ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

“الجنجويدية” التي لا تعرف حدوداً!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الجملة المنسوبة إلى الإمام علي: “كلمة حقّ يُراد بها باطل” تحضر هنا. إن تجاهلنا تحالف الأمس القريب ضدّ حمدوك، وضدّ التحوّل نحو الديمقراطية، من غير عمر البشير أسّس لنفوذ “الجنجويد”؟ ورقّى قائدهم تاجر الجِمال شبه الأمّي إلى رتبة الفريق؟ من رعى جرائمهم من إبادة واغتصاب وتنكيل بحقّ مئات الآلاف من سكّان دارفور؟ ألم يكن عمر البشير؟ 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

ليس الأكثر هولاً ما يجري على الأرض من بشاعات يصعب حتى سماعها، بل استغراب ما ارتُكب من فظاعات كأن نُبل السلوك طبع “الجنجويد”! وكأن غير ذلك منهم كان ممكناً، وهم “جنجويد” معروف تاريخهم، وإن غيّر اسمهم مؤسّسهم عمر البشير، أو ادّعى أحد قادتهم السابقين، علي كوشيب، أن تشابهاً في الأسماء هو سبب مثوله حالياً أمام محكمة العدل الدولية (حدث بالفعل، صدّق أو لا تصدّق!). 

لكنّ الجوانب التي يختلط فيها المضحك بالمبكي هنا كثيرة. قبل أربعة أعوام شارك “الجنجويد” الجيش في الإنقلاب على حكومة حمدوك كما هو معروف، قبل أن ينقلب المنقلبون على بعضهم بعضاً. وما هو طريف ادّعاء “قوّات الدعم السريع” أي “الجنجويد”، أنها في خروجها ضدّ الجيش تحارب “الإرهاب”، في إشارة إلى الإسلام السياسي وجماعة “الإخوان المسلمين” تحديداً، التي ارتبطت بعمر البشير، إنقلاباً ثم حكماً وقمعاً. 

الجملة المنسوبة إلى الإمام علي: “كلمة حقّ يُراد بها باطل” تحضر هنا. إن تجاهلنا تحالف الأمس القريب ضدّ حمدوك، وضدّ التحوّل نحو الديمقراطية، من غير عمر البشير أسّس لنفوذ “الجنجويد”؟ ورقّى قائدهم تاجر الجِمال شبه الأمّي إلى رتبة الفريق؟ من رعى جرائمهم من إبادة واغتصاب وتنكيل بحقّ مئات الآلاف من سكّان دارفور؟ ألم يكن عمر البشير؟ 

ثم هناك رهان دول على “الجنجويد” كخيار سياسي حقيقي قابل للاستدامة، تماماً كرهان سابق على حكم بشّار الأسد في سوريا، والاستثمار في “إعادة تأهيله”، وكأنما كان من الممكن بعد كلّ ما شهدته سوريا من فظاعات، وصولاً إلى اقتصاد قائم على تجارة الحبوب المخدّرة أن يستمر نظام كهذا؟ أو لجماعة لها تاريخ “الجنجويد” أن يُتوقع منها سلوك مختلف وأن يُقبل بها دولياً؟ 

لكن قُصر النظر هذا لا ينفرد به طرف دون غيره، فهناك إصرار من قوى أخرى على دعم الإسلام السياسي، مهما ارتكب من أخطاء فادحة. صحيح، الأخلاق والسياسة عادة نقيضان، لكنّ الظلم الفادح في زمن يستحيل فيه إخفاء ما يجري، لا بدّ من تسديد ثمنه عاجلاً أو آجلاً، والأخطاء السياسية الكارثية، على طريقة الإسلاميين المتكرّرة، لا بدّ لها أيضاً من فاتورة تُسدّد. لكن في ركننا التعيس من العالم، كالمرايا وما تعكس، أو كوجهي العملة، تتشابه النقائض ويتوحّد المتنافرون في مناهج تفكيرهم، وإن تضادّت توجّهاتهم. 

منذ استقلاله في خمسينيات القرن الماضي، عرف السودان خمسة انقلابات ناجحة، عدا أكثر من عشرة أخرى فاشلة، فمن تسعة وستين عاماً هي عمر السودان المستقلّ، لم يفلت من حكم العسكر سوى اثنتي عشرة سنة. الأصل إذاً كان عسكرة السلطة، أما على صعيد العقائد السياسية، فقد صاحب تفرّد الحذاء العسكري بكرسي الحكم، تزاوج مع  الإيديولوجيات التي لوّنت الثقافة السياسية  التي وصلت بمنطقتنا إلى حيث هي اليوم. 

