ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الحرب… تقتل ما يخصّني!

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في بيت نصفه التهمه القصف والنصف الآخر آويت فيه مع عائلة خالي، أمضينا أيام الهدنة الوحيدة في خانيونس، وعلى عتبة البيت جلست وابن خالي نرقب السماء لأول مرة منذ أيام بلا طائرات.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تشرين الثاني/ نوفمبر 2012

أجلس مع جدتي في غرفتها غرب المدينة، التي اتخذنا منها ملجأً بعد إنذار جاء للبيت المقابل لبيتها من الجهة الغربية. قصدت بيت جدتي بعد اتصال من أمي ينبهني ألا أعود إلى البيت لأن حرباً قد بدأت – كل تصعيد يطول نسمّيه في غزة حرباً – نعتذر لكل الأيام التي ظنناها حرباً وستنتهي قبل هذه الحرب. كان إنذار أمي أن ألزم أي بيت قريب مني في طريق عودتي الى البيت، فلجأت إلى بيت جدتي.

تجلس جدتي على طرف سريرها وبجوارها خالي، ترقب فراشي إذا ما كان آمناً بما يكفي. انغمستُ مع خالي في حديث عن فكرة (غزة العصية)، فقال أثناء الحديث: غزة عصية على أي شيء من أيام الملكة (هيلانة)، أي منذ أن نشأت غزة. ودار حواراً بيننا عن دلالات كثيرة مرت بها غزة أهملنا فيه ترقّب جدتي للفراش الآمن. في نهاية الحوار، مال خالي نحوها وقال: ولا لأ يمّا؟! انتبهت وقالت: عن شو؟ قال لها: غزة عصية من زمان من أيام الملكة هيلانة…

فردت: والله ما بوعى يمّا! وكأن هيلانة جارتها القريبة. ضحكنا…

فاستدارت وقالت: لو انقصفنا بلحقوا يشيلوا من أيدينا الأساور ولا بيسيحوا!!

ضحكنا من اهتمام جدتي فيما القصف طاول البيت من الجهة الغربية… كانت جدتي محقة، فقد مات من مات في هذه الحرب. عرفناهم من إسوارة معدنية، حيلة اتخذتها الأمهات كي نعرف الجثث، وهناك من تبخرت جثثهم وساحت حقاً. في شارع بدير البلح حيث أنزح منذ خمسة أشهر، هناك جثث ساحت ولم يُعرف منها إلا الأسماء المكتوبة على جدران البيت المدمّرة.

أخبرني أخي أن أول الغرف التي دُمرت في بيت جدتي هي غرفتها الشرقية، تلك الغرفة التي ودعتها يوم وفاتها قبل عام ونصف العام، وقلت لها: ستقابلين هيلانة يا جدتي…! غرفتها الشرقية التي اجتمعت فيها مع خالي نضحك على جملة: ها هي جدتك راحت عند هيلانة… ونغرق في مشهد يجعلنا نرى فيه هيلانة تجلس مع جدتي على طرف كنبة يخبران بعضهما عن غزة بين زمنين…

حزيران/ يونيو 2020

كانت أمي تستعد وترتب تفاصيل عرس أخي الأصغر مع نهاية الشهر ذاته، اشترطت أن يكون مظهر الحاضرات في أيامه على نسق واحد، جميعنا يرتدي الزي الفلسطيني (الثوب المطرز). تعددت خياراتنا بين ألوان الثوب، ومن أحد محلات المدينة (تراث غزة والقدس) أشهر محلات المطرزات في المدينة، وتحديداً في شارع عمر المختار، اقتنينا ثمانية أثواب لأمي وبناتها وحفيداتها. أمضينا أسابيع نمضي نحو المحل ندقق في تفاصيل كل قطعة. وأهم شيء لدى أمي تشترطه على صاحب المحل ذي الوجه البشوش (كل شيء يكون مرتباً)، يقول الشاب: تقلقيش! فنضحك، فتلك جملة غزة السحرية يقولها الجميع فنغرق في قلق. فتنهي أمي تأففي وتطلب من صاحب المحل أن ينهي مهمته مع ثوبي لأنني جئت غصباً عني.

قبل أيام، صادفت صورة من أمام المحل لقبر كُتب عليه (شهيد مجهول)، ولطمت الصورة وجهي غصباً عني… وبكيت!

تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 

ماتت أمي وأنكرت موتها وقتاً طويلاً، ولم أزر قبرها إلا بعد أيام طويلة. كنت أراها في البيت حتى جاء أخي يحمل صورة عن شاهد رخامي وُضع فوق قبرها باسم (فاطمة محمود أبو مريم). حينها، صدقت أن الأمر صار واقعاً بعد أربعين يوماً، فذاك اسمها، وذاك مستقرها. دُفنت أمي في مقبرة على بعد أقل من كيلومتر من البيت تحت شجرة ظل كبيرة. لوقت طويل، كلما زرت قبرها، كانت تحوم حوله قطة بيضاء، بعدها تصالحت مع اقتناء قط في المنزل. 

في شباط/ فبراير 2024، طاول الدمار المقبرة والحي كاملاً، تبحث – إسرائيل – عن جثث رهائنها في مقابرنا، وكي تنتصر أكثر تدمّر القبور أو تنبشها، تحمل جثثاً وتسرقها وما تلبث أن تعيدها عبر منظمات دولية لتُدفن في مقابر جماعية لجثث مجهولة… في المقبرة التي دفنت فيها أمي، لا أثر لقبر أمي وقبور صديقاتها الثلاث اللاتي كنت أمسح عن قبورهن كما أمسح عن قبر أمي كل غبار.

تشرين الأول/ أكتوبر 2021

اشتريت فستاناً أبيض مزركشاً بالورد وورق الورد، ارتديته في مناسبتين، بعدها زاد وزني فلم أستطع ارتداؤه حتى بداية أيلول/ سبتمبر 2023، عاد وزني إلى حد يسمح لي بأن أعود وأرتديه. كان الفستان معيار نجاح الحمية من عدمها، كلما أردت معرفة وزني ذهبت إلى الفستان وارتديته. نجحت أن أجعله فستان عيد ميلادي الذي يصادف في الشهر نفسه، وارتديته احتفالاً بإنجازي، والتقطت لي ابنة أخي صوراً كثيرة وهي تقول: حلو!! ابتسمت وقلت لها وعداً: حين تصيرين عروساً سأضعه في حقيبة عرسك… ابتسمت الصغيرة… وقُتل الوعد تحت البيت في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وحين انتشلنا بعض أشلاء البيت لم يكن الفستان. لا أعرف الآن كيف يبدو وزني؟!

الجمعة الأولى من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 

حصل اجتماع عائلي في بيت أخي، استعرض فيه كل منا إنجازاته وأحلامه خلال عام دراسي وعام جديد. كانت وزارة الزراعة أعلنت عن بدء موسم قطاف الزيتون، وعليه يتطلب الإعلان الاستعداد لاجتماع عائلي في أرض الزيتون شرق جباليا، التي يمتلكها أخي. وزّعنا المهام، وبحماسة شديدة خططنا لتعاونية تبدأ صباح الجمعة الثالثة من تشرين الأول 2023 عند الخامسة والنصف منذ بدء الحرب. ما زال أمل اجتماع العائلة في أرض الزيتون يلفّ معنا في أيام النزوح حتى حزيران/ يونيو 2024، فاغتالت الحرب الأرض والشجرات الـ37 في أرض شرق جباليا.

تشرين الثاني/ نوفمبر 2023 

في بيت نصفه التهمه القصف والنصف الآخر آويت فيه مع عائلة خالي، أمضينا أيام الهدنة الوحيدة في خانيونس، وعلى عتبة البيت جلست وابن خالي نرقب السماء لأول مرة منذ أيام بلا طائرات.

تذكرنا بلكونتهم التي أمضينا فيها أول أيام الحرب كيف بدت السماء أيامها موحشة أكثر من أي وقت، وكيف صار البيت يلتهم شبح الموت والخوف ويلقيه في وجوهنا. 

قلت: ما الذي يمنع أن ندخن سيجارة على عتبة باب بيت في معسكر خانيونس.

قال: لا مانع، ولتكن احتفالاً بإنجاز صفقة وهدنة.

كانت المرة الأولى منذ بداية عادتي في التدخين أن أجرب سيجارة على عتبة بيت في معسكر خانيونس، والسماء خالية من نعيق الحرب والموت. كانت هدنة حقاً مع كل مخاوفي من أن يستنكر أحد فعلي هذا. قبل أيام مررت بخانيونس… ولم أعرف طريقاً يأخذني إلى تلك العتبة، كل شيء كان مشوّهاً.

آذار/ مارس 2024 

جاء الربيع موسماً آخر وما زال النزوح يقضم فرصي من النجاة في رفح. استأجرت بيتاً بحديقة صغيرة بها ثلاث شجرات زيتون وشجرة غوافة والخامسة حسبما أذكر ليمون. إنها المرة الأولى التي يكون فيها الربيع بغير مطارحه، كنت أركض نحو كل شجرة تزهر، أحب في زهرة الزيتون قطنيتها التي تسقط على الملابس فتطبع أثراً. كان يحدث هذا في بيت برفح، حيث حبل الغسيل بين شجرتي الزيتون تسقط قطنية الزهرة فتطبع أثرها على الملابس المبللة…

أحبّ شكل الملابس المتسخة من قطنية زهرة، فهو يذكرني بأمل غريب. قال لي صديق: تلك حاجتنا جميعاً.

كل مرة تظهر فيها الصور من رفح، أجد الحرب قد حولتها إلى صحراء لا أثر لبيت أو شجرة فيها.

فأعرف أن أملي الغريب ذاك قد قُتل تحت شجرة الزيتون ذات الزهرة القطنية.

لقد استطعنا تجاوز كل الحروب…

حروب الطموح، والمجد، والأمل، والفرح والركض خلف الشغف، والسير معاً في طرق وعرة، والكتابة عن الخوف، وتسول اللغة لحظة جنون الفكرة، والبكاء على المفقود، والتلعثم وقت الحضور، والصمت حين يشيع اللغو، والضحك حين انسال الدمع، والوداع، والمشي في الجنائز، والشموخ وقت الإذلال، والرغبة وقت موت اللذة، والحب حين يهرب من شبح التنازلات، والتيه في طريق النص الذي لم يكتمل بعد، والحروف العالقة في فم الفكرة. والموت الذي يلقي بالحياة من علو، وانزلاق القدم حين ركل الملل، ولوعة الشوق، ومطاردات القلق، والانهيار في محطات الانتظار، والفزع لحظة الانفجار، والصراخ في الفراغ، والاستمرار رغم عتمة الانطفاء، والتلويح رغم بتر اليد، والرقص رغم صمت الجسد، والصلاة حين تاه الإيمان، والجوع رغم الشبع، وفتح النوافذ رغم حرارة النور، والولادة رغم حقيقة النهاية، والأعراس رغم ارتفاع صوت الندب. وتخليد الحكاية رغم صدق الفناء، والفتى الذي قتل حين كبر، وصهريج البكاء إذا انفجر، وعدم اتساع الحقائب للذكريات، والنجاة ، والانكسار، وضجيج الأسئلة، ومواء الوجع، وعواء العطش، وراحة الانقضاض على الحياة كفريسة، ووحشة الوحدة، وتقطيب الجروح، وعادية الموت، واستنكار العيش، وبلادة المرض.

لكنها حرب واحدة، حرب الذاكرة مع ذاك كله…

إسرائيل تقتل فيها كل ما يخصني!

لكنها الحرب!

