fbpx

الحرمان من وراثة الأرض… كرديات ضحيّة الأسرة والشريعة والإصلاح الزراعيّ

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

التمييز والحرمان من الميراث يستهدفان المرأة فقط لأنها امرأة، فالمؤسسة الدينيّة لا تنتصر لها، بينما تقف الأسرة نفسها بوجه حق المرأة، عبر دفعها نحو “التنازل” عن حصتها حسب “التقاليد السائدة” مقابل ذهب أو مبلغ محدد.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

علمت نهايات إبراهيم (66 عاماً) أخيراً بملكيتها لــ 150 دونماً من الأرض الزراعية في الريف الشرقي لمدينة القامشلي، لكنها لا تمتلك حق التصرف بها، والسبب، أنها امرأة.  تقول: ” لا أفهم متى وكيف تجمعت كل هذه القسوة والظلم في صدور أخوتي، تربينا في بيتٍ واحد، منعوني من التعليم، وزوجوني من دون علمي وأخذوا حصتي من الميراث بعد تسجيلها باسمي بشكل رسمي في المحكمة”، وتضيف أن أخوتها لم يُفكروا في احتمال أن يطلقها زوجها، وكيف ستعيش باقي حياتها لو كانت وحيدة.

تعود قضية نهايات وغيرها من النساء الكرديات إلى عام  1958، حين صدر القانون رقم161، الذي سُمي بقانون “الإصلاح الزراعي”، زمن الوحدة بين سوريا ومصر، والذي هدف حينها إلى مُحاربة الإقطاع، وأعاد توزيع ملكيّة الأراضي الزراعية بين الدولة وملاك الأراضي، الذي نتج منه تقليص ملكيّة الأراضي التي تعود الى أفراد، وتغيير خارطة الإقطاع في المنطقة بعد سيطرة الدولة. ولم يأخذ القانون حينها بالاعتبار سلطة الأسرة والأعراف الدينيّة على نظام الوراثة.

وُزعت الملكيّة حسب القانون حينها على الأبناء ممن ولدوا عام1957 وما قبله، أما الولادات كافة  بعد ذلك التاريخ فلم تحصل على أيّ ملكية زراعية. وتلت القانون مراسيم أخرى صادرت مساحات كبيرة من الملكيات وسُميت بـ”مزارع الدولة”. 

تكمل نهايات حديثها لــ”درج” قائلة: “نحن 7 أخوات و12 أخاً، من أربع زوجات لوالدي، اثنان منهم لم تُسجل ملكيات باسمهما. وتملك كل واحدة منا ما لا يقل عن 100 دونم، وهي مساحة كفيلة بإعالة أبنائنا في الجامعات والدراسة. على الدوام، كان أخوتنا يتوددون لنّا ويكررون طلب التنازل لهم، لكن وبسبب إهمالهم وتركيز الاهتمام على أيام الحصاد فقط، لم نتنازل لهم. كان من العيب والعار طلب الحصة سواء من أموال الموسم، أو من الأرض”.

تختتم نهايات حديثها، “ذات مرة مزحت مع شقيقي الكبير، قائلة إن أولادي ربما يطالبون بحصتي، هاج وماج كالثور وخرج من منزل زوجي وهو يصرخ ويشتم، وبقي قرابة 3سنوات لا يُحدثني. بل ولجأ أخوتي إلى تمييع القضية، بحيث كان كل واحد منهم يرمي حصتي على الآخر ويقول “أنا حصتي من وراثة والدي واضحة، شقيقك الآخر هو الذي أخذ حصتك”، وهكذا ضاع حقنا أنا وشقيقاتي. وعلى مدار 20 عاماً، منحني أخوتي العام الفائت مبلغاً وقدره 100 ألف سوري( 10 دولارات)، حصتي من وارد 150دونماً زراعياً خلال عشرين عاماً. لم أستلمه واكتفيت بالقول: إذا الله سامحك أنا بسامحك، علماً أنني زوجة ابن عمي، والأرض الزراعية لن تخرج من إطار العائلة، لكن لا حقوق لنا”.

