مع توالي صدور قرارات إخلاء إسرائيلية إنذاراً بهدم قرى حدودية جنوب لبنان ومنع العودة إليها، لا يبدو الأمر إجراءً عسكرياً أو تدبيراً أمنياً، بل محاولة فعلية لإلغاء وجود الناس عبر اقتلاعهم من أماكنهم. هذا الاقتلاع يؤطر كل الناس الموجودين، هي أرض يجب الاستيلاء عليها، دفنها وإبادتها. هنا لا يُستهدف المكان فقط، بل العلاقة التي تربط الإنسان بأرضه. ومن هذه اللحظة تحديداً، يبرز سؤال يتعاظم ويزداد تعقيداً، ما هي الأرض اليوم؟
لم تعد القرى والبلدات والأهالي الذين نزحوا مجرد عناصر في مشهد طويل من الحرب المكررة في الجنوب، بل صاروا جزءاً من تحوّل أعمق يمسّ معنى الأرض نفسه، وليس الإنسان فقط. كأن ما يحصل يفرض إعادة تعريف للأرض، لا بوصفها ملكية أو جغرافيا، بل بوصفها شرطاً لما يمكن أن يكون حياة.
في المقابل، تُدرج الأرض في عقل “المقاومة” ضمن منطق آخر: موقع دفاعي، عمق استراتيجي، خط تماس. في هذا التحول تُؤجَّل أسئلة الناس وحقوقهم، وتُفهم الأرض من زاوية الصراع لا من زاوية الحياة. هكذا تصبح قيمتها مرتبطة بوظيفتها القتالية، لا بما تحتويه من حيوات يومية وعلاقات ومعانٍ، وكأن الناس فيها شيء زائد. تبدو الأرض كما لو أنها تخضع لمنطق يعرف ثمنها في الحرب، لكنه يفقد قيمتها في الحياة.
الأرض التي كانت ممتلئة بالسكان والمواسم والتفاصيل تفقد مدنيّتها تدريجياً. فالحرب، كما تُفهم اليوم، لم تعد مواجهة بين جيوش بقدر ما صارت عملية تفكيك بطيء للمجتمعات، حيث لا يُستهدف الناس فقط، بل الروابط التي تجعل حياتهم ممكنة. لا تُدمَّر الأرض فقط، بل تُفكَّك علاقتها بمن يعيش عليها، وفي الوقت نفسه تُختزل إلى ساحة عمليات تُقرأ كإحداثيات وتُدار كشبكة أهداف، لا كحيّز للحياة.
لكن ما يتكشف هنا يتجاوز هذين المستويين معاً. لا يُجرى فقط تفكيك المجتمع أو عسكرة المكان، بل تفريغ الأرض من وظيفتها الحياتية قبل تدميرها. تبقى البيوت قائمة، لكن إما مدمرة أو مهجورة لا تُسكن، وتبقى الأرض موجودة، لكن لا تُزرع، كأن الحياة نفسها تُعلَّق من دون أن تختفي. لا تعود الخسارة حدثاً يقع، بل حالة مستمرة تُفرّغ المكان من معناه تدريجياً.
لا يُحجب الحق عن الإنسان فقط، بل يُحجب أيضاً عن الأرض كحيّز للعيش. يتحول المكان من فضاء يومي بسيط إلى موقع للصمود، إلى نقطة ثابتة للتضحية، إلى أثر وذكرى وخطب وبيانات، أي إلى حيّز ذي وظيفة تاريخية صراعية، لا حيّزٍ للحياة.
يظهر هنا التباس أساسي لا يمكن تجاهله، ادعاء المقاومة شيء، وحقوق الناس وعملهم وحقهم في التحكم بمصير أراضيهم شيء آخر. فتعويض الناس، مهما حصل، يبقى دائماً أقل من خسارتهم الفعلية، لأن ما يُفقد ليس فقط بيتاً أو أرضاً، بل علاقة كاملة بالعيش والعمل. عند هذه النقطة يتقاطع مساران مختلفان في النتيجة: الأول إسرائيلي يدمّر وينزع الملكية عبر الرعب والقوة، والثاني داخلي يعلّق وظيفة الملكية نفسها ويؤجل الحياة باسم الصراع.
هنا يبرز السؤال الحاد، هل يمكن الدفاع عن الأرض عبر إبقائها دائماً داخل سياق الحرب؟ الأرض في أصلها ليست مجرد مسرح للصراع، بل شبكة من الأسماء والقصص والرموز والعلاقات، تتداخل فيها حيوات الناس مع ذاكرتهم. لكن حين تُثقل الأرض بسردية الدم والمقاومة، تُدفع الحياة اليومية إلى الهامش.
مشكلة هذا المنطق أنه يؤسس لـ”الأسطوري” على حساب “الواقعي”. يراكم سرديات كبرى، لكنه يترك خلفه تفككاً بطيئاً في شبكات الحياة، في العائلات، في العلاقات، في قدرة الناس على العيش بطمأنينة. وهكذا، بين تدمير يأتي من الخارج وعسكرة تُعاد صياغتها من الداخل، تُسحب الأرض تدريجياً من كونها مكاناً يُعاش فيه، إلى مكان يُختزل في كونه ساحة صراع.
ما يحدث في جنوب لبنان ليس صراعاً واضحاً على الأرض، بل اختزال مشوّه لها، من فضاء متعدد للحياة إلى وظيفة واحدة، إما سردية أو هدفاً للإبادة. في الحالتين لا يُفقد المكان فقط، بل يُفقد العالم الذي كان يقوم عليه، حيث تتحول الأرض من فضاء يُعاش فيه إلى شيء يُستخدم أو يُقال عنه. لم يعد الجنوب أرضاً، بل صنماً يُستخدم أو يُروى، لكنه لا يُعاش.
إقرأوا أيضاً:
تسعى إسرائيل كل يوم إلى إعادة تعريف الأرض، لا بوصفها مكاناً يُعاش فيه، بل كمصفوفة أهداف. تُلقَّن كخريطة منقّطة، نقطة وراء نقطة، تُقسَّم وتُرصد ثم تُضرَب. البيوت تُقرأ كإحداثيات، والقرى تُختزل إلى نقاط، اسم تقني يجعلها قابلة للحساب لا للحياة.
في هذا التحويل لا تُرى الأرض بما فيها من ناس وعلاقات، بل بما يمكن فعله بها، فتُمحى التفاصيل لصالح الحساب، لغة رقمية وإشارات. تصبح الأرض خريطة صامتة، لا عالماً مأهولاً، شيئاً يُعرف ثمنه بدقة في الحرب، وتُفقد قيمته كحياة.
ما يُنزع ليس المكان فقط، بل القدرة على الفعل. قبل أن تُفقد الأرض، يُفقد ما يجعلها قابلة للعيش، الرفض، المحاولة، الحوار. كل شيء يُدار كإجراء، تنبيه، رسالة، إنذار، مكالمة. القرار لا يصدر كصراع، بل كأمر جاهز. أرض الجنوب لا تُقصف فقط، بل تُختزل إلى بيانات، حيث يصبح الوجود شيئاً يمكن تتبعه وتعليقه. عقلانية لا تحرّر، بل تُدير، تحوّل الأرض والناس إلى موضوعات قابلة للضبط لا إلى حياة تُعاش. إسرائيل لا تنزع الملكية فقط، بل تنزعها قبل أن تُمارَس. لا يعود الإنسان قادراً حتى على المطالبة بحقه. نزع القدرة على الفعل قبل الفعل نفسه. الجنوب، بكلمته الصغيرة، يبدو أثراً على شاشة، لا عالماً ممتداً بالحياة.
بيت قائم، لكن لا يُسكن. أرض موجودة، لكن لا تُزرع. ملكية بلا استعمال، كأنها لم تكن. طريق يُقصف، فيتوقف كل شيء، لا خروج، لا عودة، فقط انتظار. موسم زراعي يُلغى، وعلى ماذا سيستفيق الفلاح الجنوبي النازح، لا ماء، لا زرع، لا منحدر يُفلح، لا تقليم للأرض. عامل في مدرسة يعود فلا يجد طلابه، تشتتوا كما البيوت.
في مقهى في بيروت، صديقان يسألان ببساطة، راح بيتك؟ فتأتي الإجابة بلا انفعال، لا، بس وقع فوقو بيت. كل شيء قائم شكلاً، ومفقود فعلاً، كأن الحياة نفسها تُعلّق من دون أن تختفي.
انكسار العوالم الأولى للجنوبيين يدخل مباشرة في المخيلة البديهية للحياة. تُختزل الكارثة إلى جملة يومية، كأنها جزء من اللغة. ثم إن البعض لم يعد يعنيه أن يكون البيت موجوداً، كأن كل شيء صار مُسلَّماً لأقوياء يتحكمون به. عالم يُنتهك مراراً حتى يفقد دهشته. انهيار البيت في الجنوب لا يُفهم من خارجه، ليس خسارة مكان فقط، بل تفكك لشيء أعمق من اللغة. تتحول اللغة من تعاطف إلى تهكّم، ومن صدمة إلى اعتياد. التهكّم ليس ضعفاً، بل محاولة للسيطرة على ما لا يُفهم. مع تكرار الصدمة يتقلص الطموح إلى الحد الأدنى. جمل قصيرة. ردود مختصرة. انقطاع في الكلام. اللغة نفسها تتآكل.
تتحول الكارثة إلى جزء من الحياة اليومية. لا لأن الناس تقبلوها، بل لأن تفسيرها لم يعد ممكناً. مع الوقت لا ينهار البيت فقط، بل الإيقاع الذي كانت تُبنى عليه الحياة. انتظار دائم لضربة قد تأتي في أي لحظة. الأرض تتحول من مصدر أمان إلى مصدر تهديد. قد يرى مناصرو المقاومة في الجنوب حلقة صمود، لكنها تبدو هشّة. صمود يتكرر حتى يفرغ من معناه. إيقاع يومي للضرب والانتظار. حتى الضربة الإسرائيلية حين تأتي بانتقائية لا تثبّت هذا المعنى، بل تكسره.
في قلب هذا كله هناك جنوبيون هُدمت بيوتهم أكثر من أربع مرات. أعادوا بناءها في كل مرة لأن الحياة لا تُؤجَّل. اليوم لا يفكرون بالترميم، بل بشيء أبسط، أن ينسوا. الذاكرة نفسها صارت عبئاً. النجاة لم تعد في إعادة البناء بل في محو الأثر. في قرية مثل عين إبل ثلاثة شبان لا يحملون سلاحاً ولا يريدونه، يريدون فقط البقاء. هذا الحد الأدنى صار مستحيلاً. ما يحدث ليس مجرد قصف وإبادة، بل تفكك مستمر يحاول الناس رفضه بلا جدوى. لا مكان للراحة. الجنوب ليس فقط جغرافيا مستهدفة، بل عالم يتداعى. لغة تتعب، وقد تختفي بوجوه صامتة ومتعبة. إنسان يعيش داخل انهيار دائم.
إقرأوا أيضاً:












