تأكيدًا على استقلال الجامعة، وعلى أن العلاقة بين الطالب والأستاذ تقوم على الشراكة لا التهديد. كما أعلن تضامنه مع الوقفة الاحتجاجية السلمية التي دعا إليها طلاب الكلية رفضًا لأي مساس بالحرية الأكاديمية بوصفها مبدأً مؤسِّسًا في التعليم.

منذ تأسيس كلية الفنون الجميلة في دمشق عام 1960، كان التشريح الفني جزءًا ثابتًا من المنهاج، وتقليدًا عالميًا يرى في دراسة الجسد مدخلًا أساسيًا لفهم التكوين، إضافة إلى دراسة الضوء والظلال والانعكاسات الهندسية لجسم الإنسان.

مرّت أجيال من التشكيليين السوريين بتجربة “الموديل” في قاعات الدراسة، بوصفها أداةً لتدريب العين واليد على إدراك النِّسَب والحركة والكتلة؛ ممارسة لم تكن مجرد تقليد منقول، بل خبرة صنعت هويتها داخل الكلية، أشبه بتشريح بصري للجسد الحي، تمامًا كما يُستخدم الجسد في الطب لفهم البنية العضوية.

يقول أحد خريجي قسم التصميم الغرافيكي، عمل مُعيدًا في الكلية: “لم يُعامَل الجسد داخل القاعات بوصفه تعريًا بالمعنى الحرفي، بل كتحليل للكتلة والأبعاد. العمل الإبداعي لا ينبغي تقييده بشرطٍ أخلاقي مسبق، وإلا فقد معناه”.

تنص رسالة الكلية على “تنمية قدرة الطالب على التفكير والإبداع”، و”تطوير أدوات البحث الفني والعلمي”، و”التفاعل مع منتجات الثقافات الأخرى”، ما يجعل حرية الفن والتجريب ركنًا أساسيًا في العملية التعليمية. لكن القرار الأخير يفتح ثغرة في هذا الالتزام، إذ يحوّل الجسد العاري من مادة علمية وفنية قابلة للدراسة إلى “تهديد أخلاقي”، ويختزل المنتج الفني في معتقدات ذاتية، فيما تؤكد الكلية نفسها توسيع المدارك.

يؤكّد التشكيلي السوري أنس البريحي أن دراسة الجسد ركيزة لا غنى عنها في الفن التشكيلي: “الجسد ليس شكلاً بصريًا فحسب، بل حامل للروح والمعنى والتعبير. تحييد التشخيص والعُري أشبه ببتر أداة أساسية يحتاجها كل فنان”. والمفارقة تبدو أوضح حين يُنسب إلى عميد كلية الفنون الذي أصدر القرار، فؤاد دحدوح، توظيفٌ رمزي للجسد العاري في بعض أعماله الفنية؛ ما يجعل الحظر انقلابًا على ذاكرة أكاديمية شكّلت جزءًا من سجل الفن السوري.

وصايا الاحتشام وخطاب المنع

لطالما أثار تمثيل الجسد إشكالات في الرأي العام، تتباين باختلاف البيئات والخلفيات. ومع أن القرار اتخذ ما وصفه بـ”الثوابت الأخلاقية” معيارًا، فإنه تجاهل نسبيتها وتحوّلها داخل المجتمع السوري، ولا سيما في مجال حرّ كالفن؛ إذ لا يكفي المنطلق العقائدي لتشريع قرار يقيّد أداة تعلّم أساسية.

قد لا يكون واضحًا إن جاء الإجراء استجابةً لضغوط تيارات محافظة تُشكّل مكوّنًا رئيسيًا في الحكم الجديد لسوريا، لكن الواضح هو سعي السلطة، في المراحل الانتقالية، إلى إعادة هندسة المجتمع عبر التحكّم في جسده باعتباره صلة حسّاسة بين الفرد والمؤسسة. وقد سبقت القرار مضايقات متفرّقة لضبط حضور الجسد في المشهد العام: من منع ارتداء الشورت في أماكن عامة، إلى فرض “البوركيني” في منتجعات، والدعوة إلى الفصل بين الجنسين، وصولًا إلى لصاقات مجهولة المصدر تملي على النساء “شروط اللباس الشرعي”.

