ساهموا في دعم الإعلام المستقل و الجريء!
ادعموا درج

الخبز والرصاص: علامَ تحتجّ إيران فعلاً؟

لتلقّي أبرز قصص درج على واتساب إضغط(ي) هنا!

الناس لا يُدفعون إلى الاحتجاج بإشارات خارجية، بل باليأس، وعندما ينهار شرط البقاء ويُجرَّم التنظيم، تحلّ الرموز محلّ الاستراتيجيات، وفي غياب مسارات موثوقة نحو الانفراج أو الحلّ، يُدفَع كثيرون إلى التعلّق بأي قوّة أو رمز أو وعد متاح.

الأكثر قراءة
[tptn_list show_date="1" heading="0" title_length="200" limit="5"]

في الأسابيع التي سبقت إضراب البازار في أواخر كانون الثاني/ يناير 2026، كان الاقتصاد الإيراني يختنق أصلاً تحت وطأة تضخّم جامح وتدهور متسارع في قيمة العملة، إلى جانب تحرير الأسعار وتصاعد الضرائب غير العادلة. الارتفاع الحادّ في أسعار السلع الأساسية دفع شرائح واسعة من السكّان إلى حافّة الانهيار، محوّلاً التسوّق اليومي إلى اختبار للبقاء.

الأرزّ، بوصفه ركناً أساسياً في المائدة الإيرانية، تحوّل إلى رمز صارخ لهذا الانهيار، فقد بلغ سعر كيس الأرزّ العادي نحو عشرة ملايين ريال، أي ما يعادل تقريباً الحدّ الأدنى للأجر الشهري للعامل، وسرعان ما لحقت به اللحوم ومشتقّات الألبان، لتغيب بهدوء عن الوجبات اليومية للأسر.

وخلال فترة الاحتجاجات التي أعقبت إغلاق البازارات والتحرّكات في شوارع مدن عدّة، واصلت الأسعار ارتفاعها. البيض واللبن، اللذان كانا يشكّلان آخر مصادر البروتين المتاحة للأسر محدودة الدخل، أصبحا خارج المتناول، لينضمّا إلى الأرزّ واللحوم في قائمة الضروريات المستحيلة.

وقد جرى تحميل المستهلكين بشكل مباشر، كلفة الضرائب غير المباشرة وارتفاع تكاليف التوزيع، فيما بقيت الأجور مجمّدة فعلياً، إذ لم تواكب الرواتب الاسمية معدّلات التضخّم، ومع التدهور السريع في قيمة العملة، بدأت عائلات كثيرة تشتري حاجاتها الغذائية بالتقسيط أو بالدَّين غير الرسمي.

من هذه الأرضية تنبثق الاحتجاجات الراهنة في إيران.

نكتب نحن، أعضاء جمعية “نسوان”، وهي جماعة ماركسية– نسوية منخرطة في نضالات الطبقة العاملة، تضمّ أعضاء داخل إيران وخارجها، على مدى السنوات الثلاث الماضية، ركّزنا على كفاح النساء العاملات في إيران في ظلّ دولة قمعية وثقل عقوبات إمبريالية قاسية، كما تناولنا قضايا ملحّة مثل أزمة الإنجاب ودور النساء في المقاومة.

من هذا الموقع، نواجه فخّاً سياسياً واضحاً، فالاحتجاجات مشروعة لأن الظروف المعيشية تدهورت إلى حدّ لم يعد معه الصمت ممكناً، غير أن المجال أمام بدائل مستقلّة أُغلق بصورة منهجية، وعندما تُجرَّم الأحزاب والنقابات والشبكات النسوية، تصبح قوى الشتات التي تمتلك وصولاً إعلامياً وموارد مالية أكثر حضوراً بشكل غير متناسب، وتبدأ في ادّعاء تمثيل الانتفاضة واحتكار سرديتها.

في الشارع، يبحث كثيرون عن أيّ رمز يبدو قادراً على كسر حالة الجمود، وفي هذا الفراغ، تموضع التيّار البهلوي أو الملكي بوصفه “البديل” الرئيسي، رابطاً في كثير من الأحيان خطاب التحرّر برهانات خارجية، من الدعوة إلى تشديد العقوبات إلى المطالبة بتحرّك عسكري، أو أشكال أخرى من التدخّل.

في المقابل، توجد قوى سياسية أخرى، لكنّ القمع والتشظّي أضعفا تنظيمها وقلّصا تأثيرها، ما حدّ من قدرتها على التدخّل الفعلي داخل الحركة الاحتجاجية.

هذا التناقض بين مقاومة مبرّرة ومحاولات احتوائها من قِبل قوى رجعية، لم يبقَ شأناً داخلياً، فقد أثّر في كيفية تفسير الاحتجاجات وسردها وتوظيفها، داخل إيران وخارجها، واليوم تُتداول سرديتان مهيمنتان، وكلتاهما مضلّلة.

الأولى، التي يروّج لها ما يُسمّى “محور المقاومة”، تصوّر الاحتجاجات على أنّها مؤامرة خارجية تقودها إسرائيل أو الغرب، وتستخدم هذا الادّعاء لتبرير القمع وتجريد الانتفاضة من أيّ شرعية اجتماعية أو اقتصادية.

أما الثانية، الشائعة في أوساط مناهضة إيران أو الداعين إلى تغيير النظام، فتنظر إلى الاحتجاجات بوصفها دليلاً على ضرورة إعادة تموضع جيوسياسي، فتقرأ الغضب الشعبي أساساً بوصفه تأكيداً على وجوب تفكيك الدور الإقليمي لإيران، بدلاً من الانخراط في المطالب المعيشية للمتظاهرين.

سردية تقتل وتبرّر القتل عبر أمننة الاحتجاج، وأخرى تعرّض المحتجّين للخطر عبر توظيف نضالهم في صراعات إقليمية وسياسات العقوبات وأوهام التدخل، ورغم أن هاتين السرديتين تبدوان متعارضتين، فإنهما تلتقيان عملياً: كلتاهما تنزع الفاعلية عن الإيرانيين وتعيدها إلى الخارج، وكلتاهما تحوّل انتفاضة اجتماعية من أجل البقاء إلى حكاية جيوسياسية عن السلطة.

الحقيقة الأعمق هي التالية: إن اللحظة الراهنة نتاج تزاوج بين وضع اقتصادي لم يعد قابلاً للحياة، ودولة واجهت المطالب الاجتماعية والاقتصادية بالمداهمات والاعتقالات الجماعية والمحاكمات المسَيَّسة والرصاص الحيّ، بدل أيّ إجراءات تخفيف أو إنصاف. 

الناس لا يُدفعون إلى الاحتجاج بإشارات خارجية، بل باليأس، وعندما ينهار شرط البقاء ويُجرَّم التنظيم، تحلّ الرموز محلّ الاستراتيجيات، وفي غياب مسارات موثوقة نحو الانفراج أو الحلّ، يُدفَع كثيرون إلى التعلّق بأي قوّة أو رمز أو وعد متاح.

 ما يبدو من بعيد “قيادة خارجية” يعكس في كثير من الأحيان واقعاً أشدّ قتامة: مشهد سياسي جرى تفكيك تنظيمه المستقلّ، وترك الناس أمام خيارين: الصمت أو الكارثة.

لهذا يشكّل الاستعراض الخارجي عاملاً مادّياً يضاعف المخاطر، فالرعاية الخارجية لا تحمي المحتجّين، بل ترفع كلفة الاعتراض عبر تغذية رواية النظام المفضّلة عن “المؤامرات” و”الاختراق”، ومع اندلاع الاحتجاجات، يسارع الخطاب السياسي في إسرائيل والولايات المتّحدة، وتردّده بعض أطراف الشتات الداعين علناً إلى التدخّل، إلى تأطير ما يجري داخل إيران بوصفه مسرحاً لتأثير خارجي. 

تُقدَّم الإيحاءات بالدعم أو التنسيق أو الإسناد المادّي السرّي باعتبارها “حرباً نفسية”، وهي عملياً، إشارات متهوّرة تُطلق من بعيد، من دون اكتراث بمن يواجهون القوّات المسلّحة في الشوارع. ليست المسألة ما إذا كانت هذه الادّعاءات صحيحة أو مبالغاً فيها، بل ما الذي تتيحه وتشرعنه.

تلتقط الدولة الإيرانية هذا الخطاب فوراً، وتُدرجه في سردية أمنية مألوفة لتبرير استخدام القوّة القاتلة، يتحوّل المطالبون بالأجور والغذاء والكرامة إلى “عملاء للموساد”، لا إلى مواطنين يرفعون مطالب اجتماعية، يصبح الجوع خيانة، ويُعاد تعريف الاعتراض كحرب، يتبع ذلك الرصاص الحيّ، تُفرض حصارات على أحياء كاملة، وتغدو عمليّات القتل أصعب توثيقاً بسبب قطع الاتّصالات الذي فرضته الدولة في الأسابيع الأولى من المجزرة لمنع خروج المعلومات من البلاد. 

لم يكن قطع الإنترنت عرضياً، بل جزء من آلية تنفيذ العنف وإخفائه، ولأن الحجب يعطّل التحقّق كما يعطّل النشر، يبقى العدد الكامل للضحايا موضع جدل، غير أن تقارير موثوقة وجهود توثيق تشير إلى قتل جماعي على نطاق لم تشهده إيران في تاريخها الحديث. بعبارة أخرى، فإن رواية “المؤامرة الخارجية” لا تسيء تمثيل الاحتجاجات فحسب، بل تسهم في تفويض المجازر التي تليها.

ومهما بلغت صعوبة اللحظة، نرى أن السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق هو تنظيم قاعدي مستدام، متجذّر في الحاجات المادّية للناس، وفي حقّهم في تقرير مصيرهم جماعياً. من دون هذا التنظيم، تنمو القوى الرجعية في الفراغ السياسي الذي ينتجه القمع واليأس، ويتحدّد المعنى السياسي تبعاً لمن يملك مكبّر الصوت الأعلى. 

هذا ما يفسّر أيضاً ظهور شعارات شوفينية ومعادية للآخر مثل “لا غزّة، لا لبنان” في لحظات الأزمة الحادّة. بالنسبة إلى كثيرين، تُقرأ هذه الشعارات بوصفها احتجاجاً على المشروع الإقليمي للجمهورية الإسلامية وعلى تحويل الموارد إلى الخارج، فيما تصبح الحياة في الداخل غير قابلة للتحمّل.

الدينامية نفسها تطبع ما يُرى أحياناً في تظاهرات الشتات، فالرموز الملكية، وفي بعض الحالات الأعلام الإسرائيلية، لا تعبّر عن برنامج سياسي متماسك داخل إيران، بل تعكس أزمة تمثيل ناجمة عن القمع المنهجي للتنظيم السياسي المستقلّ داخل البلاد، مقترنة بالحضور الإعلامي غير المتناسب لقوى الشتات المدعومة خارجياً. حين تُسحق التنظيمات القاعدية، تحلّ الرموز محلّ الاستراتيجية، ويصبح من الأسهل اختطاف النضال وتشويهه وتسويقه بما ليس هو عليه.

إن مناهضة الإمبريالية الجديرة باسمها يجب أن تقف مع الناس حيث هم، في نضالاتهم من أجل الحياة والكرامة، لا فقط حين تنسجم تلك النضالات مع اصطفاف جيوسياسي مفضّل، أو تخدم أجندة إقليمية ما. لا يمكن لسياسة تدّعي معارضة الإمبريالية الإسرائيلية والأميركية أن تشترط الصمت حيال القمع في إيران، ولا يجوز أيضاً إيكال معارضة القمع في إيران إلى القوى الإمبريالية ذاتها، التي ارتكبت إبادة ودمّرت المنطقة على مدى عقود، كلّ مقاربة تتعامل مع حياة الإيرانيين كأدوات في صراع جيوسياسي أوسع، تعزّز في النهاية قوى القمع على الأرض.

ولتجاوز هذه الثنائية الزائفة، نوجّه نداء للاتّصال والتواصل، نسعى إلى بناء علاقات مستدامة وذات معنى مع منظّمات وحركات في المنطقة، متجذّرة في المطالب الاجتماعية وفي تقرير المصير الجماعي، فإذا كانت الجمهورية الإسلامية تحكم بالعزلة والخوف، وكانت قوى التدخّل الإمبريالي تعتمد سرديات بالوكالة لتحقيق أهدافها، فإن التضامن العابر للحدود، القائم على نضال مادّي مشترك، ليس شعاراً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة سياسية.

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني | 13.03.2026

“نسف – قصف – عصف”: النسخة الثالثة من بلدتي شقرا

هل سنكون بفعل هذه الحرب أمام النسخة الثالثة من المنازل؟ النسخة الثالثة من شقرا التي تبعدني كل حرب عنها مسافة جديدة. أدقق في الفيديوات التي تصلني عساني أعثر على منزل بنسخته الأولى. أقرأ على شاشة التلفزيون خبراً عن استهداف شقرا بغارة جديدة. أفتح الفيديوات وأدقق في المنازل. قال لي فادي إن الغارة الأخيرة ربما استهدفت…

الناس لا يُدفعون إلى الاحتجاج بإشارات خارجية، بل باليأس، وعندما ينهار شرط البقاء ويُجرَّم التنظيم، تحلّ الرموز محلّ الاستراتيجيات، وفي غياب مسارات موثوقة نحو الانفراج أو الحلّ، يُدفَع كثيرون إلى التعلّق بأي قوّة أو رمز أو وعد متاح.

في الأسابيع التي سبقت إضراب البازار في أواخر كانون الثاني/ يناير 2026، كان الاقتصاد الإيراني يختنق أصلاً تحت وطأة تضخّم جامح وتدهور متسارع في قيمة العملة، إلى جانب تحرير الأسعار وتصاعد الضرائب غير العادلة. الارتفاع الحادّ في أسعار السلع الأساسية دفع شرائح واسعة من السكّان إلى حافّة الانهيار، محوّلاً التسوّق اليومي إلى اختبار للبقاء.

الأرزّ، بوصفه ركناً أساسياً في المائدة الإيرانية، تحوّل إلى رمز صارخ لهذا الانهيار، فقد بلغ سعر كيس الأرزّ العادي نحو عشرة ملايين ريال، أي ما يعادل تقريباً الحدّ الأدنى للأجر الشهري للعامل، وسرعان ما لحقت به اللحوم ومشتقّات الألبان، لتغيب بهدوء عن الوجبات اليومية للأسر.

وخلال فترة الاحتجاجات التي أعقبت إغلاق البازارات والتحرّكات في شوارع مدن عدّة، واصلت الأسعار ارتفاعها. البيض واللبن، اللذان كانا يشكّلان آخر مصادر البروتين المتاحة للأسر محدودة الدخل، أصبحا خارج المتناول، لينضمّا إلى الأرزّ واللحوم في قائمة الضروريات المستحيلة.

وقد جرى تحميل المستهلكين بشكل مباشر، كلفة الضرائب غير المباشرة وارتفاع تكاليف التوزيع، فيما بقيت الأجور مجمّدة فعلياً، إذ لم تواكب الرواتب الاسمية معدّلات التضخّم، ومع التدهور السريع في قيمة العملة، بدأت عائلات كثيرة تشتري حاجاتها الغذائية بالتقسيط أو بالدَّين غير الرسمي.

من هذه الأرضية تنبثق الاحتجاجات الراهنة في إيران.

نكتب نحن، أعضاء جمعية “نسوان”، وهي جماعة ماركسية– نسوية منخرطة في نضالات الطبقة العاملة، تضمّ أعضاء داخل إيران وخارجها، على مدى السنوات الثلاث الماضية، ركّزنا على كفاح النساء العاملات في إيران في ظلّ دولة قمعية وثقل عقوبات إمبريالية قاسية، كما تناولنا قضايا ملحّة مثل أزمة الإنجاب ودور النساء في المقاومة.

من هذا الموقع، نواجه فخّاً سياسياً واضحاً، فالاحتجاجات مشروعة لأن الظروف المعيشية تدهورت إلى حدّ لم يعد معه الصمت ممكناً، غير أن المجال أمام بدائل مستقلّة أُغلق بصورة منهجية، وعندما تُجرَّم الأحزاب والنقابات والشبكات النسوية، تصبح قوى الشتات التي تمتلك وصولاً إعلامياً وموارد مالية أكثر حضوراً بشكل غير متناسب، وتبدأ في ادّعاء تمثيل الانتفاضة واحتكار سرديتها.

في الشارع، يبحث كثيرون عن أيّ رمز يبدو قادراً على كسر حالة الجمود، وفي هذا الفراغ، تموضع التيّار البهلوي أو الملكي بوصفه “البديل” الرئيسي، رابطاً في كثير من الأحيان خطاب التحرّر برهانات خارجية، من الدعوة إلى تشديد العقوبات إلى المطالبة بتحرّك عسكري، أو أشكال أخرى من التدخّل.

في المقابل، توجد قوى سياسية أخرى، لكنّ القمع والتشظّي أضعفا تنظيمها وقلّصا تأثيرها، ما حدّ من قدرتها على التدخّل الفعلي داخل الحركة الاحتجاجية.

هذا التناقض بين مقاومة مبرّرة ومحاولات احتوائها من قِبل قوى رجعية، لم يبقَ شأناً داخلياً، فقد أثّر في كيفية تفسير الاحتجاجات وسردها وتوظيفها، داخل إيران وخارجها، واليوم تُتداول سرديتان مهيمنتان، وكلتاهما مضلّلة.

الأولى، التي يروّج لها ما يُسمّى “محور المقاومة”، تصوّر الاحتجاجات على أنّها مؤامرة خارجية تقودها إسرائيل أو الغرب، وتستخدم هذا الادّعاء لتبرير القمع وتجريد الانتفاضة من أيّ شرعية اجتماعية أو اقتصادية.

أما الثانية، الشائعة في أوساط مناهضة إيران أو الداعين إلى تغيير النظام، فتنظر إلى الاحتجاجات بوصفها دليلاً على ضرورة إعادة تموضع جيوسياسي، فتقرأ الغضب الشعبي أساساً بوصفه تأكيداً على وجوب تفكيك الدور الإقليمي لإيران، بدلاً من الانخراط في المطالب المعيشية للمتظاهرين.

سردية تقتل وتبرّر القتل عبر أمننة الاحتجاج، وأخرى تعرّض المحتجّين للخطر عبر توظيف نضالهم في صراعات إقليمية وسياسات العقوبات وأوهام التدخل، ورغم أن هاتين السرديتين تبدوان متعارضتين، فإنهما تلتقيان عملياً: كلتاهما تنزع الفاعلية عن الإيرانيين وتعيدها إلى الخارج، وكلتاهما تحوّل انتفاضة اجتماعية من أجل البقاء إلى حكاية جيوسياسية عن السلطة.

الحقيقة الأعمق هي التالية: إن اللحظة الراهنة نتاج تزاوج بين وضع اقتصادي لم يعد قابلاً للحياة، ودولة واجهت المطالب الاجتماعية والاقتصادية بالمداهمات والاعتقالات الجماعية والمحاكمات المسَيَّسة والرصاص الحيّ، بدل أيّ إجراءات تخفيف أو إنصاف. 

الناس لا يُدفعون إلى الاحتجاج بإشارات خارجية، بل باليأس، وعندما ينهار شرط البقاء ويُجرَّم التنظيم، تحلّ الرموز محلّ الاستراتيجيات، وفي غياب مسارات موثوقة نحو الانفراج أو الحلّ، يُدفَع كثيرون إلى التعلّق بأي قوّة أو رمز أو وعد متاح.

 ما يبدو من بعيد “قيادة خارجية” يعكس في كثير من الأحيان واقعاً أشدّ قتامة: مشهد سياسي جرى تفكيك تنظيمه المستقلّ، وترك الناس أمام خيارين: الصمت أو الكارثة.

لهذا يشكّل الاستعراض الخارجي عاملاً مادّياً يضاعف المخاطر، فالرعاية الخارجية لا تحمي المحتجّين، بل ترفع كلفة الاعتراض عبر تغذية رواية النظام المفضّلة عن “المؤامرات” و”الاختراق”، ومع اندلاع الاحتجاجات، يسارع الخطاب السياسي في إسرائيل والولايات المتّحدة، وتردّده بعض أطراف الشتات الداعين علناً إلى التدخّل، إلى تأطير ما يجري داخل إيران بوصفه مسرحاً لتأثير خارجي. 

تُقدَّم الإيحاءات بالدعم أو التنسيق أو الإسناد المادّي السرّي باعتبارها “حرباً نفسية”، وهي عملياً، إشارات متهوّرة تُطلق من بعيد، من دون اكتراث بمن يواجهون القوّات المسلّحة في الشوارع. ليست المسألة ما إذا كانت هذه الادّعاءات صحيحة أو مبالغاً فيها، بل ما الذي تتيحه وتشرعنه.

تلتقط الدولة الإيرانية هذا الخطاب فوراً، وتُدرجه في سردية أمنية مألوفة لتبرير استخدام القوّة القاتلة، يتحوّل المطالبون بالأجور والغذاء والكرامة إلى “عملاء للموساد”، لا إلى مواطنين يرفعون مطالب اجتماعية، يصبح الجوع خيانة، ويُعاد تعريف الاعتراض كحرب، يتبع ذلك الرصاص الحيّ، تُفرض حصارات على أحياء كاملة، وتغدو عمليّات القتل أصعب توثيقاً بسبب قطع الاتّصالات الذي فرضته الدولة في الأسابيع الأولى من المجزرة لمنع خروج المعلومات من البلاد. 

لم يكن قطع الإنترنت عرضياً، بل جزء من آلية تنفيذ العنف وإخفائه، ولأن الحجب يعطّل التحقّق كما يعطّل النشر، يبقى العدد الكامل للضحايا موضع جدل، غير أن تقارير موثوقة وجهود توثيق تشير إلى قتل جماعي على نطاق لم تشهده إيران في تاريخها الحديث. بعبارة أخرى، فإن رواية “المؤامرة الخارجية” لا تسيء تمثيل الاحتجاجات فحسب، بل تسهم في تفويض المجازر التي تليها.

ومهما بلغت صعوبة اللحظة، نرى أن السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق هو تنظيم قاعدي مستدام، متجذّر في الحاجات المادّية للناس، وفي حقّهم في تقرير مصيرهم جماعياً. من دون هذا التنظيم، تنمو القوى الرجعية في الفراغ السياسي الذي ينتجه القمع واليأس، ويتحدّد المعنى السياسي تبعاً لمن يملك مكبّر الصوت الأعلى. 

هذا ما يفسّر أيضاً ظهور شعارات شوفينية ومعادية للآخر مثل “لا غزّة، لا لبنان” في لحظات الأزمة الحادّة. بالنسبة إلى كثيرين، تُقرأ هذه الشعارات بوصفها احتجاجاً على المشروع الإقليمي للجمهورية الإسلامية وعلى تحويل الموارد إلى الخارج، فيما تصبح الحياة في الداخل غير قابلة للتحمّل.

الدينامية نفسها تطبع ما يُرى أحياناً في تظاهرات الشتات، فالرموز الملكية، وفي بعض الحالات الأعلام الإسرائيلية، لا تعبّر عن برنامج سياسي متماسك داخل إيران، بل تعكس أزمة تمثيل ناجمة عن القمع المنهجي للتنظيم السياسي المستقلّ داخل البلاد، مقترنة بالحضور الإعلامي غير المتناسب لقوى الشتات المدعومة خارجياً. حين تُسحق التنظيمات القاعدية، تحلّ الرموز محلّ الاستراتيجية، ويصبح من الأسهل اختطاف النضال وتشويهه وتسويقه بما ليس هو عليه.

إن مناهضة الإمبريالية الجديرة باسمها يجب أن تقف مع الناس حيث هم، في نضالاتهم من أجل الحياة والكرامة، لا فقط حين تنسجم تلك النضالات مع اصطفاف جيوسياسي مفضّل، أو تخدم أجندة إقليمية ما. لا يمكن لسياسة تدّعي معارضة الإمبريالية الإسرائيلية والأميركية أن تشترط الصمت حيال القمع في إيران، ولا يجوز أيضاً إيكال معارضة القمع في إيران إلى القوى الإمبريالية ذاتها، التي ارتكبت إبادة ودمّرت المنطقة على مدى عقود، كلّ مقاربة تتعامل مع حياة الإيرانيين كأدوات في صراع جيوسياسي أوسع، تعزّز في النهاية قوى القمع على الأرض.

ولتجاوز هذه الثنائية الزائفة، نوجّه نداء للاتّصال والتواصل، نسعى إلى بناء علاقات مستدامة وذات معنى مع منظّمات وحركات في المنطقة، متجذّرة في المطالب الاجتماعية وفي تقرير المصير الجماعي، فإذا كانت الجمهورية الإسلامية تحكم بالعزلة والخوف، وكانت قوى التدخّل الإمبريالي تعتمد سرديات بالوكالة لتحقيق أهدافها، فإن التضامن العابر للحدود، القائم على نضال مادّي مشترك، ليس شعاراً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة سياسية.