ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الجنوب والشمال: نحو صيغة جديدة لشراكة عادلة في اليمن

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

أصبحت كلمتا الوحدة والانفصال في الخطاب السياسي في اليمن مصطلحين مشحونين بالتوتر والاستقطاب، يُستخدمان أحياناً كأدوات للتخوين والتصنيف القسري للرأي السياسي أكثر من كونهما مدخلين لنقاش وطني مسؤول حول مستقبل المنطقة. وهذا يعكس أننا لا نزال بعيدين عن مستوى الوعي السياسي الذي يتطلبه تعقيد اللحظة، وبحاجة إلى قدر أكبر من الليونة السياسية والدبلوماسية. 

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

اليوم، هناك حاجة إلى إعادة صياغة الاتفاقية اليمنية وبناء العلاقة على أسس ديمقراطية عادلة تلبي طموحات الشعب في الجنوب والشمال. فالوحدة بصورتها الإدارية والسياسية الحالية لم تحقق ما كان يُؤمَل منها، بل ساهمت في تعميق الصراع وتوسيع فجوة الثقة. ما نحتاجه اليوم ليس مجرد وحدة سياسية شكلية، بل وحدة إنسانية تقوم على الكرامة والعدالة والاحترام المتبادل. كما أن المرحلة تتطلب التفكير في نظام حوكمة هجين يستجيب للاختلافات التاريخية والسياسية والجغرافية بين الجنوب والشمال، ويحترم خصوصية كل منطقة ضمن إطار جامع. 

أولاً، ينبغي إعادة الاعتبار الى كلمة اليمن بوصفها هوية ثقافية وإنسانية جامعة، بعدما تضرّر معناها نتيجة ممارسات سياسية أساءت إليها. فاليمن تاريخياً رمز للبركة والتنوع والحضارة، وله أيضاً خصوصية دينية؛ إذ ورد ذكره وأهله في أكثر من حديث نبوي، كما أن الاسم يحمل دلالة جغرافية وحضارية تشير إلى منطقة واسعة، على غرار تسميات مثل بلاد الشام أو دول الخليج. وبهذا المعنى، يمكن أن يعبّر اليمن عن فضاء حضاري وإنساني يتجاوز حدود الدولة السياسية الواحدة. حماية الهوية اليمنية الجامعة لا تتعارض مع الاعتزاز بالهويات الأخرى كالجنوبية، والحضرمية، وغيرهما، بل تعزّزها وتمنحها إطاراً أوسع للانتماء. فالانتماء الجغرافي أو الثقافي لا ينبغي أن يُفهم كخيانة للهوية اليمنية، بل كجزء من ثرائها وتنوّعها التاريخي. ثانياً، لا بد من “إعادة ضبط إعدادات الوحدة”. فالوحدة ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق العدالة والاستقرار والتنمية. وعندما لا تحقق هذه الوسيلة أهدافها، يصبح من المشروع التفكير في صيغ جديدة. وفي هذا السياق، من المهم توضيح أن مصطلح “الانفصال” لا ينطبق قانونياً بدقة على حالة الجنوبيين المطالبين باستعادة دولتهم. ففي القانون الدولي، يُستخدم مفهوم الانفصال عادة لوصف محاولة إقليم تابع لدولة قائمة إعلان الاستقلال من دون أن يكون قد امتلك سابقاً صفة الدولة ذات السيادة. 

أما الجنوب فقد كان دولة مستقلة ومعترفاً بها دولياً قبل عام 1990، ممثلة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وعضواً في الأمم المتحدة والجامعة العربية، ولها مؤسسات دولة وحدود معترف بها. الوحدة اليمنية عام 1990 كانت في جوهرها اتفاقاً سياسياً بين دولتين مستقلتين، وليس انضمام إقليم ليتبع دولة مركزية. ومع انهيار الشراكة السياسية بعد حرب 1994، بدأ قطاع واسع من الجنوبيين ينظر إلى القضية باعتبارها مسألة تقرير مصير أو استعادة دولة، لا “انفصالاً” بالمعنى القانوني التقليدي. 

