ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الحرب لم تنتهِ جنوباً: تدمير بيئيّ يهدّد مقومات البقاء

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

على رغم غياب اعتراف قانوني ملزم بمصطلح “التهجير البيئي” في القانون الدولي، يظهر نمط من التهجير القسري الناتج من التدمير البيئي، إذ تتحول الأرض نفسها إلى عامل طارد للسكان بعد فقدان مقومات العيش، عبر تحويل مساحات واسعة من الأراضي إلى مناطق غير صالحة للزراعة، بما يمهّد لقيام منطقة عازلة تمتد من رأس الناقورة إلى رأس جبل الشيخ.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

لا يمكن التعامل مع التدمير البيئي في الجنوب اللبناني باعتباره أثراً جانبياً للحرب، ولا يمكن عزله عن مسار إعادة الإعمار وعودة السكان إلى قراهم. فالنمط المتكرر للاعتداءات على القرى الحدودية، منذ النكبة الفلسطينية عام 1948 وصولًا إلى ما بعد ما سُمّي باتفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، يكشف استهدافاً ممنهجاً للأراضي الزراعية والبساتين والمنشآت المدنية التي تقوم عليها سبل العيش. وبذلك لم تعد البيئة مجرد مسرح للعمليات، بل تحوّلت إلى أداة حرب ووسيلة لإطالة أمد النزوح وتقويض قدرة السكان على البقاء والعودة.

تحمل دراسة أعدها “استديو أشغال عامة” بالتعاون مع “مبادرة الإصلاح العربي” عنوان “الإبادة البيئية”، وتتناولها بوصفها نمطاً من الدمار يندرج ضمن سياق أوسع يسعى إلى فرض منطقة عازلة في الجنوب اللبناني. وقد عُرضت نتائج الدراسة خلال ندوة عُقدت في فندق “سمول فيل” في بيروت الأسبوع الماضي، بهدف إطلاق مسارات تشاركية للمناصرة والتأثير في السياسات البيئية العامة.

منطقة عازلة غير صالحة للحياة

اعتمدت إسرائيل استراتيجيات متعددة لتدمير البيئة، منها الفوسفور الأبيض، لتحويل الأرض من “منطقة مأهولة إلى منطقة خالية من السكان”، وفقاً لما قالت يارا عبد الخالق، باحثة حضرية في “استديو أشغال عامة” خلال الندوة. 

وطاول التجريف والتدمير نحو 45 بلدة في الجنوب اللبناني، منها ما استُهدف خارج سياق القتال الفعلي، وهو ما اعتبرته منظمة العفو الدولية أنه قد يرقى إلى جريمة حرب. وتعرضت بلدات الخيام وكفركلا وميس الجبل لتدمير بيئي مباشر وواسع النطاق. 

واستخدمت سياسة تدمير الأنظمة البيئية على المدى الطويل، من خلال تعريض الأراضي لخطر التصحّر، وتلوث التربة ومصادر المياه بالمعادن الثقيلة الناتجة من استخدام الأسلحة الثقيلة، وتلويث الهواء بفعل انتشار الغبار الناتج من انفجار الصواريخ، فضلًا عن الإضرار بالتنوع البيولوجي من خلال قتل الطيور والحشرات وتدمير مواطنها الطبيعية، بما في ذلك حرق أشجار البلوط والصنوبر.

وتسببت الحرب الإسرائيلية الأخيرة بتدمير 9700 هكتار من الغابات، و32000 هكتار من المراعي، و 21000 هكتار من النظم البيئية النهرية، و100 هكتار من الأراضي الرطبة، و1000 هكتار من المناطق الساحلية، و130 ألف هكتار من الأراضي الزراعية. وأحرقت الحرب بساتين الحمضيات وأشجار الموز والخيم البلاستيكية الزراعية التي تشكل مصدر رزق أساسياً للسكان. كما جرفت محاصيل رئيسية مثل الزيتون والأفوكادو، واستهدفت أنظمة الري وتلوّثت المياه مثل بركة جنعم في قرية شبعا، التي كانت تُستخدم لري المزروعات وسقي المواشي. كما استهدفت الثروة الحيوانية، فنفق نحو 3000 دجاجة وتضررت 13 بركة لتربية الأسماك، ودُمر نحو 5000 خلية نحل.

على رغم غياب اعتراف قانوني ملزم بمصطلح “التهجير البيئي” في القانون الدولي، يظهر نمط من التهجير القسري الناتج من التدمير البيئي، إذ تتحول الأرض نفسها إلى عامل طارد للسكان بعد فقدان مقومات العيش، عبر تحويل مساحات واسعة من الأراضي إلى مناطق غير صالحة للزراعة، بما يمهّد لقيام منطقة عازلة تمتد من رأس الناقورة إلى رأس جبل الشيخ.

كفركلا نموذجاً للدمار البيئي 

اعتمد البحث منهجاً تشاركياً قائماً على لقاءات مباشرة مع سكان متضررين في بلدة كفركلا، بهدف توثيق الأثرين البيئي والاجتماعي للحرب بالشراكة مع الأهالي.

تحيط بكفركلا ست تلال تكشف على لبنان وفلسطين: تل نحاس، تلة العزية، تلة النبي ساري، جبل الشخروب، تلة العويضة، وتلة العديسة. وتُعد من أقرب القرى المأهولة على الحدود الجنوبية، ويبلغ عدد سكانها نحو 5500 نسمة. وتتميّز بطبيعة فريدة، إذ تمتلك 6 عيون للمياه، فيما تُقدر المساحات الخضراء فيها بنحو 70 في المئة من مساحتها الإجمالية. وبحسب الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية، تُصنف المنطقة ضمن مناطق الثروة الزراعية ذات الأهمية الوطنية.

نزح أهالي كفركلا منذ الأيام الأولى التي تلت 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وتعرّضت البلدة لنحو 300 يوم من القصف بالقنابل الحارقة والفوسفور الأبيض، إضافة إلى عمليات تفجير وتوغّل بري. وتشير التقديرات إلى أن نسبة الدمار بلغت 72 في المئة قبل وقف إطلاق النار، وارتفعت إلى 88 في المئة بعد ما سُمّي بـ”اتفاقية وقف الأعمال العدائية” في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024. ولا تزال القوات الإسرائيلية تتمركز اليوم في ثلاث نقاط داخل بلدة كفركلا، ما يكرس واقعاً أمنياً يعيق عودة السكان ويهدد إمكانات التعافي البيئي في المنطقة.

بين العودة المستحيلة والمبادرات الفرديّة

تكشف الورقة البحثية أن وقف الأعمال العدائية عقب انتهاء حرب تموز/ يوليو 2006 أتاح المجال لإجراء تقييم بيئي مبكر لتحديد حجم الأضرار وأولويات التدخل. غير أن هذا المسار يبدو مستحيلاً اليوم، في ظل استمرار الاعتداءات على رغم دخول اتفاقية وقف الأعمال العدائية عامها الثاني، ما يعرقل أي محاولة جدية للتعافي البيئي.

يؤكد حسن شيت، رئيس بلدية كفركلا، أن الزراعة تشكّل العمود الفقري للبلدة، وأن تدميرها “يوازي فرض نزوح قسري جديد على سكانها”. وبينما يحاول الأهالي العودة، يصف شيت كفركلا بأنها بلدة “منكوبة ومدمّرة” وشبه خالية من السكان، إذ تعيق الاعتداءات الإسرائيلية عودتهم باستثناء بعض المنازل المحاذية لمواقع قوات الطوارئ الدولية. كما يشير إلى استمرار اعتماد سياسة الأرض المحروقة، كان آخرها رشّ مواد كيميائية في المنطقة، في سياق ليس جديدًا في المنطقة.

عاد هادي عواضة إلى زراعة القمح والشعير في كفركلا بمبادرة فردية، بحيث تغيب الأطر المنظمة التي تمكن المزارعين من استئناف عملهم. ويواجه المزارعون مضايقات متكررة عبر الطائرات المسيرة، وإطلاق النار، وإلقاء القنابل الصوتية، ما يجعل العمل الزراعي محفوفًا بالمخاطر، وفقاً لما يقول.

في راميا، حاولت أربع عائلات العودة إلى منازلها، لكنها واجهت دبابات إسرائيلية وقنابل أُلقيت على المواشي، ما اضطرها إلى النزوح مجدداً. وتخلو البلدة حالياً من سكانها بعد تدمير أكثر من 600 وحدة سكنية، فيما لم ينتشر فيها الجيش اللبناني، وفقاً لـ حسن صالح، عضو المجلس البلدي. ويعتمد الأهالي على الزراعة، ولا سيما التبغ والصنوبر والزيتون، ما يجعل البيئة أولوية وجودية حتى في سياق النزاع المسلح، إذ إن تدميرها يقوّض القدرة على العودة والصمود.

أما في الخيام، فقد عاد نحو ألف عائلة إلى البلدة، وتسعى البلدية إلى دعم صمودهم عبر إعادة تأهيل الثروة الحيوانية والزراعية المتضررة، من خلال تأمين طبيب بيطري ومهندس زراعي، بحسب ياسر شمعون، عضو المجلس البلدي.

ويرى طارق مزرعاني، رئيس تجمع سكان القرى الحدودية، أن “الإبادة البيئية ليست نتاج الحرب الأخيرة فحسب، بل تمتد جذورها إلى سنوات سابقة، من تسميم خزانات المياه، مروراً بحرب تموز 2006، وصولًا إلى الحرب الأخيرة”. ويعتبر أن لهذا التدمير “بعداً ثقافياً ومعنوياً يتمثل في اقتلاع الناس من أرضهم وقطع صلتهم بها، بما يتجاوز الخسائر المادية”.

غياب رؤية وطنيّة شاملة

تضمن البيان الوزاري لحكومة الرئيس نواف سلام بندًا يتعلق بالتعافي البيئي بعد الحرب، في خطوة غير مسبوقة عكست تحولًا في مقاربة الدولة قضايا البيئة في مرحلة ما بعد الحروب، مقارنة بالحكومات السابقة. لكن لم تتحول المؤتمرات والبيانات الرسمية إلى خطط طارئة قابلة للتنفيذ عملياً. وبينما تتشتت المبادرات ويغيب التنسيق في جمع البيانات، تغيب رؤية وطنية شاملة لمعالجة الكوارث البيئية الناتجة من الحرب.

أقرّ مجلس النواب اللبناني قانوناً لإعادة البناء، من دون أن يتضمّن أي إشارة إلى مسألة الأضرار البيئية أو يلحظ معالجة للأضرار البيئية واسعة النطاق. كما لم تُدرج اللجنة الوزارية المكلفة بإعادة الإعمار، البعد البيئي ضمن أولوياتها. ولم تتجاوز المخصصات المرصودة لإعادة الإعمار وإزالة الردم نسبة 0.5 في المئة من موازنة عام 2026، في خطوة تعكس توجه الدولة نحو الاعتماد على المنح والقروض بدل تحمّل مسؤولياتها المباشرة. كما أعدت وزارة البيئة اللبنانية تقريرين، يتناول الأول التخطيط المستدام لاستخدام الأراضي بعد الحرب، فيما يعالج الثاني الإدارة المستدامة للأنقاض، إلا أنهما بقيا في الإطار النظري، وفقاً للبحث المشترك بين “استديو أشغال عامة” و”مبادرة الإصلاح العربي”.

على الرغم من الضرر البيئي الواسع الذي تشكله النزاعات المسلحة حول العالم، لا يوجد حتى الآن قانون دولي مُلزم يجرّم الإبادة البيئية كجريمة قائمة بذاتها. نشأ القانون الإنساني وتمحور تاريخياً حول حماية الإنسان خلال النزاعات المسلحة، خصوصا بعدما شهد هنري دونان، مؤسس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، معاناة الجنود الجرحى في معركة سولفرينو عام 1859. وصُممت معاهدة جنيف الأولى للتخفيف من آلام البشر في زمن الحرب، عبر حماية الجرحى وأسرى الحرب والمدنيين. وبقيت الحماية البيئية ضمن القانون الدولي الإنساني ذات نطاق محدود، إذ ركزت على منع الأضرار واسعة النطاق وطويلة الأمد، من دون الاعتراف بالبيئة ككيان مستقل يستحق الحماية.

عام 2021، صاغ فريق مستقل من الخبراء القانونيين تعريفاً لجريمة الإبادة البيئية بهدف إدراجه كجريمة دولية خامسة ضمن نظام روما الأساسي، إلا أن هذا التعريف بقي غير ملزم. وفي كانون الأول/ ديسمبر 2025، اعتمد مكتب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية سياسة تمنح أولوية متزايدة للقضايا التي تتضمن أضرارًا بيئية ناجمة عن النزاعات المسلحة، وذلك عبر دمج الضرر البيئي ضمن الجرائم التي تمتلك المحكمة صلاحية النظر فيها وليس كجريمة مستقلة. لكن في ظل عدم انضمام الدولة اللبنانية إلى المحكمة الجنائية الدولية، يبقى حق المواطنين في المساءلة والمحاسبة على تدمير بيئتهم معلقًا بين غياب الإرادة السياسية وانعدام آليات العدالة الدولية.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 13.03.2026

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت…
23.02.2026
زمن القراءة: 6 minutes

على رغم غياب اعتراف قانوني ملزم بمصطلح “التهجير البيئي” في القانون الدولي، يظهر نمط من التهجير القسري الناتج من التدمير البيئي، إذ تتحول الأرض نفسها إلى عامل طارد للسكان بعد فقدان مقومات العيش، عبر تحويل مساحات واسعة من الأراضي إلى مناطق غير صالحة للزراعة، بما يمهّد لقيام منطقة عازلة تمتد من رأس الناقورة إلى رأس جبل الشيخ.

لا يمكن التعامل مع التدمير البيئي في الجنوب اللبناني باعتباره أثراً جانبياً للحرب، ولا يمكن عزله عن مسار إعادة الإعمار وعودة السكان إلى قراهم. فالنمط المتكرر للاعتداءات على القرى الحدودية، منذ النكبة الفلسطينية عام 1948 وصولًا إلى ما بعد ما سُمّي باتفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، يكشف استهدافاً ممنهجاً للأراضي الزراعية والبساتين والمنشآت المدنية التي تقوم عليها سبل العيش. وبذلك لم تعد البيئة مجرد مسرح للعمليات، بل تحوّلت إلى أداة حرب ووسيلة لإطالة أمد النزوح وتقويض قدرة السكان على البقاء والعودة.

تحمل دراسة أعدها “استديو أشغال عامة” بالتعاون مع “مبادرة الإصلاح العربي” عنوان “الإبادة البيئية”، وتتناولها بوصفها نمطاً من الدمار يندرج ضمن سياق أوسع يسعى إلى فرض منطقة عازلة في الجنوب اللبناني. وقد عُرضت نتائج الدراسة خلال ندوة عُقدت في فندق “سمول فيل” في بيروت الأسبوع الماضي، بهدف إطلاق مسارات تشاركية للمناصرة والتأثير في السياسات البيئية العامة.

منطقة عازلة غير صالحة للحياة

اعتمدت إسرائيل استراتيجيات متعددة لتدمير البيئة، منها الفوسفور الأبيض، لتحويل الأرض من “منطقة مأهولة إلى منطقة خالية من السكان”، وفقاً لما قالت يارا عبد الخالق، باحثة حضرية في “استديو أشغال عامة” خلال الندوة. 

وطاول التجريف والتدمير نحو 45 بلدة في الجنوب اللبناني، منها ما استُهدف خارج سياق القتال الفعلي، وهو ما اعتبرته منظمة العفو الدولية أنه قد يرقى إلى جريمة حرب. وتعرضت بلدات الخيام وكفركلا وميس الجبل لتدمير بيئي مباشر وواسع النطاق. 

واستخدمت سياسة تدمير الأنظمة البيئية على المدى الطويل، من خلال تعريض الأراضي لخطر التصحّر، وتلوث التربة ومصادر المياه بالمعادن الثقيلة الناتجة من استخدام الأسلحة الثقيلة، وتلويث الهواء بفعل انتشار الغبار الناتج من انفجار الصواريخ، فضلًا عن الإضرار بالتنوع البيولوجي من خلال قتل الطيور والحشرات وتدمير مواطنها الطبيعية، بما في ذلك حرق أشجار البلوط والصنوبر.

وتسببت الحرب الإسرائيلية الأخيرة بتدمير 9700 هكتار من الغابات، و32000 هكتار من المراعي، و 21000 هكتار من النظم البيئية النهرية، و100 هكتار من الأراضي الرطبة، و1000 هكتار من المناطق الساحلية، و130 ألف هكتار من الأراضي الزراعية. وأحرقت الحرب بساتين الحمضيات وأشجار الموز والخيم البلاستيكية الزراعية التي تشكل مصدر رزق أساسياً للسكان. كما جرفت محاصيل رئيسية مثل الزيتون والأفوكادو، واستهدفت أنظمة الري وتلوّثت المياه مثل بركة جنعم في قرية شبعا، التي كانت تُستخدم لري المزروعات وسقي المواشي. كما استهدفت الثروة الحيوانية، فنفق نحو 3000 دجاجة وتضررت 13 بركة لتربية الأسماك، ودُمر نحو 5000 خلية نحل.

على رغم غياب اعتراف قانوني ملزم بمصطلح “التهجير البيئي” في القانون الدولي، يظهر نمط من التهجير القسري الناتج من التدمير البيئي، إذ تتحول الأرض نفسها إلى عامل طارد للسكان بعد فقدان مقومات العيش، عبر تحويل مساحات واسعة من الأراضي إلى مناطق غير صالحة للزراعة، بما يمهّد لقيام منطقة عازلة تمتد من رأس الناقورة إلى رأس جبل الشيخ.

كفركلا نموذجاً للدمار البيئي 

اعتمد البحث منهجاً تشاركياً قائماً على لقاءات مباشرة مع سكان متضررين في بلدة كفركلا، بهدف توثيق الأثرين البيئي والاجتماعي للحرب بالشراكة مع الأهالي.

تحيط بكفركلا ست تلال تكشف على لبنان وفلسطين: تل نحاس، تلة العزية، تلة النبي ساري، جبل الشخروب، تلة العويضة، وتلة العديسة. وتُعد من أقرب القرى المأهولة على الحدود الجنوبية، ويبلغ عدد سكانها نحو 5500 نسمة. وتتميّز بطبيعة فريدة، إذ تمتلك 6 عيون للمياه، فيما تُقدر المساحات الخضراء فيها بنحو 70 في المئة من مساحتها الإجمالية. وبحسب الخطة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانية، تُصنف المنطقة ضمن مناطق الثروة الزراعية ذات الأهمية الوطنية.

نزح أهالي كفركلا منذ الأيام الأولى التي تلت 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وتعرّضت البلدة لنحو 300 يوم من القصف بالقنابل الحارقة والفوسفور الأبيض، إضافة إلى عمليات تفجير وتوغّل بري. وتشير التقديرات إلى أن نسبة الدمار بلغت 72 في المئة قبل وقف إطلاق النار، وارتفعت إلى 88 في المئة بعد ما سُمّي بـ”اتفاقية وقف الأعمال العدائية” في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024. ولا تزال القوات الإسرائيلية تتمركز اليوم في ثلاث نقاط داخل بلدة كفركلا، ما يكرس واقعاً أمنياً يعيق عودة السكان ويهدد إمكانات التعافي البيئي في المنطقة.

بين العودة المستحيلة والمبادرات الفرديّة

تكشف الورقة البحثية أن وقف الأعمال العدائية عقب انتهاء حرب تموز/ يوليو 2006 أتاح المجال لإجراء تقييم بيئي مبكر لتحديد حجم الأضرار وأولويات التدخل. غير أن هذا المسار يبدو مستحيلاً اليوم، في ظل استمرار الاعتداءات على رغم دخول اتفاقية وقف الأعمال العدائية عامها الثاني، ما يعرقل أي محاولة جدية للتعافي البيئي.

يؤكد حسن شيت، رئيس بلدية كفركلا، أن الزراعة تشكّل العمود الفقري للبلدة، وأن تدميرها “يوازي فرض نزوح قسري جديد على سكانها”. وبينما يحاول الأهالي العودة، يصف شيت كفركلا بأنها بلدة “منكوبة ومدمّرة” وشبه خالية من السكان، إذ تعيق الاعتداءات الإسرائيلية عودتهم باستثناء بعض المنازل المحاذية لمواقع قوات الطوارئ الدولية. كما يشير إلى استمرار اعتماد سياسة الأرض المحروقة، كان آخرها رشّ مواد كيميائية في المنطقة، في سياق ليس جديدًا في المنطقة.

عاد هادي عواضة إلى زراعة القمح والشعير في كفركلا بمبادرة فردية، بحيث تغيب الأطر المنظمة التي تمكن المزارعين من استئناف عملهم. ويواجه المزارعون مضايقات متكررة عبر الطائرات المسيرة، وإطلاق النار، وإلقاء القنابل الصوتية، ما يجعل العمل الزراعي محفوفًا بالمخاطر، وفقاً لما يقول.

في راميا، حاولت أربع عائلات العودة إلى منازلها، لكنها واجهت دبابات إسرائيلية وقنابل أُلقيت على المواشي، ما اضطرها إلى النزوح مجدداً. وتخلو البلدة حالياً من سكانها بعد تدمير أكثر من 600 وحدة سكنية، فيما لم ينتشر فيها الجيش اللبناني، وفقاً لـ حسن صالح، عضو المجلس البلدي. ويعتمد الأهالي على الزراعة، ولا سيما التبغ والصنوبر والزيتون، ما يجعل البيئة أولوية وجودية حتى في سياق النزاع المسلح، إذ إن تدميرها يقوّض القدرة على العودة والصمود.

أما في الخيام، فقد عاد نحو ألف عائلة إلى البلدة، وتسعى البلدية إلى دعم صمودهم عبر إعادة تأهيل الثروة الحيوانية والزراعية المتضررة، من خلال تأمين طبيب بيطري ومهندس زراعي، بحسب ياسر شمعون، عضو المجلس البلدي.

ويرى طارق مزرعاني، رئيس تجمع سكان القرى الحدودية، أن “الإبادة البيئية ليست نتاج الحرب الأخيرة فحسب، بل تمتد جذورها إلى سنوات سابقة، من تسميم خزانات المياه، مروراً بحرب تموز 2006، وصولًا إلى الحرب الأخيرة”. ويعتبر أن لهذا التدمير “بعداً ثقافياً ومعنوياً يتمثل في اقتلاع الناس من أرضهم وقطع صلتهم بها، بما يتجاوز الخسائر المادية”.

غياب رؤية وطنيّة شاملة

تضمن البيان الوزاري لحكومة الرئيس نواف سلام بندًا يتعلق بالتعافي البيئي بعد الحرب، في خطوة غير مسبوقة عكست تحولًا في مقاربة الدولة قضايا البيئة في مرحلة ما بعد الحروب، مقارنة بالحكومات السابقة. لكن لم تتحول المؤتمرات والبيانات الرسمية إلى خطط طارئة قابلة للتنفيذ عملياً. وبينما تتشتت المبادرات ويغيب التنسيق في جمع البيانات، تغيب رؤية وطنية شاملة لمعالجة الكوارث البيئية الناتجة من الحرب.

أقرّ مجلس النواب اللبناني قانوناً لإعادة البناء، من دون أن يتضمّن أي إشارة إلى مسألة الأضرار البيئية أو يلحظ معالجة للأضرار البيئية واسعة النطاق. كما لم تُدرج اللجنة الوزارية المكلفة بإعادة الإعمار، البعد البيئي ضمن أولوياتها. ولم تتجاوز المخصصات المرصودة لإعادة الإعمار وإزالة الردم نسبة 0.5 في المئة من موازنة عام 2026، في خطوة تعكس توجه الدولة نحو الاعتماد على المنح والقروض بدل تحمّل مسؤولياتها المباشرة. كما أعدت وزارة البيئة اللبنانية تقريرين، يتناول الأول التخطيط المستدام لاستخدام الأراضي بعد الحرب، فيما يعالج الثاني الإدارة المستدامة للأنقاض، إلا أنهما بقيا في الإطار النظري، وفقاً للبحث المشترك بين “استديو أشغال عامة” و”مبادرة الإصلاح العربي”.

على الرغم من الضرر البيئي الواسع الذي تشكله النزاعات المسلحة حول العالم، لا يوجد حتى الآن قانون دولي مُلزم يجرّم الإبادة البيئية كجريمة قائمة بذاتها. نشأ القانون الإنساني وتمحور تاريخياً حول حماية الإنسان خلال النزاعات المسلحة، خصوصا بعدما شهد هنري دونان، مؤسس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، معاناة الجنود الجرحى في معركة سولفرينو عام 1859. وصُممت معاهدة جنيف الأولى للتخفيف من آلام البشر في زمن الحرب، عبر حماية الجرحى وأسرى الحرب والمدنيين. وبقيت الحماية البيئية ضمن القانون الدولي الإنساني ذات نطاق محدود، إذ ركزت على منع الأضرار واسعة النطاق وطويلة الأمد، من دون الاعتراف بالبيئة ككيان مستقل يستحق الحماية.

عام 2021، صاغ فريق مستقل من الخبراء القانونيين تعريفاً لجريمة الإبادة البيئية بهدف إدراجه كجريمة دولية خامسة ضمن نظام روما الأساسي، إلا أن هذا التعريف بقي غير ملزم. وفي كانون الأول/ ديسمبر 2025، اعتمد مكتب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية سياسة تمنح أولوية متزايدة للقضايا التي تتضمن أضرارًا بيئية ناجمة عن النزاعات المسلحة، وذلك عبر دمج الضرر البيئي ضمن الجرائم التي تمتلك المحكمة صلاحية النظر فيها وليس كجريمة مستقلة. لكن في ظل عدم انضمام الدولة اللبنانية إلى المحكمة الجنائية الدولية، يبقى حق المواطنين في المساءلة والمحاسبة على تدمير بيئتهم معلقًا بين غياب الإرادة السياسية وانعدام آليات العدالة الدولية.