الحرمان حتى من الخضراوات

قصة نهايات واحدة من سلسلة قصص ومآسي نساء كرديات في سوريا خلال العقود الماضية، كحالة فريال الحسين (55 عاماً)، من سكان حيّ طيّ ذي الكثافة العربية. تقول لـ”درج”: ” أوصى والدي بعدم منحي وأختي أيّ حقوق في الأرض أو المحلات، لأن أزواجنا غرباء عن العشيرة، ولا يجوز لهم امتلاك أرضنا الزراعية، وبناتنا وأولادنا ليسوا من العائلة حتّى يتصرفوا بأملاكنا”.

 تعود فريال بذاكرتها الى سنين عدة مضت وتتحدث عن موقف أخوتها القائم على “الجشع والطمع”  حسب وصفها،  فتقول:  “عندما أجرت أمي عملية جراحية، أسمعني أخوتي بعض الكلام التافه عن سبب عدم دفع أزواج أخوته بعض المال كمساعدة في مصاريف العملية، في حين أن أخوتي استحوذوا على كامل الثروة ولا تهتم زوجاتهم لأمر أمي. لا أدري من أين جاءتني الشجاعة والجرأة حين قلت له: الخدمة والعمل واجبنا، لكن الميراث لا حق لنا فيه”.

 استغربت فريال حينها موقف والدتها التي أيدت أخوتها، وتعقب قائلةً: “هل تملك قلباً من حجر، حرمها أخوتها من حقها، وهي بدورها حرمتنا من حصصنا، فتقاسم أخوتي الميراث بينهم من دون إخبارنا”.

“جوع الطمع اليوم ودموع التماسيح غداً”، عبارة أطلقتها شيماء أحمد (44عاما)، مُدرسة في إحدى مدارس ريف المالكية، تقول لـ”درج”: “بعد تكرار والديّ وصية الاهتمام بنا على مسامع أخوتي، لم أتوقع أن تقودني المصادفة الى أبشع موقفٍ أتعرض له”.

تضيف شيماء أنها  في صباح أحد الأيام، نزلت برفقة زوجها لشراء بعض الخضار والفواكه  للمنزل، بعدها يُكمل زوجها طريقه الى العمل. وفي الشارع، التقت بشقيقها الأكبر سمير (76عاماً) المشرف على الأرض الزراعية. ألحّ عليه  زوجها أن يرتاح في المنزل، لكن ارتباكه وإصراره على أنه مُستعجل خلقا لديها شكوكاً.

وصلت شيماء وزوجها إلى السوبر ماركت، وبدآ ا بانتقاء بعض الخضراوات.  وأمام جهاز قياس الأوزان، بدأت علامات الحيرة والاستهزاء مجتمعة ترتسم على وجه بائع الخضار الذي قال لهما “معقول جايين تشتروا خضرة، وأخوكي عم يبيعنا ياها من موسم أرضكم الزراعية، هاد البطيخ والبامية أنا اشتريتن من أخوكي من شي ربع ساعة”. تضيف شيماء بغصة كبيرة: “ساعدت أخوتي في زراعة بذور الخضار، وإزالة النباتات الضارة، ويعمل إبني الكبير حمّالاً مع خاله، فيما أبناؤه ينامون حتى الظهر. وعندما تم نقل الملكية وُزعت على الأبناء وحُرم البنات منها. وأخي الكبير يبيع الخضار لمحل بجانب منزلي من دون أدنى كرامة واحترام وأخلاق تخوّله أن يمنح أولادي بعضاً من تلك الثمار”.

أزمة الإرث وتفكيك العلاقات الأسريّة

لا تمتلك النساء الكرديات والعربيات رفاهية القبول أو الرفض، ولا حق لهن للمطالبة بحصتهن من الميراث. تقول هبّة نور، متخصصة في قضايا النزاعات العائلية : “غالباً ما يكون دفاع الفتيات عن حقّهن والمطالبة به ضعيفاً مرفقاً بالدموع والرجاء، ويكون الرد قاسياً وعنيفاً من الآباء والأخوة، والعنف يولد المزيد من العنف، وتتعرض الأسر للتفكيك ويحمل الأبناء شعور الضغينة تجاه أخوالهم مع الكراهية والانتقام. والغريب إنهم يحرمون أخواتهم من الميراث، ويوصون بمنح بناتهم حصصهم. وتلعب قضايا الميراث عوامل في التفكك الأسري والقطيعة بين الأبناء والأخوال وبين البنات مع الأب والأخ”.

ما سبق ينطبق على كلستان (29 عاماً)، مُدرسة مادة التربية الرياضية في مدارس القامشلي. تقول: “أبنائي وأبناء أخوالهم متخاصمون، وأخوتي لا يزورون بيتنا. قبل عام، تعرض ابني الكبير لحادث سير مروع بقي في العناية المشددة لعشرة أيام، ثم نُقل إلى دمشق وأجريت له ثلاث عمليات جراحية. ولغاية اليوم، لم يكلف أحد من أشقائي نفسه بالاطمئنان على صحة ابني. ذلك كله لأنني طالبت بحصتي من ميراث أبي في الشقق والمحلات التي تركها خلفه من دون توزيع بسبب وفاته المفاجئة” .

وفقاً لكلستان، فإن “أخوتها سجلوا عقارات بأسماء بناتهم، ومنهم من أوصى أبناءه الذكور بحصة أو مبلغ مالي ثابت سنوياً وبالعملة الصعبة لأخواتهم البنات”، واصفة إياهم بالمنافقين والدجالين، يحرمون أخواتهم من حقوقهن ويمنحونها لبناتهم”.

قاطعت  سعديّة (42 عاماً) والديها قبل عشر سنوات، بسبب حرمانها من الميراث كما قالت. تذكر آخر لقاء جمعها بهما في دار العائلة في الحسكة قائلةً: “صرخت في وجه أبي وأمي وأخوتي بأعلى صوتي، ماذا أفعل؟ ابني مقعد وزوجي عامل عادي، وأخوتي أغنياء جداً ولا يمنحونني شيئاً. طلبت منهم المساعدة مرتين، وفي الثالثة اشترطوا علي أن يكون المبلغ ديناً على أن أعيده لهم خلال سنة. لم أتمالك نفسي فغادرت المنزل قائلة لهم: لا تزوروا خيمة عزائي ولا تقرأوا الفاتحة على روحي، من يدري رُبما تأخذون ثمن قراءتكم الفاتحة”.

 تضيف: “لا أستطيع استيعاب فكرة حرماني من الميراث فقط لأنني فتاة، أحتار من والدي، كيف نسي لهفتي أنا وشقيقتي عليه وهو طريح الفراش، في حين ان أخوتي الشباب لا سلطة لهم على زوجاتهم لخدمة أبي وهو مريض. وفي النهاية، منح الأرض لأخوتي وزوجاتهم، لن أحمل شعور الضغينة والكراهية تجاه والدي، بل الحب والاحترام والدعاء بطول العمر، لكن لن أنسى فقر أولادي وضعف حالهم أمام تصرف جدهم وأخوالهم”.  

طغيان “العادات” على القانون

زرنا مكتب أحد المحامين المتخصصين في قضايا فض النزاعات وتوزيع الملكيات، وقد طلب منا عدم الكشف عن اسمه نظراً الى حساسية الموضوع ووجود وكلاء وقضايا للإرث لديه. وأكد أن لقضايا حصر الإرث في القانون السوري نوعين : “الأول، يتم توزيع الإرث وفق الشريعة الإسلامية، وتتعلق الأموال المنقولة وغير المنقولة، للزوجة حصة، والباقي للذكر مثل حظ الأنثيين. والثاني يتعلق بالملكيات الزراعية، وتسمى العقارات الأميرية، توزع وفق قانون وضعي، والذي يوزع الأملاك بالتساوي بين الورثة، ويخصَّص ربع المساحة للزوج أو الزوجة في حال وفاة المالك منهما”. 

بخصوص توزيع الأملاك والإرث في حالة وفاة المالك، تحدث المحامي لــ”درج” قائلاً: “عادة ما تتنازل السيدة-الأم والأخت- عن ملكياتها وحصتها لأخوتها أو أبناء أخوتها، وفقاً للعادات السائدة في مجتمعاتنا”، وأضاف: “عادة ما يتم شراء قطعة ذهب أو مبلغ مالي أو وعود معينة لقاء تنازلهن عن كل حصصهن”. واختتم المحامي حديثه: “لم تشهد المحافظة دعاوى خصومة مرفوعة من قبل سيدة ضد أخوتها أو أبناء أخوتها مطالبة بحصتها من ملكية الأرض الزراعية. وفي حال وجود مثل دعاوى كهذه، فإن العرف الاجتماعي في المنطقة يقتضي منح مبالغ مالية عوضاً عن الملكية، بخاصة إذا كانت متزوجة من خارج العائلة”. 

سطوة الشريعة الإسلاميّة

يُدافع “مُعاذ أحمد”، إمام جامع في الحسكة، عن الشرع الإسلامي مفنداً انحيازه الى صالح الرجل على حساب الأنثى، قائلاً: “صحيح أن الشرع يوصي بحظ الذكر مقابل حظ الأنثيين، لكن تُطلب من الرجل النفقة على النساء الموجودات تحت وصايته، ويدفع عوضاً عنهم التبرعات أو ما شابه”. لكن ثمة زواية أخرى تحصل فيه الأنثى أكثر من الرجل، وقد أوضحها الإمام بقوله: “في حالة وفاة الزوج، وكانت لديه زوجة وأبناء وأم وأب على قيد الحياة، يتم تقسيم التركة عادةً على عدد الورثة.

وأضاف أن هناك حالة أخرى شرعيّة شرحها قائلاً: “لو مات الرجل صاحب الأملاك، ولا تزال أمه على قيد الحياة وله بنتان، تأخذ الأم سهمين، وتُعطى ثلاثة لكل بنت،”  في حال “وفاة الزوجة صاحبة أملاك، وكان لها أم وأب، ينال كل واحد منهما سهمين، وتُمنح أربعة أسهم للابن”.

تمييز جندريّ بلا رداع

تكشف الشهادات والآراء السابقة، أن التمييز والحرمان من الميراث يستهدفان المرأة فقط لأنها امرأة، فالمؤسسة الدينيّة لا تنتصر لها، بينما تقف الأسرة نفسها بوجه حقها عبر “التنازل” حسب “التقاليد السائدة” مقابل ذهب أو مبلغ محدد. الشأن الذي أشار إليه المحامي سابقاً، ناهيك بغياب دعاوى الخصومة بين الأخوة والأخوات، ما يكشف سطوة الأسرة على توزيع “الثروة/ الأرض”، الذي يمتد حتى الحرمان عبر الزمن، وليس فقط الحرمان من الملكيّة، بل عدم الاستفادة من خيرات الأرض نفسها حتى على المستوى اليوميّ، فالأرض ثروة تمتد في الزمن، ولا تقتصر على لحظة التنازل/ البيع.

ملكية الأرض وعلاقتها بـ”الرجل” كقائم عليها تعود الى تاريخ إقطاعي لم تتمكن القوانين من مجابهته بصورة كاملة بسبب السطوة الدينيّة والعائليّة. ووصل الأمر كما نقرأ في الشهادات ،إلى حد القطيعة من الأسرة التي تفضّل “الاستغناء” عن الابنة أو الأخت، عوضاً عن تملكيها ما هو حقها.

فداء زياد - كاتبة فلسطينية من غزة | 14.06.2024

عن تخمة الشعور واختبارات النجاة في غزة

ليلة اقتحام رفح، كانت حيلتي أن أستعير أقدام الطبيبة أميرة العسولي، المرأة الطبيبة التي جازفت بحياتها لتنقذ حياة مصاب، فترة حصار الجيش الإسرائيلي مستشفى ناصر في خانيونس، كي أحاول إنقاذ أخي وعائلته وأختي وأبنائها المقيمين في الجهة المقابلة لنا، لأنهم كانوا أكثر قرباً من الخطر.

التمييز والحرمان من الميراث يستهدفان المرأة فقط لأنها امرأة، فالمؤسسة الدينيّة لا تنتصر لها، بينما تقف الأسرة نفسها بوجه حق المرأة، عبر دفعها نحو “التنازل” عن حصتها حسب “التقاليد السائدة” مقابل ذهب أو مبلغ محدد.

علمت نهايات إبراهيم (66 عاماً) أخيراً بملكيتها لــ 150 دونماً من الأرض الزراعية في الريف الشرقي لمدينة القامشلي، لكنها لا تمتلك حق التصرف بها، والسبب، أنها امرأة.  تقول: ” لا أفهم متى وكيف تجمعت كل هذه القسوة والظلم في صدور أخوتي، تربينا في بيتٍ واحد، منعوني من التعليم، وزوجوني من دون علمي وأخذوا حصتي من الميراث بعد تسجيلها باسمي بشكل رسمي في المحكمة”، وتضيف أن أخوتها لم يُفكروا في احتمال أن يطلقها زوجها، وكيف ستعيش باقي حياتها لو كانت وحيدة.

تعود قضية نهايات وغيرها من النساء الكرديات إلى عام  1958، حين صدر القانون رقم161، الذي سُمي بقانون “الإصلاح الزراعي”، زمن الوحدة بين سوريا ومصر، والذي هدف حينها إلى مُحاربة الإقطاع، وأعاد توزيع ملكيّة الأراضي الزراعية بين الدولة وملاك الأراضي، الذي نتج منه تقليص ملكيّة الأراضي التي تعود الى أفراد، وتغيير خارطة الإقطاع في المنطقة بعد سيطرة الدولة. ولم يأخذ القانون حينها بالاعتبار سلطة الأسرة والأعراف الدينيّة على نظام الوراثة.

وُزعت الملكيّة حسب القانون حينها على الأبناء ممن ولدوا عام1957 وما قبله، أما الولادات كافة  بعد ذلك التاريخ فلم تحصل على أيّ ملكية زراعية. وتلت القانون مراسيم أخرى صادرت مساحات كبيرة من الملكيات وسُميت بـ”مزارع الدولة”. 

تكمل نهايات حديثها لــ”درج” قائلة: “نحن 7 أخوات و12 أخاً، من أربع زوجات لوالدي، اثنان منهم لم تُسجل ملكيات باسمهما. وتملك كل واحدة منا ما لا يقل عن 100 دونم، وهي مساحة كفيلة بإعالة أبنائنا في الجامعات والدراسة. على الدوام، كان أخوتنا يتوددون لنّا ويكررون طلب التنازل لهم، لكن وبسبب إهمالهم وتركيز الاهتمام على أيام الحصاد فقط، لم نتنازل لهم. كان من العيب والعار طلب الحصة سواء من أموال الموسم، أو من الأرض”.

تختتم نهايات حديثها، “ذات مرة مزحت مع شقيقي الكبير، قائلة إن أولادي ربما يطالبون بحصتي، هاج وماج كالثور وخرج من منزل زوجي وهو يصرخ ويشتم، وبقي قرابة 3سنوات لا يُحدثني. بل ولجأ أخوتي إلى تمييع القضية، بحيث كان كل واحد منهم يرمي حصتي على الآخر ويقول “أنا حصتي من وراثة والدي واضحة، شقيقك الآخر هو الذي أخذ حصتك”، وهكذا ضاع حقنا أنا وشقيقاتي. وعلى مدار 20 عاماً، منحني أخوتي العام الفائت مبلغاً وقدره 100 ألف سوري( 10 دولارات)، حصتي من وارد 150دونماً زراعياً خلال عشرين عاماً. لم أستلمه واكتفيت بالقول: إذا الله سامحك أنا بسامحك، علماً أنني زوجة ابن عمي، والأرض الزراعية لن تخرج من إطار العائلة، لكن لا حقوق لنا”.

الحرمان حتى من الخضراوات

قصة نهايات واحدة من سلسلة قصص ومآسي نساء كرديات في سوريا خلال العقود الماضية، كحالة فريال الحسين (55 عاماً)، من سكان حيّ طيّ ذي الكثافة العربية. تقول لـ”درج”: ” أوصى والدي بعدم منحي وأختي أيّ حقوق في الأرض أو المحلات، لأن أزواجنا غرباء عن العشيرة، ولا يجوز لهم امتلاك أرضنا الزراعية، وبناتنا وأولادنا ليسوا من العائلة حتّى يتصرفوا بأملاكنا”.

 تعود فريال بذاكرتها الى سنين عدة مضت وتتحدث عن موقف أخوتها القائم على “الجشع والطمع”  حسب وصفها،  فتقول:  “عندما أجرت أمي عملية جراحية، أسمعني أخوتي بعض الكلام التافه عن سبب عدم دفع أزواج أخوته بعض المال كمساعدة في مصاريف العملية، في حين أن أخوتي استحوذوا على كامل الثروة ولا تهتم زوجاتهم لأمر أمي. لا أدري من أين جاءتني الشجاعة والجرأة حين قلت له: الخدمة والعمل واجبنا، لكن الميراث لا حق لنا فيه”.

 استغربت فريال حينها موقف والدتها التي أيدت أخوتها، وتعقب قائلةً: “هل تملك قلباً من حجر، حرمها أخوتها من حقها، وهي بدورها حرمتنا من حصصنا، فتقاسم أخوتي الميراث بينهم من دون إخبارنا”.

“جوع الطمع اليوم ودموع التماسيح غداً”، عبارة أطلقتها شيماء أحمد (44عاما)، مُدرسة في إحدى مدارس ريف المالكية، تقول لـ”درج”: “بعد تكرار والديّ وصية الاهتمام بنا على مسامع أخوتي، لم أتوقع أن تقودني المصادفة الى أبشع موقفٍ أتعرض له”.

تضيف شيماء أنها  في صباح أحد الأيام، نزلت برفقة زوجها لشراء بعض الخضار والفواكه  للمنزل، بعدها يُكمل زوجها طريقه الى العمل. وفي الشارع، التقت بشقيقها الأكبر سمير (76عاماً) المشرف على الأرض الزراعية. ألحّ عليه  زوجها أن يرتاح في المنزل، لكن ارتباكه وإصراره على أنه مُستعجل خلقا لديها شكوكاً.

وصلت شيماء وزوجها إلى السوبر ماركت، وبدآ ا بانتقاء بعض الخضراوات.  وأمام جهاز قياس الأوزان، بدأت علامات الحيرة والاستهزاء مجتمعة ترتسم على وجه بائع الخضار الذي قال لهما “معقول جايين تشتروا خضرة، وأخوكي عم يبيعنا ياها من موسم أرضكم الزراعية، هاد البطيخ والبامية أنا اشتريتن من أخوكي من شي ربع ساعة”. تضيف شيماء بغصة كبيرة: “ساعدت أخوتي في زراعة بذور الخضار، وإزالة النباتات الضارة، ويعمل إبني الكبير حمّالاً مع خاله، فيما أبناؤه ينامون حتى الظهر. وعندما تم نقل الملكية وُزعت على الأبناء وحُرم البنات منها. وأخي الكبير يبيع الخضار لمحل بجانب منزلي من دون أدنى كرامة واحترام وأخلاق تخوّله أن يمنح أولادي بعضاً من تلك الثمار”.

أزمة الإرث وتفكيك العلاقات الأسريّة

لا تمتلك النساء الكرديات والعربيات رفاهية القبول أو الرفض، ولا حق لهن للمطالبة بحصتهن من الميراث. تقول هبّة نور، متخصصة في قضايا النزاعات العائلية : “غالباً ما يكون دفاع الفتيات عن حقّهن والمطالبة به ضعيفاً مرفقاً بالدموع والرجاء، ويكون الرد قاسياً وعنيفاً من الآباء والأخوة، والعنف يولد المزيد من العنف، وتتعرض الأسر للتفكيك ويحمل الأبناء شعور الضغينة تجاه أخوالهم مع الكراهية والانتقام. والغريب إنهم يحرمون أخواتهم من الميراث، ويوصون بمنح بناتهم حصصهم. وتلعب قضايا الميراث عوامل في التفكك الأسري والقطيعة بين الأبناء والأخوال وبين البنات مع الأب والأخ”.

ما سبق ينطبق على كلستان (29 عاماً)، مُدرسة مادة التربية الرياضية في مدارس القامشلي. تقول: “أبنائي وأبناء أخوالهم متخاصمون، وأخوتي لا يزورون بيتنا. قبل عام، تعرض ابني الكبير لحادث سير مروع بقي في العناية المشددة لعشرة أيام، ثم نُقل إلى دمشق وأجريت له ثلاث عمليات جراحية. ولغاية اليوم، لم يكلف أحد من أشقائي نفسه بالاطمئنان على صحة ابني. ذلك كله لأنني طالبت بحصتي من ميراث أبي في الشقق والمحلات التي تركها خلفه من دون توزيع بسبب وفاته المفاجئة” .

وفقاً لكلستان، فإن “أخوتها سجلوا عقارات بأسماء بناتهم، ومنهم من أوصى أبناءه الذكور بحصة أو مبلغ مالي ثابت سنوياً وبالعملة الصعبة لأخواتهم البنات”، واصفة إياهم بالمنافقين والدجالين، يحرمون أخواتهم من حقوقهن ويمنحونها لبناتهم”.

قاطعت  سعديّة (42 عاماً) والديها قبل عشر سنوات، بسبب حرمانها من الميراث كما قالت. تذكر آخر لقاء جمعها بهما في دار العائلة في الحسكة قائلةً: “صرخت في وجه أبي وأمي وأخوتي بأعلى صوتي، ماذا أفعل؟ ابني مقعد وزوجي عامل عادي، وأخوتي أغنياء جداً ولا يمنحونني شيئاً. طلبت منهم المساعدة مرتين، وفي الثالثة اشترطوا علي أن يكون المبلغ ديناً على أن أعيده لهم خلال سنة. لم أتمالك نفسي فغادرت المنزل قائلة لهم: لا تزوروا خيمة عزائي ولا تقرأوا الفاتحة على روحي، من يدري رُبما تأخذون ثمن قراءتكم الفاتحة”.

 تضيف: “لا أستطيع استيعاب فكرة حرماني من الميراث فقط لأنني فتاة، أحتار من والدي، كيف نسي لهفتي أنا وشقيقتي عليه وهو طريح الفراش، في حين ان أخوتي الشباب لا سلطة لهم على زوجاتهم لخدمة أبي وهو مريض. وفي النهاية، منح الأرض لأخوتي وزوجاتهم، لن أحمل شعور الضغينة والكراهية تجاه والدي، بل الحب والاحترام والدعاء بطول العمر، لكن لن أنسى فقر أولادي وضعف حالهم أمام تصرف جدهم وأخوالهم”.  

طغيان “العادات” على القانون

زرنا مكتب أحد المحامين المتخصصين في قضايا فض النزاعات وتوزيع الملكيات، وقد طلب منا عدم الكشف عن اسمه نظراً الى حساسية الموضوع ووجود وكلاء وقضايا للإرث لديه. وأكد أن لقضايا حصر الإرث في القانون السوري نوعين : “الأول، يتم توزيع الإرث وفق الشريعة الإسلامية، وتتعلق الأموال المنقولة وغير المنقولة، للزوجة حصة، والباقي للذكر مثل حظ الأنثيين. والثاني يتعلق بالملكيات الزراعية، وتسمى العقارات الأميرية، توزع وفق قانون وضعي، والذي يوزع الأملاك بالتساوي بين الورثة، ويخصَّص ربع المساحة للزوج أو الزوجة في حال وفاة المالك منهما”. 

بخصوص توزيع الأملاك والإرث في حالة وفاة المالك، تحدث المحامي لــ”درج” قائلاً: “عادة ما تتنازل السيدة-الأم والأخت- عن ملكياتها وحصتها لأخوتها أو أبناء أخوتها، وفقاً للعادات السائدة في مجتمعاتنا”، وأضاف: “عادة ما يتم شراء قطعة ذهب أو مبلغ مالي أو وعود معينة لقاء تنازلهن عن كل حصصهن”. واختتم المحامي حديثه: “لم تشهد المحافظة دعاوى خصومة مرفوعة من قبل سيدة ضد أخوتها أو أبناء أخوتها مطالبة بحصتها من ملكية الأرض الزراعية. وفي حال وجود مثل دعاوى كهذه، فإن العرف الاجتماعي في المنطقة يقتضي منح مبالغ مالية عوضاً عن الملكية، بخاصة إذا كانت متزوجة من خارج العائلة”. 

سطوة الشريعة الإسلاميّة

يُدافع “مُعاذ أحمد”، إمام جامع في الحسكة، عن الشرع الإسلامي مفنداً انحيازه الى صالح الرجل على حساب الأنثى، قائلاً: “صحيح أن الشرع يوصي بحظ الذكر مقابل حظ الأنثيين، لكن تُطلب من الرجل النفقة على النساء الموجودات تحت وصايته، ويدفع عوضاً عنهم التبرعات أو ما شابه”. لكن ثمة زواية أخرى تحصل فيه الأنثى أكثر من الرجل، وقد أوضحها الإمام بقوله: “في حالة وفاة الزوج، وكانت لديه زوجة وأبناء وأم وأب على قيد الحياة، يتم تقسيم التركة عادةً على عدد الورثة.

وأضاف أن هناك حالة أخرى شرعيّة شرحها قائلاً: “لو مات الرجل صاحب الأملاك، ولا تزال أمه على قيد الحياة وله بنتان، تأخذ الأم سهمين، وتُعطى ثلاثة لكل بنت،”  في حال “وفاة الزوجة صاحبة أملاك، وكان لها أم وأب، ينال كل واحد منهما سهمين، وتُمنح أربعة أسهم للابن”.

تمييز جندريّ بلا رداع

تكشف الشهادات والآراء السابقة، أن التمييز والحرمان من الميراث يستهدفان المرأة فقط لأنها امرأة، فالمؤسسة الدينيّة لا تنتصر لها، بينما تقف الأسرة نفسها بوجه حقها عبر “التنازل” حسب “التقاليد السائدة” مقابل ذهب أو مبلغ محدد. الشأن الذي أشار إليه المحامي سابقاً، ناهيك بغياب دعاوى الخصومة بين الأخوة والأخوات، ما يكشف سطوة الأسرة على توزيع “الثروة/ الأرض”، الذي يمتد حتى الحرمان عبر الزمن، وليس فقط الحرمان من الملكيّة، بل عدم الاستفادة من خيرات الأرض نفسها حتى على المستوى اليوميّ، فالأرض ثروة تمتد في الزمن، ولا تقتصر على لحظة التنازل/ البيع.

ملكية الأرض وعلاقتها بـ”الرجل” كقائم عليها تعود الى تاريخ إقطاعي لم تتمكن القوانين من مجابهته بصورة كاملة بسبب السطوة الدينيّة والعائليّة. ووصل الأمر كما نقرأ في الشهادات ،إلى حد القطيعة من الأسرة التي تفضّل “الاستغناء” عن الابنة أو الأخت، عوضاً عن تملكيها ما هو حقها.

اشترك بنشرتنا البريدية