لا فرق، الأولى سبب الثانية للأبد…

هلا نهاد نصرالدين - صحافية لبنانية | 16.01.2026

“الإبادة البيئيّة” في سلطنة عمان: من يحمي الحوت الأحدب والنمر العربي من شركات النفط والغاز؟

سلطنة عُمان تحتل المركز الثاني بين أكثر الدول التي تتضمن تراخيص نفط وغاز داخل مناطق محمية معترف بها دوليًا بمساحة تداخل تبلغ نحو 56 ألف كم²، حيث تتقاطع 20 ترخيصًا للنفط والغاز مع 35 منطقة محمية.
26.09.2024
زمن القراءة: 6 minutes

في بيت نصفه التهمه القصف والنصف الآخر آويت فيه مع عائلة خالي، أمضينا أيام الهدنة الوحيدة في خانيونس، وعلى عتبة البيت جلست وابن خالي نرقب السماء لأول مرة منذ أيام بلا طائرات.

تشرين الثاني/ نوفمبر 2012

أجلس مع جدتي في غرفتها غرب المدينة، التي اتخذنا منها ملجأً بعد إنذار جاء للبيت المقابل لبيتها من الجهة الغربية. قصدت بيت جدتي بعد اتصال من أمي ينبهني ألا أعود إلى البيت لأن حرباً قد بدأت – كل تصعيد يطول نسمّيه في غزة حرباً – نعتذر لكل الأيام التي ظنناها حرباً وستنتهي قبل هذه الحرب. كان إنذار أمي أن ألزم أي بيت قريب مني في طريق عودتي الى البيت، فلجأت إلى بيت جدتي.

تجلس جدتي على طرف سريرها وبجوارها خالي، ترقب فراشي إذا ما كان آمناً بما يكفي. انغمستُ مع خالي في حديث عن فكرة (غزة العصية)، فقال أثناء الحديث: غزة عصية على أي شيء من أيام الملكة (هيلانة)، أي منذ أن نشأت غزة. ودار حواراً بيننا عن دلالات كثيرة مرت بها غزة أهملنا فيه ترقّب جدتي للفراش الآمن. في نهاية الحوار، مال خالي نحوها وقال: ولا لأ يمّا؟! انتبهت وقالت: عن شو؟ قال لها: غزة عصية من زمان من أيام الملكة هيلانة…

فردت: والله ما بوعى يمّا! وكأن هيلانة جارتها القريبة. ضحكنا…

فاستدارت وقالت: لو انقصفنا بلحقوا يشيلوا من أيدينا الأساور ولا بيسيحوا!!

ضحكنا من اهتمام جدتي فيما القصف طاول البيت من الجهة الغربية… كانت جدتي محقة، فقد مات من مات في هذه الحرب. عرفناهم من إسوارة معدنية، حيلة اتخذتها الأمهات كي نعرف الجثث، وهناك من تبخرت جثثهم وساحت حقاً. في شارع بدير البلح حيث أنزح منذ خمسة أشهر، هناك جثث ساحت ولم يُعرف منها إلا الأسماء المكتوبة على جدران البيت المدمّرة.

أخبرني أخي أن أول الغرف التي دُمرت في بيت جدتي هي غرفتها الشرقية، تلك الغرفة التي ودعتها يوم وفاتها قبل عام ونصف العام، وقلت لها: ستقابلين هيلانة يا جدتي…! غرفتها الشرقية التي اجتمعت فيها مع خالي نضحك على جملة: ها هي جدتك راحت عند هيلانة… ونغرق في مشهد يجعلنا نرى فيه هيلانة تجلس مع جدتي على طرف كنبة يخبران بعضهما عن غزة بين زمنين…

حزيران/ يونيو 2020

كانت أمي تستعد وترتب تفاصيل عرس أخي الأصغر مع نهاية الشهر ذاته، اشترطت أن يكون مظهر الحاضرات في أيامه على نسق واحد، جميعنا يرتدي الزي الفلسطيني (الثوب المطرز). تعددت خياراتنا بين ألوان الثوب، ومن أحد محلات المدينة (تراث غزة والقدس) أشهر محلات المطرزات في المدينة، وتحديداً في شارع عمر المختار، اقتنينا ثمانية أثواب لأمي وبناتها وحفيداتها. أمضينا أسابيع نمضي نحو المحل ندقق في تفاصيل كل قطعة. وأهم شيء لدى أمي تشترطه على صاحب المحل ذي الوجه البشوش (كل شيء يكون مرتباً)، يقول الشاب: تقلقيش! فنضحك، فتلك جملة غزة السحرية يقولها الجميع فنغرق في قلق. فتنهي أمي تأففي وتطلب من صاحب المحل أن ينهي مهمته مع ثوبي لأنني جئت غصباً عني.

قبل أيام، صادفت صورة من أمام المحل لقبر كُتب عليه (شهيد مجهول)، ولطمت الصورة وجهي غصباً عني… وبكيت!

تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 

ماتت أمي وأنكرت موتها وقتاً طويلاً، ولم أزر قبرها إلا بعد أيام طويلة. كنت أراها في البيت حتى جاء أخي يحمل صورة عن شاهد رخامي وُضع فوق قبرها باسم (فاطمة محمود أبو مريم). حينها، صدقت أن الأمر صار واقعاً بعد أربعين يوماً، فذاك اسمها، وذاك مستقرها. دُفنت أمي في مقبرة على بعد أقل من كيلومتر من البيت تحت شجرة ظل كبيرة. لوقت طويل، كلما زرت قبرها، كانت تحوم حوله قطة بيضاء، بعدها تصالحت مع اقتناء قط في المنزل. 

في شباط/ فبراير 2024، طاول الدمار المقبرة والحي كاملاً، تبحث – إسرائيل – عن جثث رهائنها في مقابرنا، وكي تنتصر أكثر تدمّر القبور أو تنبشها، تحمل جثثاً وتسرقها وما تلبث أن تعيدها عبر منظمات دولية لتُدفن في مقابر جماعية لجثث مجهولة… في المقبرة التي دفنت فيها أمي، لا أثر لقبر أمي وقبور صديقاتها الثلاث اللاتي كنت أمسح عن قبورهن كما أمسح عن قبر أمي كل غبار.

تشرين الأول/ أكتوبر 2021

اشتريت فستاناً أبيض مزركشاً بالورد وورق الورد، ارتديته في مناسبتين، بعدها زاد وزني فلم أستطع ارتداؤه حتى بداية أيلول/ سبتمبر 2023، عاد وزني إلى حد يسمح لي بأن أعود وأرتديه. كان الفستان معيار نجاح الحمية من عدمها، كلما أردت معرفة وزني ذهبت إلى الفستان وارتديته. نجحت أن أجعله فستان عيد ميلادي الذي يصادف في الشهر نفسه، وارتديته احتفالاً بإنجازي، والتقطت لي ابنة أخي صوراً كثيرة وهي تقول: حلو!! ابتسمت وقلت لها وعداً: حين تصيرين عروساً سأضعه في حقيبة عرسك… ابتسمت الصغيرة… وقُتل الوعد تحت البيت في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وحين انتشلنا بعض أشلاء البيت لم يكن الفستان. لا أعرف الآن كيف يبدو وزني؟!

الجمعة الأولى من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 

حصل اجتماع عائلي في بيت أخي، استعرض فيه كل منا إنجازاته وأحلامه خلال عام دراسي وعام جديد. كانت وزارة الزراعة أعلنت عن بدء موسم قطاف الزيتون، وعليه يتطلب الإعلان الاستعداد لاجتماع عائلي في أرض الزيتون شرق جباليا، التي يمتلكها أخي. وزّعنا المهام، وبحماسة شديدة خططنا لتعاونية تبدأ صباح الجمعة الثالثة من تشرين الأول 2023 عند الخامسة والنصف منذ بدء الحرب. ما زال أمل اجتماع العائلة في أرض الزيتون يلفّ معنا في أيام النزوح حتى حزيران/ يونيو 2024، فاغتالت الحرب الأرض والشجرات الـ37 في أرض شرق جباليا.

تشرين الثاني/ نوفمبر 2023 

في بيت نصفه التهمه القصف والنصف الآخر آويت فيه مع عائلة خالي، أمضينا أيام الهدنة الوحيدة في خانيونس، وعلى عتبة البيت جلست وابن خالي نرقب السماء لأول مرة منذ أيام بلا طائرات.

تذكرنا بلكونتهم التي أمضينا فيها أول أيام الحرب كيف بدت السماء أيامها موحشة أكثر من أي وقت، وكيف صار البيت يلتهم شبح الموت والخوف ويلقيه في وجوهنا. 

قلت: ما الذي يمنع أن ندخن سيجارة على عتبة باب بيت في معسكر خانيونس.

قال: لا مانع، ولتكن احتفالاً بإنجاز صفقة وهدنة.

كانت المرة الأولى منذ بداية عادتي في التدخين أن أجرب سيجارة على عتبة بيت في معسكر خانيونس، والسماء خالية من نعيق الحرب والموت. كانت هدنة حقاً مع كل مخاوفي من أن يستنكر أحد فعلي هذا. قبل أيام مررت بخانيونس… ولم أعرف طريقاً يأخذني إلى تلك العتبة، كل شيء كان مشوّهاً.

آذار/ مارس 2024 

جاء الربيع موسماً آخر وما زال النزوح يقضم فرصي من النجاة في رفح. استأجرت بيتاً بحديقة صغيرة بها ثلاث شجرات زيتون وشجرة غوافة والخامسة حسبما أذكر ليمون. إنها المرة الأولى التي يكون فيها الربيع بغير مطارحه، كنت أركض نحو كل شجرة تزهر، أحب في زهرة الزيتون قطنيتها التي تسقط على الملابس فتطبع أثراً. كان يحدث هذا في بيت برفح، حيث حبل الغسيل بين شجرتي الزيتون تسقط قطنية الزهرة فتطبع أثرها على الملابس المبللة…

أحبّ شكل الملابس المتسخة من قطنية زهرة، فهو يذكرني بأمل غريب. قال لي صديق: تلك حاجتنا جميعاً.

كل مرة تظهر فيها الصور من رفح، أجد الحرب قد حولتها إلى صحراء لا أثر لبيت أو شجرة فيها.

فأعرف أن أملي الغريب ذاك قد قُتل تحت شجرة الزيتون ذات الزهرة القطنية.

لقد استطعنا تجاوز كل الحروب…

حروب الطموح، والمجد، والأمل، والفرح والركض خلف الشغف، والسير معاً في طرق وعرة، والكتابة عن الخوف، وتسول اللغة لحظة جنون الفكرة، والبكاء على المفقود، والتلعثم وقت الحضور، والصمت حين يشيع اللغو، والضحك حين انسال الدمع، والوداع، والمشي في الجنائز، والشموخ وقت الإذلال، والرغبة وقت موت اللذة، والحب حين يهرب من شبح التنازلات، والتيه في طريق النص الذي لم يكتمل بعد، والحروف العالقة في فم الفكرة. والموت الذي يلقي بالحياة من علو، وانزلاق القدم حين ركل الملل، ولوعة الشوق، ومطاردات القلق، والانهيار في محطات الانتظار، والفزع لحظة الانفجار، والصراخ في الفراغ، والاستمرار رغم عتمة الانطفاء، والتلويح رغم بتر اليد، والرقص رغم صمت الجسد، والصلاة حين تاه الإيمان، والجوع رغم الشبع، وفتح النوافذ رغم حرارة النور، والولادة رغم حقيقة النهاية، والأعراس رغم ارتفاع صوت الندب. وتخليد الحكاية رغم صدق الفناء، والفتى الذي قتل حين كبر، وصهريج البكاء إذا انفجر، وعدم اتساع الحقائب للذكريات، والنجاة ، والانكسار، وضجيج الأسئلة، ومواء الوجع، وعواء العطش، وراحة الانقضاض على الحياة كفريسة، ووحشة الوحدة، وتقطيب الجروح، وعادية الموت، واستنكار العيش، وبلادة المرض.

لكنها حرب واحدة، حرب الذاكرة مع ذاك كله…

إسرائيل تقتل فيها كل ما يخصني!

لكنها الحرب!

لا فرق، الأولى سبب الثانية للأبد…