في العلاقات الدولية، كثيراً ما يكون التناقض أبلغ من الإجماع، خصوصاً حين يتعلّق الأمر بقضايا الحرب والسلام في مناطق النزاع المزمن. وفي الحالة اليمنية، لا يظهر هذا التناقض كمجرد اختلاف في المواقف، بل كمفارقة أخلاقية تمس جوهر الفهم الدولي لطبيعة الصراع.
فالسؤال الجوهري هنا لم يعد يتعلق فقط بتباين السياسات، بل بكيفية تعريف الواقع ذاته: هل نتعامل مع جماعة عقائدية مسلّحة بوصفها طرفاً سياسياً، أم باعتبارها تهديداً وجودياً للدولة والمجتمع؟
هذه المفارقة، في تصوري، لا تكشف فقط عن عمى استراتيجي لدى بعض الفاعلين الدوليين، بل تفضح أيضاً قصوراً في الأدوات الأممية التي باتت عاجزة عن التمييز بين ما هو سياسي وما هو ميليشياوي ديني عنيف. فعندما تُدرج جماعة مسلّحة على قائمة الإرهاب من قبل دولة بحجم الولايات المتحدة، ثم تُعامل في الوقت ذاته من قِبل المبعوث الأممي إلى اليمن كطرف سياسي مشروع، فنحن لا نواجه ازدواجاً في المعايير فحسب، بل انهياراً للمنطق نفسه.
جوهر المعضلة، في اعتقادي، لا يكمن فقط في التصنيف القانوني، بل في الفشل في إدراك ما تمثله الحوثية من مشروع يتجاوز حدود اليمن، إلى تصور ديني سلطوي يرى في الدولة مجرد وعاء للتمكين، لا للإدارة؛ وللقهر، لا للتعايش.
من هنا، يصبح سؤال الدولة سؤالاً وجودياً لا يحتمل التجميل الدبلوماسي ولا الحلول الرمادية: كيف يمكن أن تُستعاد الدولة من يد من لا يعترف بوجودها أصلاً؟
في هذا السياق، يصبح الصمت الرسمي أو الاكتفاء بالمراقبة نوعاً من التفريط، لا من المراوغة. كما أن الاستجابة الجادة للفرصة الدولية الراهنة تمثّل مسؤولية لا يمكن التهرب منها؛ لأن أي تردد في التحرك قد يؤدي إلى تشكيل مشهد السلام وفق شروط الميليشيا، لا الدولة.

في لحظة حرجة من المشهد اليمني المعقد، تبرز مفارقة صارخة في المواقف الدولية تجاه الحوثيين. ففي يناير 2025، أعادت الولايات المتحدة تصنيف جماعة الحوثي كمنظمة إرهابية أجنبية، في قرار اتخذه الرئيس دونالد ترامب بعد عودته إلى البيت الأبيض، ضمن سياق أوسع لما يعتبره مواجهة المشروع الإيراني في المنطقة.
وفي المقابل، واصل مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن، هانز غروندبرغ، التعامل مع هذه الجماعة بصفتها طرفاً سياسياً على قدم المساواة مع بقية الفاعلين، متجاهلاً كونها مُدانة بقرار مجلس الأمن رقم 2216، بل وموثّقاً لقاءاته بها في بيانات رسمية، كان آخرها في 24 أبريل، و14 و28 مايو 2025.
هذا لا يعبّر عن مفارقة سياسية فقط، بل عن خلل أخلاقي ومنهجي في آليات عمل الأمم المتحدة، التي يفترض بها احترام التصنيفات القانونية الصادرة عن دول فاعلة في الملف اليمني، وعلى رأسها الولايات المتحدة.
فالتعامل مع جماعة مصنفة إرهابية باعتبارها فاعلاً سياسياً يعكس تناقضاً فاضحاً مع مبادئ الأمم المتحدة نفسها، ويطرح تساؤلات جادة عن التزامها المعلن بمكافحة الإرهاب وضمان الأمن والسلم الدوليين.
لقد كتبت مراراً في حسابي على منصة “إكس” أن هذا التصنيف يُحمّل الجميع مسؤولية واضحة: من يواصل دعم الحوثية سيتعرّض للمساءلة، ومن يسعى إلى استعادة الدولة أمامه فرصة لا تتكرر لحسم الصراع.
فالحديث عن حوار سياسي مع جماعة انقلابية ترفض العملية السياسية منذ استيلائها على العاصمة في 21 سبتمبر 2014 هو ضرب من الوهم. التعامل معها كطرف سياسي، رغم تصنيفها منظمة إرهابية، لا يعني سوى أمرين: إما تجاهل متعمّد لحقيقة الواقع اليمني، أو تواطؤ ضمني مع مشروع الميليشيا.
وفي الحالتين، النتيجة واحدة: إطالة أمد الحرب، ومنح الحوثية مزيداً من الوقت لإعادة ترتيب صفوفها وتسويق نفسها بثوب سياسي مزيف، يخفي حقيقتها كميليشيا طائفية إقصائية، لا تؤمن بالدولة ولا بالمواطنة.

يمكن فهم حقيقة الحوثية أيضاً من خلال ما ترتّب على المعاملة الخاصة التي حظيت بها من قبل الأمم المتحدة. ففي مقال نُشر بمجلة ناشيونال إنترست بتاريخ 8 أبريل 2025، يقول الباحث في جامعة هارفارد، آشير أوركابي:
“على مدى عشر سنوات، تحول الحوثيون إلى منظمة ممولة من المساعدات الإنسانية، ومدعومة عسكرياً من خلال اتفاقات وقف إطلاق النار التي توسطت فيها الأمم المتحدة، ومطّبعة سياسياً من خلال المبادرات الدبلوماسية التي منحتهم مقعداً متساوياً على طاولة المفاوضات. المجتمع الدولي يتحمّل مسؤولية تعزيز نمو هذا الخطر السرطاني”.
وعليه، فإن المطلوب من مجلس القيادة الرئاسي، الجهة المعترف بها دولياً كممثل شرعي للدولة اليمنية، لا يقتصر على مراجعة سلوك المجتمع الدولي، بل يتطلب اتخاذ خطوات فاعلة وجريئة تعبّر عن إرادة سياسية حقيقية.
فإعادة تصنيف الحوثية كمنظمة إرهابية لا يجب أن تبقى مجرد ورقة ضغط دبلوماسية، بل ينبغي أن تقترن بقرار وطني شجاع لاستعادة الدولة لا عبر التفاوض مع الإرهاب، بل عبر الحسم الذي ينهي الانقلاب ويعيد الاعتبار للدولة ولمواطنيها.
لا طريق ثالث. إما طريق الدولة المدنية الجامعة لكل اليمنيين، طريق الاستقرار والأمن لليمن والمنطقة، وإما طريق الميليشيا التي تسعى لإقامة دولة ثيوقراطية على غرار “ولاية الفقيه”، لا تعترف بالآخر، ولا تؤمن إلا بالعنف المسلح.
الجماعة الحوثية تعرضت لانتكاسة بعد هزيمة محور الممانعة في سوريا ولبنان وإيران نفسها ولاحقاً تعرضت لسلسلة من الضربات الجوية الأمريكية بين مارس ومايو، تبعتها ضربات قاصمة نفذتها إسرائيل رداً على استهداف الحوثيين لمطار بن غوريون.
هذا التحول يفرض على الحكومة الشرعية مسؤولية العمل، فهل يمتلك مجلس القيادة الرئاسي في اليمن الشجاعة لاتخاذ القرار المصيري قبل أن يُفرض واقع جديد يُشرعن العنف تحت لافتة السلام؟
في النهاية، إن التعامل مع ميليشيا لا ترى في السياسة سوى هدنة تكتيكية، ولا في الدولة سوى غنيمة، يجعل من الصمت الدولي أكثر من مجرد تقصير. إنه تواطؤ ناعم يمنح الفوضى ملامح الشرعية.
وحين يتقاطع تصنيف الإرهاب مع واقع يطبع مع العنف، تغدو المعركة أبعد من الحوثية؛ إنها معركة حول المعايير، ومن يملك سلطة تعريف الإرهاب وتحديد حدوده.
وهنا، لا يكفي تراكم الإدانات. إن غابت إرادة الفعل، ضاعت الدولة.
فإما أن تُستعاد الدولة بوصفها مشروعاً وطنياً سياسياً جامعاً، أو يُسلَّم القرار لميليشيا لا تؤمن بشيء سوى بالقهر والإقصاء.