الانقلاب الذي قاده جعفر النميري وأسّس لعقد ونصف من حكمه، تسمّى القائمون به باسم “الضبّاط الأحرار”، في تمثّل للتجربة المصرية الناصرية (انقلاب النميري تلا كارثة حزيران/ يونيو 1967 بعامين). إحدى محاولات الانقلاب الفاشلة على النميري، قادها شيوعيون (1975)، وآخرها ضدّ البشير كان وراءه بعثيون (1992). أما النميري، الذي بدء باستلهام جمال عبد الناصر المهزوم، فانتهى باتّباع نموذج ” الرئيس المؤمن” السادات، بل والذهاب أبعد منه، إذ أطلق الإسلاميين من سجونه إلى مناصب رئيسية في نظامه، وكان على رأس هؤلاء حسن الترابي، الذي عيّنه مدّعياً عامّاً، ولعب دوراً أساساً في انعطاف النميري نحو الإسلام السياسي.

 ثم شرع  النميري في تطبيق الشريعة في عام 1983، في بلد متعدّد الديانات، ممّا أعاد تفجير الحرب الأهلية في جنوب البلاد ذي الغالبية غير المسلمة (وهذا قبل أن ينفصل الجنوب).

 ثم أطيح بالنميري نفسه في انقلاب العام 1985 على يد الفريق سوار الذهب، الذي، في استثناء نادر، سلّم السلطة لحكومة مدنية منتخبة، ثم في عام 1989، عاد الانقلاب العسكري مرّة أخرى حاكماً ومسيطراً، بتحالف بين جماعة “الإخوان المسلمين” وحليف النميري السابق: حسن الترابي (عادةً، وكما يخبرنا التاريخ، أتباع حسن البنا ضدّ الانقلابات العسكرية إن عادتهم، ومعها إن حملتهم إلى السلطة). 

من العدل إلقاء الكثير من اللوم على عمر البشير ومن معه، لكنّ في ذلك أقلّ من نصف الحقيقة. تُرى أكانت الأمور لتكون أفضل لو نجح الشيوعيون أو البعثيون في الإستيلاء على السلطة؟ ربما يردّ أحدهم، على الأقلّ الشيوعي لم يكن ليقبل بعنصرية “الجنجويد”، التي تكرّر مذابح رواندا ببشاعتها وإجرامها، لكنّ شمولية الحكم اللينيني- الماركسي وقمعيته أشهر من أن يُشار إليها، أما “البعث”، فبحكم تاريخ أتباعه الأسود في العراق وسوريا، ليس لنا إلا أن نفترض أن “عروبته” لو تمكّنت من الحكم في الخرطوم، كانت ستنافس “إسلامية” البشير و”الكيزان” (كما يُعرف أتباع حسن البنا في السودان) في الوحشية، لكن مع فارق أساس، أن إجرام “البعث” لا يلطّخ الإسلام، أما مذابح أتباع البنا، كما كلّ ما يفعله الإسلام السياسي، فهي تُرتكب باسم هذا الدين. 

لكنّ قوّة الإسلام السياسي في السودان  كما في غيره، أتى جزء أساس منها من خارج هذه الإيديولوجية، النميري هو من طبّق الشريعة. في مصر لم يفعل السادات ذلك، لكنّ تحالفه مع الإسلاميين ضدّ غيرهم معروف، ومن ثم تمدّد الإسلام السياسي في مصر في عهده ثم بعده (مروراً باغتياله على يد أتباع لهذا التيّار). 

في العراق ادّعى جزّار بغداد البعثي صدّام حسين الصلاح والتقوى، وتبرّع بدمه لكتابة نسخة من القرآن به، وينعاه أتباع الإسلام السياسي السُنّي إلى اليوم.  في هذه النماذج وغيرها عبر بلادنا مثّل الإسلام ركناً أساساً لادّعاء الشرعية،  فعدا أنظمة ذات جذور قومية يُفترض أنها غير دينية، هناك أسر حاكمة تدّعي نسباً نبوياً، وفي أخرى الأصول مرتبطة بحركة إصلاح ديني، وفي أخرى جديدة، النظام امتداد مباشر لحركات جهادية عنيفة، لكنّ السودان وحده شهد تحالف اللحية والخوذة.

 وحدة العسكريين مع الإسلاميين، نموذج لا أستغرب تكراره فيما هو آتٍ في بلاد أخرى، ففي جلّ بلادنا ومجتمعاتنا، لا توجّه يُذكر نحو فصل حقيقي للدين عن الدولة أو عن الفضاء العامّ، ولا ينفصل ذلك عن سيادة نظم تعليم تُقصي الاختلاف، تقتل التفكير النقدي وتُهمّش، إن لم تُحقّر، نزعة التساؤل والشكّ التي منها يخرج كلّ فكر حرّ. 

العقل المدجّن، المهووس باليقين، الذي يخشى الخلاف والاختلاف، المرعوب من فكر غيره، الذي يجد فيه الإسلام السياسي تربته الخصبة، هو نفسه ما تركن إليه الأنظمة السلطوية. هل من المنطقي أن يربّي حاكم يرفض السؤال عمّا يفعل، ناهيك بالمساءلة، أن يربّي من تعوّدوا طرح الأسئلة؟  أليس بديهياً إذاً أن أنظمة عسكرية و سلطوية قومية- فاشية كتلك التي عرفتها منطقتنا، وفّرت تربة خصبة للإسلام السياسي، إما عبر توظيفه وإما عبر خلق بيئة ملائمة له، وإما كلاهما؟ 

علماً أن ما في السودان من عنصرية ضدّ أبناء الأصول الأفريقية تحت حكم ينتسب إلى الإسلام لا غرابة فيه في منطقتنا، في  دول وأنظمة ذكرناها، أُبيد كرد لأنهم غير عرب، واضُطهد شيعة لأنهم مشكوك في “عروبتهم” (وحين تمكّن هؤلاء أعادوا الكرّة باضطهاد السنّة وتهميشم تحت حكم الإسلام السياسي الشيعي)، وحين وصل إلى السلطة الإسلام السياسي السنّي في سوريا، رأينا ما جرى مع العلويين والدروز  والمسيحيين (بمباركة شعبية لا تُنكر، مع الأسف، إن صدّقنا صفحات التواصل الإجتماعي).

 وإن استغربت أن ما جرى في السودان، كان لمسلمين سنّة على يد مسلمين سنّة وباسم نظام “إسلامي”، فتذكّر أنه إذا كان لأنظمة قومية أن تبيح دم الناس باسم الخيانة، أو عدم “نقاء” الدم والعرق، فالتكفير سلاح حاضر عند الإسلاميين دوماً، من ثم ما جرى من قتال بين فصائل وتيّارات مختلفة من الإسلام السياسي خلال الحرب الأهلية السورية (وهو ما قد يتكرّر). نظام البشير لم ينقصه من كفّر مخالفيه وصولاً لاستحلال سفك الدماء، و”الجنجويد” أبناء البشير بامتياز، اعترفوا بذلك أو تنكّروا له. 

يجمع صور الفاشية الرثّة هذه، استخفاف بالفرد وحياته، وعجز عن بناء مشروع وطني جامع، ومن ثم عن بناء المواطنة، في الحالة السودانية انتهى هذا بانفصال جنوب البلاد، حدث ربما، مع الأسف، قد لا يكون الأخير من نوعه، بينما في حالات أخرى تبقى احتمالات التشظّي والتقسيم قائمة بقوّة كما نرى في سوريا والعراق، أما في ليبيا فالبلاد منقسمة اليوم فعلياً إلى شرق وغرب. 

من المضحك المبكي أن هذا هو الواقع، بينما يواصل بعضنا الحديث عن “تجزيء المجزّأ وتقسيم المقسّم” وشرور سايكس- بيكو. ربما لو قبلنا منذ زمن أننا مختلفون مجزّأون بالفعل يسعون للتعايش معاً، رغم التباين، لكانت حالنا أفضل، لكن أنّى لنا ذلك ونحن ما زلنا ضحايا فاشيات وعصبيات تحول دون قبول التعدّدية والاختلاف؟ 

مأساة السودان لا تأتي منه وحده، كما لا تتوقّف آثارها عنده. من جهة  إجرام “الجنجويد” شديد الفجور لا يدع لنا مجالاً لننساه، من جهة أخرى، إعادة إنتاج الحكم العسكري، بضبّاط عمر البشير أو غيرهم، ليس له إلا أن يجدّد المأساة. الواقع حالك السواد، أما بالنسبة إلى المستقبل، فلا داعي للتفاؤل بما هو آتٍ. 

24.11.2025
زمن القراءة: 6 minutes

الجملة المنسوبة إلى الإمام علي: “كلمة حقّ يُراد بها باطل” تحضر هنا. إن تجاهلنا تحالف الأمس القريب ضدّ حمدوك، وضدّ التحوّل نحو الديمقراطية، من غير عمر البشير أسّس لنفوذ “الجنجويد”؟ ورقّى قائدهم تاجر الجِمال شبه الأمّي إلى رتبة الفريق؟ من رعى جرائمهم من إبادة واغتصاب وتنكيل بحقّ مئات الآلاف من سكّان دارفور؟ ألم يكن عمر البشير؟ 

ليس الأكثر هولاً ما يجري على الأرض من بشاعات يصعب حتى سماعها، بل استغراب ما ارتُكب من فظاعات كأن نُبل السلوك طبع “الجنجويد”! وكأن غير ذلك منهم كان ممكناً، وهم “جنجويد” معروف تاريخهم، وإن غيّر اسمهم مؤسّسهم عمر البشير، أو ادّعى أحد قادتهم السابقين، علي كوشيب، أن تشابهاً في الأسماء هو سبب مثوله حالياً أمام محكمة العدل الدولية (حدث بالفعل، صدّق أو لا تصدّق!). 

لكنّ الجوانب التي يختلط فيها المضحك بالمبكي هنا كثيرة. قبل أربعة أعوام شارك “الجنجويد” الجيش في الإنقلاب على حكومة حمدوك كما هو معروف، قبل أن ينقلب المنقلبون على بعضهم بعضاً. وما هو طريف ادّعاء “قوّات الدعم السريع” أي “الجنجويد”، أنها في خروجها ضدّ الجيش تحارب “الإرهاب”، في إشارة إلى الإسلام السياسي وجماعة “الإخوان المسلمين” تحديداً، التي ارتبطت بعمر البشير، إنقلاباً ثم حكماً وقمعاً. 

الجملة المنسوبة إلى الإمام علي: “كلمة حقّ يُراد بها باطل” تحضر هنا. إن تجاهلنا تحالف الأمس القريب ضدّ حمدوك، وضدّ التحوّل نحو الديمقراطية، من غير عمر البشير أسّس لنفوذ “الجنجويد”؟ ورقّى قائدهم تاجر الجِمال شبه الأمّي إلى رتبة الفريق؟ من رعى جرائمهم من إبادة واغتصاب وتنكيل بحقّ مئات الآلاف من سكّان دارفور؟ ألم يكن عمر البشير؟ 

ثم هناك رهان دول على “الجنجويد” كخيار سياسي حقيقي قابل للاستدامة، تماماً كرهان سابق على حكم بشّار الأسد في سوريا، والاستثمار في “إعادة تأهيله”، وكأنما كان من الممكن بعد كلّ ما شهدته سوريا من فظاعات، وصولاً إلى اقتصاد قائم على تجارة الحبوب المخدّرة أن يستمر نظام كهذا؟ أو لجماعة لها تاريخ “الجنجويد” أن يُتوقع منها سلوك مختلف وأن يُقبل بها دولياً؟ 

لكن قُصر النظر هذا لا ينفرد به طرف دون غيره، فهناك إصرار من قوى أخرى على دعم الإسلام السياسي، مهما ارتكب من أخطاء فادحة. صحيح، الأخلاق والسياسة عادة نقيضان، لكنّ الظلم الفادح في زمن يستحيل فيه إخفاء ما يجري، لا بدّ من تسديد ثمنه عاجلاً أو آجلاً، والأخطاء السياسية الكارثية، على طريقة الإسلاميين المتكرّرة، لا بدّ لها أيضاً من فاتورة تُسدّد. لكن في ركننا التعيس من العالم، كالمرايا وما تعكس، أو كوجهي العملة، تتشابه النقائض ويتوحّد المتنافرون في مناهج تفكيرهم، وإن تضادّت توجّهاتهم. 

منذ استقلاله في خمسينيات القرن الماضي، عرف السودان خمسة انقلابات ناجحة، عدا أكثر من عشرة أخرى فاشلة، فمن تسعة وستين عاماً هي عمر السودان المستقلّ، لم يفلت من حكم العسكر سوى اثنتي عشرة سنة. الأصل إذاً كان عسكرة السلطة، أما على صعيد العقائد السياسية، فقد صاحب تفرّد الحذاء العسكري بكرسي الحكم، تزاوج مع  الإيديولوجيات التي لوّنت الثقافة السياسية  التي وصلت بمنطقتنا إلى حيث هي اليوم. 

الانقلاب الذي قاده جعفر النميري وأسّس لعقد ونصف من حكمه، تسمّى القائمون به باسم “الضبّاط الأحرار”، في تمثّل للتجربة المصرية الناصرية (انقلاب النميري تلا كارثة حزيران/ يونيو 1967 بعامين). إحدى محاولات الانقلاب الفاشلة على النميري، قادها شيوعيون (1975)، وآخرها ضدّ البشير كان وراءه بعثيون (1992). أما النميري، الذي بدء باستلهام جمال عبد الناصر المهزوم، فانتهى باتّباع نموذج ” الرئيس المؤمن” السادات، بل والذهاب أبعد منه، إذ أطلق الإسلاميين من سجونه إلى مناصب رئيسية في نظامه، وكان على رأس هؤلاء حسن الترابي، الذي عيّنه مدّعياً عامّاً، ولعب دوراً أساساً في انعطاف النميري نحو الإسلام السياسي.

 ثم شرع  النميري في تطبيق الشريعة في عام 1983، في بلد متعدّد الديانات، ممّا أعاد تفجير الحرب الأهلية في جنوب البلاد ذي الغالبية غير المسلمة (وهذا قبل أن ينفصل الجنوب).

 ثم أطيح بالنميري نفسه في انقلاب العام 1985 على يد الفريق سوار الذهب، الذي، في استثناء نادر، سلّم السلطة لحكومة مدنية منتخبة، ثم في عام 1989، عاد الانقلاب العسكري مرّة أخرى حاكماً ومسيطراً، بتحالف بين جماعة “الإخوان المسلمين” وحليف النميري السابق: حسن الترابي (عادةً، وكما يخبرنا التاريخ، أتباع حسن البنا ضدّ الانقلابات العسكرية إن عادتهم، ومعها إن حملتهم إلى السلطة). 

من العدل إلقاء الكثير من اللوم على عمر البشير ومن معه، لكنّ في ذلك أقلّ من نصف الحقيقة. تُرى أكانت الأمور لتكون أفضل لو نجح الشيوعيون أو البعثيون في الإستيلاء على السلطة؟ ربما يردّ أحدهم، على الأقلّ الشيوعي لم يكن ليقبل بعنصرية “الجنجويد”، التي تكرّر مذابح رواندا ببشاعتها وإجرامها، لكنّ شمولية الحكم اللينيني- الماركسي وقمعيته أشهر من أن يُشار إليها، أما “البعث”، فبحكم تاريخ أتباعه الأسود في العراق وسوريا، ليس لنا إلا أن نفترض أن “عروبته” لو تمكّنت من الحكم في الخرطوم، كانت ستنافس “إسلامية” البشير و”الكيزان” (كما يُعرف أتباع حسن البنا في السودان) في الوحشية، لكن مع فارق أساس، أن إجرام “البعث” لا يلطّخ الإسلام، أما مذابح أتباع البنا، كما كلّ ما يفعله الإسلام السياسي، فهي تُرتكب باسم هذا الدين. 

لكنّ قوّة الإسلام السياسي في السودان  كما في غيره، أتى جزء أساس منها من خارج هذه الإيديولوجية، النميري هو من طبّق الشريعة. في مصر لم يفعل السادات ذلك، لكنّ تحالفه مع الإسلاميين ضدّ غيرهم معروف، ومن ثم تمدّد الإسلام السياسي في مصر في عهده ثم بعده (مروراً باغتياله على يد أتباع لهذا التيّار). 

في العراق ادّعى جزّار بغداد البعثي صدّام حسين الصلاح والتقوى، وتبرّع بدمه لكتابة نسخة من القرآن به، وينعاه أتباع الإسلام السياسي السُنّي إلى اليوم.  في هذه النماذج وغيرها عبر بلادنا مثّل الإسلام ركناً أساساً لادّعاء الشرعية،  فعدا أنظمة ذات جذور قومية يُفترض أنها غير دينية، هناك أسر حاكمة تدّعي نسباً نبوياً، وفي أخرى الأصول مرتبطة بحركة إصلاح ديني، وفي أخرى جديدة، النظام امتداد مباشر لحركات جهادية عنيفة، لكنّ السودان وحده شهد تحالف اللحية والخوذة.

 وحدة العسكريين مع الإسلاميين، نموذج لا أستغرب تكراره فيما هو آتٍ في بلاد أخرى، ففي جلّ بلادنا ومجتمعاتنا، لا توجّه يُذكر نحو فصل حقيقي للدين عن الدولة أو عن الفضاء العامّ، ولا ينفصل ذلك عن سيادة نظم تعليم تُقصي الاختلاف، تقتل التفكير النقدي وتُهمّش، إن لم تُحقّر، نزعة التساؤل والشكّ التي منها يخرج كلّ فكر حرّ. 

العقل المدجّن، المهووس باليقين، الذي يخشى الخلاف والاختلاف، المرعوب من فكر غيره، الذي يجد فيه الإسلام السياسي تربته الخصبة، هو نفسه ما تركن إليه الأنظمة السلطوية. هل من المنطقي أن يربّي حاكم يرفض السؤال عمّا يفعل، ناهيك بالمساءلة، أن يربّي من تعوّدوا طرح الأسئلة؟  أليس بديهياً إذاً أن أنظمة عسكرية و سلطوية قومية- فاشية كتلك التي عرفتها منطقتنا، وفّرت تربة خصبة للإسلام السياسي، إما عبر توظيفه وإما عبر خلق بيئة ملائمة له، وإما كلاهما؟ 

علماً أن ما في السودان من عنصرية ضدّ أبناء الأصول الأفريقية تحت حكم ينتسب إلى الإسلام لا غرابة فيه في منطقتنا، في  دول وأنظمة ذكرناها، أُبيد كرد لأنهم غير عرب، واضُطهد شيعة لأنهم مشكوك في “عروبتهم” (وحين تمكّن هؤلاء أعادوا الكرّة باضطهاد السنّة وتهميشم تحت حكم الإسلام السياسي الشيعي)، وحين وصل إلى السلطة الإسلام السياسي السنّي في سوريا، رأينا ما جرى مع العلويين والدروز  والمسيحيين (بمباركة شعبية لا تُنكر، مع الأسف، إن صدّقنا صفحات التواصل الإجتماعي).

 وإن استغربت أن ما جرى في السودان، كان لمسلمين سنّة على يد مسلمين سنّة وباسم نظام “إسلامي”، فتذكّر أنه إذا كان لأنظمة قومية أن تبيح دم الناس باسم الخيانة، أو عدم “نقاء” الدم والعرق، فالتكفير سلاح حاضر عند الإسلاميين دوماً، من ثم ما جرى من قتال بين فصائل وتيّارات مختلفة من الإسلام السياسي خلال الحرب الأهلية السورية (وهو ما قد يتكرّر). نظام البشير لم ينقصه من كفّر مخالفيه وصولاً لاستحلال سفك الدماء، و”الجنجويد” أبناء البشير بامتياز، اعترفوا بذلك أو تنكّروا له. 

يجمع صور الفاشية الرثّة هذه، استخفاف بالفرد وحياته، وعجز عن بناء مشروع وطني جامع، ومن ثم عن بناء المواطنة، في الحالة السودانية انتهى هذا بانفصال جنوب البلاد، حدث ربما، مع الأسف، قد لا يكون الأخير من نوعه، بينما في حالات أخرى تبقى احتمالات التشظّي والتقسيم قائمة بقوّة كما نرى في سوريا والعراق، أما في ليبيا فالبلاد منقسمة اليوم فعلياً إلى شرق وغرب. 

من المضحك المبكي أن هذا هو الواقع، بينما يواصل بعضنا الحديث عن “تجزيء المجزّأ وتقسيم المقسّم” وشرور سايكس- بيكو. ربما لو قبلنا منذ زمن أننا مختلفون مجزّأون بالفعل يسعون للتعايش معاً، رغم التباين، لكانت حالنا أفضل، لكن أنّى لنا ذلك ونحن ما زلنا ضحايا فاشيات وعصبيات تحول دون قبول التعدّدية والاختلاف؟ 

مأساة السودان لا تأتي منه وحده، كما لا تتوقّف آثارها عنده. من جهة  إجرام “الجنجويد” شديد الفجور لا يدع لنا مجالاً لننساه، من جهة أخرى، إعادة إنتاج الحكم العسكري، بضبّاط عمر البشير أو غيرهم، ليس له إلا أن يجدّد المأساة. الواقع حالك السواد، أما بالنسبة إلى المستقبل، فلا داعي للتفاؤل بما هو آتٍ.