مع ذلك، استُخدم مصطلح “الانفصال” في الخطاب السياسي والإعلامي كأداة للشيطنة والتخوين أكثر من كونه توصيفاً قانونياً دقيقاً، ما ساهم في تعميق الانقسام بدلاً من فتح المجال للحوار. فالجنوب كان تاريخياً أكثر الأطراف إيماناً بمشروع الوحدة، وكان تحقيقها هدفاً تربّت عليه أجيال كاملة. لكن الواقع اليوم يفرض نقاشاً جديداً حول شكل العلاقة مع الشمال بالصيغة الحالية. 

ما يريده الشعب اليوم، في الجنوب والشمال، هو توفير الحقوق الأساسية: التعليم، الصحة، العمل، صون الكرامة الإنسانية، وحفظ الهوية. فاليمن يضم مناطق متعددة الهويات الثقافية والتاريخية، وهذه التعددية يجب أن تُدار سياسياً لا أن تُقمع باسم هوية واحدة. 

في إطار نقاش قضية الجنوب، طُرحت صيغة الدولة الفيدرالية خلال مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وظهرت لاحقاً في مسودة الدستور الجديد، إلا أن تلك الصيغة اتسمت بدرجة ملحوظة من المركزية في تصميمها المؤسسي والمالي، وهو ما أثار تحفظات واسعة لدى كثير من الفصائل الجنوبية، التي رأت أنها لا تلبي مطالبها في استعادة دولة الجنوب أو تحقيق حكم ذاتي واسع الصلاحيات. 

فقد ركّزت مسودة الدستور على معالجة قضية الجنوب من خلال التمثيل السياسي في المؤسسات الاتحادية على أساس المناصفة بين الشمال والجنوب خلال المرحلة الانتقالية، باعتبار الجنوب إقليمين اتحاديين ضمن دولة اتحادية واحدة، في حين ظلّت صلاحيات السيادة وإدارة الموارد الرئيسية مركّزة بدرجة كبيرة في الحكومة الاتحادية. كما حُصر نظام المناصفة في التمثيل السياسي لفترة انتقالية محددة لا تتجاوز ولايتين انتخابيتين. وقد عُدّ هذا التصور، لدى كثيرين في الجنوب، استمراراً لنمط الدولة المركزية بصيغة جديدة، أكثر منه انتقالاً فعلياً إلى نظام فيدرالي يضمن إدارة محلية واسعة للسلطة والموارد. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التفكير في خيارات متعددة لصيغة حوكمة جديدة يمكن أن تُناقش ضمن حوار سياسي واسع.

ومن بين هذه الخيارات، تصوّر نظام فيدرالي غير متماثل في الجنوب يمنح الأقاليم سلطات واسعة تتناسب مع خصوصياتها، بما في ذلك إدارة الموارد المحلية ووجود مؤسسات تشريعية وقضائية وأمنية وتنفيذية محلية، مع صندوق حماية اجتماعية مشترك داخل الجنوب. وفي الشمال، يمكن أن يشمل النقاش نموذجاً فيدرالياً هجيناً يتفاوت في درجات اللامركزية وفق الواقع السياسي والاجتماعي لكل منطقة، بحيث يجمع بين إدارة مركزية في بعض المناطق وحكم ذاتي أوسع في مناطق أخرى مثل مأرب وتعز. كما يمكن أن يطرح الحوار خيار إطار اتحادي تعاوني بين الجنوب والشمال يجمعهما في مؤسسات مشتركة — يمكن تسميته “مجلس التعاون اليمني” — يركز على التكامل الاقتصادي والتعاون الأمني والعسكري والحماية الاجتماعية، ويحفظ المصالح المشتركة للشعبين مع احترام الهوية السياسية لكل طرف. ويمكن تصوّر هذا الإطار أيضاً كاتحاد يمني مستلهم من تجربة الاتحاد الأوروبي، حيث تحتفظ الدول الأعضاء بسيادتها السياسية ونظمها الداخلية، بينما تتعاون في مجالات الاقتصاد والتجارة والتنقل والسياسات المشتركة التي تخدم مصالح المواطنين. 

قد يبدو هذا التصور معقداً للوهلة الأولى في واقعٍ يعاني من صراع طويل وضعف مؤسسات الدولة، إلا أن الهدف من طرحه ليس تقديم نموذج جاهز، بل فتح مساحة للتفكير في صيغ متعددة للحوكمة يمكن أن تناقَش ضمن عملية سياسية توافقية. الحديث عن الفيدرالية غير المتماثلة في الجنوب والفيدرالية الهجينة في الشمال يستند إلى طبيعة تطور الدولة وأنماط الحوكمة في كل منهما عبر التاريخ. ففي الجنوب، لم تكن الحوكمة تاريخياً مركزية موحّدة، بل اتسمت بالتعدد والتنوع، من السلطنات المحلية إلى المحميات والإدارات المحلية ثم تجربة الدولة بعد الاستقلال عام 1967. 

