أولى بوادر “وطنية” الجيش هي شفاؤه من عوارض السياسة والسياسيين. وعوارض كهذه، على كثرتها، تقلّص الثقة به، وإن كانت لا تعدمها.
“جيشك على حق ولو كان ظالماً”. هذه مقاربة غرابتها في قائلها أكثر مما تحتمل فكرتها نفسها من غرابة. فالسياسي اللبناني الذي كثّف الحق في الجيش ليس إلا نبيه بري، أي الرجل الذي بدأ صعوده السياسي، ثم سلطته المديدة، منذ 6 شباط/ فبراير عام 1983، حين حاربت “حركة أمل” الجيش اللبناني وساهمت في شرذمته وكسر احتكاره للعنف خلال الحرب اللبنانية.
تتأتى سردية نبيه بري عن تلك الحرب من فرضية تدّعي ظلم الجيش اللبناني في مقابل مظلومية شيعية. أما الظلامة التي قصدها فكانت في “حزام البؤس” حول بيروت، أو في شطره الغربي. آنذاك كان بري في حلّ من المقاربة أعلاه، التي راجت منذ حوّلت الوصاية السورية هذا الجيش إلى صورة نمطية عنها. وكان حقاً على “أزلامها” اللبنانيين تكثيف هذه النمطية بمقاربات كان بري الأكثر تكثيفاً لها، حتى بدت مقاربته أعلاه مسلّمة لا تحتمل أي هامش للاستطراد.
الجيش الذي نفى بري “حقه” قبل عام 1990 هو ذاته الجيش الذي “أيقنه” سياسي لبناني آخر في الحقبة نفسها، وظلت سيرته الذاتية تتكثف منه وفيه. وحين أنهى جيش حافظ الأسد “تمرده”، صار، من منفاه، يقول في الجيش أكثر مما قال المتنبي في كافور الإخشيدي. ذلك المتمرد هو ميشال عون.
أما “العسكريتاريا” فهي توصيف تفشّى في الحياة السياسية اللبنانية، وأيضاً قبل عام 1990. وصياغة لغوية في العسكر، وعلى هذه الشاكلة، لا تصدر إلا عن شخص نافٍ لأهلية العسكر، أو، إذا ما أحسنا الظن به، فالراجح أن بينه وبين الجيش علاقة لم تتخفف من طابعها الطائفي إلا في شخص رئيس أركان الأخير وبمعيار مذهبيته. فرئيس أركان الجيش، ومنذ ثلاثة عقود ونيف، صار اختياراً جنبلاطياً هو، بالضرورة، حصته وحضوره في المؤسسة العسكرية.
عموماً، ينطوي تكثيف “الوطنية” في الجيش أيضاً على مبالغة مفتعلة. أما فاعلها فغالباً ما يكون الطرف، أو المحور، الذي يبدو الجيش أقرب إلى رؤيته أو طاعته. هكذا كان الجيش، ماضياً، أقرب إلى ما عُرف بالمارونية السياسية، وحين هُزمت الأخيرة أمام محور الممانعة، صار أسهل على المرء التبصّر في “ممانعته”. أما حين يكون قائد الجيش ضابطاً كإميل لحود، فالظن بهويته يصير مكابرة لم يتنكبّها لحود نفسه، أو على الأقل لم يتواطأ عليها.
واختبار “الوطنية” الصرفة طقس لبناني يومي نادراً ما خرج منه الجيش بلا خدوش. يكفي هنا ما توفره للمشاهد برامج “التوك شو” أو الـ”بودكاست”، كآخر “صيحات” الإعلام المرئي. ضباط متقاعدون يشهرون ولاءهم السياسي والمذهبي بمجرد خروجهم من الجيش، وهو مؤشر إلى واقع مختلّ في المؤسسات الأمنية. والإشهار في هذه الحالة ليس إلا كشفاً للنوايا، ومؤشراً وازناً إلى “وطنية” لا تتأتى معاييرها مما تفترضه القوانين والضوابط العسكرية، بل مما تقتضيه العصبيات المذهبية والحزبية.
في عام 2005 انسحب الجيش السوري من لبنان. وكان الانسحاب يفترض تلاشي الممانعة الفجّة من “عقيدة” الجيش، أو التخفف منها على الأقل، وهو ما تبدّى لاحقاً مجرد فكرة لم تلبث أن اندثرت.
ورث “حزب الله” الوصاية السورية، وورث معها تلازماً مفتعلاً بين الجيش والحزب، وأصرّ الأخير على قوننته من خلال ثلاثية لم تشِ يوماً بأرجحية الجيش فيها، ولا حتى بمساواة بين أقانيمها. ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة أوحت، بالوقائع، بأن اثنين من أركانها لم يكونا إلا هامشاً مصطنعاً في خدمة “حزب الله” ومشروعه.
الراهن، وهذا المهم، هو الإفضاء إلى تعثّر الفصل بين اثنين من أقانيم هذه الثلاثية. ثلاثة عقود وأكثر من “الانسجام” المفروض بين الجيش والحزب، يبدو تلافيه اليوم أقرب إلى الاستحالة. أما مؤشّره الأبرز فهو ما يشي به التباين الظاهر بين السلطة الحالية وذراعها الأمني، في موضوع نزع سلاح الحزب تحديداً.
انتقال فؤاد شهاب من قيادة الجيش إلى رئاسة الجمهورية صيّر الأخيرة أكثر التصاقاً بعقل كل من آلت إليه تلك القيادة، وغالباً بمصلحة يطغى بُعدها الخارجي على الوطني، من دون انتفاء التواطؤ الضمني مع طرف داخلي متغلّب. وتغلُّبه، بالضرورة، مفضٍ إلى غاية القادة الطامحين.
الجيش اليوم أمام مهمة استثنائية: مهمة عودة الجمهورية من الدويلات إلى الدولة، على ما بشّرنا به إلياس الهراوي في كتابه عن ولايتيه الرئاسيتين. الهراوي، طبعاً، لم يستعد الجمهورية، والراجح أن الدولة ذهبت معه إلى دويلات كثيرة. وكان ذلك قبل انقضاء ذلك الواقع الهجين إلى تواطؤ ثنائي بين الدولة والدويلة، دانت الأخيرة، منذ عام 2008، إلى “حزب الله”.
عايش رئيس الجمهورية جوزاف عون وقائد الجيش رودولف هيكل هذا التواطؤ من موقعين سابقين. كان عون قائداً للجيش، فيما أتى هيكل إلى القيادة من قيادة منطقة جنوب الليطاني. والجغرافيا هنا ليست هامشاً عابراً، بل هي إفضاء إلى صنع علاقة حتمية يستدعيها تماس الجيش مع “حزب الله”. وهيكل، في الراهن، يبدو ضنيناً أكثر مما يفترضه الضن بهذه العلاقة.
رودولف هيكل رئيساً للجمهورية؟ تبدو الفكرة، في ظاهرها، رهاناً خاسراً إذا ما اقترنت بواقع الحزب الراهن. لكن الأمر يحتمل أيضاً شيئاً من المجازفة في ردّ الرهان إلى مستقبل الحزب، وإلى مكاسب سياسية ستُسيّل له إذا ما انتهت معضلة سلاحه بالتوافق.
والحال، تبدو مهمة تحاشي الصدام مع “حزب الله” مسلّمة في عقل قائد الجيش، وهي تزاحم مهمة أخرى تفترض تحاشي حرب إسرائيلية جديدة على لبنان، وبالتالي علينا. ولا يبدو أن الحزب متعففاً عنها. وهيكل، الذي يناور بين المهمتين، يبدو أقرب إلى الأولى. أما تقاطعنا مع هذه المسلّمة فيبدده أن الرجل يكاد يمتهن سردية الحزب، ويبدو ضنيناً بالأخير أكثر من ضنّه بنا.
إنها عودة إلى “الوطنية” ومعاييرها. قائد الجيش يمضي إلى المهمتين، ومعاييره عن تلك “الوطنية” مستقاة من معجم “حزب الله”، وكأن اللبنانيين الرافضين للحرب مجردون منها.
إقرأوا أيضاً:











