ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الحرب الإسرائيلية – الإيرانية كمسلسل تلفزيوني:  عن مشاهد عربي مُتّكئ على أريكته دون أن يشعر بالذنب!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الجديد في “مشاهدة” الحرب بين إسرائيل وإيران، هو فخر الكثيرين بأنهم متفرّجون فقط!، بعكس الحروب السابقة، حينما كانت عقد الذنب أساسية لحظة المشاهدة، والخجل أمام هول الموت والمجازر حاضر بقوة. اليوم، يفاخر الكثيرون بأنهم خارج هذه الحرب، لا بل إن الأمور وصلت إلى درجة أن مشاهد القصف المتبادل بين إسرائيل وإيران، أصبحت ترفيهية “انترتيمنت” يحتوي على جرعة عالية من الأدرينالين!

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

منذ قرابة العامين، والعالم يشهد الإبادة الجماعية في غزّة عبر البثّ المباشر، ومنذ صبيحة السابع من تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٢٣، يتسمّر مشاهدون عرب أمام الشاشات، يوماً بيوم، يتابعون التحوّل من الحرب إلى الإبادة.

 تختلف المشاهدة حسب شدّة الحدث. تهدأ في أوقات الهدن، وتشتدّ مع اشتداد المجازر. مع انفجار الحرب الإسرائيلية الإيرانية، اشتدّت المتابعة، وجلس “الجميع” أمام الشاشات الإخبارية لمتابعة أحداث الحرب مباشرة.

 لكن، هل هذا جديد على فئة كبيرة من سكّان المنطقة العربية، أي التمترس خلف شاشات التلفزة في الحروب؟ بالطبع لا، فمنذ غزو العراق ٢٠٠٣، وهناك فئة من المشاهدين متمترسة خلف شاشات التلفزة الإخبارية، تشاهد الحروب وكأنها مسلسل تلفزيوني مكتوب سلفاً، ولا قدرة للمتفرّج على تغيير أحداثه، الظاهرة التي أشار إليها سابقاً الفيلسوف الفرنسي جان بودريار في كتابه “حرب الخليج لم تحدث!”، في إشارة إلى أثر الصورة وقدرتها على خلق “سردية الحرب” التي شاهدنا بعض أحداثها، أحياناً، قبل أن تقع!

حروب البثّ المباشر

لم تكن الحرب الإيرانية الإسرائيلية الحرب الأولى التي يتمّ بثّها مباشرة، فمنذ انطلاق الفضائيات في التسعينيات، حرصت القنوات الإخبارية على النقل المباشر للحدث الحربي، يوماً بيوم، ساعة بساعة، ولحظة بلحظة. لا بل تغيّرت طبيعة الخبر والصحافة كافّة، فالخبر الذي كان يحتاج إلى ساعات أصبح يصل في دقائق، وتراجع دور الإذاعة والجريدة اليومية لمصلحة التلفزيون، الوسيلة الإعلامية الأسرع والمعزّز بالصور والفيديوهات، ولم يعد المشاهد محصوراً بالقنوات الحكومية وأجنداتها، بل أصبح هناك مصادر متعدّدة للخبر الواحد، ولكلّ مصدر أجندته وسياساته، وللمشاهد حرّية اختيار القناة والمصدر.

كانت تغطية حرب العراق الأولى (عاصفة الصحراء ١٩٩١) والثانية (غزو العراق ٢٠٠٣) خير مثال على تحوّل الإعلام وتغيير وسائل نقله للحدث، فبينما مرّت الحرب الأولى عبر القنوات الإعلامية التقليدية، مع ظهور محدود للفضائيات والقنوات التلفزيونية الناقلة، فإن الحرب الثانية كانت المثال الأوّل على حروب البثّ المباشر، التي يشهد فيها المتلقّي الحدث لحظة وقوعه. 

وربما كانت لحظات ما قبل القصف الأميركي الأوّل عند غزو العراق، وحالة التأهّب له، هي الحلقة الأولى في حروب البثّ المباشر، وكان تمترس المشاهد العربي خلف الشاشات في تلك اللحظة، هو فعل سوف يعتاده المشاهد الذي لن تنتهي حروبه مع إسرائيل، أو مع جيرانه العرب، أو مع نفسه.

الحرب كمسلسل تلفزيوني

كان غزو العراق هو المشهد الأوّل في مسلسل تلفزيوني عربي طويل، سنُطلق عليه هنا اصطلاح (المسلسل الإخباري العربي) حيث يعود المشاهد إلى منزله، ليشغل التلفاز ويشاهد الأخبار، لا على اعتبارها حدثاً يرتبط به ويؤثّر فيه ويتأثر به، بل باعتباره مشاهداً حيادياً، وفي أفضل الأحوال مشاهد متعاطف، يشاهد الأحداث ولا يمكنه التأثير فيها. تلا غزو العراق أحداث حربية عربية مختلفة، كحرب تمّوز/ يوليو ٢٠٠٦، وحرب غزّة ٢٠٠٨، ولم يختلف دور المتلقّي فيها، وبقي مشاهداً لا فاعلاً. وحدها ثورات الربيع العربي هي التي نقلت فئة من المشاهدين من الأريكة أمام التلفاز إلى الشارع، ومع انفجار الانتفاضات العربية، لم يعد المتلقّي مشاهداً، بل فاعل ومشارك، علاقته بالأخبار هي أثر وتأثير، لا بل أحياناً يكون هو ذاته الخبر حينما يشارك في مظاهرة أو فعل ثوري. 

خبت الثورات، وزال الربيع، وعاد المتلقّي العريي إلى أريكته يتابع أخبار العالم، يتابعها تماماً كما يتابع مسلسلاً درامياً، حتى إن هذا الفعل، استحال إلى فعل يومي في حياة الفرد العربي المشرقي، تحديداً في البلاد التي بقيت مشتعلة، كالعراق وسوريا ولبنان وفلسطين، والتي في الكثير من الأحيان يجد المشاهد نفسه موضع الحدث، بالنهاية الحرب تمتدّ وتطال حتى من يواجهها.

 هذه البلاد التي أنتجت للمتلقّي العربي أضخم المسلسلات الإخبارية، فمسلسل حرب العراق امتدّ سنوات، والمقتلة السورية امتدّت حلقاتها على مدار ١٤ عشر عاماً، وكانت حلقاتها الأخيرة في غاية من الحماسة، حيث تابع الملايين أيّام السقوط الأخيرة. 

أما فلسطين، فهي المسلسل الأشهر والممتدّ منذ عقود؛ ما أقصده بقول المسلسل هنا ليس الحدث الإنساني بالطبع، بل طريقة تعامل الفرد العربي معه، وكيف استحالت الأخبار السياسية، وأخبار المنطقة تحديداً، إلى فعل ترفيهي، حالها حال مشاهد الدراما، حتى وصلت الحال أن تسأل أحدهم ماذا سيفعل هذا المساء؟ فيجيب: (رايح أحضر أخبار) وكأنه ذاهب لقراءة رواية أو مشاهدة فيلم أو مسلسل!

عن فخر المتفرّج العربي بدلاً من خجله

(العودة إلى القِن) تُستخدم هذه العبارة في العلوم الاجتماعية والدراسات الثقافية، كدلالة على العودة إلى زمن الأقنان والعبودية، لكنّها في حالتنا هنا، تشير إلى عودة المُشاهد العربي إلى أريكته. ويمكن استخدامها مع كلّ حدث جديد يعود فيه الفرد العربي إلى جلسته أمام التلفاز، وهذا حدث كثيراً في الخمسة وعشرين سنة الأخيرة، التي نشطت فيها حروب البثّ المباشر، من الانتفاضة الفلسطينية الثانية ٢٠٠٠، وصولاً إلى حرب الإبادة في غزة، ودائماً ما كان المشاهد يجد نفسه معنيّاً بهذه الحرب، سواء من جهة الانتماء والقومية، أو من جهة الأيديولوجيا والدين. الاستثناء الوحيد هو الحرب الإسرائيلية الإيرانية التي اشتعلت منذ أيّام. 

(اللهم اضرب الظالمين في الظالمين، الله يطفّيها ببنزين، أحلى شي بهالحرب أنو ما دخلنا… ألخ) هذه العبارات وغيرها هي الحاضرة في الشارع العربي اليوم في التعليق على الحرب الإيرانية الإسرائيلية، وقائلها يجد أنه غير معنيّ فيها بشكل مباشر، ويتمنّى للطرفين الهزيمة. 

مفهوم هذا الرأي العامّ على المستوى السياسي، إيران احتلّت عدّة عواصم عربية لأكثر من عقد (دمشق، بيروت، صنعاء، بغداد) وأمعنت ظلماً وقتلاّ في هذه البلاد، وتحديداً في سوريا. وإسرائيل لها تاريخ حافل من القتل والإجرام ضدّ العرب، وما فتئت كياناً غير قادر على الاندماج مع محيطه.

لكن على المستوى الاجتماعي، فإن إحساس الفرد العربي أنه غير معنيّ، هو فعل فصامي بحاجة إلى تأمّل، لكون القضيّة الأساسية التي قام عليها الخلاف بين إيران وإسرائيل؛ ولو ظاهرياً، هي فلسطين، أي المسألة التي لطالما تبجّح الفرد العربي بانتمائه إليها وإيمانه بقيمها، ومن جهة أخرى فإن الموقع الجغرافي للحرب وسياقها التاريخي، يجعلان الفرد العربي معنيّاً بها بالضرورة، أو على الأقلّ، ألا يتحوّل إلى متفرّج على حدث رياضي يتابعه ليعرف من سيربح المباراة في النهاية. 

إذاً، عادت فئة كبيرة إلى دور المتفرّج، وعاد (المتفرّج) إلى التعامل مع الحرب على أنها مسلسل تلفزيوني، وهذا ليس بجديد كما ورد سالفاً، لكنّ الجديد في الحرب هذه، هو فخر بعض المتلقّين العرب بأنهم متفرّجون فقط! وعلى عكس الحروب السابقة، حينما كانت عقد الذنب أساسية لحظة المشاهدة، والخجل أمام هول الموت والمجازر حاضر بقوّة.

أما اليوم، فيفاخر الكثيرون بأنهم خارج هذه الحرب، لا بل إن الأمور وصلت إلى درجة أن مشاهد القصف المتبادل بين إسرائيل وإيران، أصبحت مشاهد ترفيهية “انترتيمنت” يحتوي على جرعة عالية من الأدرينالين، ولنا في المقاطع المصوّرة حول الاحتفال بالصواريخ الإيرانية وهي تمرّ فوق البلاد العربية مثالاّ شديد الوضوح، علماً أن هذا الفعل (فعل مرور صواريخ من فوق رأسك) وهذا الدور (المتفرّج غير المعنيّ) هي أشياء تدعو للخجل، والإحساس بالعجز، لا بالعنتريات والفخر العربي الذي لم يبقَ منه شيئاً، بعد أن استُبيحت سماؤه وأرضه ومجتمعه.

 لا بل وصلت الأمور حدّ إعلان سهرات في الأردن، لتناول القهوة والشاي وتدخين الشيشة على وقع صواريخ إيران، وكأننا أمام مشهد تهاطل شُهبي، وليس تساقط صواريخ بالستية عابرة للحدود ولسماء البلدان العربية، السماء نفسها التي تتمختر فيها المقاتلات الإسرائيلية في ذهابها وإيّابها نحو إيران.

أخطر ما في هذه العلاقة المسمومة (التوكسيك) بين الفرد العربي والخبر السياسي هو (التطهير) أي تلك الحالة التي تصيب المتلقّي حينما يشاهد الدراما، سواء في المسرح أو على التلفاز، حينما يرى المتلقّي معاناة البطل التراجيدي، وصراعه، ونهايته. كأن ترى أوديب يفقأ عينيه، وحينما تنتهي المسرحية تسعَد وترتاح لأنك لست أوديب، ولا تشعر بالذنب من هذا الشعور بالراحة لأن أوديب غير حقيقي. المشكلة ليست في التطهير بذاته، فهو شعور إنساني راقٍ كما أطلق عليه أرسطو، المشكلة فعلاً بأن المتلقّي العربي يصل إلى التطهير وهو يشاهد الخبر الحقيقي وليس دراما متخيّلة، والشخصيّات الموجودة على التلفاز ليست شخصيّات مكتوبة بل هم بشر من لحم ودم.

 لذلك فإن شعور التطهير الأساسي (أنا لست أوديب) الذي يبعث على الراحة في النفس، وعدم الإحساس بالذنب ينتقل في حالتنا هنا إلى (أنا لست القتيل) ولا ذنب لي في قتله. وبذلك تكتمل صورة المتفرّج العربي المتّكئ على أريكته منذ سنين، العالم من حوله يشتغل ويتغيّر وهو جالس أمام تلفازه يتابع المسلسل الإخباري العربي في مواسمه/ حروبه المختلفة.

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 16.01.2026

“الإبادة البيئيّة” في سلطنة عمان: من يحمي الحوت الأحدب والنمر العربي من شركات النفط والغاز؟

سلطنة عُمان تحتل المركز الثاني بين أكثر الدول التي تتضمن تراخيص نفط وغاز داخل مناطق محمية معترف بها دوليًا بمساحة تداخل تبلغ نحو 56 ألف كم²، حيث تتقاطع 20 ترخيصًا للنفط والغاز مع 35 منطقة محمية.

الجديد في “مشاهدة” الحرب بين إسرائيل وإيران، هو فخر الكثيرين بأنهم متفرّجون فقط!، بعكس الحروب السابقة، حينما كانت عقد الذنب أساسية لحظة المشاهدة، والخجل أمام هول الموت والمجازر حاضر بقوة. اليوم، يفاخر الكثيرون بأنهم خارج هذه الحرب، لا بل إن الأمور وصلت إلى درجة أن مشاهد القصف المتبادل بين إسرائيل وإيران، أصبحت ترفيهية “انترتيمنت” يحتوي على جرعة عالية من الأدرينالين!

منذ قرابة العامين، والعالم يشهد الإبادة الجماعية في غزّة عبر البثّ المباشر، ومنذ صبيحة السابع من تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠٢٣، يتسمّر مشاهدون عرب أمام الشاشات، يوماً بيوم، يتابعون التحوّل من الحرب إلى الإبادة.

 تختلف المشاهدة حسب شدّة الحدث. تهدأ في أوقات الهدن، وتشتدّ مع اشتداد المجازر. مع انفجار الحرب الإسرائيلية الإيرانية، اشتدّت المتابعة، وجلس “الجميع” أمام الشاشات الإخبارية لمتابعة أحداث الحرب مباشرة.

 لكن، هل هذا جديد على فئة كبيرة من سكّان المنطقة العربية، أي التمترس خلف شاشات التلفزة في الحروب؟ بالطبع لا، فمنذ غزو العراق ٢٠٠٣، وهناك فئة من المشاهدين متمترسة خلف شاشات التلفزة الإخبارية، تشاهد الحروب وكأنها مسلسل تلفزيوني مكتوب سلفاً، ولا قدرة للمتفرّج على تغيير أحداثه، الظاهرة التي أشار إليها سابقاً الفيلسوف الفرنسي جان بودريار في كتابه “حرب الخليج لم تحدث!”، في إشارة إلى أثر الصورة وقدرتها على خلق “سردية الحرب” التي شاهدنا بعض أحداثها، أحياناً، قبل أن تقع!

حروب البثّ المباشر

لم تكن الحرب الإيرانية الإسرائيلية الحرب الأولى التي يتمّ بثّها مباشرة، فمنذ انطلاق الفضائيات في التسعينيات، حرصت القنوات الإخبارية على النقل المباشر للحدث الحربي، يوماً بيوم، ساعة بساعة، ولحظة بلحظة. لا بل تغيّرت طبيعة الخبر والصحافة كافّة، فالخبر الذي كان يحتاج إلى ساعات أصبح يصل في دقائق، وتراجع دور الإذاعة والجريدة اليومية لمصلحة التلفزيون، الوسيلة الإعلامية الأسرع والمعزّز بالصور والفيديوهات، ولم يعد المشاهد محصوراً بالقنوات الحكومية وأجنداتها، بل أصبح هناك مصادر متعدّدة للخبر الواحد، ولكلّ مصدر أجندته وسياساته، وللمشاهد حرّية اختيار القناة والمصدر.

كانت تغطية حرب العراق الأولى (عاصفة الصحراء ١٩٩١) والثانية (غزو العراق ٢٠٠٣) خير مثال على تحوّل الإعلام وتغيير وسائل نقله للحدث، فبينما مرّت الحرب الأولى عبر القنوات الإعلامية التقليدية، مع ظهور محدود للفضائيات والقنوات التلفزيونية الناقلة، فإن الحرب الثانية كانت المثال الأوّل على حروب البثّ المباشر، التي يشهد فيها المتلقّي الحدث لحظة وقوعه. 

وربما كانت لحظات ما قبل القصف الأميركي الأوّل عند غزو العراق، وحالة التأهّب له، هي الحلقة الأولى في حروب البثّ المباشر، وكان تمترس المشاهد العربي خلف الشاشات في تلك اللحظة، هو فعل سوف يعتاده المشاهد الذي لن تنتهي حروبه مع إسرائيل، أو مع جيرانه العرب، أو مع نفسه.

الحرب كمسلسل تلفزيوني

كان غزو العراق هو المشهد الأوّل في مسلسل تلفزيوني عربي طويل، سنُطلق عليه هنا اصطلاح (المسلسل الإخباري العربي) حيث يعود المشاهد إلى منزله، ليشغل التلفاز ويشاهد الأخبار، لا على اعتبارها حدثاً يرتبط به ويؤثّر فيه ويتأثر به، بل باعتباره مشاهداً حيادياً، وفي أفضل الأحوال مشاهد متعاطف، يشاهد الأحداث ولا يمكنه التأثير فيها. تلا غزو العراق أحداث حربية عربية مختلفة، كحرب تمّوز/ يوليو ٢٠٠٦، وحرب غزّة ٢٠٠٨، ولم يختلف دور المتلقّي فيها، وبقي مشاهداً لا فاعلاً. وحدها ثورات الربيع العربي هي التي نقلت فئة من المشاهدين من الأريكة أمام التلفاز إلى الشارع، ومع انفجار الانتفاضات العربية، لم يعد المتلقّي مشاهداً، بل فاعل ومشارك، علاقته بالأخبار هي أثر وتأثير، لا بل أحياناً يكون هو ذاته الخبر حينما يشارك في مظاهرة أو فعل ثوري. 

خبت الثورات، وزال الربيع، وعاد المتلقّي العريي إلى أريكته يتابع أخبار العالم، يتابعها تماماً كما يتابع مسلسلاً درامياً، حتى إن هذا الفعل، استحال إلى فعل يومي في حياة الفرد العربي المشرقي، تحديداً في البلاد التي بقيت مشتعلة، كالعراق وسوريا ولبنان وفلسطين، والتي في الكثير من الأحيان يجد المشاهد نفسه موضع الحدث، بالنهاية الحرب تمتدّ وتطال حتى من يواجهها.

 هذه البلاد التي أنتجت للمتلقّي العربي أضخم المسلسلات الإخبارية، فمسلسل حرب العراق امتدّ سنوات، والمقتلة السورية امتدّت حلقاتها على مدار ١٤ عشر عاماً، وكانت حلقاتها الأخيرة في غاية من الحماسة، حيث تابع الملايين أيّام السقوط الأخيرة. 

أما فلسطين، فهي المسلسل الأشهر والممتدّ منذ عقود؛ ما أقصده بقول المسلسل هنا ليس الحدث الإنساني بالطبع، بل طريقة تعامل الفرد العربي معه، وكيف استحالت الأخبار السياسية، وأخبار المنطقة تحديداً، إلى فعل ترفيهي، حالها حال مشاهد الدراما، حتى وصلت الحال أن تسأل أحدهم ماذا سيفعل هذا المساء؟ فيجيب: (رايح أحضر أخبار) وكأنه ذاهب لقراءة رواية أو مشاهدة فيلم أو مسلسل!

عن فخر المتفرّج العربي بدلاً من خجله

(العودة إلى القِن) تُستخدم هذه العبارة في العلوم الاجتماعية والدراسات الثقافية، كدلالة على العودة إلى زمن الأقنان والعبودية، لكنّها في حالتنا هنا، تشير إلى عودة المُشاهد العربي إلى أريكته. ويمكن استخدامها مع كلّ حدث جديد يعود فيه الفرد العربي إلى جلسته أمام التلفاز، وهذا حدث كثيراً في الخمسة وعشرين سنة الأخيرة، التي نشطت فيها حروب البثّ المباشر، من الانتفاضة الفلسطينية الثانية ٢٠٠٠، وصولاً إلى حرب الإبادة في غزة، ودائماً ما كان المشاهد يجد نفسه معنيّاً بهذه الحرب، سواء من جهة الانتماء والقومية، أو من جهة الأيديولوجيا والدين. الاستثناء الوحيد هو الحرب الإسرائيلية الإيرانية التي اشتعلت منذ أيّام. 

(اللهم اضرب الظالمين في الظالمين، الله يطفّيها ببنزين، أحلى شي بهالحرب أنو ما دخلنا… ألخ) هذه العبارات وغيرها هي الحاضرة في الشارع العربي اليوم في التعليق على الحرب الإيرانية الإسرائيلية، وقائلها يجد أنه غير معنيّ فيها بشكل مباشر، ويتمنّى للطرفين الهزيمة. 

مفهوم هذا الرأي العامّ على المستوى السياسي، إيران احتلّت عدّة عواصم عربية لأكثر من عقد (دمشق، بيروت، صنعاء، بغداد) وأمعنت ظلماً وقتلاّ في هذه البلاد، وتحديداً في سوريا. وإسرائيل لها تاريخ حافل من القتل والإجرام ضدّ العرب، وما فتئت كياناً غير قادر على الاندماج مع محيطه.

لكن على المستوى الاجتماعي، فإن إحساس الفرد العربي أنه غير معنيّ، هو فعل فصامي بحاجة إلى تأمّل، لكون القضيّة الأساسية التي قام عليها الخلاف بين إيران وإسرائيل؛ ولو ظاهرياً، هي فلسطين، أي المسألة التي لطالما تبجّح الفرد العربي بانتمائه إليها وإيمانه بقيمها، ومن جهة أخرى فإن الموقع الجغرافي للحرب وسياقها التاريخي، يجعلان الفرد العربي معنيّاً بها بالضرورة، أو على الأقلّ، ألا يتحوّل إلى متفرّج على حدث رياضي يتابعه ليعرف من سيربح المباراة في النهاية. 

إذاً، عادت فئة كبيرة إلى دور المتفرّج، وعاد (المتفرّج) إلى التعامل مع الحرب على أنها مسلسل تلفزيوني، وهذا ليس بجديد كما ورد سالفاً، لكنّ الجديد في الحرب هذه، هو فخر بعض المتلقّين العرب بأنهم متفرّجون فقط! وعلى عكس الحروب السابقة، حينما كانت عقد الذنب أساسية لحظة المشاهدة، والخجل أمام هول الموت والمجازر حاضر بقوّة.

أما اليوم، فيفاخر الكثيرون بأنهم خارج هذه الحرب، لا بل إن الأمور وصلت إلى درجة أن مشاهد القصف المتبادل بين إسرائيل وإيران، أصبحت مشاهد ترفيهية “انترتيمنت” يحتوي على جرعة عالية من الأدرينالين، ولنا في المقاطع المصوّرة حول الاحتفال بالصواريخ الإيرانية وهي تمرّ فوق البلاد العربية مثالاّ شديد الوضوح، علماً أن هذا الفعل (فعل مرور صواريخ من فوق رأسك) وهذا الدور (المتفرّج غير المعنيّ) هي أشياء تدعو للخجل، والإحساس بالعجز، لا بالعنتريات والفخر العربي الذي لم يبقَ منه شيئاً، بعد أن استُبيحت سماؤه وأرضه ومجتمعه.

 لا بل وصلت الأمور حدّ إعلان سهرات في الأردن، لتناول القهوة والشاي وتدخين الشيشة على وقع صواريخ إيران، وكأننا أمام مشهد تهاطل شُهبي، وليس تساقط صواريخ بالستية عابرة للحدود ولسماء البلدان العربية، السماء نفسها التي تتمختر فيها المقاتلات الإسرائيلية في ذهابها وإيّابها نحو إيران.

أخطر ما في هذه العلاقة المسمومة (التوكسيك) بين الفرد العربي والخبر السياسي هو (التطهير) أي تلك الحالة التي تصيب المتلقّي حينما يشاهد الدراما، سواء في المسرح أو على التلفاز، حينما يرى المتلقّي معاناة البطل التراجيدي، وصراعه، ونهايته. كأن ترى أوديب يفقأ عينيه، وحينما تنتهي المسرحية تسعَد وترتاح لأنك لست أوديب، ولا تشعر بالذنب من هذا الشعور بالراحة لأن أوديب غير حقيقي. المشكلة ليست في التطهير بذاته، فهو شعور إنساني راقٍ كما أطلق عليه أرسطو، المشكلة فعلاً بأن المتلقّي العربي يصل إلى التطهير وهو يشاهد الخبر الحقيقي وليس دراما متخيّلة، والشخصيّات الموجودة على التلفاز ليست شخصيّات مكتوبة بل هم بشر من لحم ودم.

 لذلك فإن شعور التطهير الأساسي (أنا لست أوديب) الذي يبعث على الراحة في النفس، وعدم الإحساس بالذنب ينتقل في حالتنا هنا إلى (أنا لست القتيل) ولا ذنب لي في قتله. وبذلك تكتمل صورة المتفرّج العربي المتّكئ على أريكته منذ سنين، العالم من حوله يشتغل ويتغيّر وهو جالس أمام تلفازه يتابع المسلسل الإخباري العربي في مواسمه/ حروبه المختلفة.