ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الحنين داخل الخيام… غزيون يستحضرون ذكريات مدينتهم قبل الإبادة

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الغزّيون كلّهم يهربون من تفاصيل حياتهم الشاقّة الحالية، إلى ذاكرة ما قبل الحرب، ويستعيدون ما كانت عليه مدينتهم قبل الإبادة، وقبل طوق الحصار الإسرائيلي الذي يخنقها منذ أكثر من 18 عاماً.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

تعيش الثلاثينية نور الشاعر مع أسرتها، داخل خيمة صغيرة مصنوعة من القماش والنايلون وبعض الأخشاب، في مخيّم النزوح الذي شُيّد في إحدى ساحات ما تبقّى من جامعة الأقصى غرب مدينة خان يونس في جنوب قطاع غزّة.

وسط الأبنية التي طالها الدمار والحرق بفعل عدوان الاحتلال، تستذكر نور أروقة الجامعة وأيّامها الدراسية فيها قبل الحرب، حين كانت طالبة في كليّة التربية، تتنقّل بين هذه المباني والقاعات، رغم أنها لم تُكمل مسيرة تخرّجها التي انتظرتها بفارغ الصبر.

بصوت ملؤه الحزن والأسى، تقول نور لـ”درج ميديا”، إنها لم تتخيّل يوماً أن تنزح إلى ساحات الجامعة التي شهدت أجمل لحظات عمرها، وأن حجم الدمار المهول الذي لحق بمرافقها ومكتبتها كان صادماً بالنسبة إليها.

ليس بعيداً عن موقع خيمة عائلتها المتواضعة، تؤشر الصبية الثلاثينية بيدها إلى المباني الجامعية ومركز المؤتمرات، وتضيف: “هذه المباني كانت تحفة معمارية، وهذا المركز كان منارة للأيّام العلمية والفعّاليات، لكنّه اليوم بات حزيناً يكسوه السواد، وتحيط به النفايات من كلّ جهة، وتنبعث من جنباته الروائح الكريهة”.

تحدّق نور بالساحة التي تتوسّط مباني الجامعة، وقد امتلأت بالناس ونقاط البيع المتنقّلة، مستذكرةً كيف كانت هذه البقعة من الرمال ساحة خضراء، تجذب إليها الزوّار والعرسان لالتقاط الصور التذكارية، وكانت مفعمة بالحياة، يلتقي فيها الطلّاب وينتظرون بدء محاضراتهم.

ولا يغيب عن بال نور يومها الأول داخل أسوار الجامعة مع صديقتها وفاء قشطة، التي استشهدت خلال الحرب، فتستعيد ذكريات تعذّب روحها.

تستذكر نور ساحة الطالبات واجتماعها مع صديقاتها بانتظار المحاضرات، أو فترة ما قبل تقديم الامتحان في قاعة المكتبة المركزية، بالإضافة إلى كافتيريا الجامعة التي أضحت مجمّعاً لعدد آخر من الخيام.

تمسّك الصبية بعود تحرّك به نيران موقدها البدائي، وتتساءل: “هل سيأتي اليوم الذي أعود فيه طالبة إلى مقعدي الدراسي، وإلى المكتبة وكتبها، وإلى تفاصيل صغيرة اشتقت إليها”، وتستدرك “لكنّ هذه الحرب لم تدمّر المباني فقط، بل دمّرت في وجداننا وذاكرتنا كلّ ما هو جميل وينبض بالأمل”.

نور ليست وحدها بين الغزّيين التي تشتاق إلى أيّام غزّة، وإلى ذاكرة ما قبل الحرب، فالغزّيون كلّهم يهربون من تفاصيل حياتهم الشاقّة الحالية، إلى ذاكرة ما قبل الحرب، ويستعيدون ما كانت عليه مدينتهم قبل الإبادة، وقبل طوق الحصار الإسرائيلي الذي يخنقها منذ أكثر من 18 عاماً.

محمد المصري، مهندس في وزارة الاتّصالات وتكنولوجيا المعلومات، يعود بشريط ذكرياته، إلى ما قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، يستحضر أماكن غزّة المحفورة عميقاً في ذاكرته، ويقول لـ”درج ميديا”: “لا يمكن نسيان كورنيش البحر، ومنطقة الشاليهات والمينا، والفنادق على امتدادها، حتى مطاعم الأسماك وبخاصّة مطعم أبو حصيرة هناك، وبائعي الذرة والحليب والشاي، فجمال هذه المنطقة كان بروعة مناظرها وبساطة البائعين فيها، للأسف أحالتها آلة الاحتلال ركاماً وخراباً على مدّ البصر”.

في بعض الأحيان، يسترق المصري بعضاً من وقته في المساء، ويُقلّب استديو هاتفه المحمول، وسرعان ما تتحرّك الحسرة في قلبه، ويضيف: “حتى في أسوأ كوابيسنا، لم نتوقّع أن نرى غزّة بهذا الكمّ من الدمار والإبادة”.

لا يشتاق المصري فقط إلى الأماكن التي شهدت محطّات فارقة في حياته، إذ يتنقل بذاكرته من انتهاء مرحلة الثانوية في مدرسة “الكرمل”، إلى منصّة تتويجه في قاعة مؤتمرات الجامعة الإسلامية خريجاً جامعياً، وليس انتهاءً بزفافه في قاعة “الرويال للأفراح” التي أحالها القصف ركاماً، عقب اجتياحه البرّي لمدينة غزّة، فكلّها أماكن لها في وجدان المصري ذكريات لا تغيب.

يروي المهندس الفلسطيني كيف كان يتنقّل بسيارته التي توقّفت حالياً نتيجة انقطاع الوقود، بين مدينة غزّة وجنوبها عبر شارع الرشيد الساحلي، رفقة زوجته وأطفاله الأربعة خلال الأعياد، لزيارة منطقة “مدينة أصداء الإعلامية” في جنوب القطاع، لكنّ هذا الشارع الحيوي تحوّل اليوم إلى ممرّ ترابي قاحل وفخّ لقنص الفلسطينيين.

ذكريات على أبواب الخيام

رغم مرور أكثر 18 شهراً على الحرب الإسرائيلية، ما يزال عادل المدهون (37 عاماً) يكافح من أجل الحفاظ على ذاكرته المكانية والوجدانية، بعدما أحال القصف الحربي الإسرائيلي منزله إلى كومة من الركام في حيّ التفاح شرق مدينة غزّة.

بنبرة فيها الكثير من الأسى يقول المدهون لـ”درج ميديا”: “اشتقت للعودة إلى مكتبي في حيّ الرمال، وإلى ساحة الجندي المجهول وسط المدينة، وإلى مركز رشاد الشوّا، وإلى الفعّاليات الثقافية والوطنية التي كانت تنظّمها المؤسّسات والهيئات والوزارات داخله”.

وسط أكوام الدمار وحطام البنايات السكنية، يمرّ المدهون يومياً، عابراً تلك المنطقة التي احتضنته في عمله في إحدى شركات تنظيم الفعّاليات والمناسبات، ويقول: “كان شارع عمر المختار قلباً نابضاً لا يهدأ، خاصّة وقت الأعياد والمواسم الاحتفالية، أما اليوم فهو مكان كئيب يخيّم عليه الظلام الدامس والوحشة، ويخشى المارّة عبوره حين يحلّ المساء”.

من على باب خيمته داخل حديقة الجندي المجهول، يقول المدهون: “الناس هنا لا يشكون فقط من الجوع والبرد والقصف والازدحام، بل من فقدان شيء أعمق في داخلهم، هو روح الحياة وتفاصيلها التي قُتلت ودُفنت تحت الركام”.

ومن بين ما يستذكره المدهون “محلّات كان لها تاريخ عريق لا يمكن أن تُسلب من ذاكرة أي غزّي مهما مرّ الوقت، منها محالّ الشيخ للشاورما، وحلويات أبو السعود، ومرطّبات كاظم، وحتى كافتيريات البحر واستراحاته، وحمّام السمرة وغيرها من الأماكن التي شكّلت ذاكرة جماعية وحنيناً إلى ماضٍ لا يمكن أن يغيب عن الأذهان”، كما يقول.

يردف الشاب المثقل بالهموم قائلاً: “هذه العناوين لم تكن  مجرد أماكن لبيع الطعام والترفيه فقط، بل ساحات للفرح ومناسبات للقاء، بيدَ أنها اليوم أُعدمت وبقيت ذكرى لمدينة أُبيدت بالكامل”. 

ليست الأماكن وحدها ما يُشعر المدهون بدفء الماضي، إذ تضجّ ذاكرته بتفاصيل الحياة التي سبقت الحرب، ويقارنها بما آلت إليه من بؤس، حاله كحال الغزّيين جميعاً، ويقول: “ما كنت أتعب من تعبئة المية أو توفير الخبز، لكن اليوم المعاناة كبيرة، وبرزت مسؤوليات جديدة مثل شحن الجوّال أو توفير طاقة إنارة بسيطة ليلاً، حياتنا صارت جحيماً”.

عبير الشوّا (23 عاماً) هي الأخرى ما زال وجدانها معلقاً بروح المدينة التي غادرتها مع أسرتها في خلال الحرب، وتقول: “فارقت غزّة لكنّها لم تفارقني، خرجت منها لكنّها لم تخرج من قلبي، وفي كلّ مكان في الغربة لا بدّ أن أتذكّر غزّة وطيبة أهلها وجمال أرواحهم البسيطة”.

تضيف الشوا لـ”درج ميديا”، أنها تتوق للعودة إلى دورات اللغة الفرنسية في المركز الثقافي الفرنسي، وإلى دروس الموسيقى، “فكم كان لنا في غزّة حياة، لكنّ الحرب أعادت أهلها سنوات إلى الوراء وأعواماً مقبلة من مستقبل قاتم”. 

تستذكر الشوا أماكن في غزّة لا يمكن أن تغيب عن مخيّلتها، من “فندق المتحف، والروتس، والمشتل، وجلسات الإفطار الرمضاني مع العائلة، ومباني جامعة الأزهر في منطقة الرمال الجنوبي، والمغراقة، ومركز إدوارد سعيد للموسيقى”، وغيرها من الأماكن التي صقلت شخصيّتها وكوّنت وعيها الفنّي والثقافي.

عبير الشوّا خارج القطاع الآن، إلا أنها دائمة السؤال والمتابعة عن أحوال أقاربها ومصائر أماكن المدينة، وما لحق بها من دمار، وتتمنّى “أن تنتهي الحرب وتتعمّر غزّة زي ما كانت وأحلى”.

الحنين كاستجابة نفسية

بدوره، يؤكّد الاختصاصي النفسي رجب أبو رمضان، أن “الحنين إلى الأماكن والذكريات، كما يظهر على أهالي القطاع تحت وطأة حرب مدمّرة، يعود إلى ما يسمى بالاستجابة النفسية الطبيعية والعميقة للصدمات الجماعية”.

ويقول أبو رمضان في حديث لـ”درج ميديا”: “حين يفقد الشخص عنصر الأمان أو الانتماء المادي كالمكان، فإنه يحاول جاهداً تعويضه بالعودة إلى الصور والمواقف والذكريات التي تمنحه شعوراً بالثبات والاستمرارية، وهنا يظهر الحنين كآلية دفاعية للحفاظ على التوازن النفسي وسط الانهيار المحيط”.

ويضيف أن “الحنين في حالات الحرب وفقدان الأماكن، لا يرتبط بشخص واحد أو عدّة أفراد، بل ضمن حالة جماعية تعزّز الوعي الجمعي بالهوّية والانتماء”، لافتاً إلى أن “تشارك الغزّيين تجاربهم السابقة عن الأماكن وذكرياتها، لا يؤشّر فقط إلى التوق للعودة إليها فحسب، إنما يتعدّاه إلى تأكيد وجودهم الجماعي وإثبات القدرة على البقاء في داخل المكان”، مشيراً إلى أن “هذه الحالة تسمّى في علم النفس ب”الإرساء النفسي”، حيث يحاول العقل ترسيخ الشعور بالانتماء إلى هوّية راسخة، عبر استدعاء صور ومواقف وذكريات مألوفة كانت تُشعره بالأمان المفقود حالياً”.

وختم أبو رمضان حديثه قائلاً: “هذا النوع من الحنين ليس حالة مرضية، بل ظاهرة صحية ومطلوبة في بعض الأحيان، بخاصّة أنها تساعد في تخفيف آثار الصدمة الحادّة التي خلّفتها الحرب الإسرائيلية المدمّرة”.

ومع استمرار الحرب لأكثر من عام ونصف العام، يقف الغزّيون اليوم أمام ذاكرة مثقلة بالهموم ومطوّقة بالتحدّيات، يعودون فيها إلى ما تختزنه عقولهم من تفاصيل، وما تحفظه قلوبهم من أماكن وذكريات، في ظلّ واقع قاسٍ ومرير، لكنّ آمالهم تبقى معلّقة بغدٍ أفضل تنتهي فيه الحرب وويلاتها.

إقرأوا أيضاً:

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 10.04.2026

ما تبقى من أهل الليطاني ومن ثقافته

ورثة البساتين سيواصلون غيابهم، وسيولد جيل جديد في المغتربات من أصحاب الأملاك ممن لا يعرفون شيئاً عن ثقافة الليطاني، سيهجرون بساتين أجدادهم. وربما سنستعيد حكايات النهر في مسرحية يعرض علينا فيها يحيى جابر قصته مع النهر، في مسرح مونو في بيروت، ثم نغادر إلى منازلنا وننام.
24.05.2025
زمن القراءة: 6 minutes

الغزّيون كلّهم يهربون من تفاصيل حياتهم الشاقّة الحالية، إلى ذاكرة ما قبل الحرب، ويستعيدون ما كانت عليه مدينتهم قبل الإبادة، وقبل طوق الحصار الإسرائيلي الذي يخنقها منذ أكثر من 18 عاماً.

تعيش الثلاثينية نور الشاعر مع أسرتها، داخل خيمة صغيرة مصنوعة من القماش والنايلون وبعض الأخشاب، في مخيّم النزوح الذي شُيّد في إحدى ساحات ما تبقّى من جامعة الأقصى غرب مدينة خان يونس في جنوب قطاع غزّة.

وسط الأبنية التي طالها الدمار والحرق بفعل عدوان الاحتلال، تستذكر نور أروقة الجامعة وأيّامها الدراسية فيها قبل الحرب، حين كانت طالبة في كليّة التربية، تتنقّل بين هذه المباني والقاعات، رغم أنها لم تُكمل مسيرة تخرّجها التي انتظرتها بفارغ الصبر.

بصوت ملؤه الحزن والأسى، تقول نور لـ”درج ميديا”، إنها لم تتخيّل يوماً أن تنزح إلى ساحات الجامعة التي شهدت أجمل لحظات عمرها، وأن حجم الدمار المهول الذي لحق بمرافقها ومكتبتها كان صادماً بالنسبة إليها.

ليس بعيداً عن موقع خيمة عائلتها المتواضعة، تؤشر الصبية الثلاثينية بيدها إلى المباني الجامعية ومركز المؤتمرات، وتضيف: “هذه المباني كانت تحفة معمارية، وهذا المركز كان منارة للأيّام العلمية والفعّاليات، لكنّه اليوم بات حزيناً يكسوه السواد، وتحيط به النفايات من كلّ جهة، وتنبعث من جنباته الروائح الكريهة”.

تحدّق نور بالساحة التي تتوسّط مباني الجامعة، وقد امتلأت بالناس ونقاط البيع المتنقّلة، مستذكرةً كيف كانت هذه البقعة من الرمال ساحة خضراء، تجذب إليها الزوّار والعرسان لالتقاط الصور التذكارية، وكانت مفعمة بالحياة، يلتقي فيها الطلّاب وينتظرون بدء محاضراتهم.

ولا يغيب عن بال نور يومها الأول داخل أسوار الجامعة مع صديقتها وفاء قشطة، التي استشهدت خلال الحرب، فتستعيد ذكريات تعذّب روحها.

تستذكر نور ساحة الطالبات واجتماعها مع صديقاتها بانتظار المحاضرات، أو فترة ما قبل تقديم الامتحان في قاعة المكتبة المركزية، بالإضافة إلى كافتيريا الجامعة التي أضحت مجمّعاً لعدد آخر من الخيام.

تمسّك الصبية بعود تحرّك به نيران موقدها البدائي، وتتساءل: “هل سيأتي اليوم الذي أعود فيه طالبة إلى مقعدي الدراسي، وإلى المكتبة وكتبها، وإلى تفاصيل صغيرة اشتقت إليها”، وتستدرك “لكنّ هذه الحرب لم تدمّر المباني فقط، بل دمّرت في وجداننا وذاكرتنا كلّ ما هو جميل وينبض بالأمل”.

نور ليست وحدها بين الغزّيين التي تشتاق إلى أيّام غزّة، وإلى ذاكرة ما قبل الحرب، فالغزّيون كلّهم يهربون من تفاصيل حياتهم الشاقّة الحالية، إلى ذاكرة ما قبل الحرب، ويستعيدون ما كانت عليه مدينتهم قبل الإبادة، وقبل طوق الحصار الإسرائيلي الذي يخنقها منذ أكثر من 18 عاماً.

محمد المصري، مهندس في وزارة الاتّصالات وتكنولوجيا المعلومات، يعود بشريط ذكرياته، إلى ما قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، يستحضر أماكن غزّة المحفورة عميقاً في ذاكرته، ويقول لـ”درج ميديا”: “لا يمكن نسيان كورنيش البحر، ومنطقة الشاليهات والمينا، والفنادق على امتدادها، حتى مطاعم الأسماك وبخاصّة مطعم أبو حصيرة هناك، وبائعي الذرة والحليب والشاي، فجمال هذه المنطقة كان بروعة مناظرها وبساطة البائعين فيها، للأسف أحالتها آلة الاحتلال ركاماً وخراباً على مدّ البصر”.

في بعض الأحيان، يسترق المصري بعضاً من وقته في المساء، ويُقلّب استديو هاتفه المحمول، وسرعان ما تتحرّك الحسرة في قلبه، ويضيف: “حتى في أسوأ كوابيسنا، لم نتوقّع أن نرى غزّة بهذا الكمّ من الدمار والإبادة”.

لا يشتاق المصري فقط إلى الأماكن التي شهدت محطّات فارقة في حياته، إذ يتنقل بذاكرته من انتهاء مرحلة الثانوية في مدرسة “الكرمل”، إلى منصّة تتويجه في قاعة مؤتمرات الجامعة الإسلامية خريجاً جامعياً، وليس انتهاءً بزفافه في قاعة “الرويال للأفراح” التي أحالها القصف ركاماً، عقب اجتياحه البرّي لمدينة غزّة، فكلّها أماكن لها في وجدان المصري ذكريات لا تغيب.

يروي المهندس الفلسطيني كيف كان يتنقّل بسيارته التي توقّفت حالياً نتيجة انقطاع الوقود، بين مدينة غزّة وجنوبها عبر شارع الرشيد الساحلي، رفقة زوجته وأطفاله الأربعة خلال الأعياد، لزيارة منطقة “مدينة أصداء الإعلامية” في جنوب القطاع، لكنّ هذا الشارع الحيوي تحوّل اليوم إلى ممرّ ترابي قاحل وفخّ لقنص الفلسطينيين.

ذكريات على أبواب الخيام

رغم مرور أكثر 18 شهراً على الحرب الإسرائيلية، ما يزال عادل المدهون (37 عاماً) يكافح من أجل الحفاظ على ذاكرته المكانية والوجدانية، بعدما أحال القصف الحربي الإسرائيلي منزله إلى كومة من الركام في حيّ التفاح شرق مدينة غزّة.

بنبرة فيها الكثير من الأسى يقول المدهون لـ”درج ميديا”: “اشتقت للعودة إلى مكتبي في حيّ الرمال، وإلى ساحة الجندي المجهول وسط المدينة، وإلى مركز رشاد الشوّا، وإلى الفعّاليات الثقافية والوطنية التي كانت تنظّمها المؤسّسات والهيئات والوزارات داخله”.

وسط أكوام الدمار وحطام البنايات السكنية، يمرّ المدهون يومياً، عابراً تلك المنطقة التي احتضنته في عمله في إحدى شركات تنظيم الفعّاليات والمناسبات، ويقول: “كان شارع عمر المختار قلباً نابضاً لا يهدأ، خاصّة وقت الأعياد والمواسم الاحتفالية، أما اليوم فهو مكان كئيب يخيّم عليه الظلام الدامس والوحشة، ويخشى المارّة عبوره حين يحلّ المساء”.

من على باب خيمته داخل حديقة الجندي المجهول، يقول المدهون: “الناس هنا لا يشكون فقط من الجوع والبرد والقصف والازدحام، بل من فقدان شيء أعمق في داخلهم، هو روح الحياة وتفاصيلها التي قُتلت ودُفنت تحت الركام”.

ومن بين ما يستذكره المدهون “محلّات كان لها تاريخ عريق لا يمكن أن تُسلب من ذاكرة أي غزّي مهما مرّ الوقت، منها محالّ الشيخ للشاورما، وحلويات أبو السعود، ومرطّبات كاظم، وحتى كافتيريات البحر واستراحاته، وحمّام السمرة وغيرها من الأماكن التي شكّلت ذاكرة جماعية وحنيناً إلى ماضٍ لا يمكن أن يغيب عن الأذهان”، كما يقول.

يردف الشاب المثقل بالهموم قائلاً: “هذه العناوين لم تكن  مجرد أماكن لبيع الطعام والترفيه فقط، بل ساحات للفرح ومناسبات للقاء، بيدَ أنها اليوم أُعدمت وبقيت ذكرى لمدينة أُبيدت بالكامل”. 

ليست الأماكن وحدها ما يُشعر المدهون بدفء الماضي، إذ تضجّ ذاكرته بتفاصيل الحياة التي سبقت الحرب، ويقارنها بما آلت إليه من بؤس، حاله كحال الغزّيين جميعاً، ويقول: “ما كنت أتعب من تعبئة المية أو توفير الخبز، لكن اليوم المعاناة كبيرة، وبرزت مسؤوليات جديدة مثل شحن الجوّال أو توفير طاقة إنارة بسيطة ليلاً، حياتنا صارت جحيماً”.

عبير الشوّا (23 عاماً) هي الأخرى ما زال وجدانها معلقاً بروح المدينة التي غادرتها مع أسرتها في خلال الحرب، وتقول: “فارقت غزّة لكنّها لم تفارقني، خرجت منها لكنّها لم تخرج من قلبي، وفي كلّ مكان في الغربة لا بدّ أن أتذكّر غزّة وطيبة أهلها وجمال أرواحهم البسيطة”.

تضيف الشوا لـ”درج ميديا”، أنها تتوق للعودة إلى دورات اللغة الفرنسية في المركز الثقافي الفرنسي، وإلى دروس الموسيقى، “فكم كان لنا في غزّة حياة، لكنّ الحرب أعادت أهلها سنوات إلى الوراء وأعواماً مقبلة من مستقبل قاتم”. 

تستذكر الشوا أماكن في غزّة لا يمكن أن تغيب عن مخيّلتها، من “فندق المتحف، والروتس، والمشتل، وجلسات الإفطار الرمضاني مع العائلة، ومباني جامعة الأزهر في منطقة الرمال الجنوبي، والمغراقة، ومركز إدوارد سعيد للموسيقى”، وغيرها من الأماكن التي صقلت شخصيّتها وكوّنت وعيها الفنّي والثقافي.

عبير الشوّا خارج القطاع الآن، إلا أنها دائمة السؤال والمتابعة عن أحوال أقاربها ومصائر أماكن المدينة، وما لحق بها من دمار، وتتمنّى “أن تنتهي الحرب وتتعمّر غزّة زي ما كانت وأحلى”.

الحنين كاستجابة نفسية

بدوره، يؤكّد الاختصاصي النفسي رجب أبو رمضان، أن “الحنين إلى الأماكن والذكريات، كما يظهر على أهالي القطاع تحت وطأة حرب مدمّرة، يعود إلى ما يسمى بالاستجابة النفسية الطبيعية والعميقة للصدمات الجماعية”.

ويقول أبو رمضان في حديث لـ”درج ميديا”: “حين يفقد الشخص عنصر الأمان أو الانتماء المادي كالمكان، فإنه يحاول جاهداً تعويضه بالعودة إلى الصور والمواقف والذكريات التي تمنحه شعوراً بالثبات والاستمرارية، وهنا يظهر الحنين كآلية دفاعية للحفاظ على التوازن النفسي وسط الانهيار المحيط”.

ويضيف أن “الحنين في حالات الحرب وفقدان الأماكن، لا يرتبط بشخص واحد أو عدّة أفراد، بل ضمن حالة جماعية تعزّز الوعي الجمعي بالهوّية والانتماء”، لافتاً إلى أن “تشارك الغزّيين تجاربهم السابقة عن الأماكن وذكرياتها، لا يؤشّر فقط إلى التوق للعودة إليها فحسب، إنما يتعدّاه إلى تأكيد وجودهم الجماعي وإثبات القدرة على البقاء في داخل المكان”، مشيراً إلى أن “هذه الحالة تسمّى في علم النفس ب”الإرساء النفسي”، حيث يحاول العقل ترسيخ الشعور بالانتماء إلى هوّية راسخة، عبر استدعاء صور ومواقف وذكريات مألوفة كانت تُشعره بالأمان المفقود حالياً”.

وختم أبو رمضان حديثه قائلاً: “هذا النوع من الحنين ليس حالة مرضية، بل ظاهرة صحية ومطلوبة في بعض الأحيان، بخاصّة أنها تساعد في تخفيف آثار الصدمة الحادّة التي خلّفتها الحرب الإسرائيلية المدمّرة”.

ومع استمرار الحرب لأكثر من عام ونصف العام، يقف الغزّيون اليوم أمام ذاكرة مثقلة بالهموم ومطوّقة بالتحدّيات، يعودون فيها إلى ما تختزنه عقولهم من تفاصيل، وما تحفظه قلوبهم من أماكن وذكريات، في ظلّ واقع قاسٍ ومرير، لكنّ آمالهم تبقى معلّقة بغدٍ أفضل تنتهي فيه الحرب وويلاتها.

إقرأوا أيضاً: