في عالم تهيمن عليه الصور النمطية، وتُفرض فيه على الفتاة والمرأة معايير صارمة لتحديد الهوّية والتعبير عن الذات، لا يشكّل الجندر أحد مكوّنات الوجود الإنساني، بل يُعاد إنتاجه كمنظومة اجتماعية ضاغطة، تشكّل طريقة تعاملها مع جسدها الذي تحوّل إلى مصدر ضغط نفسي عميق وبالغ التأثير.
كما تشير جوديث بتلر في كتابها “إشكالية الجندر”، فإن الجندر ليس جوهراً ثابتاً بل هو أداء متكرّر: “الجندر هو أداء متكرّر لأفعال وسلوكيات وأقوال، تشكّل الانطباع بوجود جوهر جندري، لكنّه في الحقيقة نتيجة، لا سبب”.
فحين تقف المرأة أمام المرآة لرؤية جسدها لا تنظر إليه كما هو، بل كما تراه عدسة المجتمعات التي تعلّمها مراقبة عضلاته ووزنه وانحناءاته ولونه، وقياسها بمعايير الجندر،فتطلب منها أن تتطابق قسراً مع تصنيفات وقوالب جاهزة، لا تعترف بملكيّتها لجسدها الذي ينقلب إلى ساحة للإخضاع يتنازع فيها المجتمع والعائلة والإعلام والتقاليد، بهدف تطويعه ليشبه ما يُفترض أن تكون عليه “الأنثى”.
وكما عبّرت سيمون دي بوفوار في كتابها “الجنس الآخر”: “لا تولد المرأة امرأة، بل تُصبح كذلك” – في إشارة إلى أن الأنوثة ليست مصيراً بيولوجياً بل نتاج اجتماعي وثقافي مفروض.
من هنا، تنشأ بين الفتاة والمرأة وجسدها علاقة متوتّرة غير سوّية، يُغذّيها الشعور بعدم الانسجام بين هوّيتها الحقيقية وما يُتوقّع منها. وهذا يؤدّي في كثير من الأحيان إلى صراعات داخلية مؤلمة تأخذ شكل اضطرابات نفسية مثل القلق، والاكتئاب، أو حتى النفور من الجسد.
التنشئة الجندرية وإعادة إنتاج الخضوع
تُحدّد المجتمعات دور الفتاة والمرأة من خلال توقّعات ثابتة تُزرع فيها باكراً جدّاً قبل أن تُدرك معنى الهوّية، عبر التربية والتعليم والإعلام والمؤسّسات الدينية والاجتماعية، فتُمنح الفتاة دمية، ويُطلب منها أن تكون “جميلة” و”رقيقة” و”مؤدّبة” و”خاضعة”، ومهتمّة بمظهرها بما يُرضي “ذوق المجتمع”.
وهذه ليست تعليمات سلوكية عابرة، بل تمهيد لتصوّرات جندرية ستلازمها طوال عمرها، وتكرّس لديها الشعور بأن قيمتها مرتبطة ومشروطة بمدى تطابق مظهرها مع السردية التي رُسمت لها، وتُدان في حال عدم امتثال جسدها لمواصفات “الجمال” السائدة، أي “رشيق وناعم وأنثوي ونحيل”، وغيرها من القوالب التي يُقابل أي خروج عنها بالعقاب والتنمّر والإقصاء والعنف في كثير من الأحيان، وفي هذا السياق، تضيء لوس إيريغاراي على الطابع الذكوري للخطاب الثقافي حين تقول: “المرأة تُعرَّف دوماً من خلال ما تفتقر إليه، لا من خلال ما هي عليه”.
لذلك، يتعرّض جسدها إلى مراقبة دائمة وانتقاد قاسٍ، بينما تُلام وتُتهم بـ”الإغواء” أو “الفتنة”. هكذا، يتحوّل الجندر إلى سلطة تُمارس على جسدها وتضبط حركته، شكله وتعبيراته.
صورة الجسد كمصدر دائم للقلق
تؤسّس هذه المنظومة لصراعات داخلية دائمة تعيشها الفتيات والنساء، خصوصاً حين يُطلب منهن التماهي مع صورة “مثالية” مفروضة قد لا تتحقّق إلا بالحرمان أو الألم.
وتتكفّل الإعلانات والمسلسلات ووسائل التواصل الاجتماعي بهذه المهمّة، فتعرض باستمرار أجساداً يعتبرها المجتمع “مثالية”، على أنها المعيار الوحيد للنجاح والحبّ. هذه الصور النمطية المرتبطة بـ”الجمال” تسحب من الجندر وظيفته البيولوجية أو الاجتماعية، ليصبح بنية ضاغطة على الفتيات والنساء، وما إن تُفرض هذه القوالب، حتى تبدأ تأثيراتها بالظهور على الصحّة النفسية، فتتجسّد في اضطراباتٍ نفسية وسلوكية معقّدة.
فهي تُنتج مشاعر قلق مزمن من صورة الجسد، تتجلّى في الشعور بالحزن العميق، والانسحاب الاجتماعي، وفقدان الحماسة، والنقص وعدم الرضا، وانعدام تقدير الذات، والشعور بالدونية، والاكتئاب و”اضطراب القلق”.
وكما توضح الباحثة النسوية سوزان بوردو: “تتعلّم النساء أن يراقبن أجسادهن كما لو كنّ خارجها، في عملية مراقبة ذاتية تجعل السيطرة الاجتماعية فعّالة من دون وجود سلطة مباشرة”.
وتُلقّن الفتاة باكراً أن النحافة هي مفتاح القبول من العائلة والمجتمع، فتبدأ معاناة الكثيرات مع صورة الجسد، ويتعرّضن بشكل متزايد إلى الإصابة بـ”اضطراب تشوّه صورة الجسد”، وهو اضطراب نفسي تركّز المصابات به على “عيوب” طفيفة لا يراها الآخرون أو غير موجودة أساساً في مظهرهن.
يكشف هذا الاضطراب عمق الفجوة بين انعكاس صورة المرأة الحقيقية في المرآة، وما تشعر أن جسدها “يجب” أن يكون عليه، فتمارس سلوكيات قهرية بحقّه، وقد تلجأ إلى إجراء عمليات تجميلٍ كثيرة. هذا الهوس بتحقيق تصوّر المجتمع ومطابقته قد يُصيب المرأة أيضاً باضطرابات الأكل مثل “اضطراب فقدان الشهية العصبي”، و”اضطراب الشره العصبي”، وهما حالتان نفسيتان لا تعكسان مجرّد خلل في عادات الأكل، بل تُعبّران عن الحاجة إلى السيطرة على الجسد والرغبة في التوافق مع المعايير الخارجية عبر إخضاعه، في صدام مستمر ومؤلم بين الذات وما يُنتظر منها.
التعافي الجندري والنفسي
في مجتمعاتنا التي تضع معايير وتعريفات محدّدة لـ”الأنوثة”، يصبح التعافي من الآثار والاضطرابات النفسية الناتجة عن توقّعات المجتمع من الفتيات والنساء، فعل مقاومة، فهو استرداد للحقّ في التعريف الذاتي، وفي أن تكون أجسادهن مساحة آمنة وليس ساحة معركة.
لكن لا يمكن التعامل مع هذه الآثار النفسية باعتبارها مشكلات فردية معزولة، أو مجرّد “اضطرابات” تحتاج إلى تقويم، فهي نتيجة مباشرة لبنية اجتماعية وثقافية تُحمِّل الفتيات والنساء أعباء تتجاوز أجسادهن، لتمسّ إحساسهن بالذات والجدارة والانتماء، كما تذكر بتلر: “حين تُفكّك الأنظمة التي تُعرّفنا، يمكن أن نبدأ بإعادة بناء أنفسنا خارج سجون التوقّعات”.
فالتعافي الجندري والنفسي لا يعني تخطّي الألم أو الاضطرابات فقط، بل تحرير الجسد والهوّية من سلطة التوقّعات المفروضة، لذا، لا يكفي العلاج النفسي العادي لأنه قد يعيد إنتاج الأحكام نفسها التي ساهمت في مشاعر الألم النفسي.
وهنا، تبرز الحاجة إلى علاجٍ حسّاس للجندر، قادر على تفكيك المفاهيم السلطوية التي تُقيّد الفتيات والنساء، وينطلق من فهم بنية هذا القمع، ويأخذ في الاعتبار تأثير التمييز الجندري أو التوتّرات المرتبطة بالهوّية.
كما يعتمد مقاربة تعترف أن الجندر ليس فقط هوّية، بل تجربة نفسية واجتماعية متكاملة تؤثّر على ذواتنا بعمق، ويُعيد تعريف الجمال كتنوّع وليس كقوام محدّد “مثالي”، والكفاءة كقيمة داخلية والهوّية كخيار حرّ، ويُعزّز مفاهيم مثل السيادة الجسدية وعدم الخضوع للصور والقوالب الجاهزة.
لكن المسألة لم تعد تُختزل في ما يُتوقَّع من المرأة فقط، بل في من يملك سلطة التوقّع، ومن يضع الحدود بين “القبول” و”الرفض”، “الجمال” و”القبح”، و”القوّة” و”الهشاشة”. فالصراع ليس مع الجسد بل مع العدسة التي تنظر إليه، وطالما استمرّ استخدام الجندر كأداة قمع، ستبقى أجساد الفتيات والنساء ميداناً للمعارك، وتتحوّل صحّتهن النفسية رهينة لمقاييس لا تعكس واقعهن، بل تُفرَض عليهن.