في مجال الفن وحرّية الإبداع، تتجسّد الرقابة بوصفها أداة سياسية قبل أي شيء آخر؛ فالسلطة، أيًا كان شكلها، تضيق بالفكر الحر لأنه يكشف هشاشة السيطرة ويكسر إيقاع الامتثال. قبل أن يكون الجسد موضوعًا فنيًا، هو مساحة مقاومة. وكل محاولة لتقييده هي بالضرورة تقييدٌ للوحة، وللفنان، وللمتلقي أيضًا. يقول طالب في قسم التصوير: “على العنصر الفني أن يمثّل الفكرة مهما بدت جريئة، لا أن يختبئ خلف القماش. من شروط الإبداع في الجامعة أن نشعر بالحرية”.

تدور إجراءات منع “الموديل العاري” حول المظهر، فيما لا يزال الجسد السوري مهدّدًا في أماكن أخرى: مقتولًا أو معتقلًا أو محاصَرًا. الأجدر أن تُوجَّه القرارات لحمايته وهو حيّ، لا لمعاملته كعيب بصري.

العري في السياق التاريخي

لم يكن الجسد في الثقافة السورية موضوعًا أخلاقيًا محضًا. فقد أرّخت آثار البلاد لتمثيلات جسدية وافرة، بلغت حدّ تجسيد الآلهة عُراة. وحتى في الحضارة الإسلامية، حضر الجسد رمزياً في الزخارف والتجريد.

يقول البريحي: “لم يكن الموديل العاري موجودًا سابقًا، وكان الطلاب يعتمدون قوالب الجبصين لفهم التشريح، لكن التشخيص ظلّ ركنًا أساسيًا. تراث سوريا من تدمر إلى أفاميا مليء بالمنحوتات والجداريات التي تجسّد الجسد. فهل ستُصبح هذه الآثار مهدَّدة أيضًا باسم الاحتشام؟ المطلوب تثقيف الطالب والمجتمع تجاه الجسد، وفصل الجمال الفني عن الفكر الإباحي، وفتح أقسام تُعنى بتراث فنوننا الإسلامية والمشرقية إلى جانب دراسة التشريح والفنون الكلاسيكية، لتوسيع الأفق لا تضييقه”.

تكشف “أولويات الجسد السوري” أن العُري في معناه الفني لا يُختزل في انكشاف الجلد، بل يتجسّد بوصفه سعيًا الى تجريد الذات والمجتمع ولمس ما نخشاه مواجهةً. وحين يُفرَّغ الفن من جسده، يفقد إحساسه بذاته ويغدو خطوطًا مطيعة، عاجزة عن مساءلة الواقع.

كيف نرسم الجسد السوري اليوم؟

لاحقت الرقابة—بوصفها إجراءً مؤسساتيًا—الوعي الجمعي وأعادته إلى حدود “المسموح” و”الممنوع”. في عهد الأسدين، كانت الرقابة الأمنية تفخّخ المكان وتُجبر الأفراد على السير في مسارات وهمية اتقاءً لغرف التحقيق. واليوم، تغيّرت وجهتها لتستقر على الجسد باعتباره “منطقة اشتباه”، والجسد نفسه دليل على ما لا تريد السياسة أن يُكشف.

لا يمكن فصل محاولة ضبط الأخلاق في فضاء الفن – عبر منع تجسيد الجسد العاري – عن هذا الإرث الذي يربط التعبير بالتهديد، ويتغذى من تقاليد ترى في الجسد محظوراتٍ أخلاقية.

وإذا كان توثيق انتهاكات الجسد السوري ضروريًا اليوم في ظل التوترات الأمنية المتنقلة، فهل ستُتاح تمثيلات تعترف علنًا بهذه المرحلة الانتقالية؟ هنا يُخشى أن تكون الرقابة الأخلاقية قناعًا سياسيًا يُغطي الدليل على ما قد يُكشف لاحقًا، ويسعى إلى “تطهير” المشاعر من أي شبهة شهوة قد تثيرها تفاصيل جسدٍ في لوحة أو منحوتة.