أما في الشمال، فقد تطورت الدولة حول مركز سياسي قوي في المرتفعات، بدءاً من أنظمة الإمامة ثم الدولة الجمهورية بعد عام 1962، التي حافظت بدرجات متفاوتة على مركزية القرار السياسي والإداري. وبذلك، يقوم المقترح على قراءة تاريخية لمسارات الحوكمة المختلفة في الجنوب والشمال، ومحاولة بناء نظام سياسي يستفيد من هذه التجارب بدلاً من تجاهلها أو فرض نموذج موحّد لا يعكس الواقع. 

غير أن نجاح أي صيغة سياسية يظل مرتبطاً بتحسين حياة المواطنين. فمكافحة الفساد بجدية، وتوفير الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وصحة وتعليم، وصرف الرواتب بانتظام، ووقف استخدام الخدمات كأداة للصراع السياسي، كلها شروط أساسية لبناء الثقة وإعادة الاستقرار. الوصول إلى هذا التصور يتطلب حواراً سياسياً منظماً يبدأ في الجنوب، ثم في الشمال، ثم يجمعهما في حوار وطني شامل. وقد تكون للدور الإقليمي، خصوصاً من المملكة العربية السعودية، أهمية كبرى في رعاية هذا المسار ودعم التوافق اللازم لبناء نظام حكم جديد في اليمن يضع مصلحة الإنسان فوق كل اعتبار، ويساهم في بناء شرق أوسط أكثر استقراراً وازدهاراً. 

في النهاية، لا يتعلق الأمر بالدفاع عن الوحدة أو الانفصال كشعارات، بل بالبحث عن صيغة عادلة تمكّن الجميع، جنوباً وشمالاً، من بناء أوطان تحمي كرامتهم وتستوعب تنوّعهم وتفتح أمامهم طريق الاستقرار والتنمية.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 13.03.2026

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت…

أصبحت كلمتا الوحدة والانفصال في الخطاب السياسي في اليمن مصطلحين مشحونين بالتوتر والاستقطاب، يُستخدمان أحياناً كأدوات للتخوين والتصنيف القسري للرأي السياسي أكثر من كونهما مدخلين لنقاش وطني مسؤول حول مستقبل المنطقة. وهذا يعكس أننا لا نزال بعيدين عن مستوى الوعي السياسي الذي يتطلبه تعقيد اللحظة، وبحاجة إلى قدر أكبر من الليونة السياسية والدبلوماسية. 

اليوم، هناك حاجة إلى إعادة صياغة الاتفاقية اليمنية وبناء العلاقة على أسس ديمقراطية عادلة تلبي طموحات الشعب في الجنوب والشمال. فالوحدة بصورتها الإدارية والسياسية الحالية لم تحقق ما كان يُؤمَل منها، بل ساهمت في تعميق الصراع وتوسيع فجوة الثقة. ما نحتاجه اليوم ليس مجرد وحدة سياسية شكلية، بل وحدة إنسانية تقوم على الكرامة والعدالة والاحترام المتبادل. كما أن المرحلة تتطلب التفكير في نظام حوكمة هجين يستجيب للاختلافات التاريخية والسياسية والجغرافية بين الجنوب والشمال، ويحترم خصوصية كل منطقة ضمن إطار جامع. 

أولاً، ينبغي إعادة الاعتبار الى كلمة اليمن بوصفها هوية ثقافية وإنسانية جامعة، بعدما تضرّر معناها نتيجة ممارسات سياسية أساءت إليها. فاليمن تاريخياً رمز للبركة والتنوع والحضارة، وله أيضاً خصوصية دينية؛ إذ ورد ذكره وأهله في أكثر من حديث نبوي، كما أن الاسم يحمل دلالة جغرافية وحضارية تشير إلى منطقة واسعة، على غرار تسميات مثل بلاد الشام أو دول الخليج. وبهذا المعنى، يمكن أن يعبّر اليمن عن فضاء حضاري وإنساني يتجاوز حدود الدولة السياسية الواحدة. حماية الهوية اليمنية الجامعة لا تتعارض مع الاعتزاز بالهويات الأخرى كالجنوبية، والحضرمية، وغيرهما، بل تعزّزها وتمنحها إطاراً أوسع للانتماء. فالانتماء الجغرافي أو الثقافي لا ينبغي أن يُفهم كخيانة للهوية اليمنية، بل كجزء من ثرائها وتنوّعها التاريخي. ثانياً، لا بد من “إعادة ضبط إعدادات الوحدة”. فالوحدة ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق العدالة والاستقرار والتنمية. وعندما لا تحقق هذه الوسيلة أهدافها، يصبح من المشروع التفكير في صيغ جديدة. وفي هذا السياق، من المهم توضيح أن مصطلح “الانفصال” لا ينطبق قانونياً بدقة على حالة الجنوبيين المطالبين باستعادة دولتهم. ففي القانون الدولي، يُستخدم مفهوم الانفصال عادة لوصف محاولة إقليم تابع لدولة قائمة إعلان الاستقلال من دون أن يكون قد امتلك سابقاً صفة الدولة ذات السيادة. 

أما الجنوب فقد كان دولة مستقلة ومعترفاً بها دولياً قبل عام 1990، ممثلة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وعضواً في الأمم المتحدة والجامعة العربية، ولها مؤسسات دولة وحدود معترف بها. الوحدة اليمنية عام 1990 كانت في جوهرها اتفاقاً سياسياً بين دولتين مستقلتين، وليس انضمام إقليم ليتبع دولة مركزية. ومع انهيار الشراكة السياسية بعد حرب 1994، بدأ قطاع واسع من الجنوبيين ينظر إلى القضية باعتبارها مسألة تقرير مصير أو استعادة دولة، لا “انفصالاً” بالمعنى القانوني التقليدي. 

مع ذلك، استُخدم مصطلح “الانفصال” في الخطاب السياسي والإعلامي كأداة للشيطنة والتخوين أكثر من كونه توصيفاً قانونياً دقيقاً، ما ساهم في تعميق الانقسام بدلاً من فتح المجال للحوار. فالجنوب كان تاريخياً أكثر الأطراف إيماناً بمشروع الوحدة، وكان تحقيقها هدفاً تربّت عليه أجيال كاملة. لكن الواقع اليوم يفرض نقاشاً جديداً حول شكل العلاقة مع الشمال بالصيغة الحالية. 

ما يريده الشعب اليوم، في الجنوب والشمال، هو توفير الحقوق الأساسية: التعليم، الصحة، العمل، صون الكرامة الإنسانية، وحفظ الهوية. فاليمن يضم مناطق متعددة الهويات الثقافية والتاريخية، وهذه التعددية يجب أن تُدار سياسياً لا أن تُقمع باسم هوية واحدة. 

في إطار نقاش قضية الجنوب، طُرحت صيغة الدولة الفيدرالية خلال مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وظهرت لاحقاً في مسودة الدستور الجديد، إلا أن تلك الصيغة اتسمت بدرجة ملحوظة من المركزية في تصميمها المؤسسي والمالي، وهو ما أثار تحفظات واسعة لدى كثير من الفصائل الجنوبية، التي رأت أنها لا تلبي مطالبها في استعادة دولة الجنوب أو تحقيق حكم ذاتي واسع الصلاحيات. 

فقد ركّزت مسودة الدستور على معالجة قضية الجنوب من خلال التمثيل السياسي في المؤسسات الاتحادية على أساس المناصفة بين الشمال والجنوب خلال المرحلة الانتقالية، باعتبار الجنوب إقليمين اتحاديين ضمن دولة اتحادية واحدة، في حين ظلّت صلاحيات السيادة وإدارة الموارد الرئيسية مركّزة بدرجة كبيرة في الحكومة الاتحادية. كما حُصر نظام المناصفة في التمثيل السياسي لفترة انتقالية محددة لا تتجاوز ولايتين انتخابيتين. وقد عُدّ هذا التصور، لدى كثيرين في الجنوب، استمراراً لنمط الدولة المركزية بصيغة جديدة، أكثر منه انتقالاً فعلياً إلى نظام فيدرالي يضمن إدارة محلية واسعة للسلطة والموارد. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التفكير في خيارات متعددة لصيغة حوكمة جديدة يمكن أن تُناقش ضمن حوار سياسي واسع.

ومن بين هذه الخيارات، تصوّر نظام فيدرالي غير متماثل في الجنوب يمنح الأقاليم سلطات واسعة تتناسب مع خصوصياتها، بما في ذلك إدارة الموارد المحلية ووجود مؤسسات تشريعية وقضائية وأمنية وتنفيذية محلية، مع صندوق حماية اجتماعية مشترك داخل الجنوب. وفي الشمال، يمكن أن يشمل النقاش نموذجاً فيدرالياً هجيناً يتفاوت في درجات اللامركزية وفق الواقع السياسي والاجتماعي لكل منطقة، بحيث يجمع بين إدارة مركزية في بعض المناطق وحكم ذاتي أوسع في مناطق أخرى مثل مأرب وتعز. كما يمكن أن يطرح الحوار خيار إطار اتحادي تعاوني بين الجنوب والشمال يجمعهما في مؤسسات مشتركة — يمكن تسميته “مجلس التعاون اليمني” — يركز على التكامل الاقتصادي والتعاون الأمني والعسكري والحماية الاجتماعية، ويحفظ المصالح المشتركة للشعبين مع احترام الهوية السياسية لكل طرف. ويمكن تصوّر هذا الإطار أيضاً كاتحاد يمني مستلهم من تجربة الاتحاد الأوروبي، حيث تحتفظ الدول الأعضاء بسيادتها السياسية ونظمها الداخلية، بينما تتعاون في مجالات الاقتصاد والتجارة والتنقل والسياسات المشتركة التي تخدم مصالح المواطنين. 

قد يبدو هذا التصور معقداً للوهلة الأولى في واقعٍ يعاني من صراع طويل وضعف مؤسسات الدولة، إلا أن الهدف من طرحه ليس تقديم نموذج جاهز، بل فتح مساحة للتفكير في صيغ متعددة للحوكمة يمكن أن تناقَش ضمن عملية سياسية توافقية. الحديث عن الفيدرالية غير المتماثلة في الجنوب والفيدرالية الهجينة في الشمال يستند إلى طبيعة تطور الدولة وأنماط الحوكمة في كل منهما عبر التاريخ. ففي الجنوب، لم تكن الحوكمة تاريخياً مركزية موحّدة، بل اتسمت بالتعدد والتنوع، من السلطنات المحلية إلى المحميات والإدارات المحلية ثم تجربة الدولة بعد الاستقلال عام 1967. 

أما في الشمال، فقد تطورت الدولة حول مركز سياسي قوي في المرتفعات، بدءاً من أنظمة الإمامة ثم الدولة الجمهورية بعد عام 1962، التي حافظت بدرجات متفاوتة على مركزية القرار السياسي والإداري. وبذلك، يقوم المقترح على قراءة تاريخية لمسارات الحوكمة المختلفة في الجنوب والشمال، ومحاولة بناء نظام سياسي يستفيد من هذه التجارب بدلاً من تجاهلها أو فرض نموذج موحّد لا يعكس الواقع. 

غير أن نجاح أي صيغة سياسية يظل مرتبطاً بتحسين حياة المواطنين. فمكافحة الفساد بجدية، وتوفير الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وصحة وتعليم، وصرف الرواتب بانتظام، ووقف استخدام الخدمات كأداة للصراع السياسي، كلها شروط أساسية لبناء الثقة وإعادة الاستقرار. الوصول إلى هذا التصور يتطلب حواراً سياسياً منظماً يبدأ في الجنوب، ثم في الشمال، ثم يجمعهما في حوار وطني شامل. وقد تكون للدور الإقليمي، خصوصاً من المملكة العربية السعودية، أهمية كبرى في رعاية هذا المسار ودعم التوافق اللازم لبناء نظام حكم جديد في اليمن يضع مصلحة الإنسان فوق كل اعتبار، ويساهم في بناء شرق أوسط أكثر استقراراً وازدهاراً. 

في النهاية، لا يتعلق الأمر بالدفاع عن الوحدة أو الانفصال كشعارات، بل بالبحث عن صيغة عادلة تمكّن الجميع، جنوباً وشمالاً، من بناء أوطان تحمي كرامتهم وتستوعب تنوّعهم وتفتح أمامهم طريق الاستقرار والتنمية.