ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الحرب على البيئة: هل تحمي إنذارات أدرعي  المدنيين؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

يحذر خبراء الصحة من أن غبار الهدم الناتج من تدمير المباني يشكل تهديداً خطيراً للصحة العامة، إذ قد تنبعث منه مواد شديدة السمية مثل الأسبستوس والمعادن الثقيلة والسيليكا البلورية، وفق ما توضحه الأستاذة المشاركة موغه إنساري أوزاي، الخبيرة في الصحة والسلامة المهنية في جامعة أوسكودار.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

شهقت كرة لهب هائلة في سماء الضاحية الجنوبية، تبعها عامود كثيف من الدخان الأسود ارتفع فوق الأبنية السكنية، قبل أن يتردد دويّ الانفجار في أنحاء المدينة. لم يكن مجرد انفجار جديد ضمن سلسلة الضربات التي ” قد تحذّر” منها إسرائيل وتشنها على بيروت وضاحيتها والجنوب والبقاع منذ توسع الحرب الذي لم تنته بفعل اتفاقية وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024. فهذه الضربات لا تخلف دماراً مادياً فحسب، بل تولد سحباً ملوثة تتجاوز الحدود التي يرسمها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي، أفيخاي أدرعي، ما يهدد البيئة وصحة السكان على حد سواء.

من المشاهد المتداولة لإحدى الغارات على منطقة الليلكي في الضاحية الجنوبية لبيروت الخميس 12 آذار/ مارس 2026, المصدر: AFP

رائحة الحرب

“أشعر بضيق في التنفس، وصوتي اختفى”، تقول لمى إحدى سكان المدينة لـ”درج”، واصفةً كيف انتشرت رائحة الحريق والبارود بعدما خمدت ألسنة اللهب التي أعقبت إحدى الغارات. تثقل أعمدة الدخان سماء المدن، بينما يصف هادي بيروت من منزله البعيد بأنها مدينة تغطيها “سحابة غبار سوداء”. 

يشير تقرير لمرصد النزاعات والبيئة إلى أن القصف في إيران ولبنان ودول الخليج يقع غالباً قرب مراكز حضرية مكتظّة، ما يزيد بشكل كبير من مخاطر تعرض المدنيين للملوثات الناتجة من النزاع، سواء عبر استنشاق الهواء الملوث أو من خلال ترسّب المواد السامة في المياه والتربة وسلاسل الغذاء.

أشعلت الغارات الإسرائيلية ليل 11-12 آذار/ مارس 2026 حرائق في أحياء الضاحية الجنوبية لبيروت، كما أظهرت مقاطع مصورة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي. كما استُهدف مبنى في منطقة الباشورة وآخر في سليم سلام، فغظى الدخان المنطقتين المكتظتين بالسكان.

من موقع الغارة على مبنى في الباشورة – بيروت, الخميس 12 آذار/ مارس 2026, المصدر: صفحة المصور نبيل إسماعيل على Facebook

وفي اليوم التالي، غطى الغبار سماء بيروت والضاحية الجنوبية، فيما تراكمت طبقة كثيفة منه على السيارات والأسطح، مدفوعة برياح عاتية تجاوزت سرعتها الـ80 كيلومتراً في الساعة، قبل أن تهطل الأمطار لاحقاً. وساهمت هذه الظروف الجوية في إعادة نشر الغبار والملوثات الناتجة من الحرائق والانفجارات في أنحاء المدينة.

كما تُظهر مقاطع نُشرت بعد الغارة على حارة حريك ليل 15-16 آذار/ مارس، تصاعد سحابة كثيفة من الدخان نحو الشمال الشرقي باتجاه العاصمة بيروت، ما يعكس قابلية انتشار الملوثات خارج موقع الضربة. 

“300% صار معي سرطان من ريحة البارود”، “ريحة البارود شي بيقتل”، “ريحة البارود بالضاحية كتير قوية”، “ريحة البارود ببيروت كتير مزعجة”… هكذا عبّر السكان عن معاناتهم على مواقع التواصل الاجتماعي. تطلق الحرائق في المواقع العسكرية المستهدفة وقوداً وزيوتاً ومعادن ثقيلة ومواد متفجرة وكيميائيات سامة طويلة الأمد. وتنتج من الحرائق مركبات شديدة السمية مثل الديوكسينات، المرتبطة باضطرابات هرمونية وضعف المناعة ومشكلات النمو والإنجاب وزيادة خطر السرطان.

               إحدى إنذارات الإخلاء للضاحية الجنوبية لبيروت ,تاريخ 5 آذار/مارس 2026

تفوح منذ أيام القصف الأولى روائح البارود في محيط الضاحية الجنوبية لبيروت، وقد وصلت إلى مشارف الحازمية، عند مجمع السيتي سنتر على بعد نحو 3.5 إلى 4 كيلومترات من قلب الضاحية الجنوبية، خارج نطاق إنذارات أدرعي.

قبل الغارة التي استهدفت مبنى سكنياً ليل 17–18 آذار/ مارس 2026 في الباشورة، طلب أدرعي من السكان الابتعاد لمسافة 300 متر. إلا أن الروائح وصلت إلى برج أبي حيدر، وهي منطقة مكتظّة بالسكان تبعد نحو 850 متراً. “بالحرب الماضية صار في ضرب حدّي بالنويري على البسطة، بس ما كانت هيك الريحة… هيدي أول مرة منشمّها هيك كنا فاتحين شوي الشباك. ابني عندو حساسية، ضلّ حاطط البلوزة على منخارو”، تقول فرح، واحدة من سكان المنطقة.

معيار “المسافة الآمنة”

“أنتم مضطرون لإخلاء هذه المباني والابتعاد عنها لمسافة 300 متر وفق ما يظهر على الخريطة”، هكذا يحذّر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي أفيخاي أدرعي السكان قبل بعض الضربات، وأحياناً يوسع الدائرة الحمراء في خرائطه لتصل إلى 1000 متر. 

يقدر معهد العلوم من أجل السلام في جامعة تورونتو، أن ما بين 10 إلى 30 في المئة من إجمالي التدهور البيئي في العالم هو نتيجة مباشرة للأنشطة العسكرية. ولا يقتصر تقييم الأثر الناتج من القصف بالأسلحة المتفجرة على لحظة الانفجار وما يخلّفه من خسائر بشرية مباشرة، كما توحي إنذارات الإخلاء والابتعاد التي يعلنها أدرعي. قد تنقذ هذه الإنذارات، إن صدرت، الأرواح لحظة الانفجار، لكنها لا تحمي السكان من الهواء الذي يتنفسونه بعده. 

 يؤكد معهد الأمم المتحدة لبحوث نزع السلاح أن الضرر البيئي نفسه يشكل مؤشراً مركزياً إلى حجم معاناة المدنيين خلال النزاعات المسلحة. وتشير دراسات المعهد إلى أن “الآثار الارتدادية” للأسلحة المتفجرة، قد تستمر لعقود بعد انتهاء الحروب، ما يحول مواقع القصف إلى مصدر دائم للتلوث يهدد صحة السكان والبيئة حتى بعد توقف العمليات العسكرية. بذلك، فإن تحذيرات الإخلاء المسبقة لا توفر “حماية فعلية” للمدنيين  من الآثار غير المرئية التي يخلفها القصف والتي قد تنتقل عبر الهواء والمياه والتربة وتتجاوز حدود موقع القصف نفسه. 

الحرائق في منطقة الكفاءات في الضاحية الجنوبية لبيروت, عقب غارة 17 آذار/ مارس 2026, المصدر: AFP

بحسب مرصد النزاعات والبيئة (CEOBS)، عُثر أثناء إزالة الركام في الضاحية الجنوبية لبيروت بعد حرب تموز/ يوليو 2006 على وقود يحتوي على مركبات الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات (PAHs)، وهي مواد سامة قد تسبب السرطان وأمراض الجهاز التنفسي والقلب. ويُرجح أن مصدرها المولدات الكهربائية الصغيرة التي تضررت خلال القصف. كما كُشف عن وجود مركّبات ثنائي الفينيل متعدد الكلور (PCBs) في بعض العينات، وذلك نتيجة تضرر المحولات والمكثفات الكهربائية. وتُصنف هذه المركبات ضمن الملوثات العضوية الثابتة التي تتميز بقدرتها على البقاء في البيئة لفترات طويلة والتراكم داخل الأنسجة الحية، وقد صنفتها الوكالة الدولية لبحوث السرطان مواد مسرطنة للبشر.

 التلوث لا يقتصر على الأبنية المحددة باللون الأحمر

لا يتوقف أثر القصف عند المباني التي تُحدد باللون الأحمر على الخرائط العسكرية، إذ يمتد الدمار إلى ما بعدها عبر الغبار والركام والملوثات المحمولة في الهواء. وقد شملت دراسات عدة آثار هدم البناء على البيئة والصحة العامة، وإن لم تكن في إطار النزاعات المسلحة إلا إنها تعطي صورة عن الآثار البيئية والصحية المحتملة. 

وفقاً لتقييم مخلفات الهدم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2020، تقسم مخلفات الهدم الناتجة من تدمير المباني وفقاً لنوعها سواء كانت سكنية أو تجارية أو صناعية. وتقدر نفايات الهدم الناتجة من المستودعات والمباني الصناعية ما بين 5 و 15 في المئة من حجم المبنى، المدارس والمباني التجارية مثل المكاتب أو المصارف بين 5 و 15 في المئة من حجم المبنى، أما المنازل السكنية المدمرة بالكامل فتشكل نفاياتها ما بين 25 و35 في المئة من حجم المبنى. 

وتتحوّل هذه الأنقاض إلى مصدر رئيسي لتلوث الهواء. فقد أظهرت دراسات أن هدم المباني القديمة يطلق كميات هائلة من الغبار الملوث بالرصاص، إذ قد يرتفع تركيزه في الهواء أكثر من 40 ضعفاً أثناء الهدم ونحو ستة أضعاف خلال إزالة الركام. كما يولد تدمير المباني جسيمات دقيقة قابلة للانتقال مع الرياح لمسافات تتجاوز موقع الدمار، وقد تبقى عالقة في الهواء لأيام، ما يعرض السكان في المناطق المحيطة لمخاطر صحية خطيرة تشمل أمراض الجهاز التنفسي مثل الربو وسرطان الرئة، إضافة إلى أمراض القلب والأوعية الدموية.

وليست الأنقاض مجرد حجارة، بل خليط معقد من مواد البناء والمواد الكيميائية والمكونات الإلكترونية القابلة للاشتعال أو الانفجار. فعند تحطم الخرسانة والطوب والمعادن والأجهزة الكهربائية والمواد البلاستيكية، يتحول الركام إلى مصدر مستمر للغبار السام والملوثات الهوائية.

ووقعت الغارات الأخيرة في محيط منشآت مدنية تضم مواد وتجهيزات قد تشكل مصادر إضافية للتلوث عند تدميرها، مثل محال بيع الأجهزة الكهربائية ومراكز التجميل التي تحتوي على معدات طبية وتقنية مثل أجهزة إزالة الشعر بالليزر، وتعتبر مصدراً للمواد السامة كالرصاص والزئبق. كما شملت خرائط الإخلاء التي نشرها أدرعي منشآت ومراكز صحية، بينها مختبرات تحاليل طبية وعيادات طب الأسنان في مدينة صور،  ومركز طبي في  بلدة مشغرة البقاعية، و صيدليات في مزرعة العاقبية، ومحطات وقود في تول، ومصنع أدوات صناعية في دير الزهراني، وهي مواقع قد يؤدي تضررها إلى إطلاق مواد كيميائية أو طبية أو وقود في البيئة المحيطة.

ولا يقتصر القصف على انهيار المباني نفسها، بل يشمل أيضاً ما تحتويه من أجهزة منزلية وأنظمة تبريد ومكيّفات ومولدات كهربائية وخزانات وقود قد تكون قابلة للاشتعال أو الانفجار، ما يؤدي إلى إطلاق مزيج معقد من الملوثات عند تدميرها أو احتراقها. 

وتُظهر المشاهد الميدانية حجم هذا الدمار وما ينطوي عليه من مخاطر إضافية. ففي تقرير للصحافي إبراهيم الغريب عبر قناة “الجديد”، ظهرت أعداد كبيرة من ألواح الطاقة الشمسية مدمرة في بلدة النبي شيت البقاعية.  كما يُظهر مقطع مصور آخر اندلاع حريق في مبنى بحي الشورى في الضاحية عقب الغارة، فيما تبدو في مشاهد من حارة حريك أسلاك كهربائية مقطوعة ومتدلية بين الأنقاض، في مؤشر إلى حجم الضرر الذي طاول البنية التحتية المدنية وما قد يرافقه من أخطار بيئية وصحية.

حارة حريك- الضاحية الجنوبية لبيروت, بتاريخ 15 آذار/ مارس 2026 ,المصدر: AFP

يحذر خبراء الصحة من أن غبار الهدم الناتج من تدمير المباني يشكل تهديداً خطيراً للصحة العامة، إذ قد تنبعث منه مواد شديدة السمية مثل الأسبستوس والمعادن الثقيلة والسيليكا البلورية، وفق ما توضحه الأستاذة المشاركة موغه إنساري أوزاي، الخبيرة في الصحة والسلامة المهنية في جامعة أوسكودار.

الأسبستوس معدن ليفي استخدم في مواد العزل والأسقف والأنابيب في المباني القديمة، وسبق وأن شرحت الاختصاصية في الإدارة البيئية والعضوة في ائتلاف إدارة النفايات سمر خليل لـ “درج” إنه بفعل “تكسر هذه المواد، تتفكك ألياف الأسبستوس، وعند استنشاقها تسبب بأمراض خطيرة ومميتة”. 

أما السيليكا البلورية فهي مكوّن أساسي للغبار الناتج من تكسير الخرسانة والطوب والحجر، وقد تؤدي إلى الإصابة بالسحار السيليسي، وهو مرض رئوي دائم وغير قابل للشفاء. ولا يقتصر الخطر على هذه المواد، إذ قد تنبعث أيضاً إشعاعات في حالات نادرة، خصوصاً عند تدمير منشآت طبية أو صناعية كانت تستخدم مصادر إشعاعية.

يؤكد دووغ وير، مدير مرصد النزاعات والبيئة، أن رصد ما يتعرض له السكان من ملوثات وإجراء دراسات صحية خلال النزاعات المسلحة أمر بالغ الصعوبة، لكنه يظل ضرورياً، وقد نجح الباحثون في تنفيذ مثل هذه الدراسات في نزاعات سابقة. غير أن تطبيق ذلك في لبنان يواجه تحديات كبيرة، إذ تعيق الظروف الأمنية وإمكانية الوصول إلى مواقع القصف عملية جمع العينات البيئية والصحية.

وعلى الرغم من إطلاق المجلس الوطني للبحوث العلمية منصة رقمية لمتابعة الحرب في لبنان، لا تزال الإرشادات الصحية الموجهة للسكان غائبة، ما يترك المدنيين من دون معلومات كافية حول المخاطر الصحية الناتجة من النزاع. ويعزز ذلك الحاجة إلى خطط طوارئ شاملة تتضمن رصد الأثر البيئي للنزاعات.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، فعّلت وزارة البيئة بين عامي 2013 و2017 نحو 15 محطة لرصد نوعية الهواء، إلا أنها توقفت عن العمل عام 2019 بسبب نقص التمويل. وكانت الوزارة قد أعلنت أن شبكة رصد جودة الهواء في بيروت ستوضع قيد التفعيل بحلول صيف 2026، وهو أمر في غاية الأهمية في ظل الحاجة الملحة لبيانات موثوقة حول مستويات التلوث، خصوصاً في فترات الحروب.

البيئة جزء من حماية المدنيين في النزاعات المسلّحة

زعم الجيش الإسرائيلي  أنه قصف مستودع أسلحة للوحدة الجوية في حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت. لكن تصنيف الموقع هدفاً عسكرياً مشروعاً لا يعفي من الالتزامات القانونية أثناء تنفيذ الهجوم.

وفقاً للمادتين 35 و 55 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، يحظر إلحاق الضرر الواسع النطاق وطويل الأمد على البيئة الطبيعية. وتنص مبادئ التناسب على الموازنة بين الأهداف العسكرية المتوقعة والأضرار المحتملة، بما فيها الأضرار البيئية ذات الأثر على المدنيين. فقد يترتب على استهداف مخازن أسلحة انبعاث مركبات كيميائية سامة تلوث الهواء والمياه والتربة وتهدد صحة السكان على المدى البعيد. 

يركز القانون الدولي الإنساني في صيغته الحالية على حماية المدنيين من أعمال العنف المباشرة الناجمة عن النزاعات المسلحة، لكنه لا يعالج بالقدر الكافي التهديدات غير المرئية مثل التلوث طويل الأمد. فالحرب لا تدمر المباني فقط، بل تلوث البيئة التي يعتمد عليها السكان للبقاء. لذلك تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في كيفية التعامل مع الأضرار البيئية أثناء النزاعات، بحيث تُعد جزءاً لا يتجزأ من حماية المدنيين، لا مجرد أثر جانبي للعمليات العسكرية.

وفي هذا السياق، تتزايد الدعوات الدولية لاعتماد ما يُعرف بـ “اتفاقية جنيف الخامسة”، وهو طرح يهدف إلى سد الثغرات في القانون الدولي الإنساني عبر تعزيز حماية البيئة بوصفها عنصراً أساسياً في أمن السكان وبقائهم.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 10.04.2026

ما تبقى من أهل الليطاني ومن ثقافته

ورثة البساتين سيواصلون غيابهم، وسيولد جيل جديد في المغتربات من أصحاب الأملاك ممن لا يعرفون شيئاً عن ثقافة الليطاني، سيهجرون بساتين أجدادهم. وربما سنستعيد حكايات النهر في مسرحية يعرض علينا فيها يحيى جابر قصته مع النهر، في مسرح مونو في بيروت، ثم نغادر إلى منازلنا وننام.
19.03.2026
زمن القراءة: 9 minutes

يحذر خبراء الصحة من أن غبار الهدم الناتج من تدمير المباني يشكل تهديداً خطيراً للصحة العامة، إذ قد تنبعث منه مواد شديدة السمية مثل الأسبستوس والمعادن الثقيلة والسيليكا البلورية، وفق ما توضحه الأستاذة المشاركة موغه إنساري أوزاي، الخبيرة في الصحة والسلامة المهنية في جامعة أوسكودار.

شهقت كرة لهب هائلة في سماء الضاحية الجنوبية، تبعها عامود كثيف من الدخان الأسود ارتفع فوق الأبنية السكنية، قبل أن يتردد دويّ الانفجار في أنحاء المدينة. لم يكن مجرد انفجار جديد ضمن سلسلة الضربات التي ” قد تحذّر” منها إسرائيل وتشنها على بيروت وضاحيتها والجنوب والبقاع منذ توسع الحرب الذي لم تنته بفعل اتفاقية وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024. فهذه الضربات لا تخلف دماراً مادياً فحسب، بل تولد سحباً ملوثة تتجاوز الحدود التي يرسمها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي، أفيخاي أدرعي، ما يهدد البيئة وصحة السكان على حد سواء.

من المشاهد المتداولة لإحدى الغارات على منطقة الليلكي في الضاحية الجنوبية لبيروت الخميس 12 آذار/ مارس 2026, المصدر: AFP

رائحة الحرب

“أشعر بضيق في التنفس، وصوتي اختفى”، تقول لمى إحدى سكان المدينة لـ”درج”، واصفةً كيف انتشرت رائحة الحريق والبارود بعدما خمدت ألسنة اللهب التي أعقبت إحدى الغارات. تثقل أعمدة الدخان سماء المدن، بينما يصف هادي بيروت من منزله البعيد بأنها مدينة تغطيها “سحابة غبار سوداء”. 

يشير تقرير لمرصد النزاعات والبيئة إلى أن القصف في إيران ولبنان ودول الخليج يقع غالباً قرب مراكز حضرية مكتظّة، ما يزيد بشكل كبير من مخاطر تعرض المدنيين للملوثات الناتجة من النزاع، سواء عبر استنشاق الهواء الملوث أو من خلال ترسّب المواد السامة في المياه والتربة وسلاسل الغذاء.

أشعلت الغارات الإسرائيلية ليل 11-12 آذار/ مارس 2026 حرائق في أحياء الضاحية الجنوبية لبيروت، كما أظهرت مقاطع مصورة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي. كما استُهدف مبنى في منطقة الباشورة وآخر في سليم سلام، فغظى الدخان المنطقتين المكتظتين بالسكان.

من موقع الغارة على مبنى في الباشورة – بيروت, الخميس 12 آذار/ مارس 2026, المصدر: صفحة المصور نبيل إسماعيل على Facebook

وفي اليوم التالي، غطى الغبار سماء بيروت والضاحية الجنوبية، فيما تراكمت طبقة كثيفة منه على السيارات والأسطح، مدفوعة برياح عاتية تجاوزت سرعتها الـ80 كيلومتراً في الساعة، قبل أن تهطل الأمطار لاحقاً. وساهمت هذه الظروف الجوية في إعادة نشر الغبار والملوثات الناتجة من الحرائق والانفجارات في أنحاء المدينة.

كما تُظهر مقاطع نُشرت بعد الغارة على حارة حريك ليل 15-16 آذار/ مارس، تصاعد سحابة كثيفة من الدخان نحو الشمال الشرقي باتجاه العاصمة بيروت، ما يعكس قابلية انتشار الملوثات خارج موقع الضربة. 

“300% صار معي سرطان من ريحة البارود”، “ريحة البارود شي بيقتل”، “ريحة البارود بالضاحية كتير قوية”، “ريحة البارود ببيروت كتير مزعجة”… هكذا عبّر السكان عن معاناتهم على مواقع التواصل الاجتماعي. تطلق الحرائق في المواقع العسكرية المستهدفة وقوداً وزيوتاً ومعادن ثقيلة ومواد متفجرة وكيميائيات سامة طويلة الأمد. وتنتج من الحرائق مركبات شديدة السمية مثل الديوكسينات، المرتبطة باضطرابات هرمونية وضعف المناعة ومشكلات النمو والإنجاب وزيادة خطر السرطان.

               إحدى إنذارات الإخلاء للضاحية الجنوبية لبيروت ,تاريخ 5 آذار/مارس 2026

تفوح منذ أيام القصف الأولى روائح البارود في محيط الضاحية الجنوبية لبيروت، وقد وصلت إلى مشارف الحازمية، عند مجمع السيتي سنتر على بعد نحو 3.5 إلى 4 كيلومترات من قلب الضاحية الجنوبية، خارج نطاق إنذارات أدرعي.

قبل الغارة التي استهدفت مبنى سكنياً ليل 17–18 آذار/ مارس 2026 في الباشورة، طلب أدرعي من السكان الابتعاد لمسافة 300 متر. إلا أن الروائح وصلت إلى برج أبي حيدر، وهي منطقة مكتظّة بالسكان تبعد نحو 850 متراً. “بالحرب الماضية صار في ضرب حدّي بالنويري على البسطة، بس ما كانت هيك الريحة… هيدي أول مرة منشمّها هيك كنا فاتحين شوي الشباك. ابني عندو حساسية، ضلّ حاطط البلوزة على منخارو”، تقول فرح، واحدة من سكان المنطقة.

معيار “المسافة الآمنة”

“أنتم مضطرون لإخلاء هذه المباني والابتعاد عنها لمسافة 300 متر وفق ما يظهر على الخريطة”، هكذا يحذّر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي أفيخاي أدرعي السكان قبل بعض الضربات، وأحياناً يوسع الدائرة الحمراء في خرائطه لتصل إلى 1000 متر. 

يقدر معهد العلوم من أجل السلام في جامعة تورونتو، أن ما بين 10 إلى 30 في المئة من إجمالي التدهور البيئي في العالم هو نتيجة مباشرة للأنشطة العسكرية. ولا يقتصر تقييم الأثر الناتج من القصف بالأسلحة المتفجرة على لحظة الانفجار وما يخلّفه من خسائر بشرية مباشرة، كما توحي إنذارات الإخلاء والابتعاد التي يعلنها أدرعي. قد تنقذ هذه الإنذارات، إن صدرت، الأرواح لحظة الانفجار، لكنها لا تحمي السكان من الهواء الذي يتنفسونه بعده. 

 يؤكد معهد الأمم المتحدة لبحوث نزع السلاح أن الضرر البيئي نفسه يشكل مؤشراً مركزياً إلى حجم معاناة المدنيين خلال النزاعات المسلحة. وتشير دراسات المعهد إلى أن “الآثار الارتدادية” للأسلحة المتفجرة، قد تستمر لعقود بعد انتهاء الحروب، ما يحول مواقع القصف إلى مصدر دائم للتلوث يهدد صحة السكان والبيئة حتى بعد توقف العمليات العسكرية. بذلك، فإن تحذيرات الإخلاء المسبقة لا توفر “حماية فعلية” للمدنيين  من الآثار غير المرئية التي يخلفها القصف والتي قد تنتقل عبر الهواء والمياه والتربة وتتجاوز حدود موقع القصف نفسه. 

الحرائق في منطقة الكفاءات في الضاحية الجنوبية لبيروت, عقب غارة 17 آذار/ مارس 2026, المصدر: AFP

بحسب مرصد النزاعات والبيئة (CEOBS)، عُثر أثناء إزالة الركام في الضاحية الجنوبية لبيروت بعد حرب تموز/ يوليو 2006 على وقود يحتوي على مركبات الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات (PAHs)، وهي مواد سامة قد تسبب السرطان وأمراض الجهاز التنفسي والقلب. ويُرجح أن مصدرها المولدات الكهربائية الصغيرة التي تضررت خلال القصف. كما كُشف عن وجود مركّبات ثنائي الفينيل متعدد الكلور (PCBs) في بعض العينات، وذلك نتيجة تضرر المحولات والمكثفات الكهربائية. وتُصنف هذه المركبات ضمن الملوثات العضوية الثابتة التي تتميز بقدرتها على البقاء في البيئة لفترات طويلة والتراكم داخل الأنسجة الحية، وقد صنفتها الوكالة الدولية لبحوث السرطان مواد مسرطنة للبشر.

 التلوث لا يقتصر على الأبنية المحددة باللون الأحمر

لا يتوقف أثر القصف عند المباني التي تُحدد باللون الأحمر على الخرائط العسكرية، إذ يمتد الدمار إلى ما بعدها عبر الغبار والركام والملوثات المحمولة في الهواء. وقد شملت دراسات عدة آثار هدم البناء على البيئة والصحة العامة، وإن لم تكن في إطار النزاعات المسلحة إلا إنها تعطي صورة عن الآثار البيئية والصحية المحتملة. 

وفقاً لتقييم مخلفات الهدم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2020، تقسم مخلفات الهدم الناتجة من تدمير المباني وفقاً لنوعها سواء كانت سكنية أو تجارية أو صناعية. وتقدر نفايات الهدم الناتجة من المستودعات والمباني الصناعية ما بين 5 و 15 في المئة من حجم المبنى، المدارس والمباني التجارية مثل المكاتب أو المصارف بين 5 و 15 في المئة من حجم المبنى، أما المنازل السكنية المدمرة بالكامل فتشكل نفاياتها ما بين 25 و35 في المئة من حجم المبنى. 

وتتحوّل هذه الأنقاض إلى مصدر رئيسي لتلوث الهواء. فقد أظهرت دراسات أن هدم المباني القديمة يطلق كميات هائلة من الغبار الملوث بالرصاص، إذ قد يرتفع تركيزه في الهواء أكثر من 40 ضعفاً أثناء الهدم ونحو ستة أضعاف خلال إزالة الركام. كما يولد تدمير المباني جسيمات دقيقة قابلة للانتقال مع الرياح لمسافات تتجاوز موقع الدمار، وقد تبقى عالقة في الهواء لأيام، ما يعرض السكان في المناطق المحيطة لمخاطر صحية خطيرة تشمل أمراض الجهاز التنفسي مثل الربو وسرطان الرئة، إضافة إلى أمراض القلب والأوعية الدموية.

وليست الأنقاض مجرد حجارة، بل خليط معقد من مواد البناء والمواد الكيميائية والمكونات الإلكترونية القابلة للاشتعال أو الانفجار. فعند تحطم الخرسانة والطوب والمعادن والأجهزة الكهربائية والمواد البلاستيكية، يتحول الركام إلى مصدر مستمر للغبار السام والملوثات الهوائية.

ووقعت الغارات الأخيرة في محيط منشآت مدنية تضم مواد وتجهيزات قد تشكل مصادر إضافية للتلوث عند تدميرها، مثل محال بيع الأجهزة الكهربائية ومراكز التجميل التي تحتوي على معدات طبية وتقنية مثل أجهزة إزالة الشعر بالليزر، وتعتبر مصدراً للمواد السامة كالرصاص والزئبق. كما شملت خرائط الإخلاء التي نشرها أدرعي منشآت ومراكز صحية، بينها مختبرات تحاليل طبية وعيادات طب الأسنان في مدينة صور،  ومركز طبي في  بلدة مشغرة البقاعية، و صيدليات في مزرعة العاقبية، ومحطات وقود في تول، ومصنع أدوات صناعية في دير الزهراني، وهي مواقع قد يؤدي تضررها إلى إطلاق مواد كيميائية أو طبية أو وقود في البيئة المحيطة.

ولا يقتصر القصف على انهيار المباني نفسها، بل يشمل أيضاً ما تحتويه من أجهزة منزلية وأنظمة تبريد ومكيّفات ومولدات كهربائية وخزانات وقود قد تكون قابلة للاشتعال أو الانفجار، ما يؤدي إلى إطلاق مزيج معقد من الملوثات عند تدميرها أو احتراقها. 

وتُظهر المشاهد الميدانية حجم هذا الدمار وما ينطوي عليه من مخاطر إضافية. ففي تقرير للصحافي إبراهيم الغريب عبر قناة “الجديد”، ظهرت أعداد كبيرة من ألواح الطاقة الشمسية مدمرة في بلدة النبي شيت البقاعية.  كما يُظهر مقطع مصور آخر اندلاع حريق في مبنى بحي الشورى في الضاحية عقب الغارة، فيما تبدو في مشاهد من حارة حريك أسلاك كهربائية مقطوعة ومتدلية بين الأنقاض، في مؤشر إلى حجم الضرر الذي طاول البنية التحتية المدنية وما قد يرافقه من أخطار بيئية وصحية.

حارة حريك- الضاحية الجنوبية لبيروت, بتاريخ 15 آذار/ مارس 2026 ,المصدر: AFP

يحذر خبراء الصحة من أن غبار الهدم الناتج من تدمير المباني يشكل تهديداً خطيراً للصحة العامة، إذ قد تنبعث منه مواد شديدة السمية مثل الأسبستوس والمعادن الثقيلة والسيليكا البلورية، وفق ما توضحه الأستاذة المشاركة موغه إنساري أوزاي، الخبيرة في الصحة والسلامة المهنية في جامعة أوسكودار.

الأسبستوس معدن ليفي استخدم في مواد العزل والأسقف والأنابيب في المباني القديمة، وسبق وأن شرحت الاختصاصية في الإدارة البيئية والعضوة في ائتلاف إدارة النفايات سمر خليل لـ “درج” إنه بفعل “تكسر هذه المواد، تتفكك ألياف الأسبستوس، وعند استنشاقها تسبب بأمراض خطيرة ومميتة”. 

أما السيليكا البلورية فهي مكوّن أساسي للغبار الناتج من تكسير الخرسانة والطوب والحجر، وقد تؤدي إلى الإصابة بالسحار السيليسي، وهو مرض رئوي دائم وغير قابل للشفاء. ولا يقتصر الخطر على هذه المواد، إذ قد تنبعث أيضاً إشعاعات في حالات نادرة، خصوصاً عند تدمير منشآت طبية أو صناعية كانت تستخدم مصادر إشعاعية.

يؤكد دووغ وير، مدير مرصد النزاعات والبيئة، أن رصد ما يتعرض له السكان من ملوثات وإجراء دراسات صحية خلال النزاعات المسلحة أمر بالغ الصعوبة، لكنه يظل ضرورياً، وقد نجح الباحثون في تنفيذ مثل هذه الدراسات في نزاعات سابقة. غير أن تطبيق ذلك في لبنان يواجه تحديات كبيرة، إذ تعيق الظروف الأمنية وإمكانية الوصول إلى مواقع القصف عملية جمع العينات البيئية والصحية.

وعلى الرغم من إطلاق المجلس الوطني للبحوث العلمية منصة رقمية لمتابعة الحرب في لبنان، لا تزال الإرشادات الصحية الموجهة للسكان غائبة، ما يترك المدنيين من دون معلومات كافية حول المخاطر الصحية الناتجة من النزاع. ويعزز ذلك الحاجة إلى خطط طوارئ شاملة تتضمن رصد الأثر البيئي للنزاعات.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، فعّلت وزارة البيئة بين عامي 2013 و2017 نحو 15 محطة لرصد نوعية الهواء، إلا أنها توقفت عن العمل عام 2019 بسبب نقص التمويل. وكانت الوزارة قد أعلنت أن شبكة رصد جودة الهواء في بيروت ستوضع قيد التفعيل بحلول صيف 2026، وهو أمر في غاية الأهمية في ظل الحاجة الملحة لبيانات موثوقة حول مستويات التلوث، خصوصاً في فترات الحروب.

البيئة جزء من حماية المدنيين في النزاعات المسلّحة

زعم الجيش الإسرائيلي  أنه قصف مستودع أسلحة للوحدة الجوية في حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت. لكن تصنيف الموقع هدفاً عسكرياً مشروعاً لا يعفي من الالتزامات القانونية أثناء تنفيذ الهجوم.

وفقاً للمادتين 35 و 55 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977، يحظر إلحاق الضرر الواسع النطاق وطويل الأمد على البيئة الطبيعية. وتنص مبادئ التناسب على الموازنة بين الأهداف العسكرية المتوقعة والأضرار المحتملة، بما فيها الأضرار البيئية ذات الأثر على المدنيين. فقد يترتب على استهداف مخازن أسلحة انبعاث مركبات كيميائية سامة تلوث الهواء والمياه والتربة وتهدد صحة السكان على المدى البعيد. 

يركز القانون الدولي الإنساني في صيغته الحالية على حماية المدنيين من أعمال العنف المباشرة الناجمة عن النزاعات المسلحة، لكنه لا يعالج بالقدر الكافي التهديدات غير المرئية مثل التلوث طويل الأمد. فالحرب لا تدمر المباني فقط، بل تلوث البيئة التي يعتمد عليها السكان للبقاء. لذلك تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في كيفية التعامل مع الأضرار البيئية أثناء النزاعات، بحيث تُعد جزءاً لا يتجزأ من حماية المدنيين، لا مجرد أثر جانبي للعمليات العسكرية.

وفي هذا السياق، تتزايد الدعوات الدولية لاعتماد ما يُعرف بـ “اتفاقية جنيف الخامسة”، وهو طرح يهدف إلى سد الثغرات في القانون الدولي الإنساني عبر تعزيز حماية البيئة بوصفها عنصراً أساسياً في أمن السكان وبقائهم.