ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الجيش وساويرس: لعبة القط والفأر في الاقتصاد المصري‎

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

ما الذي يريده نجيب ساويرس حقًا؟، فمن جهة يستفيد من صلاته مع الدولة حين تتاح الفرص الاقتصاديّة ومن جهة أخرى يقدم نفسه صوتًا للإصلاح لتحرير السوق من هيمنة العسكر، فيخاطب الغرب والمستثمرين بلغة الانفتاح. هذه الازدواجية قد تبدو انتهازية، لكنها أيضًا انعكاس لهوامش المناورة الضيقة في مصر اليوم.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في قاعة محاضرات عريقة بجامعة هارفارد، أعلن الملياردير المصري نجيب ساويرس أمام جمهور من الطلاب والأكاديميين، أن “الاقتصاد المصري يحتاج إلى تحرير الجيش من التجارة وإعادته إلى ثكناته”. الحديث علنًا عن تقليص دور الجيش أمر نادر من شخصية بحجم ساويرس، فيما تعاني مصر أزمة مالية خانقة وتسعى الحكومة بشكل محموم الى جذب الاستثمار. عرض ساويرس مثالًا بسيطًا أمام الحضور: تخيّل مستثمرًا أجنبيًا يريد إنشاء مصنع للمياه المعدنية في مصر، لكنه يكتشف أن الجيش يمتلك مصنعًا للمياه لا يدفع ضرائب أو جمارك – “كيف سيمكنه المنافسة؟” تساءل ساويرس. كان المشهد أشبه بلحظة كشف حساب علنية: رجل الأعمال الذي استفاد لعقود من صلاته بالدولة يندّد اليوم بلا مواربة بما وصفه بالتشوهات في قواعد اللعبة الاقتصادية.

خطاب النقد في هارفارد حقيقة أم مناورة؟

من الوهلة الأولى، بدا خطاب ساويرس في هارفارد أشبه بصوت معارض إصلاحي يكسر التابوهات. انتقد مزاحمة الجيش القطاع الخاص واستحواذه على مجالات مدنية لا تمت الى واجباته العسكرية بصلة. قارن بين حال مصر وتركيا قائلًا: “تركيا تصنع طائراتها المسيّرة، بينما جيشنا يبيع الجمبري والبسكويت”. في نظره، انخراط الجيش في بيع سلع استهلاكية – من المأكولات إلى المياه المعدنية – يأتي على حساب تطوير قدراته العسكرية التقنية. وأردف أن وجود الجيش في السوق يُخيف المستثمرين لأن شركاته “معفية من الضرائب وأجور العمالة”. لم يكن هذا النقد وليد اللحظة؛ فقبل أعوام حذّر ساويرس في مقابلة صحافية من منافسة غير متكافئة بين شركات القوات المسلحة والشركات الخاصة، معتبرًا أن الدولة ينبغي أن تكون منظّمًا للنشاط الاقتصادي لا مالكًا له. في هارفارد، كرر الرسالة في سياق دولي أوسع.

لكن خلف حماسة الخطاب، ارتسمت صورة متناقضة لساويرس نفسه. فالرجل الذي يدعو اليوم إلى إخراج الجيش من الاقتصاد، هو ذاته الذي بنت شركات عائلته إمبراطورية من الشراكة مع الدولة والمؤسسة العسكرية على مدى عقود. فعائلة ساويرس هي أحد أبرز مقاولي الدولة.  كيف لمن راكم ثروته عبر مشاريع حكومية ضخمة أن ينتقد يد الدولة في السوق؟ لقد بدا المشهد أشبه بمن يعضّ اليد التي أطعمته – أو ربما بمن ضاق ذرعًا بيدٍ أقوى باتت تزاحمه على مائدة المكاسب.

شراكات بالمليارات مع “الخط الأحمر”

على رغم لهجته “الإصلاحية”، لا يمكن إغفال إشتراك عائلة ساويرس في مشاريع عملاقة تحت مظلة الدولة والجيش. قبل نحو عقد، في 2016، حصلت شركة أوراسكوم للإنشاءات المملوكة لعائلة ساويرس على عقد بقيمة 420 مليون دولار لتحويل محطتي توليد كهرباء في أسيوط وغرب دمياط من الدورة البسيطة إلى الدورة المركبة. مثل هذه الصفقة الضخمة لم تكن لتتم من دون مباركة الحكومة – وضمنيًا الجيش الذي يشرف على مشروعات البنية التحتية. وفي مؤتمر استثمار دولي بشرم الشيخ قبل سنوات، تفاخر ساويرس نفسه بأنه جاهز لضخ نصف مليار دولار إضافية في مشروعات مصرية بمجالات البنية التحتية والطاقة والنقل. بمعنى آخر، كان الرجل دومًا حاضرًا عند خطط الدولة الكبرى، مستفيدًا من الفرص التي توفرها.

هذه الحقائق لم تغب عن منتقديه. فبعد خطاب هارفارد، سارع مصطفى بكري – وهو نائب وإعلامي محسوب على النظام – إلى تذكير الجميع بأن “شركات أوراسكوم المملوكة لعائلة ساويرس وحدها حصلت على مشروعات بقيمة 75 مليار جنيه خلال سبع سنوات”.

بكري هاجم ساويرس بشراسة، متهمًا إياه بالنفاق: كيف يذم تدخل الجيش اقتصاديًا وهو أول المستفيدين منه؟ بل ذهب أبعد من ذلك باتهامه بخيانة الخط الوطني، قائلاً إن “كلامه يتطابق مع مزاعم جماعة الإخوان الإرهابية”. لم يكن بكري صوتًا وحيدًا؛ إذ إن إعلاميين آخرين موالين للسلطة تساءلوا بلهجة ساخرة: من الذي حمى استثمارات ساويرس طوال هذه السنين إن لم يكن الجيش؟ في نظرهم، ساويرس مدين للمؤسسة العسكرية بأمن مشاريعه واستقرار مناخ الاستثمار الذي استفاد منه، وبالتالي فإن انتقاده لها أشبه بـ”نكران الجميل” إن لم يكن تحريضاً مغرضاً.

على جانب آخر، رأى خبراء اقتصاديون في صراحة ساويرس بارقة أمل ونقطة تحول في النقاش العام حول هيمنة الجيش الاقتصادية. للمرة الأولى يتجرأ أحد كبار رجال الأعمال – ومن داخل دائرة السلطة الاقتصادية – على المجاهرة بما يتداوله المستثمرون همسًا. يقول أحدهم إن تصريحات ساويرس كسرت حاجز الخوف الذي منع الكثيرين من التعبير عن ملاحظاتهم حول تشوه بيئة الاستثمار في مصر نتيجة امتيازات الجيش. ويأمل هؤلاء بأن تفتح هذه الجرأة الباب أمام حوار أكثر شفافية عن إصلاح الاقتصاد، حتى لو جاء على لسان من كان جزءًا من اللعبة القديمة.

خطاب سايروس، لم يسلم من تيارات المعارضة اليسارية للنظام أيضًا، لكن أكثرها أهمية كان الرأي الذي طرحه الباحث عمرو عبد الرحمن:
بلا مواربة، لو كان أمامي خيار صفري كاريكاتيري بين استمرار اقتصاد الجيش كما هو، أو بيع أصوله ومشاريعه لرأس المال الخاص، فأنا – وبكل وضوح – أختار الوضع القائم رغم كل عيوبه. أن تبقى ملكية هذه الأصول في يد العسكر، أهون عندي كثيرًا من أن تنتقل إلى بن زايد أو بن سلمان أو أي مستثمر أجنبي أو محلي بلا هوية أو التزام اجتماعي.

لكن الواقع أعقد بكثير من هذا التصوير الساذج للخيارات. نقطة البداية لأي نقاش جاد حول ملف حساس مثل اقتصاد الجيش يجب أن تكون امتلاك بيانات دقيقة وشفافة: ما الأصول والمشروعات التي يجب أن تنتقل الى الملكية العامة بحكم ضرورتها الاستراتيجية (أي تؤمم)، وما الذي يمكن أن يبقى في يد الجيش لطابعه التقني أو الأمني، وما الذي يمكن طرحه للبيع للقطاع الخاص – إذا كنا نفكر أصلًا في هذه الأطر الثلاثة بشكل تقليدي.

الأهم من ذلك كله، أنه بعد الوصول إلى التوليفة المثلى بين أشكال الملكية، يجب أن نفتح نقاشًا علنيًا حول حجم الإنفاق العسكري في بلد يعيش في قلب منطقة مضطربة، ونتحدث بجدية عن الزيادة الحتمية لهذا الإنفاق وكيفية تمويله من دون أن تتحمل العبء الغالبية الساحقة من المواطنين.

هذه هي الطريقة التي يجب أن تناقش بها أي جماعة ديمقراطية جادة قضية بهذا المستوى من الحساسية. لكننا – للأسف – نواصل التصفيق لساويرس الذي يخرج علينا كل فترة ليزايد علينا في أوقات فراغه، بينما يواصل شراكته مع العسكر بلا حرج”.

بين خطاب السلطة وحقائق الأرض

في معرض دفاعهم عن وضع الجيش، يردد المسؤولون في القاهرة أرقامًا تبدو متواضعة. يؤكد الرئيس عبد الفتاح السيسي مرارًا – كما فعل في أحد التصريحات عام 2016 – أن حصة الأنشطة الاقتصادية للقوات المسلحة لا تتجاوز  الـ1.5 إلى 2 في المئة من الناتج المحلي. وكررت الحكومة الرسالة نفسها في السنوات اللاحقة، لتبدو مشاركة الجيش في الاقتصاد محدودة للغاية. بيد أن هذه الرواية الرسمية تناقضها تقديرات مستقلة تفيد بأن الحجم الحقيقي لإمبراطورية الجيش الاقتصادية أضعاف ذلك. فبعض المحللين قدّروا منذ سنوات أن المؤسسات التابعة للجيش قد تسيطر على ما يصل إلى 40 في المئة من الاقتصاد المصري. بالطبع ترفض السلطة هذه الأرقام جملة وتفصيلاً، لكن غياب الشفافية يجعل الفجوة بين الرقمين لغزًا بحد ذاته. فلا تُنشر أي بيانات رسمية تفصيلية عن أرباح شركات الجيش وأنشطتها، وتبقى حساباتها طي الكتمان بدعوى اعتبارات الأمن القومي.

ما هو معلوم ومؤكد أن دور الجيش في البنية التحتية والإنشاءات تضخّم بعد 2013. فقد أصبح بالفعل مقاول الدولة الأول في عهد السيسي، مسنَدًا إليه تنفيذ مشروعات قومية ضخمة. تولى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة إنشاء آلاف الكيلومترات من الطرق الجديدة، والإشراف على بناء العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة، وتطوير مناطق استراتيجية مثل محور قناة السويس. ووفق دراسة لمركز كارنيغي للشرق الأوسط، أصدر السيسي مرسومًا عام 2016 خصص 16 ألف فدان لجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة (وهو الذراع العسكرية المعنية بإدارة أراضي الدولة) لإقامة مشاريع في العاصمة الجديدة.

منح ذلك المرسوم الجيش حق الانتفاع بأراضٍ شاسعة مجانًا تقريبًا، بل والسماح له بتأسيس شركات بالمشاركة مع مستثمرين – كل ذلك بعيدًا عن منافسة القطاع الخاص الذي انسحب كثير من رموزه أمام هذه الهيمنة. هكذا لم يعد الجيش مجرد شريك؛ بل بات صاحب الأرض والمشرف والمقاول، في آن واحد.

وعلى الأرض، امتدّ نفوذ المؤسسة العسكرية إلى قطاعات لم يكن يخطر على بال أحد أنها ستصبح جزءًا من أنشطتها. إذ أنشأ جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع لوزارة الدفاع شركات تنتج سلعًا مدنية متنوعة: من المعكرونة إلى الأسمنت، ومن الأجهزة المنزلية إلى محطات الوقود. ففي عام 2016 مثلًا، أطلق الجيش علامة المياه المعدنية “صافي” التي سرعان ما استحوذت على حصة ضخمة من سوق المياه المعبأة (يُقدرها بعض خبراء التجزئة بنحو الـ 30 في المئة)، وذلك بفضل ما تحظى به من إعفاءات ضريبية واستخدام عمالة مجندة زهيدة الأجر تمنحها أفضلية سعرية تنافسية.

هذه الشركة وأخواتها من المؤسسات المملوكة للجيش لا تدفع الرسوم والضرائب نفسها التي ترهق كاهل المستثمر الخاص، ولا تُثقلها أجور العاملين المدنيين، ما يجعل المنافسة معها غير عادلة منذ البداية باعتراف ساويرس نفسه. ويؤكد تحليل حديث لمركز كارنيغي أن شركات الجيش تمتعت تاريخيًا بإعفاءات أوسع حتى من باقي شركات القطاع العام – فلا تدفع ضرائب دخل أو عقارية أو جمركية، وتُعفى من ضريبة القيمة المضافة والرسوم الإدارية ورسوم النقل وغيرها. باختصار، يد الجيش في السوق مطلقة الحرية وخزينتها محصنة بميزات سيادية، ما جعلها عمليًا خارج المنافسة وخارج المحاسبة البرلمانية كذلك.

ذلك كله خلق واقعًا يصفه منتقدو الوضع باقتصاد بمكيالين: جيش يملك شركات ضخمة تعمل بمنطق المؤسسات الحكومية حين يتعلق الأمر بالرقابة والشفافية (فلا رقابة حقيقية ولا نشر لميزانيات)، لكنها تتصرف كمؤسسات خاصة تجارية حين يتعلق الأمر بحصد الأرباح من السوق. أما القطاع الخاص التقليدي فيرى نفسه محشورًا في زاوية ضيقة؛ فإن دخل في منافسة، وجد ملعبًا غير متكافئ بقواعد لعبة تفضّل لاعبًا واحدًا دائمًا.

بين النموذج التركي والمصري…

في  هارفارد، حاول ساويرس استنهاض مثال تركيا للإشارة إلى إمكانية إصلاح المسار. فأشاد بأنقرة التي ركزت جيشها على الصناعات الدفاعية المتقدمة بدلًا من الانخراط في منافسة القطاع الخاص المدني. قال بلهجة لاذعة: “تركيا تصنع طائراتها المسيّرة ودباباتها، أما نحن فالجيش عندنا مشغول ببيع الجمبري”. فهل النموذج التركي فعلاً بديل يُحتذى به؟

صحيح أن الجيش التركي ليس غارقًا في إنتاج المواد الغذائية، لكنه ليس خارج الاقتصاد بأي حال. الفارق أن مصالحه التجارية تدار عبر ذراع استثمارية رسمية هي صندوق معاشات القوات المسلحة المعروف باسم “أوياك (OYAK)”. هذا الصندوق العملاق يسيطر على عشرات الشركات الكبرى، وتقدر أصوله اليوم بنحو 20 مليار دولار تُستثمر في صناعات الحديد والصلب والأسمنت والسيارات والطاقة وغيرها.

أي أن الجيش التركي موجود بقوة في السوق، وإن كان ظهوره يأخذ شكل المستثمر الصناعي الكبير. لقد بنى أوياك إمبراطورية اقتصادية منذ تأسيسه عام 1961 عقب انقلاب عسكري، واستمر في التوسع خلال العقود التالية حتى مع ابتعاد الجيش التركي عن الحكم المباشر. المفارقة أن نفوذ أوياك لم يتأثر كثيرًا بوصول حكومة مدنية قوية (حزب العدالة والتنمية) إلى السلطة في تركيا؛ فصندوق الجيش هناك يعمل “كمؤسسة استثمارية محترفة يديرها تكنوقراط” أكثر من كونه امتدادًا مباشرًا لقيادة الجيش.

في المقابل، يعتمد النموذج المصري على ملكية مباشرة للجيش لشركات ومصانع تديرها قيادات عسكرية متقاعدة أو في الخدمة، وتستخدم جنودًا كعاملين، ما يجعل الجيش هو الشركة والمشرف والمستفيد النهائي في آن. أي أن الاختلاف بين النموذجين ليس في حجم التدخل فقط بل في طبيعته: تركيا فصلت – نظريًا – بين الجيش كمؤسسة عسكرية وبين ذراعه الاقتصادي (صندوق التقاعد)، في حين تداخلت الحدود تمامًا في الحالة المصرية. لذا يمكن القول إن الجيش المصري لا يختلف جوهريًا في حضوره الاقتصادي عن الجيش التركي – فكلاهما يملك المصانع والشركات – لكن المصري اختار قطاعات استهلاكية وخدمية واسعة الانتشار، بينما ركز التركي على الصناعات الثقيلة والاستثمارية. ربما لهذا قال معلقون ساخرون إنه لو تحول الجيش المصري غدًا إلى تصنيع الطائرات المسيّرة محليًا – كما يقترح ساويرس – فسنجد ساويرس نفسه أول المصفقين والمساهمين في تلك المشاريع!

رجل أعمال أم مصلح وطني؟ 

تطرح هذه التناقضات سؤالًا جوهريًا: ما الذي يريده نجيب ساويرس حقًا؟ هل هو صاحب رؤية مخلصة لإصلاح الاقتصاد المصري بتحجيم دور الجيش وإطلاق حرية السوق؟ أم أنه رجل أعمال براغماتي ضاق ذرعًا بمنافس يفوقه قوة وحصانة، فقرر خوض معركة مصالح تحت عباءة الإصلاح العام؟ لا شك في أن ساويرس يتمتع بذكاء حاد وخبرة طويلة في دهاليز الاقتصاد المصري. فهو يدرك أن قواعد اللعبة تغيرت في العقد الأخير: المشاريع الكبرى التي كانت تتوزع بين حيتان القطاع الخاص في عصر مبارك، بات الكثير منها في عهد السيسي يذهب الى المؤسسة العسكرية وشركاتها. وربما شعر إمبراطور الاتصالات والإنشاءات السابق بأن إمبراطوريته تواجه تهديدًا غير مسبوق من لاعب حكومي لا يمكن منافسته أو التفوق عليه.

