منذ وصول “هيئة تحرير الشام” إلى السلطة في دمشق، وحلّ نفسها ضمن الحكومة، كانت “قوّات سوريا الديمقراطية” الخصم السياسي الأوضح والأشدّ قدرة على مواجهة حكومة دمشق، تلك التي ارتكبت مجرزتين في الساحل السوري وفي السويداء، وخلقت مناخاً شعبوياً إبادياً لم يسلم منه الكُرد بشكل عامّ، و”قوّات سوريا الديمقراطية” ومناطق سيطرتها بشكل خاصّ.
ومع تأخّر تنفيذ بنود الاتفاق بين مظلوم عبدي وأحمد الشرع، تحوّل الأمر إلى مواجهة مباشرة بين القوّتين العسكريتين، انتهت بتسليم “قوّات سوريا الديمقراطية” مناطق سيطرتها لحكومة دمشق، ودخول أرتال من وزارة الدفاع إلى عدد من المدن في شمال شرق سوريا، منها الحسكة.
المناخ الإبادي والتحريضي في تلك الفترة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتهديدات والإهانات التي أُطلقت بحقّ الكُرد، ازدادت مع المواجهات بين قوّات وزارة الدفاع و”قوّات سوريا الديمقراطية”، وأعادت إلى ذاكرة الكُرد، تاريخ من المواجهات مع تنظيم “داعش” ذي الهدف الإبادي، والجريمة ضدّ الإنسانية التي ارتُكبت بحقّ الأيزيديين، في الوقت ذاته، انطلقت حملات رقمية تدعو إلى إنقاذ الحسكة من “قسد”، بالتزامن مع دعوات للفزعات والانضمام إلى قوّات وزارة الدفاع.
ماذا حصل؟
بالتزامن مع السياق السابق، وفي يوم 18 كانون الثاني/ يناير 2026، شهد وسما #الحسكة تباد و #انقذوا الحسكة، موجة تداول عالية الكثافة، تلتها حالة انحسار سريعة في اليوم التالي، ضُخّم الوسم بالتزامن مع العمليّات العسكرية، وبينما كانت مخاوف الكُرد من تكرار سيناريوهات عمليّة “غصن الزيتون”، أو المواجهة مع “داعش” تطفو إلى الواجهة، انتشرت حملة ضدّ “قسد” تتّهمها بإبادة العرب في المنطقة.
في هذا التقرير اعتمدنا على تحليل 590 منشوراً، جُمعت عبر أداة Brand mention، التي تركّز على السلوك الرقمي والخطابي الذي ذُكر فيهما هذان الوسمان، هذه الأداة لا تقوم على التحقّق من الوقائع، بل مراقبة السلوك الرقمي.
أظهرت البيانات ذروة واحدة حادّة في التفاعل، مع اختلاف واضح في أدوار المنصّات، فمنصّة “إكس” كانت منصّة الإطلاق والتأطير الخطابي، في حين لعب “تيك توك” دور التعبئة العاطفية، مستحوذاً على نحو 84 في المئة من إجمالي التفاعل، فوسم #الحسكة تباد تصدّر من حيث عدد المنشورات، بينما حقّق #انقذوا الحسكة تفاعلاً أعلى، ما يعكس الانتقال من توصيف الاتّهام إلى خطاب الاستغاثة، وبدأت الموجة بإطلاق مبكر منخفض التفاعل، ثم انتقلت سريعاً إلى حسابات محورية أعلى وصولاً، لعبت الدور الأساسي في التضخيم.
اتّسم الخطاب المصاحب للحملة بتصعيد لغوي حادّ، مع هيمنة مفردات مثل “إبادة ” و”تطهير عرقي” و”ذبح”، مقابل غياب مفردات توصيفية أكثر تدرّجاً، هذه المفردات في السياق السوري لا تبدو غريبة، خصوصاً في ظلّ الاستقطاب الحادّ، وتاريخ سوريا القريب في عهد الأسد وبعد سقوطه الذي شهد كلّ هذه الأفعال.
أظهر تحليل المشاعر غلبة واضحة للمحتوى السلبي، مع تصدّر الغضب بوصفه العاطفة الأبرز، ما عزّز سرعة الانتشار، إذ يكشف التحليل أن الموجة الرقمية عملت بمنطق “الصدمة السريعة” أكثر من منطق التوثيق المتراكم، مستفيدةً من لحظة سياسية حسّاسة، وسياق إعلامي مشحون في شمال شرقي سوريا.

خلال ساعات قليلة من يوم 18 كانون الثاني/ يناير 2026، تحوّلت منصّات التواصل الاجتماعي إلى ساحة تداول مكثّف لسردية تتحدّث عن “إبادة” و”تطهير عرقي”، في محافظة الحسكة – شمال شرقي سوريا على الحدود مع تركيا والعراق- مدفوعة بوسمين رئيسيين هما #الحسكة_تباد و#انقذو_الحسكة.
لم يظهر هذا التداول في صورة نقاش عامّ متدرّج، بل اندفع دفعة واحدة، مصحوباً بخطاب تصعيدي ومحتوى بصري عالي التأثير، قبل أن يتراجع بشكل ملحوظ في اليوم التالي.
ويُعدّ هذا النمط الزمني أحد المؤشّرات الأساسية التي يُعتمد عليها في التمييز بين التفاعل العضوي، والحملات التي تُصمَّم لتحقيق أثر آني مرتفع الكثافة.
جاء انتشار وسمَي #الحسكة_تباد و#انقذو_الحسكة في لحظة مشحونة أصلاً في شمال شرقي سوريا، حيث تدور مواجهة سياسية– عسكرية مفتوحة بين الحكومة السورية الانتقالية بقيادة أحمد الشرع و”قوّات سوريا الديمقراطية” أو “قسد”، حول دمج المؤسّسات المدنية والعسكرية في بنية الدولة، بعد تقدم ميداني سريع للحكومة في مناطق في الشمال والشرق، ثم إعلان اتّفاق/ تفاهم في 18 كانون الثاني/ يناير 2026، تلاه وقف إطلاق نار هشّ وتمديدات لاحقة.
في هذا السياق تحديداً، تُستخدم عبارة “الحسكة تُباد” داخل المنشورات، بوصفها صيغة اتّهام قصوى لا تصف “معركة” أو “اشتباكاً”، بقدر ما تقدّم ما يجري على أنه استهداف وجودي، وغالباً ما تُقرن باتّهام موجّه إلى “قسد/ قنديل/PKK”، بأنها تنفّذ “قتلًا على الهويّة” ضدّ عرب، مع دعوات إلى “الفزعة” العشائرية (العقيدات، البكّارة، شمر…) والتدخّل العاجل من أطرف ربما ليس لها مصلحة في سريان وقف إطلاق النار.
هذا لا يثبّت واقعاً ميدانياً بحدّ ذاته، لكنّه يحدّد المعنى المقصود في الخطاب: تحويل الصراع على السيطرة/ الدمج إلى سردية “مجزرة/ إبادة” تستدعي الاستنفار، وهذا ما سبق أن شهدته سوريا حيث شاركت الفزعات العشائرية في مجازر الساحل والسويداء، كما أنها أعلنت الفزعة ضدّ عناصر “قسد” حيث انقلب المقاتلون العرب في مناطق سيطرة “قسد” على قياداتهم، في بعض المدن، في الوقت ذاته، أُطلقت فزعات كردية للمشاركة في المعركة الوشيكة في سوريا.
وما يجعل هذه السردية قابلة للاشتعال سريعاً، هو أن الحسكة كانت ضمن عُقدة تفاوض/ ضغط في أيّام تلت الاتّفاق، مع حديث واسع عن ترتيبات دخول/ انتشار قوّات الدولة إلى مدن رئيسية شمال شرقي البلاد، بينما كانت التحرّكات العسكرية والإنذارات المتبادلة تجعل المجال العامّ شديد الحساسية لأيّ خبر أمني غير مكتمل.
يستند هذا التقرير إلى تحليل خمسمائة وتسعين منشوراً جُمعت عبر أداة Brand Mentions، ويهدف إلى فهم سردية “الإبادة” رقمياً، ورصد مسار انتشارها، وطبيعة الخطاب المصاحب لها، والحسابات التي لعبت أدواراً محورية في دفعها إلى واجهة التفاعل.
ولا يسعى التقرير إلى التحقّق من الوقائع الميدانية على الأرض، بقدر ما يركّز على تحليل السلوك الرقمي والخطابي المرتبط بالحملة، في إطار منهجية “مجتمع التحقّق العربي” المعنيّة برصد حملات التضخيم والسلوك المنسّق.
تكشف البيانات عن نمط واضح يتمثّل في ذروة واحدة حادّة أعقبها انخفاض سريع، مع تفاوت لافت بين المنصّات من حيث دور الإطلاق ودور التأثير، ويضع هذا النمط الموجة في سياق حملات تضخيم قصيرة العمر، تُبنى لتحقيق أثر سريع في لحظات حسّاسة، لا لتوصيف واقع مستمرّ، أو تقديم سرد توثيقي ممتدّ.
من التأطير إلى التعبئة

لا تقلّ الفوارق بين المنصّات أهمّية عن الفوارق الزمنية. فمن حيث عدد المنشورات، تصدّرت منصّة “إكس” المشهد، إذ نُشر عليها 349 منشوراً، ما يجعلها منصّة الإطلاق الأساسية للحملة.
في المقابل، جاءت منصّات مثل “تيك توك” و”فيسبوك” بعدد أقلّ من المنشورات، إذ سُجّل على “تيك توك” 76 منشوراً، وعلى “فيسبوك” 61 منشوراً.

غير أن صورة التأثير تختلف عند النظر إلى حجم التفاعل. فبرغم محدودية عدد المنشورات على “تيك توك”، استحوذت هذه المنصّة وحدها على نحو 84% من إجمالي التفاعل المسجّل، بما يزيد على 90 ألف تفاعل. في المقابل، لم تتجاوز حصّة “إكس” من التفاعل نحو 4 %، رغم كونها المنصّة الأكثر نشراً.
(4)

يكشف هذا التباين عن توزيع أدوار داخل الحملة. فقد استُخدمت “إكس” بوصفها مساحة للتأطير السريع، وصياغة الاتّهامات، وإطلاق الوسوم والخطاب الأوّلي، في حين أدّت منصّات الفيديو، وعلى رأسها “تيك توك”، دور التعبئة العاطفية عبر محتوى بصري مكثّف، ساهم في توسيع دائرة الوصول وتحويل الخطاب من مستوى النشر إلى مستوى الانفعال الجماهيري.
ويظهر هذا الدور المزدوج أيضاً عند مقارنة الوسمين نفسيهما. فرغم أن #الحسكة_تباد كان الأكثر استخداماً من حيث عدد المنشورات، فإن #انقذو_الحسكة، وهو وسم يحمل طابع الاستغاثة والدعوة إلى الفعل، حقّق تفاعلاً أعلى، متجاوزاً وسم الاتّهام المباشر.
ويشير هذا الفارق إلى أن الحملة لم تعتمد فقط على توصيف الحدث، بل على استدعاء مشاعر الخوف والواجب الأخلاقي، وهي عناصر تجد بيئة خصبة لها في المحتوى المرئي السريع الانتشار.
من الإطلاق إلى التضخيم: الحسابات المحورية
تكشف طبقة بيانات منصّة “إكس” أن موجة الوسمين لم تبدأ من حسابات واسعة التأثير، بل من إطلاق مبكر منخفض التفاعل، قبل أن تنتقل خلال وقت قصير إلى حسابات أعلى وصولاً، أعادت تدوير السردية وصياغتها بصيغة أكثر قابلية للانتشار. ويُظهرهذا الفرق بين من أطلق الخطاب ومن ضاعف انتشاره، أن الدفع الحقيقي للموجة لا يعتمد بالضرورة على البدايات، بل على من نجح في تحويل السردية إلى محتوى قابل للتداول السريع.
مطلق الصفارة: إطلاق مبكر بصيغة استغاثة وتكرار متقارب

أقدم إشارات الإطلاق المرصودة جاءت عبر حساب QryshSby عند الساعة 13:27 (بحسب توقيت البيانات) من خلال صيغة متكرّرة تتحدّث عن “إعدام ميداني لـ 21 شابّاً عربياً”، وربطها مباشرة بوسم #انقذو_الحسكة.
ويلاحظ هنا تكرار النشر خلال فترة زمنية قصيرة مع تغيير الحسابات المُشار إليها (mentions)، وهو نمط يُستخدَم غالباً لمحاولة توسيع دائرة الوصول عبر استدعاء حسابات بعينها.
لعب “الهاشتاغ” دوراً باتّهام “قسد” بارتكاب انتهاكات في الحسكة، وطلب إنقاذ العرب فيها، ولاحقاً أكّدت “قوّات سوريا الديمقراطية” الحادثة السابقة، وأنه “تمّ استبعاد المقاتل فوراً من صفوف القوّات وتحويله إلى المحكمة العسكرية لاتّخاذ الإجراءات القانونية اللازمة”.

بعد دقائق قليلة، ظهر إطلاق موازٍ للوسم الاتّهامي الأكثر حدّة #الحسكة_تباد عبر حساب Ahmed Abd 41226 عند الساعة 13:32، مستخدماً صيغة توصيف قصوى، ما أسهم في تثبيت إطار “الحدث الكارثي المكتمل” مبكراً داخل المتداول. وبهذا المعنى، لم يكن مطلقو الوسمين الأكثر تأثيراً، بل مثّلوا الحلقة التي فتحت المجال أمام السردية إلى حسابات أعلى وصولاً.
سياق التوقيت وقابلية الاشتعال
لم تكن موجة #الحسكة_تباد و #انقذو_الحسكة معزولة عن سياق سياسي شديد الحساسية في شمال شرقي سوريا خلال كانون الثاني/ يناير 2026، حيث تزامنت مع تطوّرات متسارعة ونقاشات علنية بشأن مستقبل مناطق سيطرة “قوّات سوريا الديمقراطية” أو “قسد”، وترتيبات أمنية وإدارية محتملة، في ظلّ حالة سيولة في خرائط السيطرة والتحالفات المحلّية.

لا يفسّر هذا السياق السياسي ما جرى ميدانياً، لكنّه يفسّر قابلية المجال العامّ للاشتعال. ففي لحظات عدم اليقين، تصبح السرديات القصوى أكثر جاذبية وانتشاراً، خصوصاً تلك التي تقدّم بصيغة إنذار وجودي مثل “إبادة” و”تطهير عرقي”، أو تلك التي تستدعي “النفير” الاجتماعي عبر لغة الاستغاثة والفزعة.
وهنا تظهر الوظيفة الخطابية للوسمين بوضوح: أحدهما يضع توصيفاً بالغ الحدّة (#الحسكة_تباد) والآخر يستدعي التدخّل العاجل (#انقذو_الحسكة)، وكلاهما يقدّم الحدث بوصفه لحظة فاصلة لا تحتمل الانتظار.

على المستوى العملياتي الرقمي، تُظهر البيانات لحظة إطلاق دقيقة تقريباً: بدأت أولى المنشورات المرصودة في فترة ما بعد الظهر يوم 18 كانون الثاني/ يناير 2026، ثم اندفعت الموجة خلال ساعات قليلة لتصل إلى ذروة واحدة حادّة، قبل أن تهبط سريعاً في اليوم التالي.
هذا النمط الزمني “اندفاع سريع ثم انحسار”، يشبه الطريقة التي تعمل بها حملات التضخيم في كثير من الأحيان: نافذة قصيرة تُستثمر لرفع الانتباه، ثم يتراجع الزخم حين تتبدّل الأجندة، أو تظهر روايات مضادّة، أو يبدأ الجمهور بالتشكيك في مصادر المحتوى.

وإذا كانت منصّة “إكس” قد لعبت دور الإطلاق والتأطير، فإن التحوّل الحقيقي في التأثير حدث عندما انتقلت السردية إلى منصّات الفيديو، وعلى رأسها “تيك توك”. فالمحتوى المرئي لا يحتاج إلى بنية خبرية متماسكة كي ينجح، بل يعتمد أساساً على الأثر العاطفي: صورة، أو مقطع قصير، أو عبارة صادمة تُكرّر داخل سياق “استغاثة”.
وفي بيئة ترتفع فيها قابلية التصديق بفعل التوتّر السياسي، تصبح المقاطع المرئية -حتى حين تكون خارج سياقها أو قديمة- وقوداً مثالياً لإعادة التدوير، لأن الجمهور يشاركها بدافع الخوف أو الغضب أو الرغبة في النجدة، لا بدافع التحقّق.

كذلك، لا يمكن فصل هذه الموجة عن مناخ إعلامي متزامن، كانت تتداخل فيه الأخبار السياسية والتقديرات العسكرية والتحليلات المتسارعة، بشأن مستقبل مناطق شمال شرقي سوريا. هذا النوع من التغطية، حتى عندما يكون مهنياً، يخلق بيئة فائقة الحساسية لأيّ معلومة فرعية، ويجعل التلقّي الجماهيري أقرب إلى “الالتقاط السريع” منه إلى الانتظار إلى التثبّت.
وفي هذه النقطة تحديداً، يصبح التضخيم عمليّة سهلة: يكفي أن تُطرح رواية قصوى بصيغة قاطعة، وأن تُقدَّم على أنها استغاثة أخلاقية، حتى تبدأ الدورة بالعمل.

لكنّ الأهمّ في سياق التوقيت، هو ما حدث بعد الذروة. في اليوم التالي شهد انخفاضاً حادّاً في حجم المنشورات، وهو ما يشير إلى أن السردية لم تتحوّل إلى موجة ممتدّة، بل بقيت محصورة في إطار زمني ضيق.
تاريخياً، تميل السرديات التي تقوم على تضخيم فجائي إلى الانكماش سريعاً عندما تظهر إشارات تشكيك أو تصحيح، أو عندما يصبح المحتوى المتداول مستهلكاً وغير قادر على إنتاج أثر صادم جديد. وهذا الانخفاض لا ينفي احتمال وجود ضحايا أو انتهاكات، لكنّه يثبت أن الحملة الرقمية نفسها، كانت تعمل بمنطق “الصدمة السريعة” أكثر من عملها بمنطق “التوثيق المتراكم”.
بهذا المعنى، يقدّم سياق النشر تفسيراً مزدوجاً لظهور الوسمين بهذا الشكل: لحظة سياسية مضطربة تجعل الجمهور أكثر استعداداً للتصديق والانفعال، وآليّة رقمية سريعة تتيح تحويل الاتّهام إلى تعبئة عبر الفيديو خلال ساعات.
وفي التقاطع بين الأمرين، تُبنى سردية “الإبادة” بوصفها منتجاً خطابياً قادراً على الانتشار بسرعة، حتى قبل أن يتوفّر على معطيات موثوقة كافية لتثبيت الوقائع الميدانية.
كيف صُنعت سردية “الإبادة”؟
منذ اللحظة الأولى لاندفاع الوسمين، لم يُقدَّم ما يجري في الحسكة بوصفه حدثاً أمنياً قابلاً للفهم التدريجي، بل بوصفه خطراً وجودياً يقتضي استنفاراً فورياً. هذا التحوّل من “خبر” إلى “إنذار” هو جوهر الخطاب الذي صنعته الحملة، وهو ما تُظهره بوضوح الكلمات الأكثر دوراناً، ونبرة الاستغاثة، واللغة الأخلاقية القاطعة، وطريقة توصيف الفاعلين والضحايا.

في عيّنة البيانات، ظهرت كلمة “تباد” ومشتقّاتها في (387 منشوراً)، إلى جانب حضور تسمية “قسد” (في 191 منشوراً) وعبارات الاستغاثة مثل “انقذوا” ومشتقّاتها في ( 174 منشوراً). ويعكس هذا التكرار بنية خطابية تقوم على خصم محدّد بالاسم، وحدث مصاغ كفناء جماعي، وجمهور يُستدعى إلى النجدة.
ترتكز هذه البنية على رفع سقف التوصيف إلى أقصاه، إذ ينتقل الخطاب مباشرة إلى مفردات من مثل “إبادة”، و”تطهير عرقي”، و”ذبح”، بدلاً من مفردات أكثر تدرّجاً.
ووفق البيانات، تظهر مفردات الذبح والتصفية بوصفها جزءاً من القاموس المركزي للحملة، إذ وردت كلمة “ذبح” ومشتقّاتها في 94 منشوراً، كما ورد مصطلح “تطهير” في 28 منشوراً، و”إبادة” في 18 منشوراً.

تترافق هذه اللغة مع توسّع في الوسوم المرافقة التي تضخّم المعنى وتدفعه باتّجاه “اليقين”: فإلى جانب #الحسكة_تباد و**#انقذو_الحسكة**، تُظهر البيانات توسّعاً في وسوم فرعية تحمل المعنى ذاته وتزيده حدّة، مثل: #الحسكة_تذبح، و#الحسكة_تباد_من_قسد، ووسوم أطول تحاكي صيغة النداء الجماعي مثل #أنقذوا_أهلنا_في_الحسكة.
بهذه الطريقة، لا تُترك مساحة رمادية للقارئ أو المتلقّي: الخطاب لا يقول “قد تكون هناك انتهاكات”، بل يبني صورة “كارثة مكتملة” تحتاج قراراً عاجلاً.

الطبقة الثانية في هذا الخطاب هي استدعاء “الفزعة” عبر وسم #انقذو_الحسكة، الذي يعمل كنداء تعبئة نفسي أكثر من كونه توصيفاً للحدث. ويظهر ذلك في الرسائل المتداولة التي تستخدم عبارات مباشرة مثل “نداء استغاثة” و”افزعوا” و”أنقذوا أهلنا” وفي “وينكم يا عرب؟”.
وفي هذا السياق، يتحوّل الجمهور من متلقٍ إلى طرف مطلوب منه اتّخاذ موقف فوري. وهو ما يفسّر شيئاً مهمّاً في البيانات: رغم أن #انقذو_الحسكة أقلّ عدداً من #الحسكة_تباد، فإنه أعلى تفاعلاً، لأنه يشتغل بوصفه نداء فعل لا مجرّد توصيف.
هذه البنية الخطابية تعتمد أيضاً على ضغط أخلاقي غير مباشر: من يتأخّر عن المشاركة يبدو كأنه يخذل الضحايا، ومن يشكّك يُصوَّر ضمنياً كأنه يبرّر الدم. لذلك يصبح أيّ تصحيح أو تدقيق في سياق المقاطع المصورة مهدداً بأن يُفهم تعطيل للاستغاثة. وهنا بالضبط يتشكّل خطر التضخيم: ليس في “المعلومة” وحدها، بل في الطريقة التي تُؤطّر بها نفسياً.

في خلفية هذه الوسوم تعمل العاطفة كوقود ثابت. ففي عيّنة البيانات، جاءت المشاعر السلبية طاغية (368 منشوراً سلبياً مقابل 112 محايداً و14 إيجابياً)، وتصدّر الغضب المشاعر المصنّفة بواقع (280 منشوراً مصنّفاً في خانة الغضب ضمن العيّنة، مع وجود جزء غير مصنّف بسبب حدود الأداة).
هذه النتيجة ليست تفصيلاً تقنياً. هي تقول شيئاً بسيطاً وحاسماً: الخطاب لم يُبنَ ليشرح، بل بُني ليُشعل. وحين يتصدّر الغضب، يصبح الانتشار أسرع، وتصبح قابلية تصديق المقاطع أعلى، ويصبح التصحيح أبطأ وأضعف.
تكشف هذه القراءة أن موجة #الحسكة_تباد و #انقذوا_الحسكة تشكّلت في تقاطع بين لحظة سياسية مضطربة، وآليّة رقمية قادرة على تحويل الاتّهام إلى تعبئة خلال ساعات. وفي هذا السياق، تُبنى سردية “الإبادة” بوصفها خطاباً رقمياً عالي الكثافة، قادراً على الانتشار السريع قبل توفّرها على معطيات موثوقة كافية لتثبيت الوقائع الميدانية، ما يجعل تحليل هذا النمط ضرورة لفهم ديناميات التضخيم في أوقات النزاعات.










