ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الحرمان في غزّة: من تجويع المعدة إلى اغتيال الكرامة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

في غزّة، لم يعد الحرمان حالة مؤقتة أو ظرفاً استثنائياً، بل تحوّل إلى منظومة عقابية ممنهجة، تُدار بوعي، وعن سابق إصرار من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وتُغلّف بتبريرات أمنية وقانونية لا تصمد أمام أبسط المعايير الأخلاقية.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

أتعرفون ماذا يعني الحرمان لأهل غزّة؟ الحرمان، في معناه اللغوي، هو المنع من شيء ما. لكنّه في غزّة يأخذ شكلاً أكثر قسوة، وشمولاً، وتجذّراً. 

في غزّة، لا يُحرم الناس من شيء محدّد، بل من كلّ شيء. من الحياة، من الأمل، من الهدوء، من النوم، من رغيف الخبز، من الطعام، من الماء، من الكهرباء، من الدواء، من الحركة، من دفء البيوت، والذكريات، ومن دفء العلاقات الإنسانية التي فكّكتها حرب الإبادة الجماعية، والاحتلال والتجويع المتعمّد.

في غزّة، لم يعد الحرمان حالة مؤقتة أو ظرفاً استثنائياً، بل تحوّل إلى منظومة عقابية ممنهجة، تُدار بوعي، وعن سابق إصرار من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وتُغلّف بتبريرات أمنية وقانونية لا تصمد أمام أبسط المعايير الأخلاقية. إنها سياسة العقاب الجماعي، لا تُخفي نفسها ولا تعتذر عن وحشيّتها، بل تمضي بلا خجل في إذلال أكثر من مليوني إنسان محاصر في منطقة ضيّقة مزّقها الاحتلال، وقلّص مساحتها ويسيطر على 80% منها.

منذ سنوات طويلة، يعيش أهل غزّة في واقع استثنائي لا نظير له في العالم. أكثر من 2.3 مليون إنسان يتكدّسون في مساحة لا تتجاوز 365 كم²، معزولين عن العالم، تحت رقابة صارمة وتحكّم كامل بالمعابر والحدود، وفي أدقّ تفاصيل حياتهم، من الكهرباء والوقود إلى قائمة الأدوية والكتب المدرسية. 

في غزّة، الحرمان ليس نتيجة الفقر، بل نتيجة سياسة مقصودة، ممنهجة، تفرضها إسرائيل كعقوبة جماعية، ويشارك فيها العالم بالصمت أو بالتواطؤ أو بتبريرات أمنية جوفاء.

في غزّة، لا يوجد نقص في الغذاء بسبب غياب الإمكانات الزراعية أو الانهيار الاقتصادي، بل لأن دخول المساعدات الغذائية والإمدادات المختلفة مقنن ومحكوم بإرادة الاحتلال. ليست المسألة مجرّد حصار، بل قائمة انتظار طويلة لشاحنات الطحين والحليب والزيت والأرز، التي تُفحص واحدة تلو الأخرى، وتُحتجز أحياناً لأيّام أو أسابيع بحجج أمنية واهية. وحتى عندما تدخل، لا تغطّي الكميّات الحدّ الأدنى من احتياجات السكّان، خصوصاً في ظلّ التدمير الممنهج للبنية الزراعية والصناعية خلال دورات العدوان السابقة.

مشاهد الطوابير الطويلة على شاحنات الطحين، و”جولات الموت” والصراعات، التي يخوضها الناس سيراً على الأقدام تحت القصف للحصول على كرتونة معلّبات، لم تعد استثناءً، بل قاعدة. الجوع هنا ليس نتيجة ظرف طارئ، بل هو سياسة منظّمة تُدار بدم بارد ولا ضمير.

قطاع غزّة منطقة من أكثر المناطق عطشاً في العالم. أكثر من 95% من مياه الشرب غير صالحة للاستخدام البشري، حسب تقارير الأمم المتّحدة، بسبب استنزاف الخزان الجوفي، وتدمير الاحتلال محطّات التحلية، أو منع إدخال المعدّات اللازمة لإصلاحها، وتنتشر أمراض الكبد الوبائي والكلى والجلد والأمعاء بين الأطفال والكبار نتيجة المياه الملوّثة، لكنّ ذلك لم يحرّك ضمير العالم، ولا يُدرج في قائمة “الكوارث العاجلة”.

الاحتلال مستمرّ في تُدمير عشرات آلاف البيوت، وتُسوّى مدن وأحياء بالأرض، ويُجبر مئات الآلاف على النزوح مرّات عديدة. والعائلات تبيت في الشوارع، وفي الخيام، أو في ما تبقّى من مدارس الأمم المتّحدة التي تحوّلت إلى ملاجئ جماعية تفتقر لأبسط الشروط الآدمية. حتى البيوت التي لم تُدمّر، صارت سجوناً صغيرة بسبب انقطاع الكهرباء، وانعدام المياه، وتراكم النفايات. 

في غزّة، لا يوجد شيء اسمه “عودة إلى البيت” بالمعنى الآمن، فالبيت مهدّد في أي لحظة، في أي غارة جوّية.

الحرمان الصحّي في غزّة مأساة مكتملة الأركان. آلاف المرضى والمصابين؛ خاصّة مرضى السرطان والكلى، يموتون ببطء، لأن الأدوية غير متوفّرة، أو لأنهم ممنوعون من السفر للعلاج في الخارج. الاحتلال يفرض شروطاً صارمة على المرضى ومرافقيهم، وكأن المرض تهديد. ما تبقّى من مستشفيات القطاع المحاصرة، تعمل في ظلّ نقص كبير في الكوادر والمعدّات والمستلزمات الطبية، وتحوّلت إلى نقاط إسعاف تحت القصف.

غزّة تتعرّض لأشكال متعدّدة من الحرمان، ومنها عدم القدرة على سرد الرواية. غزّة لا تُشاهد كما هي، بل كما يراد لها أن تُعرض كحدث. تُختزل المعاناة في صور إنسانية منفصلة عن السياسة وعن الحقّ الفلسطيني في الحرّية وتقرير المصير. 

تُعرض صور الأطفال الجوعى كأنهم في فيلم وثائقي من عصور غابرة، لا كضحايا لاحتلال فاشي يفرض حصاراً وجودياً وجوعاً وموتاً. المنصّات الإعلامية الغربية الكبرى، في معظمها، لا تتحدّث عن السبب بل عن “المأساة”، وتدافع عن حقّ إسرائيل في الدفاع عن النفس، وكأن الغزّيين اخترعوا الجوع والموت لأنفسهم.

28.06.2025
زمن القراءة: 3 minutes

في غزّة، لم يعد الحرمان حالة مؤقتة أو ظرفاً استثنائياً، بل تحوّل إلى منظومة عقابية ممنهجة، تُدار بوعي، وعن سابق إصرار من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وتُغلّف بتبريرات أمنية وقانونية لا تصمد أمام أبسط المعايير الأخلاقية.

أتعرفون ماذا يعني الحرمان لأهل غزّة؟ الحرمان، في معناه اللغوي، هو المنع من شيء ما. لكنّه في غزّة يأخذ شكلاً أكثر قسوة، وشمولاً، وتجذّراً. 

في غزّة، لا يُحرم الناس من شيء محدّد، بل من كلّ شيء. من الحياة، من الأمل، من الهدوء، من النوم، من رغيف الخبز، من الطعام، من الماء، من الكهرباء، من الدواء، من الحركة، من دفء البيوت، والذكريات، ومن دفء العلاقات الإنسانية التي فكّكتها حرب الإبادة الجماعية، والاحتلال والتجويع المتعمّد.

في غزّة، لم يعد الحرمان حالة مؤقتة أو ظرفاً استثنائياً، بل تحوّل إلى منظومة عقابية ممنهجة، تُدار بوعي، وعن سابق إصرار من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وتُغلّف بتبريرات أمنية وقانونية لا تصمد أمام أبسط المعايير الأخلاقية. إنها سياسة العقاب الجماعي، لا تُخفي نفسها ولا تعتذر عن وحشيّتها، بل تمضي بلا خجل في إذلال أكثر من مليوني إنسان محاصر في منطقة ضيّقة مزّقها الاحتلال، وقلّص مساحتها ويسيطر على 80% منها.

منذ سنوات طويلة، يعيش أهل غزّة في واقع استثنائي لا نظير له في العالم. أكثر من 2.3 مليون إنسان يتكدّسون في مساحة لا تتجاوز 365 كم²، معزولين عن العالم، تحت رقابة صارمة وتحكّم كامل بالمعابر والحدود، وفي أدقّ تفاصيل حياتهم، من الكهرباء والوقود إلى قائمة الأدوية والكتب المدرسية. 

في غزّة، الحرمان ليس نتيجة الفقر، بل نتيجة سياسة مقصودة، ممنهجة، تفرضها إسرائيل كعقوبة جماعية، ويشارك فيها العالم بالصمت أو بالتواطؤ أو بتبريرات أمنية جوفاء.

في غزّة، لا يوجد نقص في الغذاء بسبب غياب الإمكانات الزراعية أو الانهيار الاقتصادي، بل لأن دخول المساعدات الغذائية والإمدادات المختلفة مقنن ومحكوم بإرادة الاحتلال. ليست المسألة مجرّد حصار، بل قائمة انتظار طويلة لشاحنات الطحين والحليب والزيت والأرز، التي تُفحص واحدة تلو الأخرى، وتُحتجز أحياناً لأيّام أو أسابيع بحجج أمنية واهية. وحتى عندما تدخل، لا تغطّي الكميّات الحدّ الأدنى من احتياجات السكّان، خصوصاً في ظلّ التدمير الممنهج للبنية الزراعية والصناعية خلال دورات العدوان السابقة.

مشاهد الطوابير الطويلة على شاحنات الطحين، و”جولات الموت” والصراعات، التي يخوضها الناس سيراً على الأقدام تحت القصف للحصول على كرتونة معلّبات، لم تعد استثناءً، بل قاعدة. الجوع هنا ليس نتيجة ظرف طارئ، بل هو سياسة منظّمة تُدار بدم بارد ولا ضمير.

قطاع غزّة منطقة من أكثر المناطق عطشاً في العالم. أكثر من 95% من مياه الشرب غير صالحة للاستخدام البشري، حسب تقارير الأمم المتّحدة، بسبب استنزاف الخزان الجوفي، وتدمير الاحتلال محطّات التحلية، أو منع إدخال المعدّات اللازمة لإصلاحها، وتنتشر أمراض الكبد الوبائي والكلى والجلد والأمعاء بين الأطفال والكبار نتيجة المياه الملوّثة، لكنّ ذلك لم يحرّك ضمير العالم، ولا يُدرج في قائمة “الكوارث العاجلة”.

الاحتلال مستمرّ في تُدمير عشرات آلاف البيوت، وتُسوّى مدن وأحياء بالأرض، ويُجبر مئات الآلاف على النزوح مرّات عديدة. والعائلات تبيت في الشوارع، وفي الخيام، أو في ما تبقّى من مدارس الأمم المتّحدة التي تحوّلت إلى ملاجئ جماعية تفتقر لأبسط الشروط الآدمية. حتى البيوت التي لم تُدمّر، صارت سجوناً صغيرة بسبب انقطاع الكهرباء، وانعدام المياه، وتراكم النفايات. 

في غزّة، لا يوجد شيء اسمه “عودة إلى البيت” بالمعنى الآمن، فالبيت مهدّد في أي لحظة، في أي غارة جوّية.

الحرمان الصحّي في غزّة مأساة مكتملة الأركان. آلاف المرضى والمصابين؛ خاصّة مرضى السرطان والكلى، يموتون ببطء، لأن الأدوية غير متوفّرة، أو لأنهم ممنوعون من السفر للعلاج في الخارج. الاحتلال يفرض شروطاً صارمة على المرضى ومرافقيهم، وكأن المرض تهديد. ما تبقّى من مستشفيات القطاع المحاصرة، تعمل في ظلّ نقص كبير في الكوادر والمعدّات والمستلزمات الطبية، وتحوّلت إلى نقاط إسعاف تحت القصف.

غزّة تتعرّض لأشكال متعدّدة من الحرمان، ومنها عدم القدرة على سرد الرواية. غزّة لا تُشاهد كما هي، بل كما يراد لها أن تُعرض كحدث. تُختزل المعاناة في صور إنسانية منفصلة عن السياسة وعن الحقّ الفلسطيني في الحرّية وتقرير المصير. 

تُعرض صور الأطفال الجوعى كأنهم في فيلم وثائقي من عصور غابرة، لا كضحايا لاحتلال فاشي يفرض حصاراً وجودياً وجوعاً وموتاً. المنصّات الإعلامية الغربية الكبرى، في معظمها، لا تتحدّث عن السبب بل عن “المأساة”، وتدافع عن حقّ إسرائيل في الدفاع عن النفس، وكأن الغزّيين اخترعوا الجوع والموت لأنفسهم.