يرى بعض المراقبين أن ساويرس يلعب على الحبلين: فمن جهة يستفيد من صلات الدولة حين تتاح الفرص – كما فعل في مشروعات الكهرباء وغيرها – ومن جهة أخرى يقدم نفسه صوتًا للإصلاح لتحرير السوق من الهيمنة، فيخاطب الغرب والمستثمرين بلغة الانفتاح. هذه الازدواجية قد تبدو انتهازية، لكنها أيضًا انعكاس لهوامش المناورة الضيقة في مصر اليوم. فحتى كبار رجال الأعمال لم يعودوا يتمتعون بالنفوذ السابق، وأصبح عليهم إما التحالف مع تحالف السلطة والجيش أو المخاطرة برأس المال في معركة غير متكافئة. لذا قد يكون خروج ساويرس عن الصمت علامة على إحباط متراكم أكثر منه صحوة ضمير مفاجئة. وربما أملَ بأنه بتعرية الواقع على الملأ – في منبر دولي بعيد عن رقابة القاهرة – يستطيع الضغط لتحجيم دور منافسه الأقوى.

من جانبه، يتعامل النظام بحساسية مع هذه التصريحات. حتى الآن التزمت الحكومة والجيش الصمت رسميًا حيال خطاب ساويرس، فلا ردود مباشرة ولا تعليقات من المسؤولين. وربما يعود ذلك إلى إدراكهم أن المرحلة تتطلب تهدئة مؤقتة في ظل خطة مطروحة لطرح بعض شركات الجيش في البورصة لجذب استثمارات. فأي مواجهة علنية مع ساويرس الآن قد تربك هذه الخطط وتثير مخاوف المستثمرين الذي يراقبون المشهد. كما أن مكانة ساويرس المالية والإعلامية تجعل استعداءه مكلفًا – فهو ليس خصمًا سهلاً ويمكن أن يؤثر على الرأي العام الاقتصادي في الداخل والخارج. لذا اختارت السلطة تكتيك التجاهل العلني مع تحريك أذرعها الإعلامية للهجوم عليه، في رسالة غير مباشرة مفادها: نحن نسمع ونرى، لكننا نعاملك كمن يغرد خارج السرب.

في خضم هذا السجال الداخلي، تقف المؤسسات الدولية بخاصة صندوق النقد الدولي (IMF)، موقف المراقب الضاغط. فالصندوق الذي أقرض مصر حزمة إنقاذ جديدة أواخر 2022 اشترط ضمنيًا تخفيف قبضة الدولة – والجيش تحديدًا – على الاقتصاد. وكشفت وثائق الاتفاق مع الصندوق أن القاهرة التزمت بإنهاء الوضعية الفريدة للشركات العسكرية، بما يشمل وقف الإعفاءات والامتيازات الخاصة التي تتمتع بها وإخضاعها لرقابة مالية دورية.

تعهّدت الحكومة أيضًا بطرح حصص من تلك الشركات للبيع سواء عبر البورصة أو لمستثمرين استراتيجيين. مر أكثر من عامين على تلك التعهدات، لكن التقدم كان بطيئًا للغاية. حتى أوائل 2025، لم يتم سوى بيع حصص في شركات صغيرة نسبيًا تابعة للجيش – مثل شركة “وطنية” لمحطات الوقود وشركة “صافي” للمياه – ولم تدخل أي من القطاعات الاستراتيجية ضمن برنامج الخصخصة. فالجيش احتفظ لنفسه بقطاعات حساسة مثل الصناعات الحربية ومواد البناء الثقيلة والتنقيب عن الثروات المعدنية، ما اعتبره البعض تملصًا من روح الإصلاح.

في الوقت ذاته، تتسابق دول الخليج وصناديقها السيادية لاقتناص الفرص في موجة الخصخصة المحدودة هذه. فقد استحوذ صندوق استثمار خليجي على حصة في شركة “صافي” مثلًا، كما دخلت شركات إماراتية في تحالف لشراء حصة من شركة “وطنية”. هذا الانفتاح يطرح معضلة جديدة: صحيح أنه يدر عملة صعبة تحتاجها مصر بشدة، لكنه يثير مخاوف التفريط في أصول وطنية لصالح رؤوس أموال خارجية.

وحذّر خبراء من أن بيع شركات الجيش قد يؤدي إلى سيطرة أجنبية على شرايين الاقتصاد إذا لم تُحدد نسب البيع بدقة. ويجادل هؤلاء بأن السيادة الاقتصادية ستكون على المحك إن بيعت حصص حاكمة في مجالات مثل الطاقة أو البنية التحتية لمستثمرين أجانب. فهل تتحول مصر من هيمنة “عسكرية محلية” إلى هيمنة “استثمارات أجنبية”؟ إنه خيار صعب بين شرّين: إما بقاء الوضع الراهن بكل علاته، أو المجازفة بدخول لاعبين جدد قد لا تكون مصالحهم متوافقة تمامًا مع المصلحة الوطنية طويلة الأمد.

حتى النموذج التركي الذي يُشاد به ليس مثاليًا تمامًا من زاوية الاستقلال الاقتصادي. فتركيا مولت طفرتها الصناعية – بما فيها صناعات الجيش المتقدمة – عبر ديون خارجية ضخمة. واليوم ترزح شركاتها تحت عبء قروض بالدولار، ما يجعل اقتصادها معرضًا لضغوط الدول الدائنة. أي أن اختيار أنقرة التركيز على المسيرات والدبابات لم يحمها تمامًا من تبعات الاعتماد على الخارج. وبالتالي، فالحلول ليست أبيض أو أسود: تقليص دور الجيش وخصخصة أصوله قد ينعشان المنافسة والسوق الحرة، لكنهما ليسا عصًا سحرية لضمان الازدهار إن لم يُدار التحرير الاقتصادي بحكمة وتدرج، مع تعزيز مؤسسات الحكم الرشيد ضبط السوق.

ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 06.12.2025

من نكتة إلى ملفّ أمني… قراءة في عاصفة ماريو مبارك

في العالم العربي، تفاقم هذا المنطق حين خرجت السخرية السياسية أيضاً من المسموح إلى الممنوع، وفي لبنان، الذي يُفترض أن يكون مساحة أكثر انفتاحاً، يتكرّر المشهد نفسه بأساليب مختلفة: استدعاءات، ملاحقات قضائية، ضغط طائفي، وتحريض رقمي يحوّل الكوميدي إلى هدف مشروع. 
14.05.2025
زمن القراءة: 11 minutes

ما الذي يريده نجيب ساويرس حقًا؟، فمن جهة يستفيد من صلاته مع الدولة حين تتاح الفرص الاقتصاديّة ومن جهة أخرى يقدم نفسه صوتًا للإصلاح لتحرير السوق من هيمنة العسكر، فيخاطب الغرب والمستثمرين بلغة الانفتاح. هذه الازدواجية قد تبدو انتهازية، لكنها أيضًا انعكاس لهوامش المناورة الضيقة في مصر اليوم.

في قاعة محاضرات عريقة بجامعة هارفارد، أعلن الملياردير المصري نجيب ساويرس أمام جمهور من الطلاب والأكاديميين، أن “الاقتصاد المصري يحتاج إلى تحرير الجيش من التجارة وإعادته إلى ثكناته”. الحديث علنًا عن تقليص دور الجيش أمر نادر من شخصية بحجم ساويرس، فيما تعاني مصر أزمة مالية خانقة وتسعى الحكومة بشكل محموم الى جذب الاستثمار. عرض ساويرس مثالًا بسيطًا أمام الحضور: تخيّل مستثمرًا أجنبيًا يريد إنشاء مصنع للمياه المعدنية في مصر، لكنه يكتشف أن الجيش يمتلك مصنعًا للمياه لا يدفع ضرائب أو جمارك – “كيف سيمكنه المنافسة؟” تساءل ساويرس. كان المشهد أشبه بلحظة كشف حساب علنية: رجل الأعمال الذي استفاد لعقود من صلاته بالدولة يندّد اليوم بلا مواربة بما وصفه بالتشوهات في قواعد اللعبة الاقتصادية.

خطاب النقد في هارفارد حقيقة أم مناورة؟

من الوهلة الأولى، بدا خطاب ساويرس في هارفارد أشبه بصوت معارض إصلاحي يكسر التابوهات. انتقد مزاحمة الجيش القطاع الخاص واستحواذه على مجالات مدنية لا تمت الى واجباته العسكرية بصلة. قارن بين حال مصر وتركيا قائلًا: “تركيا تصنع طائراتها المسيّرة، بينما جيشنا يبيع الجمبري والبسكويت”. في نظره، انخراط الجيش في بيع سلع استهلاكية – من المأكولات إلى المياه المعدنية – يأتي على حساب تطوير قدراته العسكرية التقنية. وأردف أن وجود الجيش في السوق يُخيف المستثمرين لأن شركاته “معفية من الضرائب وأجور العمالة”. لم يكن هذا النقد وليد اللحظة؛ فقبل أعوام حذّر ساويرس في مقابلة صحافية من منافسة غير متكافئة بين شركات القوات المسلحة والشركات الخاصة، معتبرًا أن الدولة ينبغي أن تكون منظّمًا للنشاط الاقتصادي لا مالكًا له. في هارفارد، كرر الرسالة في سياق دولي أوسع.

لكن خلف حماسة الخطاب، ارتسمت صورة متناقضة لساويرس نفسه. فالرجل الذي يدعو اليوم إلى إخراج الجيش من الاقتصاد، هو ذاته الذي بنت شركات عائلته إمبراطورية من الشراكة مع الدولة والمؤسسة العسكرية على مدى عقود. فعائلة ساويرس هي أحد أبرز مقاولي الدولة.  كيف لمن راكم ثروته عبر مشاريع حكومية ضخمة أن ينتقد يد الدولة في السوق؟ لقد بدا المشهد أشبه بمن يعضّ اليد التي أطعمته – أو ربما بمن ضاق ذرعًا بيدٍ أقوى باتت تزاحمه على مائدة المكاسب.

شراكات بالمليارات مع “الخط الأحمر”

على رغم لهجته “الإصلاحية”، لا يمكن إغفال إشتراك عائلة ساويرس في مشاريع عملاقة تحت مظلة الدولة والجيش. قبل نحو عقد، في 2016، حصلت شركة أوراسكوم للإنشاءات المملوكة لعائلة ساويرس على عقد بقيمة 420 مليون دولار لتحويل محطتي توليد كهرباء في أسيوط وغرب دمياط من الدورة البسيطة إلى الدورة المركبة. مثل هذه الصفقة الضخمة لم تكن لتتم من دون مباركة الحكومة – وضمنيًا الجيش الذي يشرف على مشروعات البنية التحتية. وفي مؤتمر استثمار دولي بشرم الشيخ قبل سنوات، تفاخر ساويرس نفسه بأنه جاهز لضخ نصف مليار دولار إضافية في مشروعات مصرية بمجالات البنية التحتية والطاقة والنقل. بمعنى آخر، كان الرجل دومًا حاضرًا عند خطط الدولة الكبرى، مستفيدًا من الفرص التي توفرها.

هذه الحقائق لم تغب عن منتقديه. فبعد خطاب هارفارد، سارع مصطفى بكري – وهو نائب وإعلامي محسوب على النظام – إلى تذكير الجميع بأن “شركات أوراسكوم المملوكة لعائلة ساويرس وحدها حصلت على مشروعات بقيمة 75 مليار جنيه خلال سبع سنوات”.

بكري هاجم ساويرس بشراسة، متهمًا إياه بالنفاق: كيف يذم تدخل الجيش اقتصاديًا وهو أول المستفيدين منه؟ بل ذهب أبعد من ذلك باتهامه بخيانة الخط الوطني، قائلاً إن “كلامه يتطابق مع مزاعم جماعة الإخوان الإرهابية”. لم يكن بكري صوتًا وحيدًا؛ إذ إن إعلاميين آخرين موالين للسلطة تساءلوا بلهجة ساخرة: من الذي حمى استثمارات ساويرس طوال هذه السنين إن لم يكن الجيش؟ في نظرهم، ساويرس مدين للمؤسسة العسكرية بأمن مشاريعه واستقرار مناخ الاستثمار الذي استفاد منه، وبالتالي فإن انتقاده لها أشبه بـ”نكران الجميل” إن لم يكن تحريضاً مغرضاً.

على جانب آخر، رأى خبراء اقتصاديون في صراحة ساويرس بارقة أمل ونقطة تحول في النقاش العام حول هيمنة الجيش الاقتصادية. للمرة الأولى يتجرأ أحد كبار رجال الأعمال – ومن داخل دائرة السلطة الاقتصادية – على المجاهرة بما يتداوله المستثمرون همسًا. يقول أحدهم إن تصريحات ساويرس كسرت حاجز الخوف الذي منع الكثيرين من التعبير عن ملاحظاتهم حول تشوه بيئة الاستثمار في مصر نتيجة امتيازات الجيش. ويأمل هؤلاء بأن تفتح هذه الجرأة الباب أمام حوار أكثر شفافية عن إصلاح الاقتصاد، حتى لو جاء على لسان من كان جزءًا من اللعبة القديمة.

خطاب سايروس، لم يسلم من تيارات المعارضة اليسارية للنظام أيضًا، لكن أكثرها أهمية كان الرأي الذي طرحه الباحث عمرو عبد الرحمن:
بلا مواربة، لو كان أمامي خيار صفري كاريكاتيري بين استمرار اقتصاد الجيش كما هو، أو بيع أصوله ومشاريعه لرأس المال الخاص، فأنا – وبكل وضوح – أختار الوضع القائم رغم كل عيوبه. أن تبقى ملكية هذه الأصول في يد العسكر، أهون عندي كثيرًا من أن تنتقل إلى بن زايد أو بن سلمان أو أي مستثمر أجنبي أو محلي بلا هوية أو التزام اجتماعي.

لكن الواقع أعقد بكثير من هذا التصوير الساذج للخيارات. نقطة البداية لأي نقاش جاد حول ملف حساس مثل اقتصاد الجيش يجب أن تكون امتلاك بيانات دقيقة وشفافة: ما الأصول والمشروعات التي يجب أن تنتقل الى الملكية العامة بحكم ضرورتها الاستراتيجية (أي تؤمم)، وما الذي يمكن أن يبقى في يد الجيش لطابعه التقني أو الأمني، وما الذي يمكن طرحه للبيع للقطاع الخاص – إذا كنا نفكر أصلًا في هذه الأطر الثلاثة بشكل تقليدي.

الأهم من ذلك كله، أنه بعد الوصول إلى التوليفة المثلى بين أشكال الملكية، يجب أن نفتح نقاشًا علنيًا حول حجم الإنفاق العسكري في بلد يعيش في قلب منطقة مضطربة، ونتحدث بجدية عن الزيادة الحتمية لهذا الإنفاق وكيفية تمويله من دون أن تتحمل العبء الغالبية الساحقة من المواطنين.

هذه هي الطريقة التي يجب أن تناقش بها أي جماعة ديمقراطية جادة قضية بهذا المستوى من الحساسية. لكننا – للأسف – نواصل التصفيق لساويرس الذي يخرج علينا كل فترة ليزايد علينا في أوقات فراغه، بينما يواصل شراكته مع العسكر بلا حرج”.

بين خطاب السلطة وحقائق الأرض

في معرض دفاعهم عن وضع الجيش، يردد المسؤولون في القاهرة أرقامًا تبدو متواضعة. يؤكد الرئيس عبد الفتاح السيسي مرارًا – كما فعل في أحد التصريحات عام 2016 – أن حصة الأنشطة الاقتصادية للقوات المسلحة لا تتجاوز  الـ1.5 إلى 2 في المئة من الناتج المحلي. وكررت الحكومة الرسالة نفسها في السنوات اللاحقة، لتبدو مشاركة الجيش في الاقتصاد محدودة للغاية. بيد أن هذه الرواية الرسمية تناقضها تقديرات مستقلة تفيد بأن الحجم الحقيقي لإمبراطورية الجيش الاقتصادية أضعاف ذلك. فبعض المحللين قدّروا منذ سنوات أن المؤسسات التابعة للجيش قد تسيطر على ما يصل إلى 40 في المئة من الاقتصاد المصري. بالطبع ترفض السلطة هذه الأرقام جملة وتفصيلاً، لكن غياب الشفافية يجعل الفجوة بين الرقمين لغزًا بحد ذاته. فلا تُنشر أي بيانات رسمية تفصيلية عن أرباح شركات الجيش وأنشطتها، وتبقى حساباتها طي الكتمان بدعوى اعتبارات الأمن القومي.

ما هو معلوم ومؤكد أن دور الجيش في البنية التحتية والإنشاءات تضخّم بعد 2013. فقد أصبح بالفعل مقاول الدولة الأول في عهد السيسي، مسنَدًا إليه تنفيذ مشروعات قومية ضخمة. تولى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة إنشاء آلاف الكيلومترات من الطرق الجديدة، والإشراف على بناء العاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة، وتطوير مناطق استراتيجية مثل محور قناة السويس. ووفق دراسة لمركز كارنيغي للشرق الأوسط، أصدر السيسي مرسومًا عام 2016 خصص 16 ألف فدان لجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة (وهو الذراع العسكرية المعنية بإدارة أراضي الدولة) لإقامة مشاريع في العاصمة الجديدة.

منح ذلك المرسوم الجيش حق الانتفاع بأراضٍ شاسعة مجانًا تقريبًا، بل والسماح له بتأسيس شركات بالمشاركة مع مستثمرين – كل ذلك بعيدًا عن منافسة القطاع الخاص الذي انسحب كثير من رموزه أمام هذه الهيمنة. هكذا لم يعد الجيش مجرد شريك؛ بل بات صاحب الأرض والمشرف والمقاول، في آن واحد.

وعلى الأرض، امتدّ نفوذ المؤسسة العسكرية إلى قطاعات لم يكن يخطر على بال أحد أنها ستصبح جزءًا من أنشطتها. إذ أنشأ جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع لوزارة الدفاع شركات تنتج سلعًا مدنية متنوعة: من المعكرونة إلى الأسمنت، ومن الأجهزة المنزلية إلى محطات الوقود. ففي عام 2016 مثلًا، أطلق الجيش علامة المياه المعدنية “صافي” التي سرعان ما استحوذت على حصة ضخمة من سوق المياه المعبأة (يُقدرها بعض خبراء التجزئة بنحو الـ 30 في المئة)، وذلك بفضل ما تحظى به من إعفاءات ضريبية واستخدام عمالة مجندة زهيدة الأجر تمنحها أفضلية سعرية تنافسية.

هذه الشركة وأخواتها من المؤسسات المملوكة للجيش لا تدفع الرسوم والضرائب نفسها التي ترهق كاهل المستثمر الخاص، ولا تُثقلها أجور العاملين المدنيين، ما يجعل المنافسة معها غير عادلة منذ البداية باعتراف ساويرس نفسه. ويؤكد تحليل حديث لمركز كارنيغي أن شركات الجيش تمتعت تاريخيًا بإعفاءات أوسع حتى من باقي شركات القطاع العام – فلا تدفع ضرائب دخل أو عقارية أو جمركية، وتُعفى من ضريبة القيمة المضافة والرسوم الإدارية ورسوم النقل وغيرها. باختصار، يد الجيش في السوق مطلقة الحرية وخزينتها محصنة بميزات سيادية، ما جعلها عمليًا خارج المنافسة وخارج المحاسبة البرلمانية كذلك.

ذلك كله خلق واقعًا يصفه منتقدو الوضع باقتصاد بمكيالين: جيش يملك شركات ضخمة تعمل بمنطق المؤسسات الحكومية حين يتعلق الأمر بالرقابة والشفافية (فلا رقابة حقيقية ولا نشر لميزانيات)، لكنها تتصرف كمؤسسات خاصة تجارية حين يتعلق الأمر بحصد الأرباح من السوق. أما القطاع الخاص التقليدي فيرى نفسه محشورًا في زاوية ضيقة؛ فإن دخل في منافسة، وجد ملعبًا غير متكافئ بقواعد لعبة تفضّل لاعبًا واحدًا دائمًا.

بين النموذج التركي والمصري…

في  هارفارد، حاول ساويرس استنهاض مثال تركيا للإشارة إلى إمكانية إصلاح المسار. فأشاد بأنقرة التي ركزت جيشها على الصناعات الدفاعية المتقدمة بدلًا من الانخراط في منافسة القطاع الخاص المدني. قال بلهجة لاذعة: “تركيا تصنع طائراتها المسيّرة ودباباتها، أما نحن فالجيش عندنا مشغول ببيع الجمبري”. فهل النموذج التركي فعلاً بديل يُحتذى به؟

صحيح أن الجيش التركي ليس غارقًا في إنتاج المواد الغذائية، لكنه ليس خارج الاقتصاد بأي حال. الفارق أن مصالحه التجارية تدار عبر ذراع استثمارية رسمية هي صندوق معاشات القوات المسلحة المعروف باسم “أوياك (OYAK)”. هذا الصندوق العملاق يسيطر على عشرات الشركات الكبرى، وتقدر أصوله اليوم بنحو 20 مليار دولار تُستثمر في صناعات الحديد والصلب والأسمنت والسيارات والطاقة وغيرها.

أي أن الجيش التركي موجود بقوة في السوق، وإن كان ظهوره يأخذ شكل المستثمر الصناعي الكبير. لقد بنى أوياك إمبراطورية اقتصادية منذ تأسيسه عام 1961 عقب انقلاب عسكري، واستمر في التوسع خلال العقود التالية حتى مع ابتعاد الجيش التركي عن الحكم المباشر. المفارقة أن نفوذ أوياك لم يتأثر كثيرًا بوصول حكومة مدنية قوية (حزب العدالة والتنمية) إلى السلطة في تركيا؛ فصندوق الجيش هناك يعمل “كمؤسسة استثمارية محترفة يديرها تكنوقراط” أكثر من كونه امتدادًا مباشرًا لقيادة الجيش.

في المقابل، يعتمد النموذج المصري على ملكية مباشرة للجيش لشركات ومصانع تديرها قيادات عسكرية متقاعدة أو في الخدمة، وتستخدم جنودًا كعاملين، ما يجعل الجيش هو الشركة والمشرف والمستفيد النهائي في آن. أي أن الاختلاف بين النموذجين ليس في حجم التدخل فقط بل في طبيعته: تركيا فصلت – نظريًا – بين الجيش كمؤسسة عسكرية وبين ذراعه الاقتصادي (صندوق التقاعد)، في حين تداخلت الحدود تمامًا في الحالة المصرية. لذا يمكن القول إن الجيش المصري لا يختلف جوهريًا في حضوره الاقتصادي عن الجيش التركي – فكلاهما يملك المصانع والشركات – لكن المصري اختار قطاعات استهلاكية وخدمية واسعة الانتشار، بينما ركز التركي على الصناعات الثقيلة والاستثمارية. ربما لهذا قال معلقون ساخرون إنه لو تحول الجيش المصري غدًا إلى تصنيع الطائرات المسيّرة محليًا – كما يقترح ساويرس – فسنجد ساويرس نفسه أول المصفقين والمساهمين في تلك المشاريع!

رجل أعمال أم مصلح وطني؟ 

تطرح هذه التناقضات سؤالًا جوهريًا: ما الذي يريده نجيب ساويرس حقًا؟ هل هو صاحب رؤية مخلصة لإصلاح الاقتصاد المصري بتحجيم دور الجيش وإطلاق حرية السوق؟ أم أنه رجل أعمال براغماتي ضاق ذرعًا بمنافس يفوقه قوة وحصانة، فقرر خوض معركة مصالح تحت عباءة الإصلاح العام؟ لا شك في أن ساويرس يتمتع بذكاء حاد وخبرة طويلة في دهاليز الاقتصاد المصري. فهو يدرك أن قواعد اللعبة تغيرت في العقد الأخير: المشاريع الكبرى التي كانت تتوزع بين حيتان القطاع الخاص في عصر مبارك، بات الكثير منها في عهد السيسي يذهب الى المؤسسة العسكرية وشركاتها. وربما شعر إمبراطور الاتصالات والإنشاءات السابق بأن إمبراطوريته تواجه تهديدًا غير مسبوق من لاعب حكومي لا يمكن منافسته أو التفوق عليه.

يرى بعض المراقبين أن ساويرس يلعب على الحبلين: فمن جهة يستفيد من صلات الدولة حين تتاح الفرص – كما فعل في مشروعات الكهرباء وغيرها – ومن جهة أخرى يقدم نفسه صوتًا للإصلاح لتحرير السوق من الهيمنة، فيخاطب الغرب والمستثمرين بلغة الانفتاح. هذه الازدواجية قد تبدو انتهازية، لكنها أيضًا انعكاس لهوامش المناورة الضيقة في مصر اليوم. فحتى كبار رجال الأعمال لم يعودوا يتمتعون بالنفوذ السابق، وأصبح عليهم إما التحالف مع تحالف السلطة والجيش أو المخاطرة برأس المال في معركة غير متكافئة. لذا قد يكون خروج ساويرس عن الصمت علامة على إحباط متراكم أكثر منه صحوة ضمير مفاجئة. وربما أملَ بأنه بتعرية الواقع على الملأ – في منبر دولي بعيد عن رقابة القاهرة – يستطيع الضغط لتحجيم دور منافسه الأقوى.

من جانبه، يتعامل النظام بحساسية مع هذه التصريحات. حتى الآن التزمت الحكومة والجيش الصمت رسميًا حيال خطاب ساويرس، فلا ردود مباشرة ولا تعليقات من المسؤولين. وربما يعود ذلك إلى إدراكهم أن المرحلة تتطلب تهدئة مؤقتة في ظل خطة مطروحة لطرح بعض شركات الجيش في البورصة لجذب استثمارات. فأي مواجهة علنية مع ساويرس الآن قد تربك هذه الخطط وتثير مخاوف المستثمرين الذي يراقبون المشهد. كما أن مكانة ساويرس المالية والإعلامية تجعل استعداءه مكلفًا – فهو ليس خصمًا سهلاً ويمكن أن يؤثر على الرأي العام الاقتصادي في الداخل والخارج. لذا اختارت السلطة تكتيك التجاهل العلني مع تحريك أذرعها الإعلامية للهجوم عليه، في رسالة غير مباشرة مفادها: نحن نسمع ونرى، لكننا نعاملك كمن يغرد خارج السرب.

في خضم هذا السجال الداخلي، تقف المؤسسات الدولية بخاصة صندوق النقد الدولي (IMF)، موقف المراقب الضاغط. فالصندوق الذي أقرض مصر حزمة إنقاذ جديدة أواخر 2022 اشترط ضمنيًا تخفيف قبضة الدولة – والجيش تحديدًا – على الاقتصاد. وكشفت وثائق الاتفاق مع الصندوق أن القاهرة التزمت بإنهاء الوضعية الفريدة للشركات العسكرية، بما يشمل وقف الإعفاءات والامتيازات الخاصة التي تتمتع بها وإخضاعها لرقابة مالية دورية.

تعهّدت الحكومة أيضًا بطرح حصص من تلك الشركات للبيع سواء عبر البورصة أو لمستثمرين استراتيجيين. مر أكثر من عامين على تلك التعهدات، لكن التقدم كان بطيئًا للغاية. حتى أوائل 2025، لم يتم سوى بيع حصص في شركات صغيرة نسبيًا تابعة للجيش – مثل شركة “وطنية” لمحطات الوقود وشركة “صافي” للمياه – ولم تدخل أي من القطاعات الاستراتيجية ضمن برنامج الخصخصة. فالجيش احتفظ لنفسه بقطاعات حساسة مثل الصناعات الحربية ومواد البناء الثقيلة والتنقيب عن الثروات المعدنية، ما اعتبره البعض تملصًا من روح الإصلاح.

في الوقت ذاته، تتسابق دول الخليج وصناديقها السيادية لاقتناص الفرص في موجة الخصخصة المحدودة هذه. فقد استحوذ صندوق استثمار خليجي على حصة في شركة “صافي” مثلًا، كما دخلت شركات إماراتية في تحالف لشراء حصة من شركة “وطنية”. هذا الانفتاح يطرح معضلة جديدة: صحيح أنه يدر عملة صعبة تحتاجها مصر بشدة، لكنه يثير مخاوف التفريط في أصول وطنية لصالح رؤوس أموال خارجية.

وحذّر خبراء من أن بيع شركات الجيش قد يؤدي إلى سيطرة أجنبية على شرايين الاقتصاد إذا لم تُحدد نسب البيع بدقة. ويجادل هؤلاء بأن السيادة الاقتصادية ستكون على المحك إن بيعت حصص حاكمة في مجالات مثل الطاقة أو البنية التحتية لمستثمرين أجانب. فهل تتحول مصر من هيمنة “عسكرية محلية” إلى هيمنة “استثمارات أجنبية”؟ إنه خيار صعب بين شرّين: إما بقاء الوضع الراهن بكل علاته، أو المجازفة بدخول لاعبين جدد قد لا تكون مصالحهم متوافقة تمامًا مع المصلحة الوطنية طويلة الأمد.

حتى النموذج التركي الذي يُشاد به ليس مثاليًا تمامًا من زاوية الاستقلال الاقتصادي. فتركيا مولت طفرتها الصناعية – بما فيها صناعات الجيش المتقدمة – عبر ديون خارجية ضخمة. واليوم ترزح شركاتها تحت عبء قروض بالدولار، ما يجعل اقتصادها معرضًا لضغوط الدول الدائنة. أي أن اختيار أنقرة التركيز على المسيرات والدبابات لم يحمها تمامًا من تبعات الاعتماد على الخارج. وبالتالي، فالحلول ليست أبيض أو أسود: تقليص دور الجيش وخصخصة أصوله قد ينعشان المنافسة والسوق الحرة، لكنهما ليسا عصًا سحرية لضمان الازدهار إن لم يُدار التحرير الاقتصادي بحكمة وتدرج، مع تعزيز مؤسسات الحكم الرشيد ضبط السوق.

14.05.2025
زمن القراءة: 11 minutes
|

اشترك بنشرتنا البريدية