ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الحرب على البيئة: مطر أسود فوق طهران

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

كانت أولى الإشارات إلى الكارثة ضيقاً خانقاً في التنفّس وحرقة في العينين والحلق لدى سكان العاصمة، ما دفعهم إلى النزوح القسري خارج طهران. لكن خلقت الحرائق “كوكتيل كيميائياً” يضم كميات كبيرة من المركبات العطرية المرتبطة بتلف الحمض النووي (DNA) وزيادة خطر الإصابة بالسرطان، وفقاً للبروفيسور أندريا سيلا، أستاذ الكيمياء غير العضوية في جامعة كوليدج لندن. وأضاف سيلا إن “النفط المتسرب يتغلغل في التربة وقد يلوث مصادر مياه الشرب”.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

“المطر أسود… لا أصدق أنني أرى مطراً أسود”، يقول كيانوش وهو ينظر إلى سماء طهران التي غطاها دخان الحرائق، حتى وصل إلى منطقة تجريش البعيدة عن خزانات الوقود المشتعلة بفعل الغارات الإسرائيلية. اختفت الطيور من السماء، ولفّ الظلام المدينة، فيما غطى الدخان كل شيء بطبقة من الغبار الأسود السام. ويكشف مشهد خزانات الوقود الملتهبة وستائر الدخان الأسود في طهران كيف تتحول البيئة نفسها إلى ساحة حرب، مع تداعيات صحية وبيئية قد تستمر سنوات وتتجاوز حدود المدن والدول.

صرحت إسرائيل أنها استهدفت عدداً من منشآت تخزين الوقود في طهران بذريعة أنها تُستخدم لأغراض عسكرية. وبحسب مرصد النزاعات والبيئة (CEOBS)، لم تقتصر الضربات على موقع واحد، بل طاولت شبكة من البنى النفطية واللوجستية التي تعتمد عليها العاصمة الإيرانية في تزويدها بالوقود، ومعظمها يقع داخل مناطق سكنية أو على مقربة منها. وشملت الأهداف خزانات ضخمة في منطقة شهران شمال غربي طهران، ومستودع أغداسية في شمال شرقها، ومنشآت ومصفاة مدينة شهر جنوباً، إضافة إلى مستودع نفطي في كرج ضمن طهران الكبرى، ما يثير تساؤلات حول المخاطر المحتملة على البيئة والمدنيين. 

وأثار استهداف منشآت نفطية بهذا الحجم قلقاً حتى في واشنطن، حيث حذّر مسؤولون أميركيون من تداعيات ضرب بنى تحتية قد يعتمد عليها المدنيون. ونقل أحد مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المعروف بولعه بـ”الذهب الأسود”، إنه “لا يحبذ الهجوم على منشآت النفط، فهو يريد الحفاظ على النفط لا حرقه”.

لا تقتصر آثار هذه الضربات على مواقع القصف، إذ يمكن للملوثات الناتجة من احتراق ملايين اللترات من الوقود أن تنتشر لمسافات بعيدة، حاملة آثار الحرب إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة. وتعتمد مدة بقاء التلوث في الهواء على مجموعة معقدة من الظروف الجوية مثل اتجاه الرياح وهطول الأمطار ودرجات الحرارة، وفقاً للخبير في شؤون المناخ فيشنو سونيل.

سحابة كيميائية تهدد السكان

كانت أولى الإشارات إلى الكارثة ضيقاً خانقاً في التنفّس وحرقة في العينين والحلق لدى سكان العاصمة، ما دفعهم إلى النزوح القسري خارج طهران. لكن خلقت الحرائق “كوكتيل كيميائياً” يضم كميات كبيرة من المركبات العطرية المرتبطة بتلف الحمض النووي (DNA) وزيادة خطر الإصابة بالسرطان، وفقاً للبروفيسور أندريا سيلا، أستاذ الكيمياء غير العضوية في جامعة كوليدج لندن. وأضاف سيلا إن “النفط المتسرب يتغلغل في التربة وقد يلوث مصادر مياه الشرب”.

ووفقاً لمرصد النزاعات والبيئة، فإن الضربات على منشآت النفط تولد مخاطر بيئية جسيمة نتيجة الاحتراق غير الكامل للوقود أو لاحتواء هذه المنشآت أصلاً على مواد سامة ومعادن ثقيلة. وتشمل الملوثات الشائعة أول أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين، إلا أن الكربون الأسود يُعد من أخطرها، إذ يعمل كحامل للهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات (PAHs).

وبحسب منظمة الصحة العالمية، تشير الدراسات إلى ارتباط التعرض للهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات بزيادة خطر الإصابة بسرطان الثدي وسرطانات الأطفال وسرطان الرئة، إضافة إلى انخفاض وظائف الرئة وتفاقم الربو وارتفاع معدلات أمراض الرئة وأمراض القلب والأوعية الدموية. كما تشير أدلة محدودة إلى احتمال تأثيرها سلباً على القدرات المعرفية والسلوكية لدى الأطفال. ويمكن للمعادن الثقيلة الموجودة في النفط الخام، مثل النيكل والفاناديوم، أن تسبب التهابات ومشكلات مزمنة في الجهاز التنفسي. ويرتبط التعرض للكربون الأسود باضطرابات تنفسية حادة، خصوصاً لدى الفئات الأكثر عرضة للخطر مثل مرضى الربو والمسنين.

كما أشار المرصد إلى ما وُصف بـ”الأمطار الحمضية” الناتجة من احتراق النفط الخام الغني بالكبريت، والتي قد تؤدي إلى تهيّج العينين والجهاز التنفسي. وتنتشر أيضاً بفعل هذه الحرائق مركبات شديدة السمية، مثل الديوكسينات والفورانات، المصنّفة ضمن الملوثات العضوية الثابتة والمسرطنة بموجب اتفاقية ستوكهولم.

الأضرار البيئية واسعة النطاق لا تبرر الأهداف العسكرية

بصرف النظر عن مشروعية الحرب الأميركية-الإسرائيلية، يثير استهداف منشآت النفط تساؤلات جدية حول مدى توافقه مع قواعد التمييز والتناسب في القانون الدولي الإنساني، خصوصاً عندما تكون هذه المنشآت ذات استخدام مدني واسع.

حذّر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، من أن الضربات الإسرائيلية الأخيرة على منشآت النفط في إيران قد تكون لها آثار سلبية على الصحة العامة، مشيراً إلى أن “تضرر المنشآت النفطية يهدد بتلويث الغذاء والمياه والهواء، وهي مخاطر قد تكون لها آثار صحية خطيرة، خصوصاً على الأطفال والمسنين والأشخاص الذين يعانون حالات طبية سابقة”.

من جهتها، قالت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أنييس كالامار، عبر منصة “X“، إن هجمات الولايات المتحدة وإسرائيل على منشآت النفط الإيرانية “تضر أولاً وقبل كل شيء بالمدنيين، بمن فيهم الأطفال، مهما كانت التبريرات المقدمة”. وأضافت أن إسرائيل كان ينبغي عليها “اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب أو تقليل المخاطر التي قد يتعرض لها المدنيون عند استهداف مصافي النفط”. وأشارت إلى أن هذه الهجمات تطرح تساؤلات حول ما إذا كانت مصافي النفط تُعد أهدافاً عسكرية مشروعة، ما لم تكن تُستخدم حصراً لإنتاج الوقود للقوات المسلحة.

استهداف منشآت النفط: كارثة بيئية تتكرر بلا مساءلة

ليست المرة الأولى التي تُستهدف فيها خزانات الوقود والمنشآت النفطية خلال النزاعات المسلحة. فقد أظهرت حرب الخليج 1991 أن تدمير آبار النفط يمكن أن يخلف آثاراً بيئية وصحية طويلة الأمد، ما دفع الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم  47/37 لعام 1992 إلى التعبير عن قلقها العميق “إزاء الضرر الذي لحق بالبيئة، واستنفاد الموارد الطبيعية، بما في ذلك تدمير  المئات من رؤوس آبار النفط، وإطلاق النفط الخام  وتبديده في البحر” خلال نزاعات مسلحة.

كما أدى قصف خزانات معمل الجية الحراري خلال حرب تموز/ يوليو 2006 إلى تسرب نحو 15 ألف طن من النفط وتلوث أكثر من 150 كيلومتراً من الساحل اللبناني، في واحدة من أكبر الكوارث البيئية في شرق المتوسط. وصدرت 10 قرارات عن الجمعية العامة للأمم المتحدة تدين إسرائيل وتدعوها إلى معالجة الكارثة البيئية وتعويض لبنان عن الأضرار الناتجة منها. وقدرت الجمعية العامة في قرارها رقم 69/2012 قيمة التعويضات بـ 866.4 مليون دولار أميركي.​​ وعلى الرغم من أن قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة تُعتبر غير ملزمة، إلا إنها تعكس توجه المجتمع الدولي حيال التلوث البيئي جراء قصف منشآت نفطية. 

وبين عامي 2024 و2025، نفذت إسرائيل غارات على مقر شركة النفط اليمنية ومنشآت النفط ومستودعات الوقود. وفي سوريا، تعرّضت منشآت النفط والغاز لعمليات قصف متكررة من أطراف متعددة منذ اندلاع الحرب عام 2011، ما تسبب بدمار واسع وتلوث بيئي طويل الأمد نتيجة الحرائق وتسرب المواد النفطية.

ينص القانون الدولي على حماية البيئة خلال النزاعات المسلحة. وتحظر المادة 35 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف الوسائل ” اللجوء إلى أساليب أو وسائل قتال يُراد بها، أو يُحتمل أن تؤدي، إلى إحداث أضرار واسعة النطاق وطويلة الأمد وخطيرة بالبيئة الطبيعية”. كما تؤكد المادة 55 من البروتوكول نفسه على حظر “الهجمات الانتقامية ضد البيئة الطبيعية”، بما فيها تلك التي “تعرض صحة السكان أو بقاءهم للخطر”.

وبحسب القاعدة السابعة من إرشادات اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشأن حماية البيئة لعام 2020، يحظر “شن هجوم على هدف عسكري يُتوقع أن يسبب أضراراً عرضية بالبيئة الطبيعية تكون مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة”.

منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أعادت الحرب في غزة طرح تساؤلات جدية حول قدرة القانون الدولي الإنساني على توفير الحماية الفعلية للمدنيين والبيئة، خلال النزاعات المسلحة. ومع تزايد التقارير عن استهداف البنى التحتية المدنية وتفاقم الأضرار الإنسانية والبيئية خلال الحرب الحالية، منها منشآت النفط الإيرانية وما تسببت به من تلوث للهواء واحتمال امتداد آثاره عبر الحدود، تثار مخاوف جدية في ظل غياب المساءلة وتقويض المعايير القانونية التي تحكم النزاعات المسلحة.

“إذا كنتم تتحملون وصول سعر برميل النفط إلى 200 دولار، فاستمروا في هذه اللعبة”، قال متحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، متهماً الولايات المتحدة وإسرائيل باستهداف منشآت مدنية، ومضيفاً أن على دول الخليج الضغط لوقف الهجمات، وإلا “سيتم اتخاذ إجراءات مماثلة في المنطقة”. ويثير هذا التهديد مخاوف من استهداف متبادل لمنشآت الطاقة وتحويلها إلى أهداف عسكرية، ما قد يشكل سابقة خطيرة ويقوّض قواعد حماية البنى التحتية المدنية المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني.

يُذكر أن إيران بدأت بتنفيذ تهديداتها باستهداف منشآت الطاقة في دول الخليج، إذ أعلن مركز الاتصال الوطني في البحرين السيطرة على حريق في منشآت نفطية في المعامير، فيما شوهدت أعمدة دخان تتصاعد من مصفاة بابكو الرئيسية عقب قصف إيراني. كما طاولت التهديدات ناقلات النفط، ما يثير مخاوف من تلوث عابر للحدود قد يهدد أنظمة بحرية حساسة بيئياً.

إقرأوا أيضاً:

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 10.04.2026

ما تبقى من أهل الليطاني ومن ثقافته

ورثة البساتين سيواصلون غيابهم، وسيولد جيل جديد في المغتربات من أصحاب الأملاك ممن لا يعرفون شيئاً عن ثقافة الليطاني، سيهجرون بساتين أجدادهم. وربما سنستعيد حكايات النهر في مسرحية يعرض علينا فيها يحيى جابر قصته مع النهر، في مسرح مونو في بيروت، ثم نغادر إلى منازلنا وننام.
13.03.2026
زمن القراءة: 6 minutes

كانت أولى الإشارات إلى الكارثة ضيقاً خانقاً في التنفّس وحرقة في العينين والحلق لدى سكان العاصمة، ما دفعهم إلى النزوح القسري خارج طهران. لكن خلقت الحرائق “كوكتيل كيميائياً” يضم كميات كبيرة من المركبات العطرية المرتبطة بتلف الحمض النووي (DNA) وزيادة خطر الإصابة بالسرطان، وفقاً للبروفيسور أندريا سيلا، أستاذ الكيمياء غير العضوية في جامعة كوليدج لندن. وأضاف سيلا إن “النفط المتسرب يتغلغل في التربة وقد يلوث مصادر مياه الشرب”.

“المطر أسود… لا أصدق أنني أرى مطراً أسود”، يقول كيانوش وهو ينظر إلى سماء طهران التي غطاها دخان الحرائق، حتى وصل إلى منطقة تجريش البعيدة عن خزانات الوقود المشتعلة بفعل الغارات الإسرائيلية. اختفت الطيور من السماء، ولفّ الظلام المدينة، فيما غطى الدخان كل شيء بطبقة من الغبار الأسود السام. ويكشف مشهد خزانات الوقود الملتهبة وستائر الدخان الأسود في طهران كيف تتحول البيئة نفسها إلى ساحة حرب، مع تداعيات صحية وبيئية قد تستمر سنوات وتتجاوز حدود المدن والدول.

صرحت إسرائيل أنها استهدفت عدداً من منشآت تخزين الوقود في طهران بذريعة أنها تُستخدم لأغراض عسكرية. وبحسب مرصد النزاعات والبيئة (CEOBS)، لم تقتصر الضربات على موقع واحد، بل طاولت شبكة من البنى النفطية واللوجستية التي تعتمد عليها العاصمة الإيرانية في تزويدها بالوقود، ومعظمها يقع داخل مناطق سكنية أو على مقربة منها. وشملت الأهداف خزانات ضخمة في منطقة شهران شمال غربي طهران، ومستودع أغداسية في شمال شرقها، ومنشآت ومصفاة مدينة شهر جنوباً، إضافة إلى مستودع نفطي في كرج ضمن طهران الكبرى، ما يثير تساؤلات حول المخاطر المحتملة على البيئة والمدنيين. 

وأثار استهداف منشآت نفطية بهذا الحجم قلقاً حتى في واشنطن، حيث حذّر مسؤولون أميركيون من تداعيات ضرب بنى تحتية قد يعتمد عليها المدنيون. ونقل أحد مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المعروف بولعه بـ”الذهب الأسود”، إنه “لا يحبذ الهجوم على منشآت النفط، فهو يريد الحفاظ على النفط لا حرقه”.

لا تقتصر آثار هذه الضربات على مواقع القصف، إذ يمكن للملوثات الناتجة من احتراق ملايين اللترات من الوقود أن تنتشر لمسافات بعيدة، حاملة آثار الحرب إلى ما هو أبعد من ساحة المعركة. وتعتمد مدة بقاء التلوث في الهواء على مجموعة معقدة من الظروف الجوية مثل اتجاه الرياح وهطول الأمطار ودرجات الحرارة، وفقاً للخبير في شؤون المناخ فيشنو سونيل.

سحابة كيميائية تهدد السكان

كانت أولى الإشارات إلى الكارثة ضيقاً خانقاً في التنفّس وحرقة في العينين والحلق لدى سكان العاصمة، ما دفعهم إلى النزوح القسري خارج طهران. لكن خلقت الحرائق “كوكتيل كيميائياً” يضم كميات كبيرة من المركبات العطرية المرتبطة بتلف الحمض النووي (DNA) وزيادة خطر الإصابة بالسرطان، وفقاً للبروفيسور أندريا سيلا، أستاذ الكيمياء غير العضوية في جامعة كوليدج لندن. وأضاف سيلا إن “النفط المتسرب يتغلغل في التربة وقد يلوث مصادر مياه الشرب”.

ووفقاً لمرصد النزاعات والبيئة، فإن الضربات على منشآت النفط تولد مخاطر بيئية جسيمة نتيجة الاحتراق غير الكامل للوقود أو لاحتواء هذه المنشآت أصلاً على مواد سامة ومعادن ثقيلة. وتشمل الملوثات الشائعة أول أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النيتروجين، إلا أن الكربون الأسود يُعد من أخطرها، إذ يعمل كحامل للهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات (PAHs).

وبحسب منظمة الصحة العالمية، تشير الدراسات إلى ارتباط التعرض للهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات بزيادة خطر الإصابة بسرطان الثدي وسرطانات الأطفال وسرطان الرئة، إضافة إلى انخفاض وظائف الرئة وتفاقم الربو وارتفاع معدلات أمراض الرئة وأمراض القلب والأوعية الدموية. كما تشير أدلة محدودة إلى احتمال تأثيرها سلباً على القدرات المعرفية والسلوكية لدى الأطفال. ويمكن للمعادن الثقيلة الموجودة في النفط الخام، مثل النيكل والفاناديوم، أن تسبب التهابات ومشكلات مزمنة في الجهاز التنفسي. ويرتبط التعرض للكربون الأسود باضطرابات تنفسية حادة، خصوصاً لدى الفئات الأكثر عرضة للخطر مثل مرضى الربو والمسنين.

كما أشار المرصد إلى ما وُصف بـ”الأمطار الحمضية” الناتجة من احتراق النفط الخام الغني بالكبريت، والتي قد تؤدي إلى تهيّج العينين والجهاز التنفسي. وتنتشر أيضاً بفعل هذه الحرائق مركبات شديدة السمية، مثل الديوكسينات والفورانات، المصنّفة ضمن الملوثات العضوية الثابتة والمسرطنة بموجب اتفاقية ستوكهولم.

الأضرار البيئية واسعة النطاق لا تبرر الأهداف العسكرية

بصرف النظر عن مشروعية الحرب الأميركية-الإسرائيلية، يثير استهداف منشآت النفط تساؤلات جدية حول مدى توافقه مع قواعد التمييز والتناسب في القانون الدولي الإنساني، خصوصاً عندما تكون هذه المنشآت ذات استخدام مدني واسع.

حذّر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، من أن الضربات الإسرائيلية الأخيرة على منشآت النفط في إيران قد تكون لها آثار سلبية على الصحة العامة، مشيراً إلى أن “تضرر المنشآت النفطية يهدد بتلويث الغذاء والمياه والهواء، وهي مخاطر قد تكون لها آثار صحية خطيرة، خصوصاً على الأطفال والمسنين والأشخاص الذين يعانون حالات طبية سابقة”.

من جهتها، قالت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أنييس كالامار، عبر منصة “X“، إن هجمات الولايات المتحدة وإسرائيل على منشآت النفط الإيرانية “تضر أولاً وقبل كل شيء بالمدنيين، بمن فيهم الأطفال، مهما كانت التبريرات المقدمة”. وأضافت أن إسرائيل كان ينبغي عليها “اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب أو تقليل المخاطر التي قد يتعرض لها المدنيون عند استهداف مصافي النفط”. وأشارت إلى أن هذه الهجمات تطرح تساؤلات حول ما إذا كانت مصافي النفط تُعد أهدافاً عسكرية مشروعة، ما لم تكن تُستخدم حصراً لإنتاج الوقود للقوات المسلحة.

استهداف منشآت النفط: كارثة بيئية تتكرر بلا مساءلة

ليست المرة الأولى التي تُستهدف فيها خزانات الوقود والمنشآت النفطية خلال النزاعات المسلحة. فقد أظهرت حرب الخليج 1991 أن تدمير آبار النفط يمكن أن يخلف آثاراً بيئية وصحية طويلة الأمد، ما دفع الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم  47/37 لعام 1992 إلى التعبير عن قلقها العميق “إزاء الضرر الذي لحق بالبيئة، واستنفاد الموارد الطبيعية، بما في ذلك تدمير  المئات من رؤوس آبار النفط، وإطلاق النفط الخام  وتبديده في البحر” خلال نزاعات مسلحة.

كما أدى قصف خزانات معمل الجية الحراري خلال حرب تموز/ يوليو 2006 إلى تسرب نحو 15 ألف طن من النفط وتلوث أكثر من 150 كيلومتراً من الساحل اللبناني، في واحدة من أكبر الكوارث البيئية في شرق المتوسط. وصدرت 10 قرارات عن الجمعية العامة للأمم المتحدة تدين إسرائيل وتدعوها إلى معالجة الكارثة البيئية وتعويض لبنان عن الأضرار الناتجة منها. وقدرت الجمعية العامة في قرارها رقم 69/2012 قيمة التعويضات بـ 866.4 مليون دولار أميركي.​​ وعلى الرغم من أن قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة تُعتبر غير ملزمة، إلا إنها تعكس توجه المجتمع الدولي حيال التلوث البيئي جراء قصف منشآت نفطية. 

وبين عامي 2024 و2025، نفذت إسرائيل غارات على مقر شركة النفط اليمنية ومنشآت النفط ومستودعات الوقود. وفي سوريا، تعرّضت منشآت النفط والغاز لعمليات قصف متكررة من أطراف متعددة منذ اندلاع الحرب عام 2011، ما تسبب بدمار واسع وتلوث بيئي طويل الأمد نتيجة الحرائق وتسرب المواد النفطية.

ينص القانون الدولي على حماية البيئة خلال النزاعات المسلحة. وتحظر المادة 35 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف الوسائل ” اللجوء إلى أساليب أو وسائل قتال يُراد بها، أو يُحتمل أن تؤدي، إلى إحداث أضرار واسعة النطاق وطويلة الأمد وخطيرة بالبيئة الطبيعية”. كما تؤكد المادة 55 من البروتوكول نفسه على حظر “الهجمات الانتقامية ضد البيئة الطبيعية”، بما فيها تلك التي “تعرض صحة السكان أو بقاءهم للخطر”.

وبحسب القاعدة السابعة من إرشادات اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشأن حماية البيئة لعام 2020، يحظر “شن هجوم على هدف عسكري يُتوقع أن يسبب أضراراً عرضية بالبيئة الطبيعية تكون مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة”.

منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أعادت الحرب في غزة طرح تساؤلات جدية حول قدرة القانون الدولي الإنساني على توفير الحماية الفعلية للمدنيين والبيئة، خلال النزاعات المسلحة. ومع تزايد التقارير عن استهداف البنى التحتية المدنية وتفاقم الأضرار الإنسانية والبيئية خلال الحرب الحالية، منها منشآت النفط الإيرانية وما تسببت به من تلوث للهواء واحتمال امتداد آثاره عبر الحدود، تثار مخاوف جدية في ظل غياب المساءلة وتقويض المعايير القانونية التي تحكم النزاعات المسلحة.

“إذا كنتم تتحملون وصول سعر برميل النفط إلى 200 دولار، فاستمروا في هذه اللعبة”، قال متحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، متهماً الولايات المتحدة وإسرائيل باستهداف منشآت مدنية، ومضيفاً أن على دول الخليج الضغط لوقف الهجمات، وإلا “سيتم اتخاذ إجراءات مماثلة في المنطقة”. ويثير هذا التهديد مخاوف من استهداف متبادل لمنشآت الطاقة وتحويلها إلى أهداف عسكرية، ما قد يشكل سابقة خطيرة ويقوّض قواعد حماية البنى التحتية المدنية المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني.

يُذكر أن إيران بدأت بتنفيذ تهديداتها باستهداف منشآت الطاقة في دول الخليج، إذ أعلن مركز الاتصال الوطني في البحرين السيطرة على حريق في منشآت نفطية في المعامير، فيما شوهدت أعمدة دخان تتصاعد من مصفاة بابكو الرئيسية عقب قصف إيراني. كما طاولت التهديدات ناقلات النفط، ما يثير مخاوف من تلوث عابر للحدود قد يهدد أنظمة بحرية حساسة بيئياً.

إقرأوا أيضاً: