لم يكن استخدام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو عبارة “حرب الحضارة ضد الهمجية” زلّة لسان أو تصريحًا عابرًا، بل تكررت هذه الثنائية الاستعلائية على لسانه في ثلاث مناسبات على الأقل منذ هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وردت في لقائه مع مسؤول هولندي، ثم في خطابه أمام الكونغرس الأميركي عام 2024، وأخيرًا في بيان رسمي للحكومة الإسرائيلية. هذا التكرار يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل يعكس نتانياهو – ومعه شخصيات مثل بن غفير وسموتريتش – توجهًا مقصودًا لتأطير الممارسات الإسرائيلية ضمن خطاب استعماري عنصري متجذر؟
تستند هذه المقالة إلى عدد من الدراسات الأكاديمية في حقلَي الإبادة الجماعية والاستعمار الاستيطاني، أبرزها مقالة باتريك وولف “الاستعمار الاستيطاني والقضاء على السكان الأصليين” (2006). إذ لطالما استخدمت القوى الاستعمارية ثنائيات تفوّقية كـ”الحضارة” و”البريرية” لتبرير القمع والإبادة، كما في مثال “علم الجمجمة” في القرنين 18 و19، الذي روّج لتفوق الأوروبيين على الشعوب الأصلية مثل الشيروكي. كذلك مارست القوى الاستعمارية الألمانية والبلجيكية تصنيفًا عرقيًا في رواندا، حيث رُفعت أرستقراطية التوتسي إلى موقع النخبة، بينما هُمّش الهوتو والتوتسي من الطبقات الدنيا، ما أسس لاحقًا لإبادة جماعية دامية في التسعينات.
الإبادة والاستعمار الاستيطاني في فلسطين
يُمثل السياق الفلسطيني اليوم أحد أوضح الأمثلة على الاستعمار الاستيطاني المعاصر، المرتبط مباشرة بالإبادة الجماعية، سواء في غزة أو في الضفة الغربية. فالهجوم الإسرائيلي الشامل بعد 7 أكتوبر – بذريعة تحرير الرهائن والقضاء على حماس – أدى إلى كارثة إنسانية ودمار هائل. وفي آذار/ مارس 2024، قالت فرانشيسكا ألبانيز، مقررة الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إن هناك “أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية”. لاحقًا، جاء تقريرها إلى الجمعية العامة بعنوان: “الإبادة الجماعية بوصفها محوًا استعماريًا”، وتبعتها منظمات مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش بالتوصيف نفسه.
تشير الباحثة نهلة عبده في مقالتها (2024)، إلى أن “الاستعمار الاستيطاني” و”الاستيلاء على الأرض” يشكلان الهدفين المركزيين للمشروع الإسرائيلي. وبالتالي، لا تنفصل السياسات العسكرية عن الجذور الصهيونية للاستعمار، بل هي امتداد لها. من هذا المنظور، لا تُعد إزالة السكان سياسة عارضة، بل منهجًا ممنهجًا، يرتبط بما يسميه وولف بـ”الإقليمية” كعنصر تأسيسي في كل استعمار استيطاني.
إقرأوا أيضاً:
ولا يمكن في السياق الفلسطيني الفصل بين ممارسات السلطة الإسرائيلية وممارسات المستوطنين، بل يبدو أن العلاقة بينهما تكاملية. فبينما كانت العمليات العسكرية مستمرة في غزة عام 2024، تصاعدت هجمات المستوطنين في الضفة الغربية، ما دفع معهد “ليمكن للوقاية من الإبادة” الى وصف المستوطنين بأنهم في “طليعة التهجير القسري”. وفي 2025، أصدرت BBC وثائقيًا بعنوان “المستوطنون”، ظهرت فيه دانييلا فايس، القيادية البارزة في حركة الاستيطان، مشيدةً بما يقوم به المستوطنون، وواصفةً إياه بأنه “مساعدة للحكومة” لا إجبارًا لها. وقالت بصراحة: “نريد بناء مجتمعات يهودية في غزة، وتشجيع العرب على الهجرة منها”.
في الوثائقي ذاته، قال الحاخام دوف ليور: “لم يكن هناك سلام مع هؤلاء المتوحشين… يجب تطهير غزة ولبنان من راكبي الجمال”. هذه اللغة الفوقية – “الحضارة ضد الهمجية”، “النور مقابل الظلام”، “المتوحشون”، “راكبو الجمال” – ليست إلا تعبيرًا فاضحًا عن منطق استعماري يسعى الى تبرير محو الشعوب الأصلية، بل الى إضفاء طابع “تحضّري” على الإبادة الجماعية.
هذا الخطاب ليس جديدًا. فقد أشار وولف إلى أن الاستعمار الاستيطاني ينزع دومًا نحو تحقير الشعوب الأصلية، ويغلف ذلك بلغة “التمدن” لتبرير العنف. وما يفعله نتانياهو اليوم هو تكرار لهذا النمط. ففي الشهر الماضي، أعلنت الحكومة الإسرائيلية خططًا لبناء 22 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية. وقال وزير الدفاع يسرائيل كاتس إن الخطوة تهدف إلى “تعزيز السيطرة، ومنع قيام دولة فلسطينية، وخلق أساس للتنمية الاستيطانية لعقود مقبلة”. وهكذا تتكرس الصورة النمطية: المستعمِر هو المتحضّر، والمستعمَر هو الهمجي.
سياسات المحو: من الفلسطينيين إلى اليهود الشرقيين
اللافت، أن هذه السياسات لا تقتصر على الفلسطينيين، بل تمتد إلى شرائح داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، لا سيما اليهود الشرقيين (المزراحيم). أشار وولف إلى أن “الصهيونية تسعى الى النأي بنفسها عن أصولها الأوروبية”، ما أدى إلى تهميش ثقافات كالييديشية لصالح العبرية، التي عُدّ لحن المزراحيم فيها مدعاة الى السخرية.
توضح شوشانا مادموني- جيربر في مقالة نشرتها عام 2022، كيف اختُطف أطفال يمنيون في خمسينيات القرن الماضي، بوصفهم غير مؤهلين للتنشئة. كما وثّقت إستر هيرتسوغ في كتابها “المهاجرون والبيروقراطيون” (1999)، سياسات التمييز الممنهج ضد يهود إثيوبيا. وفي 2013، كشفت تقارير عن تعرّض نساء إثيوبيات لحقن بموانع حمل من دون علمهن، ما أجبر وزارة الصحة على فتح تحقيق. هذه الأمثلة تعكس كيف أن التحيز الأوروبي المهيمن في المشروع الصهيوني يستبطن تراتبية حتى داخل “شعبه”.
في النهاية، الخطاب الذي يصوّر ما يحصل كـ”حرب بين الحضارة والهمجية” ليس سوى محاولة لإعادة إنتاج سردية استعمارية قديمة، تُنكر على الشعوب الأصلية إنسانيتها وتشرعن محوها. لفهم هذا الخطاب، لا بد من تفكيكه نظريًا، وتحليله في ضوء تاريخه الكولونيالي، وربطه بسياقات أخرى كشفًا لآليات السيطرة والاستعلاء، التي تتجدد اليوم تحت غطاء “الديمقراطية” و”الأمن”.
إقرأوا أيضاً:












