ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الحرب كمشروع سياسي ساقط: لا تحرّر، لا ديمقراطية، لا استقرار

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

فكرة “الحرب الجهادية الدائمة” سواء كخطاب، أو كاستراتيجية تتحوّل بذاتها إلى مأزق، لا يعكس انتصاراً للشعوب، بل يعيد إنتاج دوّامة من العنف تُبقي المجتمعات رهينة لصالح القوى التي تمتلك التفوّق التكنولوجي والعسكري، وليس لصالح الشعوب الباحثة عن الحرّية والكرامة.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

من الواضح أن الحرب الإسرائيلية والأميركية على إيران اليوم، ليست فقط حرباً مادّية ذات دوافع تفاوضية وتقنية مرتبطة بالملفّ النووي. هي بالأساس حرب ترتبط بمستقبل نظام الجمهورية الإسلامية: أوّلاً كشبكة أمنية عابرة للدول، وثانياً كنظام داخلي محوره المرشد والمؤسّسات التي تسند سلطته الداخلية. 

هي أيضاً حرب ترتبط بسقف القيادة الإسرائيلية الحالية، وبشكل خاصّ نتانياهو، تجاه المنطقة، وبالتالي مستقبل نتانياهو وسط الضغوطات الشعبية والعالمية الكبيرة التي تواجه حلوله “الإبادية” و”الحربية”، ردّاً على أزمته السياسية بعد “7 أكتوبر”. 

ما بين مستقبل النظام الإيراني ومستقبل نتانياهو السياسي، تدفع التداعيات “الوجودية” للحرب “المُشاهد الناشط” (الممانع والأنتي- ممانع) نحو تخيّلات سياسية كبيرة مثل، أوّلاً: “تحرير إيران من الخمينية”، ونقيضه ثانياً: إسقاط نتانياهو و”هزيمة إسرائيل المؤجّلة”. 

ولكن في الواقع، المتحمّسون للحروب غالباً لم يشاركوا في عمليّة إطلاقها، وبالأحرى لا يعرفون سبب إطلاقها ولا شروط إيقافها. يتحوّلون إلى مشاهدين، مشجّعين، عاجزين عن العمل السياسي الخلّاق والمنتج، وكأن هذه الأنظمة وحروبها أصبحت، “للمشاهد الناشط”، مدخلاً لتعبير سياسي “ذاتي” خارج عن التاريخ. 

مأزق “7 تشرين”: بين التحرّر الوطني واستنزاف الشعوب

ما حدث في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، ليس فقط كحدثٍ عابر، بل كمحطّة ضمن سياق التحرّر الوطني من أجل تحرير فلسطين، وتحسين شروط التفاوض السياسي للفلسطينيين في مواجهة إسرائيل. غير أن هذه القراءة تصطدم بما يمكن تسميته بـ”مأزومية الدم الدائمة”؛ أي أن استمرار اللجوء إلى العنف المسلّح بوصفه الخيار الوحيد لتحقيق المكاسب، يُفضي في النهاية إلى دورة استنزاف تُطيل أمد الصراع، دون أن تكون بالضرورة لصالح الشعوب. 

يمكن هنا الإشارة إلى نماذج مضادّة توضح هذه الإشكالية: فلننظر إلى ما آلت إليه مكاسب “منظّمة التحرير الفلسطينية” في لبنان، أو إلى تجربة الصواريخ في الجنوب اللبناني، أو حتى إلى ما تحقّق خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية. كلّها تجارب تُظهر أن تحويل العمل المسلح إلى “منصّة استراتيجية” دائمة للتغيير السياسي أو التحرّري، يضعنا تلقائياً في ملعب إسرائيل، حيث الحروب الكبرى والإقليمية هي ساحة تفوّقها. 

إن فكرة “الحرب الجهادية الدائمة” سواء كخطاب، أو كاستراتيجية تتحوّل بذاتها إلى مأزق، لا يعكس انتصاراً للشعوب، بل يعيد إنتاج دوّامة من العنف تُبقي المجتمعات رهينة لصالح القوى التي تمتلك التفوّق التكنولوجي والعسكري، وليس لصالح الشعوب الباحثة عن الحرّية والكرامة.

من هنا، يمكن القول إن لبنان يعيش، منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، أزمة مرتبطة بهذا التاريخ، حتى بات من الممكن وصفها بـ”أزمة 7 تشرين”، وهو العنوان السياسي الحقيقي للأزمة الحالية: أي محاولة إنتاج عهد جديد تحت وطأة هذا المتغيّر الإقليمي. 

لكن، هل يمكن للحرب أن تغيّر النظام اللبناني؟ الجواب هو: لا. غير أن التبدّل في موازين القوى المشاركة في الحرب، وخسارة بعض أطرافها مواقعها، قد يُنتج مشهداً سياسياً جديداً، من دون أن يعني ذلك أن الحرب بذاتها كانت المحرّك الأساسي لهذا التحوّل.

وما يعزّز هذه النظرية هو ما جرى في المواجهة بين إسرائيل وإيران، التي انتهت بتصريح للرئيس الأميركي دونالد ترامب يقول فيه: “مبارك للعالم، إنه وقت السلام”، وعاد الحديث عن التفاوض إلى الطاولة. 

على النقيض من ذلك، فإن المواجهة بين إسرائيل و”حزب الله” لم تُفضِ إلى تفاوض، بل أظهرت ضعفاً في بنية الحزب السياسية والعسكرية، ما مهّد الطريق لإنتاج سلطة جديدة. لكن هذه السلطة، رغم ذلك، لم تستطع أن تُعيد تشكيل نفسها خارج إطار “حزب الله”، لكون الحزب لا يزال مكوّناً لبنانياً أساسياً، ولم تستطع أي قوّة بديلة حتى الآن، أن تقوم بما قامت به أحزاب القرن الماضي.

الحرب على إيران: تخيّلات مدمّرة 

رغم هذه التداعيات الكبيرة للحرب على مستقبل القوى السياسية، من الغريب التفكير بطموحات سياسية تحوّلية كبرى في أثناء جفاف سياسي شامل، وتحديداً في غياب بدائل أو مشاريع سياسية وأمنية مضادّة موزونة، في إيران وإسرائيل على حدّ سواء في هذه اللحظة بالذات. فمن يقود مشروع “التغيير” في إيران؟ دونالد ترامب؟ نتانياهو بنفسه؟ رضا بهلوي؟ المعارضة الإيرانية في الاغتراب؟ ومن سيقف في وجه نتانياهو في إسرائيل؟ بن غفير؟ نفتالي بينيت؟ المستوطنون في الضفّة الغربية؟ الليبراليون في تل أبيب؟ 

بالنسبة إلى إسرائيل، من الغريب الظنّ أن نتانياهو يعيش أزمة حرب، رغم أن كلّ هذه الحروب كانت بمثابة فرصة انتعاش لسلطته بعد الانفجارات الداخلية والمخابراتية المتتالية والمستمرة منذ “7 أكتوبر”. فرغم التضحيات كلّها، أصبحت كلّ جبهات “الإسناد” خدمة سياسية لنتانياهو في الداخل الإسرائيلي. في لبنان، حوّل أزمته إلى فرصة، و”كارثة 7 أكتوبر” إلى “انتصار” أنقذ مسيرته السياسية. 

أما بالنسبة إلى إيران، فمن الغريب الظن أن الحروب، كأداة بحدّ ذاتها، هي نقطة انطلاق لانتقال سياسي مستدام وسليم، بخاصّة مع الأخذ بعين الاعتبار تجربة حرب العراق. بدأت الحرب بـ”إسقاط صدام حسين” وانتهت بحروب طائفية ودولة مفكّكة، وإبراز تنظيمات أصولية عنيفة. 

بطبيعة الحال، فإن الحرب الدائرة اليوم لن تُنتج خياراً سياسياً جديداً أو مناخاً سياسياً خارجاً عن السياق القائم، بل هي مجرّد إعادة تموضع للقوى بهدف تحديد من هو الأقوى على الطاولة في المرحلة الحالية، وينعكس هذا التموضع ليس فقط على الدول المتنازعة مباشرة، بل أيضاً على الدول المتأثّرة بالنزاع، وفي مقدّمها لبنان.

انتظر اللبنانيون والسوريون والفلسطينيون والعراقيون نتيجة الحرب كحدث قد يغيّر شكل المنطقة، ولكنّ “تغيير المنطقة” لا يعني تغيير البنى السياسية المسيطرة. وبالنسبة إلى كلّ من يطمح إلى التحوّل السياسي والمجتمعي الجذري، سقط رهان الحرب بغياب بدائل واضحة وبعيدة عن الحلول الأمنية السطحية. فما الرهان التالي؟

البديل عن الحرب: استعادة مجتمعاتنا 

الأهداف واضحة: تجنّب الحروب القاتلة على أراضينا؛ حماية شعبنا من ديمومة “الموت السريع”؛ الحفاظ على سيادتنا في مواجهة التعدّيات الإسرائيلية المتتالية؛ التخلّص من صيغة الميليشيات المسنودة بقوى خارجية؛ تحقيق الحدّ الأدنى من التماسك والتضامن المجتمعي وسط الاعتداءات. 

تتطلّب هذه الأهداف عدّة مستويات من التدخّل السياسي، ومنها المستوى “الدولتي الراهن”، مبادرات الدول، والمستوى “المجتمعي البعيد”. 

المستوى الأول في المنطقة يتمثّل اليوم بمبادرات عربية عدّة تحاول الحدّ من قوّة نتانياهو والماكينة العسكرية الإسرائيلية، وبالتوازي تتفاوض مع الميليشيات المدعومة من إيران بهدف نزع سلاحها وتوحيد القرار الاستراتيجي في العراق ولبنان. 

رغم التقدّم الحاصل من حيث حسم مسألة السلاح غير الشرعي، يبقى الصراع مع العربدة الإسرائيلية معضلة صعبة جداً. من جهة، نعرف كلفة المواجهات المفتوحة، نسبةً إلى احتمالية مراكمة خسائر جديدة. من جهة أخرى، الضغط الدبلوماسي قد لا ينفع من دون خطوط حمراء أميركية واضحة، أي عبر ضغط عسكري واقتصادي ومادّي. 

أما المستوى الثاني والأهم: فهو استعادة الرأي العامّ. الحروب تلغي “سياسة الداخل”، أي أن صوت الصواريخ والطيران يكرّس “الصمت السياسي” في المواضيع كلّها التي تخصّ حقوق العمال والفئات المتضرّرة وسط الأزمات. وهو أيضاً يلغي صوت المعارضين للحروب نفسها، أو بالحدّ الأدنى يهمّش كلّ من يريد أن يشارك في عملية أخذ القرار، وكلّ من لديه ملاحظات حول مسار إدارة الحرب نفسها. 

لماذا الرأي العامّ؟ هناك اليوم من يعوّل على شخصيّة رئيس الحكومة المقبلة. في هذا السياق، يُذكر اسم نوّاف سلام، الذي أثبت في مراحل سابقة قدرة على تشكيل حكومة قد تدفع باتجاه اتّفاق متقدّم مع صندوق النقد. ولكن في المقابل، تُطرح تساؤلات حول رئيس الجمهورية جوزاف عون، ومدى استقلاليته في إدارة الملفّ اللبناني؛ نظراً لتاريخه في إدارة التسويات بين الأطراف والمصالح المتنازعة، خصوصاً بعد تعيين الوزير السابق علي حميّة مستشاراً لإعادة الإعمار، في سياق إعلان البنك الدولي مؤخّراً دعمه لبنان بـ250 مليون دولار لهذا الغرض. 

اليوم، قوى ‘التغيير “مطالبة بالدخول إلى منافذ النظام للبحث في فرص انتهاز التناقضات الداخلية من باب ما، للحصول على مكتسبات سياسية. لكن، هل ساعدت الحرب هذه القوى على خوض أولى جولات التفاوض حول هذا النظام؟ الجواب: لا. الجواب الحقيقي سيتّضح بعد الانتخابات النيابية في العام 2026، وهو التحدّي الذي لا يبدو مبشّراً، خصوصاً بعد نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة. ولكن على عكس ضرورة الانخراط وسط هذه التقلّبات الدراماتيكية الكبيرة، يعاني القطب “الطائفي” في البلد من “تواضع سياسي” يكرّس عجزه وضعف مبادرته. 

بهدف المقارنة: عاد سمير جعجع من السجن إلى الحياة السياسية، وشارك بفعاليّة في نظام المحاصصة، وكذلك فعل ميشال عون بعد عودته من المنفى الفرنسي، وقد كان صاحب الحصّة الأكبر في الحكم في أثناء عهده من خلال رئاسته للجمهورية، وامتلاكه أكبر كتلة نيابية وعدد وزراء، إضافة إلى تحالفاته مع “حزب الله” وحركة “أمل”، وسائر أحزاب ما يُعرف بمحور الممانعة.

تؤكّد هذه التناقضات الكبيرة على مستوى الرئاسة والسلطة التنفيذية أن الرأي العامّ، المسنود بحالة ميدانية وشعبية متينة، هو الضمانة الوحيدة للمرحلة، بخاصّة أن رئيس الحكومة يجهّز نفسه لمسيرة سياسية تتطلّب التمايز عن الجهات الداخلية الطاغية اليوم.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 10.04.2026

ما تبقى من أهل الليطاني ومن ثقافته

ورثة البساتين سيواصلون غيابهم، وسيولد جيل جديد في المغتربات من أصحاب الأملاك ممن لا يعرفون شيئاً عن ثقافة الليطاني، سيهجرون بساتين أجدادهم. وربما سنستعيد حكايات النهر في مسرحية يعرض علينا فيها يحيى جابر قصته مع النهر، في مسرح مونو في بيروت، ثم نغادر إلى منازلنا وننام.

فكرة “الحرب الجهادية الدائمة” سواء كخطاب، أو كاستراتيجية تتحوّل بذاتها إلى مأزق، لا يعكس انتصاراً للشعوب، بل يعيد إنتاج دوّامة من العنف تُبقي المجتمعات رهينة لصالح القوى التي تمتلك التفوّق التكنولوجي والعسكري، وليس لصالح الشعوب الباحثة عن الحرّية والكرامة.

من الواضح أن الحرب الإسرائيلية والأميركية على إيران اليوم، ليست فقط حرباً مادّية ذات دوافع تفاوضية وتقنية مرتبطة بالملفّ النووي. هي بالأساس حرب ترتبط بمستقبل نظام الجمهورية الإسلامية: أوّلاً كشبكة أمنية عابرة للدول، وثانياً كنظام داخلي محوره المرشد والمؤسّسات التي تسند سلطته الداخلية. 

هي أيضاً حرب ترتبط بسقف القيادة الإسرائيلية الحالية، وبشكل خاصّ نتانياهو، تجاه المنطقة، وبالتالي مستقبل نتانياهو وسط الضغوطات الشعبية والعالمية الكبيرة التي تواجه حلوله “الإبادية” و”الحربية”، ردّاً على أزمته السياسية بعد “7 أكتوبر”. 

ما بين مستقبل النظام الإيراني ومستقبل نتانياهو السياسي، تدفع التداعيات “الوجودية” للحرب “المُشاهد الناشط” (الممانع والأنتي- ممانع) نحو تخيّلات سياسية كبيرة مثل، أوّلاً: “تحرير إيران من الخمينية”، ونقيضه ثانياً: إسقاط نتانياهو و”هزيمة إسرائيل المؤجّلة”. 

ولكن في الواقع، المتحمّسون للحروب غالباً لم يشاركوا في عمليّة إطلاقها، وبالأحرى لا يعرفون سبب إطلاقها ولا شروط إيقافها. يتحوّلون إلى مشاهدين، مشجّعين، عاجزين عن العمل السياسي الخلّاق والمنتج، وكأن هذه الأنظمة وحروبها أصبحت، “للمشاهد الناشط”، مدخلاً لتعبير سياسي “ذاتي” خارج عن التاريخ. 

مأزق “7 تشرين”: بين التحرّر الوطني واستنزاف الشعوب

ما حدث في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، ليس فقط كحدثٍ عابر، بل كمحطّة ضمن سياق التحرّر الوطني من أجل تحرير فلسطين، وتحسين شروط التفاوض السياسي للفلسطينيين في مواجهة إسرائيل. غير أن هذه القراءة تصطدم بما يمكن تسميته بـ”مأزومية الدم الدائمة”؛ أي أن استمرار اللجوء إلى العنف المسلّح بوصفه الخيار الوحيد لتحقيق المكاسب، يُفضي في النهاية إلى دورة استنزاف تُطيل أمد الصراع، دون أن تكون بالضرورة لصالح الشعوب. 

يمكن هنا الإشارة إلى نماذج مضادّة توضح هذه الإشكالية: فلننظر إلى ما آلت إليه مكاسب “منظّمة التحرير الفلسطينية” في لبنان، أو إلى تجربة الصواريخ في الجنوب اللبناني، أو حتى إلى ما تحقّق خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية. كلّها تجارب تُظهر أن تحويل العمل المسلح إلى “منصّة استراتيجية” دائمة للتغيير السياسي أو التحرّري، يضعنا تلقائياً في ملعب إسرائيل، حيث الحروب الكبرى والإقليمية هي ساحة تفوّقها. 

إن فكرة “الحرب الجهادية الدائمة” سواء كخطاب، أو كاستراتيجية تتحوّل بذاتها إلى مأزق، لا يعكس انتصاراً للشعوب، بل يعيد إنتاج دوّامة من العنف تُبقي المجتمعات رهينة لصالح القوى التي تمتلك التفوّق التكنولوجي والعسكري، وليس لصالح الشعوب الباحثة عن الحرّية والكرامة.

من هنا، يمكن القول إن لبنان يعيش، منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، أزمة مرتبطة بهذا التاريخ، حتى بات من الممكن وصفها بـ”أزمة 7 تشرين”، وهو العنوان السياسي الحقيقي للأزمة الحالية: أي محاولة إنتاج عهد جديد تحت وطأة هذا المتغيّر الإقليمي. 

لكن، هل يمكن للحرب أن تغيّر النظام اللبناني؟ الجواب هو: لا. غير أن التبدّل في موازين القوى المشاركة في الحرب، وخسارة بعض أطرافها مواقعها، قد يُنتج مشهداً سياسياً جديداً، من دون أن يعني ذلك أن الحرب بذاتها كانت المحرّك الأساسي لهذا التحوّل.

وما يعزّز هذه النظرية هو ما جرى في المواجهة بين إسرائيل وإيران، التي انتهت بتصريح للرئيس الأميركي دونالد ترامب يقول فيه: “مبارك للعالم، إنه وقت السلام”، وعاد الحديث عن التفاوض إلى الطاولة. 

على النقيض من ذلك، فإن المواجهة بين إسرائيل و”حزب الله” لم تُفضِ إلى تفاوض، بل أظهرت ضعفاً في بنية الحزب السياسية والعسكرية، ما مهّد الطريق لإنتاج سلطة جديدة. لكن هذه السلطة، رغم ذلك، لم تستطع أن تُعيد تشكيل نفسها خارج إطار “حزب الله”، لكون الحزب لا يزال مكوّناً لبنانياً أساسياً، ولم تستطع أي قوّة بديلة حتى الآن، أن تقوم بما قامت به أحزاب القرن الماضي.

الحرب على إيران: تخيّلات مدمّرة 

رغم هذه التداعيات الكبيرة للحرب على مستقبل القوى السياسية، من الغريب التفكير بطموحات سياسية تحوّلية كبرى في أثناء جفاف سياسي شامل، وتحديداً في غياب بدائل أو مشاريع سياسية وأمنية مضادّة موزونة، في إيران وإسرائيل على حدّ سواء في هذه اللحظة بالذات. فمن يقود مشروع “التغيير” في إيران؟ دونالد ترامب؟ نتانياهو بنفسه؟ رضا بهلوي؟ المعارضة الإيرانية في الاغتراب؟ ومن سيقف في وجه نتانياهو في إسرائيل؟ بن غفير؟ نفتالي بينيت؟ المستوطنون في الضفّة الغربية؟ الليبراليون في تل أبيب؟ 

بالنسبة إلى إسرائيل، من الغريب الظنّ أن نتانياهو يعيش أزمة حرب، رغم أن كلّ هذه الحروب كانت بمثابة فرصة انتعاش لسلطته بعد الانفجارات الداخلية والمخابراتية المتتالية والمستمرة منذ “7 أكتوبر”. فرغم التضحيات كلّها، أصبحت كلّ جبهات “الإسناد” خدمة سياسية لنتانياهو في الداخل الإسرائيلي. في لبنان، حوّل أزمته إلى فرصة، و”كارثة 7 أكتوبر” إلى “انتصار” أنقذ مسيرته السياسية. 

أما بالنسبة إلى إيران، فمن الغريب الظن أن الحروب، كأداة بحدّ ذاتها، هي نقطة انطلاق لانتقال سياسي مستدام وسليم، بخاصّة مع الأخذ بعين الاعتبار تجربة حرب العراق. بدأت الحرب بـ”إسقاط صدام حسين” وانتهت بحروب طائفية ودولة مفكّكة، وإبراز تنظيمات أصولية عنيفة. 

بطبيعة الحال، فإن الحرب الدائرة اليوم لن تُنتج خياراً سياسياً جديداً أو مناخاً سياسياً خارجاً عن السياق القائم، بل هي مجرّد إعادة تموضع للقوى بهدف تحديد من هو الأقوى على الطاولة في المرحلة الحالية، وينعكس هذا التموضع ليس فقط على الدول المتنازعة مباشرة، بل أيضاً على الدول المتأثّرة بالنزاع، وفي مقدّمها لبنان.

انتظر اللبنانيون والسوريون والفلسطينيون والعراقيون نتيجة الحرب كحدث قد يغيّر شكل المنطقة، ولكنّ “تغيير المنطقة” لا يعني تغيير البنى السياسية المسيطرة. وبالنسبة إلى كلّ من يطمح إلى التحوّل السياسي والمجتمعي الجذري، سقط رهان الحرب بغياب بدائل واضحة وبعيدة عن الحلول الأمنية السطحية. فما الرهان التالي؟

البديل عن الحرب: استعادة مجتمعاتنا 

الأهداف واضحة: تجنّب الحروب القاتلة على أراضينا؛ حماية شعبنا من ديمومة “الموت السريع”؛ الحفاظ على سيادتنا في مواجهة التعدّيات الإسرائيلية المتتالية؛ التخلّص من صيغة الميليشيات المسنودة بقوى خارجية؛ تحقيق الحدّ الأدنى من التماسك والتضامن المجتمعي وسط الاعتداءات. 

تتطلّب هذه الأهداف عدّة مستويات من التدخّل السياسي، ومنها المستوى “الدولتي الراهن”، مبادرات الدول، والمستوى “المجتمعي البعيد”. 

المستوى الأول في المنطقة يتمثّل اليوم بمبادرات عربية عدّة تحاول الحدّ من قوّة نتانياهو والماكينة العسكرية الإسرائيلية، وبالتوازي تتفاوض مع الميليشيات المدعومة من إيران بهدف نزع سلاحها وتوحيد القرار الاستراتيجي في العراق ولبنان. 

رغم التقدّم الحاصل من حيث حسم مسألة السلاح غير الشرعي، يبقى الصراع مع العربدة الإسرائيلية معضلة صعبة جداً. من جهة، نعرف كلفة المواجهات المفتوحة، نسبةً إلى احتمالية مراكمة خسائر جديدة. من جهة أخرى، الضغط الدبلوماسي قد لا ينفع من دون خطوط حمراء أميركية واضحة، أي عبر ضغط عسكري واقتصادي ومادّي. 

أما المستوى الثاني والأهم: فهو استعادة الرأي العامّ. الحروب تلغي “سياسة الداخل”، أي أن صوت الصواريخ والطيران يكرّس “الصمت السياسي” في المواضيع كلّها التي تخصّ حقوق العمال والفئات المتضرّرة وسط الأزمات. وهو أيضاً يلغي صوت المعارضين للحروب نفسها، أو بالحدّ الأدنى يهمّش كلّ من يريد أن يشارك في عملية أخذ القرار، وكلّ من لديه ملاحظات حول مسار إدارة الحرب نفسها. 

لماذا الرأي العامّ؟ هناك اليوم من يعوّل على شخصيّة رئيس الحكومة المقبلة. في هذا السياق، يُذكر اسم نوّاف سلام، الذي أثبت في مراحل سابقة قدرة على تشكيل حكومة قد تدفع باتجاه اتّفاق متقدّم مع صندوق النقد. ولكن في المقابل، تُطرح تساؤلات حول رئيس الجمهورية جوزاف عون، ومدى استقلاليته في إدارة الملفّ اللبناني؛ نظراً لتاريخه في إدارة التسويات بين الأطراف والمصالح المتنازعة، خصوصاً بعد تعيين الوزير السابق علي حميّة مستشاراً لإعادة الإعمار، في سياق إعلان البنك الدولي مؤخّراً دعمه لبنان بـ250 مليون دولار لهذا الغرض. 

اليوم، قوى ‘التغيير “مطالبة بالدخول إلى منافذ النظام للبحث في فرص انتهاز التناقضات الداخلية من باب ما، للحصول على مكتسبات سياسية. لكن، هل ساعدت الحرب هذه القوى على خوض أولى جولات التفاوض حول هذا النظام؟ الجواب: لا. الجواب الحقيقي سيتّضح بعد الانتخابات النيابية في العام 2026، وهو التحدّي الذي لا يبدو مبشّراً، خصوصاً بعد نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة. ولكن على عكس ضرورة الانخراط وسط هذه التقلّبات الدراماتيكية الكبيرة، يعاني القطب “الطائفي” في البلد من “تواضع سياسي” يكرّس عجزه وضعف مبادرته. 

بهدف المقارنة: عاد سمير جعجع من السجن إلى الحياة السياسية، وشارك بفعاليّة في نظام المحاصصة، وكذلك فعل ميشال عون بعد عودته من المنفى الفرنسي، وقد كان صاحب الحصّة الأكبر في الحكم في أثناء عهده من خلال رئاسته للجمهورية، وامتلاكه أكبر كتلة نيابية وعدد وزراء، إضافة إلى تحالفاته مع “حزب الله” وحركة “أمل”، وسائر أحزاب ما يُعرف بمحور الممانعة.

تؤكّد هذه التناقضات الكبيرة على مستوى الرئاسة والسلطة التنفيذية أن الرأي العامّ، المسنود بحالة ميدانية وشعبية متينة، هو الضمانة الوحيدة للمرحلة، بخاصّة أن رئيس الحكومة يجهّز نفسه لمسيرة سياسية تتطلّب التمايز عن الجهات الداخلية الطاغية اليوم.

|
آخر القصص
بين كارثتين: لبنان الذي نستحقّه ولبنان الذي نملكه
عليا ابراهيم - صحافية وكاتبة لبنانية | 10.04.2026
قصّة نوّاف مع “البيئة”: “أريد حياته ويريد قتلي”
طارق اسماعيل - كاتب لبناني | 10.04.2026
ما تبقى من أهل الليطاني ومن ثقافته
حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 10.04.2026
الأربعاء الأسود… إسرائيل تقصف لبنان بلا أي قيود
ديانا مقلد - صحافية وكاتبة لبنانية | 09.04.2026

اشترك بنشرتنا البريدية