في مدينةٍ أميركية بعيدة، لا يفارق معتز العزايزة هاتفه. يقلب صورًا تتدفّق إليه على مدار اللحظة من غزة: أخبار، أصوات، مشاهد لا تنقطع. يقول لـ”درج”: “في غزة كنتُ جسديًا متعبًا ومهددًا، لكنني مرتاح نفسيًا. هنا في الولايات المتحدة أنا مرتاح جسديًا، لكنني نفسيًا مدمَّر. القلق لا يهدأ، والكوابيس تهاجمني في غالبية الليالي. اشتقتُ إلى جدّتي هناك، إلى أعمامي وخالاتي وأصدقائي وجيراني”.
خرج معتز في السنة الأولى من الحرب مع عائلته الصغيرة إلى قطر، بعد شهورٍ من التغطية التي اخترقت العالم وأثبتت من خلالها جرائم حرب ارتكبتها إسرائيل. واصل من منفاه القريب والبعيد معًا متابعة أخبار غزة والمشاركة في ندوات ومؤتمرات لإسماع صوتها في مواجهة الرواية الإسرائيلية. يقول: “يبدو أننا سنبقى محكومين بهذا القلق حتى تنتهي الإبادة. غادرنا الحرب، لكنها لم تغادرنا”.
نجاة معلّقة: عقدة الناجي وما بعدها
يظنّ كثيرون أن الإجلاء من حربٍ بدأت في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 هو نجاةٌ خالصة. لكن الخارجين يكتشفون جحيمًا من نوعٍ آخر: تُنتزع من شوارعك التي تحفظها، وتترك خلفك أمًّا أو أبًا أو زوجًا أو أبناءً أو إخوة، وتعيش في مدار قلقٍ لا ينطفئ. اتصالات، أخبار عاجلة، تتبّع لكل أثر على وسائل التواصل. هناك شعورٌ خانق يُعرف بـ”عقدة الناجي”: ذنبٌ لأنك نجوتَ وتركتَ أحبابك في مواجهة المجهول. من يبتعد عن القذائف لا ينجو من الضجيج الذي يستوطن الرأس: هدأة من حوله، وعاصفةٌ في داخله.
من أميركا: معتز العزايزة والقلق المقيم
ظلّ العزايزة، الذي خرج بدايةً إلى قطر، ملازمًا خبر غزة لحظة بلحظة، يعلّق ويشارك وينتقل بين منابر العالم ليذكّر بما يحدث. لكنه، كما يقول، يعيش المفارقة القاسية: جسدٌ آمن نسبيًا، ونفسٌ محاصرة. “سنظلّ محكومين بالقلق حتى تتوقف الإبادة”.
من مصر: حامد جاد… عائلة منقسمة على حدود القلب
اضطرّ الصحافي حامد جاد إلى الخروج إلى مصر في السنة الأولى من الإبادة، مصطحبًا زوجة ابنه وأحفاده وابنته، فيما رفضت زوجته وأبناؤه الأربعة الشباب المغادرة. يقول لـ”درج”: “كان صعبًا أن أترك نصف عائلتي هناك. اتفقتُ مع زوجتي أن أنجو بالأطفال وابنتنا، وتبقى هي مع الأبناء على أملٍ ألّا تطول الحرب”.
طال الانتظار وطال الألم. “لا متعة هنا ولا طعم للحياة. نتخيّلهم معنا في كل لحظة. حتى السينما التي أحبّ لم أدخلها. حين نأكل نرجو لو أرسلنا وجبتنا إليهم وسط المجاعة. نخرج من أجل الأطفال، لكن تبقى في الحلق غصّة”.
أثر الغياب طاول عمله: “لستُ في الميدان كما كنت، فتراجع عدد الموضوعات ومساهماتي”. ومع كل اتصالٍ وارد من غزة، يخفق قلبه بعنف: “أحيانًا لا أقوى على الوقوف. تمرّ في ثانية وجوه أبنائي الأربعة وزوجتي آمال. ثم ألتقط أنفاسي حين يكون الاتصال شوقًا فقط. أتمنى ألّا أتلقّى تلك المكالمة أبدًا”.
إقرأوا أيضاً:
من بلجيكا: أمّ تبكي في أنتويرب
تعتاد الشاعرة فاتنة الغرّة نشر مقاطع لوالدتها على “فيسبوك” في حيٍّ هادئٍ بمدينة أنتويرب البلجيكية، حيث وصلت العائلة (الأب والأم وفاتنة) بعد ثلاثة أشهر من بدء الحرب، وبعد نزوحٍ طويل انتهى عند مستشفى القدس في تلّ الهوى. هناك خرج ابنُ شقيقها يبحث عن فنجان قهوة ولم يعد؛ قتله جيش الاحتلال.
هذه المرّة كان الفيديو مختلفًا: أمٌّ منهَكة تبكي وتقول لابنتها: “والله يا يمّا صبحتْ مخنوقة خنق. اشتقت لأولادي وأولاد أولادي وكنايني. طالت يا يمّا… طالت”. وحين تسألها فاتنة عمّا تخشاه تجيب: “خايفة عليهم كلهم، من قصف وهم بقلب الدار… خايفة ما أشوفهم ولا يشوفوني. أموت أنا هنا… أو هُم”.
تقول الغرّة لـ”درج”: “كل يومٍ يستيقظ والداي كأنه أول يوم لهما في الغربة. أمي تبكي وتدعو أن تلتقي بهم، خصوصًا مع الليل. تردّد: أنا جثةٌ هنا وروحي هناك. أمّا أبي فيمضي نهاره يتّصل بأرقام إخوتي وأبنائهم والجيران ليطمئنّ”. حولها خُضرةٌ وهدوء، لكن الداخل لا يهدأ: هناك تعيش الأمّ في ذاكرتها، حيث العائلة كلّها تحت نار الحرب ونزوحٍ لا ينتهي.
لا يشتاق الغزّيون إلى القصف، بل إلى الطمأنينة وهم مع أهلهم وأحبّائهم. في الداخل، تُثبت لك كل لحظة نجاةٍ أنك ومن تُحبّ ما زلتم أحياءً. أمّا في المنفى، فتنقطع تلك “اللحظات الدالّة”؛ تغيب الحواس عن التفاصيل اليومية، ويكبر الخوف من اتصالٍ يختصر العالم.
من فرنسا: أيمن مُغامس وثمن الفراق
وصل الموسيقي والرابر أيمن مغامس مؤخرًا مع عائلته إلى فرنسا بعدما دفع نحو 49 ألف دولار لإخراج زوجته وأطفاله وزوجة شقيقه المريضة وأبنائها، إضافةً إلى شقيقته التي كان زواجها معلّقًا منذ سنوات. يروي لـ”درج”: “اضطررتُ أن أختار بين أطفالي وأطفال أخي وبين أمي وأخي. في النهاية تركتهما هناك. أشعر بالذنب بالتأكيد، لكن الظرف كان قاسيًا، والمبلغ لم يكفِ للجميع. كانت زوجتي حاملاً وزوجة أخي مريضة… فافترقنا والدموع تحرقنا”.
انتقلت بقية عائلة شقيقه إلى مصر، ثم واصلت شقيقته طريقها إلى تركيا وتزوّجت، فيما بقيت الأمّ والأخّ وحدهما داخل الإبادة يصارعان للبقاء.
حدود مغلقة… وشتات يتجدّد
بين مصر ورفح بضعةُ أمتار، لكن المبالغ الضخمة التي طلبتها “شركة هلا” المصرية للسياحة لإخراج الناس نحو مصر، شكّلت عائقًا أمام كثيرين لمرافقة بقية أفراد العائلة. ومنذ أيار/ مايو 2024، أغلق جيش الاحتلال معبر رفح ثم دمّرته دباباته وآلياته الثقيلة خلال أيام، وصارت مدينة رفح نفسها تحت الاحتلال وممنوع الدخول إليها؛ فغدت المسافات القريبة مستحيلة العبور.
تقدّر الأمم المتحدة أنّ نحو 110 آلاف شخص غادروا القطاع قبل إغلاق المعبر وتدميره. جميعهم ينتظرون لقاء عائلاتهم، لا يعرفون متى، وأين، وهل ينجون جميعًا إلى ذلك اليوم. تشظّى الخارجون في أصقاعٍ بعيدة: الولايات المتحدة، أوروبا، أستراليا، كندا، مصر، تونس، بريطانيا، جنوب أفريقيا، قطر، السعودية، الأردن… شتاتٌ يتجدّد ويطبع خرائط العالم ببصماتٍ فلسطينيةٍ جديدة.
لم تكن “النجاة” خلاصًا كاملًا. خرج كثيرون من جحيم غزة بأجسادهم، لكن أرواحهم بقيت محاصرة هناك. وكما قال معتز العزايزة:”غادرنا الحرب، لكنها لم تغادرنا”.
إقرأوا أيضاً:












